د. وليد قصاب

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • د. حسين علي محمد
    عضو أساسي
    • 14-10-2007
    • 867

    د. وليد قصاب

    أ. د. وليد قصاب
    ...............

    *وليد إبراهيم قصاب
    حياته العلمية:
    - ولد في دمشق عام 1949م.
    - حصل على إجازة في الآداب في قسم اللغة العربية بجامعة دمشق سنة 1970م بتقدير جيد جداً.
    - حصل على دبلوم في التربية من جامعة دمشق عام 1971م بتقدير جيد جداً.
    - حصل على ماجستير في الآداب قسم اللغة العربية من جامعة القاهرة عام 1973م. بتقدير امتياز.
    - حصل على الدكتوراه في الآداب قسم اللغة العربية بجامعة القاهرة عام 1976م بتقدير امتياز.
    - حصل على دبلوم في الصحافة من الولايات المتحدة الأمريكية عام 1980.
    - عضو اتحاد الكتاب العرب.
    - عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية.

    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    حياته العملية:
    - عمل معيداً في جامعة حلب.
    - عمل في الصحافة عدة سنوات.
    - عمل مدرساً في قسم اللغة العربية في جامعة الملك سعود بالرياض بالمملكة العربية السعودية لمدة خمس سنوات 1977-1982.
    - عمل أستاذاً مساعداً في قسم اللغة العربية بجامعة الإمارات العربية المتحدة لمدة ست سنوات 1982- 1988.
    - يعمل حالياً أستاذاً في الأدب والنقد في كلية الدراسات الإسلامية والعربية في دبي بالإمارات العربية المتحدة.
    - اشترك في عدد من المؤتمرات والندوات العلمية.
    - اشترك في مناقشة عدد من رسائل الماجستير والدكتوراه وأشرف على عدد منها.
    - عضو اتحاد الكتاب العرب.
    - عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية.
    - عمل في الصحافة والبرامج الإذاعية والتلفزيونية عدة سنوات.
    - له ستة دواوين شعرية، ومجموعتان قصصيتان، وأكثر من عشرين كتاباً في الأدب واللغة والنقد وتحقيق التراث، وعشرات البحوث في الصحف والمجلات.

    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    إنتاجه الأدبي:
    1- قضية عمود الشعر في النقد العربي صدرت طبعته الأولى في الرياض بالمملكة العربية السعودية عام 1980م.
    2- التراث البلاغي والنقدي للمعتزلة صدرت طبعته الأولى في الدوحة- قطر عام 1985م.
    3- ديوان عبد الله بن رواحة ودراسة في سيرته وشعره صدرت طبعته الأولى في الرياض بالمملكة العربية السعودية 1982م وصدرت طبعته الثانية عن دار الضياء في عمان عام 1988م.
    4- دراسات في النقد الأدبي صدرت طبعته الأولى في الرياض عام 1988م.
    5- الطرماح بن حكيم (شاعر الخوارج) صدرت طبعته الأولى في القاهرة عام 1978م.
    6- النظرة النبوية في نقد الشعر صدرت طبعته الأولى في مدينة العين بالإمارات العربية المتحدة عام 1988.
    7- نصوص النظرية النقدية عند العرب صدرت طبعته الأولى في مدينة العين بالإمارات العربية المتحدة سنة 1987م.
    8- في الأدب والنقد واللغة (مشترك) صدرت طبعته الأولى في الكويت عام 1986م.
    9- شخصيات إسلامية في الأدب والنقد صدرت طبعته الأولى في الدوحة- قطر عام 1992م.
    10- قطري بن الفجاءة (شعره وسيرته) صدرت طبعته الأولى في الدوحة- قطر عام 1993م.
    11- مختارات من الأدب العربي (مشترك) صدرت طبعته الأولى في دبي بالإمارات العربية المتحدة عام 1994م.
    12- الحداثة في الشعر العربي المعاصر (حقيقتها وقضاياها) صدرت طبعته الأولى في دبي بالإمارات العربية المتحدة عام 1996م.
    13- كتاب الأوائل للعسكري (جزءان) (تحقيق بالاشتراك) صدرت طبعته الأولى في دمشق عام 1975م.
    14- كتاب الأفضليات لابن الصيرفي (تحقيق بالاشتراك) صدرت طبعته الأولى في دمشق عام 1982م.
    15- ديوان محمود الوراق شاعر الحكمة والموعظة صدرت طبعته الأولى في عجمان بالإمارات العربية المتحدة عام 1988م.
    16- كتاب الأشراف لابن أبي الدنيا (تحقيق) صدرت طبعته الأولى في الدوحة- قطر عام 1993م.
    17- يوميات من رحلة بحار (ديوان شعر) صدرت طبعته الأولى في القاهرة عام 1978.
    18- هدية العيد (مجموعة قصص) صدرت طبعته الأولى في دمشق عام 1973م.
    19- ذكريات وأصداء (ديوان شعر) صدرت طبعته الأولى في الرياض بالمملكة العربية السعودية سنة 1980م.
    20- صور من بلادي (ديوان شعر) صدرت طبعته الأولى في عمان عام 1985م.
    21- الخيط الضائع (مجموعة قصصية) صدرت طبعته الأولى في القاهرة عام 1986م.
    22- فارس الأحلام القديمة (ديوان شعر) صدرت طبعته الأولى في الدوحة- قطر عام 1990م.
    23- أشعار من زمن القهر (ديوان شعر) صدرت طبعته الأولى في دبي بالإمارات العربية المتحدة عام 1994م.
    24- البلاغة العربية (البيان والبديع) صدرت طبعته الأولى في دبي بالإمارات العربية المتحدة عام 1997م.
    25- البلاغة العربية (علم المعاني) صدرت طبعته الأولى في دبي بالإمارات العربية المتحدة عام 1998م.
    26- في الأدب الإسلامي، صدرت طبعته الأولى في دبي بالإمارات العربية المتحدة عام 1998م.
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    العنوان البريدي:
    أ.د. وليد قصاب:
    كلية اللغة العربية بالرياض.
    ص.ب: 5762 ـ الرياض 11432
    فسم المقد والبلاغة ومنهج الأدب الإسلامي.
  • د. حسين علي محمد
    عضو أساسي
    • 14-10-2007
    • 867

    #2
    «صفحات من سيرة عنترة» ديوان جديد لوليد قصّاب

    عن مكتبة التوبة بالرياض صدر ديوان «صفحات من سيرة عنترة» للشاعر الدكتور وليد قصّاب، أستاذ البلاغة والنقد الأدبي بكلية اللغة العربية بالرياض.
    هذا هو الديوان الثامن للشاعر، يأتي بعد دواوينه: «يوميات من رحلة بحار» (1978م)، و«ذكريات وأصداء» (1985م)، و«صور من بلادي» (1986م)، و«فارس الأحلام القديمة» (1990م)، و«أشعار من زمن القهر» (1994م)، و«من شجون الغرباء» (2001م)، و«انكسارات» (2005م).
    الديوان في 106 صفحات.

    تعليق

    • د. حسين علي محمد
      عضو أساسي
      • 14-10-2007
      • 867

      #3

      عناصر الإبداع الفني في مجموعة «البوح» لوليد قصاب(1)

      بقلم: أ. د. حسين علي محمد

      أصدر الدكتور وليد قصاب قبل هذه المجموعة ـ مجموعتين قصصيتين، هما «هدية العيد» و«الخيط الضائع»، وهذه هي المجموعة الثالثة، وتضم خمس عشرة قصة قصيرة.
      وسنتوقف هنا أمام بعض عناصر الإبداع الفني فيها:
      1-السخرية:
      تشيع السخرية المرة في قصص المجموعة، وهي سخرية تكشف عن المفارقات التي تحدث في الحياة. ويتضح هذه السخرية في قصص عدة، منها قصة «الانتظار»، التي ينتظر فيها مدير المستشفى الدكتور حمدان زوجة مسؤول كبير ـ أو شخصية عامة ضخمة ـ و«صف الدكتور «حمدان» على باب المستشفى طابوراً طويلاً عريضاً من المستقبلين: أطباء، وممرضين، ومستخدمين .. ووقف على رأسهم جميعاً ينتظرون زوجة سيادة الـ..» (2).
      ويتكرر موقف يدفع المنتظرين لتوقع أن هذه سيارة الزائرة، أكثر من مرة. ننقل لك منه هذه الفقرة:
      «لُمِحت سيارة فارهة فخمة قادمة من أول الشارع. بدت وكأنها متجهة نحو المستشفى. تحرك الدكتور حمدان لا شعوريا وتحرك الطابور معه، ولكن السيارة عبرت مسرعة.. كانت ماضية إلى غاية أخرى.. عاد الدكتور حمدان إلى مكانه وعاد معه الطابور»(3).
      إن هذا المدير لم يكن يحركه ـ قبل ذلك ـ أي شيء لِما «يُعرف به من هدوء وبرودة أعصاب.. كان لا يتحرك من وراء مكتبه، أو يأتي بنفسه ليتفقّد أمراً وإن قامت الدنيا كما يقولون.. وكم قيل له عن كذا وكذا.. وكم اشتُكي إليه عن كيت وكيت.. وكان لا يزيد عن أن يقول: سأرى.. سأرى، أو يهز رأسه: حسناً.. حسناً سننظر في الأمر. ثم لا يرى.. ولا ينظر في أمر»(4).
      ومن القصص التي نلمح فيها السخرية «زميلان» التي يتحدث فيها عن زميلين في مقاعد الدراسة، أحدهما جد وتفوق، وعمل في إدارة حكومية عملاً يدر عليه دخلاً محدوداً لا يكاد يكفي حاجة عائلته وتطلعات زوجته ذات اللسان الذي يشبه المبرد، والثاني لم يوفق في دراسته، ولكنه أصبح من المثرين.
      يقول عن الزميل الغبي الذي أثرى في قصة «زميلان»:
      «كان زميله يكره الدراسة كره الوباء. ولولا والده كما كان يقول ـ لما داوم في المدرسة يوماً واحداً، كان دائم التعثر في المواد العلمية، رؤية العفريت أحب إلى نفسه من رؤية الكتاب»(5).
      ويقول عن الزميل الذي تعلم وتفوق وعانى من دخله المحدود:
      «ماذا يفعل؟ كم ضرب الأرض بقدميه من الحَنَق والغيظ، فلم ينفجر من تحتهما عسل ولا ماء، بل اندقَّ كعب حذائه، فكلفه عبئاً ماليا جديداً»(6).
      وفي قصة «الكابوس» نرى البطل المُطارد الذي لم يجرم، والمطلوب منه ـ تحت وطأة التعذيب ـ أن يعترف بأشياء لم يقترفها، يصفه السارد بأنه «لم يستطع أن يجد لسانه في حلقه حتى يقول كلمة واحدة، فأحس أن ذلك من نعم الله عليه»(7).
      سيتعرف القارئ على عمق هذه السخرية التي ترينا عدم القدرة على الكلام في مواجهة هؤلاء الذين وصفهم السارد في فقرة ماضية بأنهم ألقوا القبض عليه دون جريرة جناها: «نهض فدفعته الأيدي كالكلب الأجرب، كان في ملابس النوم. سحبوه حتى باب البيت، فوجد هناك طائفة أخرى من الرجال المدججين بالأسلحة، ووجد سيارات تزعق. رفسه أحدهم بقدمه، فانحشر في إحدى السيارات، وانحشر وراءه عدة رجال يحرسونه»(8).
      وتحت التهديد الشديد تزداد جرعة السخرية التي يقدمها لنا السارد بين المحقق والمتهم، حيث المتهم مُهدد بالتعذيب الشديد إذا لم يقل ما يُريده منه المحققون:
      ـ اعترف أنكم تشكلون تنظيما ممنوعاً.
      ـ أعترف أننا نشكل تنظيما ممنوعاً.
      ـ وكنتم تخططون للتآمر والإرهاب.
      ـ وكنا نخطط للتآمر والإرهاب.
      ـ وقُبض عليك متلبساً بالجُرم المذكور.
      ـ كنتُ أقرأ كتاباً يا سيدي عند ما جاء الرجال.
      ـ من كتب التآمر والإرهاب .. اعترف.
      ـ كنتُ أقرأ ديوان المتنبي يا سيدي.
      ـ كي تتعلم منه الشعوذة والثورة على الأوضاع السائدة.
      ـ ...
      ـ لماذا لم ترد أيها الوغد .. اعترف.
      ـ أعترف يا سيدي .. أعترف .. ديوان المتنبي يعلم الشعوذة والثورة على الأوضاع السائدة(9).
      وهذا كانت السخرية عنده وسيلة فنية لكشف بشاعة الواقع الذي يُطارد أبطاله، فلا يتركهم ينعمون بحياتهم، التي هي ظلال حياة، وأقرب ـ أشد ما يكون القرب ـ إلى البؤس والفاقة.
      2-الصورة الفنية:
      تشيع في المجموعة الكثير من الصور الفنية التي تثري النص، وتعبر في إيجاز عما يريده السارد.
      *فالمرأة المتسلطة على زوجها الموظف قليل الحيلة، الذي لا يسعى إلى عمل ليُضاعف دخله. تقول لزوجها:
      «شغِّل هذا الصندوق الفارغ يا رجل»(10).
      فشبهت رأسه بالصندوق الفارغ الذي لا يُمكن أن يحقق فائدة، وهي هنا تحث زوجها من خلال سخرية عميقة أن يُشغِّل دماغه وفكره، ليكسب دخلاً آخر يُتيح للأسرة أن تعيش عيشة أفضل من هذه الحياة البائسة التي تعيشها.
      *وقد تتآزر الصور الفنية، فتشكل صورة فنية، أقرب إلى لوحة قصصية تلخص ما يريد أن يقوله الكاتب في فنية لافتة. ومن ذلك حينما يبحث الزميل المتعلم (البائس) عن الزميل الجاهل (الثري) في قصة «زميلان»:
      «استدل على مكتبه في بناية فخمة تنطح السحاب، ثم دخل إلى مكتب ضخم بحجم البيت الذي يسكنه هو وزوجته وأولاده الخمسة، أذهلته الفخامة والأبهة، ثم ازداد ذهوله أكثر عند ما علم أن هذا مكتب السكرتيرة، وليس مكتب السيد (البيك) زميله ـ راسب الثانوية العامة ـ صاحب هذا الصولجان!» (11).
      انظر إلى التعبير «تنطح السحاب»، وهي تتحدث عن فجور البناء وفظاظته!، والنظر إلى التعبيرين الحقيقيين «ـ راسب الثانوية العامة ـ صاحب هذا الصولجان» وهما كناية عن الجهل الذي يصحب الثراء! ووجود الجملتين متجاورتين يرسم صورة فنية لافتة، تعتمد على المُفارقة.
      *وفي قصة «البوح» نرى السارد يقدم لنا رجلاً احترف النفاق من خلال وصفه لرئيسه: «خرج إلى عمله. مارس مع رئيسه في الدائرة لعبة التملق المعهودة. كال له الثناء وعبارات الإطراء. أنزله من السماء، جعله فريد عصره، وسلطان زمانه»(12).
      مارس لعبة التسلق: جعل اقترافه النفاق لعبة، أو تمثيلية (أمام نفسه) يحترفها، ويقبض ثمنها ازدراء لنفسه، وحطا من قدرها، لكنه بها يتسلق شجرة النفاق ليبلغ منها مبلغاً عظيما؛ وهاهو يجعل من ممدوحه رجلاً جاء من السماء (هل هو يجعله بهذا الوصف مَلَكاً من الملائكة، ويسلبه بشريته التي جاءته من سلالته الأرضية؟)، وها هو (يكيل) له الثناء كيلاً، ورغم أنها جملة حكوية نقولها في لغتنا الشعبية المحكية فهي جاءت هنا في سياقها لتكشف عن سيل التدليس الذي يقدمه المادح للممدوح بما ليس فيه (على شاكلة نزوله من السماء، تلك)، ثم يقول جملتين عاديتين في سياق تصويري غير عادي «فريد عصره، وسلطان زمانه»، وكأن هاتين الجملتين مسوقتيْن للقارئ العادي لتبين له خطر ما يقوله أو يفعله، إذا اقترف مثل هذه المبالغة في حديثه!
      *وقد اعتمد السارد في بعض صوره الفنية على الوصف التقليدي، مثلما يصف شخصاً في قصة «حافظة النقود» بقوله: «كانت صوره وأخباره تحتل مركز الصدارة في الصحف والمجلات، فهو أحد كتابنا المرموقين، وقد طبقت شهرته الآفاق الأدبية، وبزغ اسمه في عالم القصة كما تبزغ الشمس في رابعة النهار»(13).
      إلا أن مثل هذه الصور التقليدية المأخوذة من التراث يوظفها توظيفاً بارعاً، فقد بدأ بما هو معروف ليوظفه في نص يحمل مفاجأة كبيرة بين السارد (الراوي هنا) والبطل الأديب، مرت عليه سبع سنوات، حينما كان السارد في طريق مقطوع، فمر عليه الأديب وأخذه معه دون أن يعرفه في سيارته، ثم توجس صاحب السيارة من الراكب فظنه قاطع طريق، وتحسس جيبه فلم يجد حافظته، وأخرج مسدسه مهدداً الراكب طالباً منه حافظة نقوده، وأنزله من السيارة!، وبعد أن يصل إلى البيت يعرف أن هذه الحافظة ليست حافظته.
      3-المفارقة:
      تعدُّ المفارقة عنصراً رئيساً في هذه المجموعة، وتكاد تكون قصصه جميعاً مبنية على المُفارقة بشكل جزئي أو كلي.
      فمن قصصه التي بُنيت على المفارقة، التي دفعت أحداثها إلى الأمام قصته «امرأة أخرى»، ونراها تبدأ بمفارقة يرصدها البطل بين زوجته وبين نساء القنوات الفضائية. والفقرتان الأوليان تكشفان عن حجم هذه المفارقة التي جعلت حياته جحيما:
      «كلما تفرّج عليهن في قنوات التليفزيون الفضائية عافتها نفسه، وانعقدت في عقله الباطن موازنة بينها وبينهن.. أين هي منهن؟.. فاتنات حسناوات مائلات مميلات.. كل منهن تخلب العقل، وتسبي الفؤاد، وتُجري دماءه نيراناً في عروقه، فيحترق شوقاً، ويُحس أنه يتقلّب فوق ألسنة من الجمر..
      ويلتفت إليها.. ترهّلت وامتلأت حتى كأنها البقرة اللحيمة.. كل شيء فيهن مشدود بض، وكل شيء فيها مسترخ كالخرقة البالية أو المطاط القديم..»(14).
      وتنبني القصة على هذه المفارقة؛ فالزوج يدفع امرأته المحافظة دفعاً إلى مدرسة عصرية تُخضع النسوة لتمارين الرشاقة، ويستمر في تشجيعها، وهي «تقتلع من مكان غراسها يوما بعد يوم» (15)، حتى تصير امرأتُه امرأةً عصريةً أخرى.
      وتنتهي القصة وقد تغيرت المرأة فعلاً، ويجيء الرجل من الخارج ليجد زوجته «في أحضان رجل، يرقصان على نغمة موسيقا هادئة»(16).
      وهكذا حركت المفارقة الجزئية الأحداث، ودفعتها نحو النهاية المحتومة، وأسهمت في تحول الشخصيات من النقيض إلى النقيض: فالرجل الذي كان معجباً ببنات التليفزيون عرف سوء ما وقع فيه. والمرأة التي كانت مهتديةً مُحافظة غرر بها زوجها، وبمسلكه الخاطئ دفعها نحو الرذيلة دفعاً.
      4-حيوية الحوار:
      الحوار ليس ركناً بنائيا من أركان القصة القصيرة، لكن بعض كتاب القصة القصيرة (ومنهم محمود تيمور، وإبراهيم المصري، ويوسف إدريس، ونجيب محفوظ، ومحمد جبريل ... وغيرهم) يجعلون منه ملمحاً جماليا خاصاً، لا يُمكن تخيل بناء قصصهم من غير هذا الحوار.
      وكذلك الدكتور وليد قصّاب في هذه المجموعة، حيث نرى الحوار قادراً على دفع الحدث إلى الأمام، ويكشف عن مسلك الشخصيات ورؤاهم، ويُشير إلى تحولهم، أو جمودهم.
      ومن فقرات الحوار الجميلة، ما دار بين الرجل المتصفح للقنوات الفضائية، وزوجته المُحافظة التي يدفعها دفعاً لتكون مثل الفاتنات التي يراهن في التلفاز، وترى الوصف يتخلل الحوار، فيكشف عن نفسية هذا الرجل الذي استبدّ به الفجور، فيريد أن يصنع امرأته على ضوء ما يراه من جمال الساقطات وإغرائهن!، وتفطن زوجته إلى ما يُريد مستنكرة منه ذلك:
      «راز الأمر طويلاً في رأسه، ثم عرض الفكرة عليها، فخبطت صدرها بكفيها مشدوهة، وقالت بصوت كالخوار:
      ـ جننت يا رجل!..
      قال لها، وهو يشير إلى التليفزيون:
      ـ أريدك امرأة عصرية.. مثل هؤلاء.
      قالت وهي لا تصدق:
      ـ هؤلاء؟.. أتدري من هؤلاء؟..
      تنبّه على كلامها.. كان يحسبها لا تعرف شيئاً مما يدور حولها، ولكنه مضى في غلوائه:
      ـ أنتِ ستصنعين ذلك من أجلي.. المرأة تتبرج وتتثنى لتُغري زوجها حتى لا ينظر إلى غيرها.
      ـ أتُريدني أن أتشبه بالفاجرات؟..
      ـ افعلي ذلك من أجلي..» (17).
      ففي قول المرأة «جننت يا رجل!» و«أتدري من هؤلاء؟» و«أتُريدني أن أتشبه بالفاجرات؟» ما يشي بموقف المرأة مما يريده زوجها، ورفضها النفسي له.
      وفي قول زوجها: «أريدك امرأة عصرية» و«افعلي ذلك من أجلي» ما يشي بتخبطه الذي يريد أن يلبسه ثوياً دينيا!، أو يبرره تبريراً أخلاقيا، كأنه يقول لها أنت لا تفعلين ذلك من أجل الغرباء، بل من أجل زوجك لتحافظي عليه، يقول: «المرأة تتبرج وتتثنى لتُغري زوجها حتى لا ينظر إلى غيرها».

      ***
      تُعالج المجموعة عدداً من القضايا الاجتماعية بعين البصير القادر على الرؤية، والذي يفتح أعيننا على أسئلة الواقع، دون أن يتورط في وضع الحلول، من خلال حساسية فنية بصيرة، فحسب الأديب الجيد أن يطرح الأسئلة.
      ..........................
      (1) نشرت في مجلة «الدعوة» (السعودية)، في 9/9/2004م.
      (2) د. وليد قصاب: البوح، ط1، دار الفكر، دمشق 2002م، ، ص57.
      (3) المجموعة، ص57.
      (4) المجموعة، ص56.
      (5) المجموعة، ص19، 20.
      (6) المجموعة، ص17.
      (7) المجموعة، ص27.
      (8) المجموعة، ص26.
      (9) المجموعة، ص32.
      (10) المجموعة، ص17.
      (11) المجموعة، ص21.
      (12) المجموعة، ص11.
      (13) المجموعة، ص60.
      (14) المجموعة، ص47.
      (15) المجموعة، ص51.
      (16) المجموعة، ص53.
      (17) المجموعة، ص50.


      تعليق

      • د. حسين علي محمد
        عضو أساسي
        • 14-10-2007
        • 867

        #4
        مجموعة «مجنون أحلام» لحسين علي محمد
        قراءة في بعض عناصر الإبداع

        بقلم: أ.د. وليد قصاب
        ...................

        «مجنون أحلام» أول مجموعة قصصية يتاح لي أن أطلع عليها من إبداع حسين علي محمد السردي، وهي مجموعة متميزة، تحفل بعدد من السمات الفنية والمضمونية التي تلفت النظر، وتشهد أنك أمام كاتب يقبض بمهارة على ناصية هذا الجنس الأدبي الهام.
        ولأن من الصعب في مقال واحد إيفاء هذه السمات جميعا حقها، أتوقف عند محطات بارزة قد ترسم الخطوط الكبرى في لوحة هذه المجموعة القصصية.
        1- بين السرد والسيرة:
        لن يتخيل أحد – بطبيعة الحال – أن مايكتبه هذا الأديب أو ذاك هو – بالضرورة – تعبير عن تجربته الشخصية، أو أن نصوصه تعكس دائما سيرته الذاتية كما يقول أصحاب المنهج النفسي مثلا.
        يقول ديتش في بيان هذه المسألة الهامة: «إن الأثر الأدبي قد يجسد حلم الأديب لا واقع حياته، أو قد يكون «القناع» أو قد يكون «النقيض» الذي يختفي وراءه شخصه الحقيقي، أو قد يكون صورة من الحياة التي يريد الأديب أن يهرب من نطاقها. ثم علينا ألا ننسى أن الفنان قد يجرب الحياة تجربة مباينة من خلال فنه..(1)».
        ويخلص ديتش إلى القول: «بهذا نستنتج أن التفسير للأثر الأدبي، أو استغلاله من ناحية السيرة يحتاج دقة متأنية، وفحصا دقيقا في كل حالة؛ إذ الأثر الأدبي ليس وثيقة من وثائق حياة صاحبه(2)..
        أستحضر هذا الكلام وبين يدي مجموعة «حسين علي محمد» القصصية التي عنوانها «مجنون أحلام» التي توحي بالالتصاق الحميم بين السارد الراوي وبين أبطال القصص المحكية، حتى ليوشك المتلقي أن يقع في الوهم الذي يحذر منه ديتش وهو أن بطل هذه القصة أو تلك هو الكاتب نفسه.
        إن المسافة لتقترب كثيرا بين السيرة الذاتية والقص، بين الواقعي المعيش من حياة الكاتب وبين المحكي المتخيل.
        ويتعزز هذا الاقتراب في أن السارد الراوي لا يقدم إلينا – في غير ما موضع – بطلا عاديا فيه من المؤلف ومن غيره مشابه، ولكنه يلح أحيانا على جزئيات وأسماء، وعلى فضاء زماني ومكاني توحي جميعها، أو كأنها تريد أن توحي، أن بطل هذه القصة أو تلك هو المؤلف نفسه.
        ويتجلى ذلك في عدة قصص، منها «الحافلة التي أحلم بها» و «لن يكلم نفسه في الشارع» حيث ترد فيهما أسماء لأشخاص حقيقيين معروفين، لهم حضور في الواقع المادي الذي نعيشه، وفي حياة المؤلف نفسه، بل نحن نعرف بعضهم معرفة لا تقل عن معرفة الكاتب.
        وهكذا تحاول قصص هذه المجموعة أن تجمع بين روح السيرة الذاتية وروح السرد، حتى لتبدو كثير من المواقف مأخوذة من حياة المؤلف، ولكنها مصوغة بأسلوب الفن القصصي الذي يراعي متطلبات هذا الجنس الأدبي وأصوله، إذ هو شخصية وحدث وزمان ومكان، وهو يقوم على حبكة متماسكة تنتهي إلى العقدة ولحظة التنوير.
        إن هذا الحضور الطاغي لشخصية المؤلف، وانعكاسها في هذه القصص قد أسبغا عليها – كما ذكرنا – كثيرا من الدفء والحميمية واقتربا بها من مشارف الواقعية التي بدا المؤلف حريصا على تأكيدها، أو الإيحاء بها على الأقل.
        إنها لحظات من التذكر والاسترجاع، ومحطات من الرسو على شاطئ الماضي، إنها نوع من البوح والاعتراف، وكم يحتاج الكاتب – في العادة – إلى البوح وبث مكنون النفس!! . ولذلك نجد الكاتب يصدر مجموعته بعبارة ماركيز التي يقول فيها: «ليست الحياة ما عاشه المرء، لكن ما يتذكره لكي يرويه»(3).
        إنها عبارة ذات دلالة هامة، وهي تؤكد حضور السيرة الذاتية، بما فيها من تذكر واعتراف وحضور للذات الفاعلة بكثافة.
        والواقع أن قصص حسين علي محمد تؤكد اقترابها من مشارف السيرة الذاتية في مواضع كثيرة أشرنا إلى بعض منها، ونشير هاهنا إلى وجه آخر من هذا الاقتراب، وهو أسلوب السرد الذاتي، باستخدام ضمير المتكلم في أكثر من قصة، وفي هذا الأسلوب تبدو التجربة الشخصية مصدرا مهما من مصادر التجربة القصصية، ويظهر السارد بطلا يشارك في الأحداث وينظر عندئذ إلى الشخصيات الأخرى، ويعلق عليها، أو يبين موقفه منها.
        ولايعني استمداد الكاتب من سيرته الذاتية أو تجربته الخاصة أنه يوظف ذلك توظيفا فجا أو سافرا، ذلك بعيد عن هذه المجموعة القصصية التي بين أيدينا، فحسين علي محمد – وهو قاص متمرس – يدرك الحد الفاصل بين السيرة والسرد، ويعرف – وهو يوظف جوانب من السيرة الذاتية – أن للقصة – كما هو حال كل جنس أدبي – شروط تكوينها الخاصة، لها عالمها واستقلاليتها، وطريقتها في التفرد.
        وعلى أن هذا الالتصاق بالسيرة الذاتية – وإن أضفى على قصص المجموعة – غير قليل من الحميمية والصدق؛ حمل الكاتب أحيانا على الإطالة بذكر جزئيات ذاتية لا تضيف إلى نسيج القصة شيئا ذا بال، إن لم تبد عبئا عليها، كما حدث مثلا في قصة «لن يكلم نفسه في الشارع» حيث نجد تفصيلات كثيرة من التواريخ، وثمن التذكرة، ورقم المقعد على متن الطائرة، وأسماء موضوعات لندوة حضرها وما شاكل ذلك من جزئيات أرهقت نسيج القصة، وجعلت بناءها الفني مترهلا بما لايهم القارئ، ولا يضيف شيئا إلى القصة سوى حرص الكاتب – على ما يبدو – على الإيحاء بالواقعية أو الصدق الموضوعي، وإن كان معيار هذا الصدق – كما يقول ديفد ديتش «يصبح معيارا كاذبا فاضحا إذا هو حكم على الأدب عن طريق الصدق الواقعي المستمد من سيرة المؤلف، أي إذا هو تناول تجارب الأديب أو مشاعره كما شهدت بها الشواهد الخارجية..»(4).
        ونجد مثل هذه الفضفضة في التفصيلات والأسماء والأرقام في قصة «الحافلة التي أحلم بها» و«بلا دموع».
        2- الســـــــــــــخـــــــــــــريـــــــة:
        السخرية أسلوب فني متميز، وهو يعكس فلسفة معينة من الأشياء تصاغ بأسلوب غير مباشر، وهو لذلك أقدر على انتزاع مشاركة المتلقي وحمله على استقبال الرسالة، لما تحمله السخرية من مفارقة ومتعة وطرافة.
        وقد وظف حسين علي محمد السخرية في غير موضع من هذه المجموعة، ولا سيما في قصته المتميزة «تلك الليلة» التي تقطر مرارة وسخرية من وضع اجتماعي سياسي مأزوم مفجع، فالرئيس «المؤمن» يزور القدس «عاصمة إسرائيل» مباركا معترفا، وفي الحوار الذي يدور بين البطل كاتب المسرحية وبين صديقه نقرأ: «إن نص الخطاب الذي ألقاه السادات في القدس أكثر من رائع، لأنه يجعل أمريكا اللاعب الأول... ولا مانع من أن نحول هذا الخطاب إلى نص مسرحي يجعل مصر في صورة حسناء تباع في سوق الرقيق بدولارات «مضروبة».
        فقال له ضاحكاً:«ولماذا لا نبدأ تجارب إخراج هذا النص بعد أن تستكمل كتابته في القدس المحتلة وفي عيد الأضحى القادم»(4).
        ونقرأ في القصة نفسها: «وحاميتهم أمريكا.. التي تمسك أوراق اللعبة كما يقول الرئيس المؤمن، أين ذهبت؟
        وأجاب عن سؤاله مقهقها في حزن جريح : «هل أكلتها القطة؟» ونقرأ :«ضحكت سلوى – وهي ممثلة وشاعرة – وهي تتذكر المسؤول الكبير، المعجب بها، الذي يطاردها هاتفيا، والذي يجلس دائما في الصف الأول ولا يشاهد شيئا من أدائها لأنه ينام..»(5).
        إن هذه القصة مليئة بكثير من المشاهد والعبارات الساخرة التي تنضح أسى ومرارة على وضع مترد، كما نجد مثل هذا الأسلوب الساخر في مواطن أخرى.

        3- الشــــــــــــجـــــــــن:
        تنضح قصص هذه المجموعة بشجن دفين، شجن يمتزج فيه الأسى بالسخرية المريرة التي أشرنا إليها، وهو شجن نابع – بشكل خاص – من الإحباط وخيبة الأمل اللذين يبدوان واضحين في القصص؛ فالبطل – الذي قد يكون أحيانا الكاتب نفسه أو قناعا له – يبدو محبطا مهموما في مواطن كثيرة، بدءا من قصة «مجنون أحلام» التي حملت المجموعة عنوانها، ومرورا بـ «برق في خريف» و «شرخ آخر في المرآة» و«أحزان نادية» و «أم داليا» وغيرها.
        في « مجنون أحلام» التي تبدو شديدة اللصوق بالكاتب لم يستطع هذا الشاب المصري المدرس في اليمن أن يحقق حلمه بالزواج من «أحلام» الفتاة اليمنية مع أن كلا منهما قد أعجب بصاحبه، حالت دون ذلك حوائل كثيرة، وفي تلاعب القاص الفني الموفق بلفظة «أحلام» واستثماره دلالتها اللغوية، لتحويلها إلى تورية تحمل معنيين: «أحلام الفتاة» و «أحلام جمع حلم» إشارة إلى هذا الإحباط، وأي إحباط أو خيبة أكثر من أن يتهوس الإنسان بأحلام، والأحلام إن هي إلا أضغاث؟
        والبطل محبط في قصة «برق في خريف» ولاحظ دلالة العنوان، فالبطل «محمود عماد» ابن الخامسة والخمسين يلتقي «نادية حمدي» ابنة الثالثة والخمسين مصادفة في مدخل محطة مصر، وهي التي أحبها منذ ثلاثين سنة وفرقتهما الظروف هذه المدة الطويلة، «فرجعت إلى ذاكرته ثلاثون سنة من الوجد والانتظار، صاح في قلبه توق قديم إلى وجهها الأبيض الجميل الذي لم يغيره الزمن..» استعاد ذكريات حلوة. كان مايزال وحيدا، وكان يحسب أنها كذلك، كان يحسب أنه وجدها «هاهو ذا قد وجدها، ولن يدعها تفلت منه» هذه المرة كما أفلتت من قبل.
        ولكن ما إن يصل العاشقان القديمان إلى نهاية الرحلة في «محطة الرمل» حتى تكون فتاتان دون العشرين على الرصيف في انتظار نادية «عانقت نادية الفتاتين. قالت في همس لمحمود عماد: ابنتاي سما ورنا» العائق الجديد الذي يحول دون قطف سعادة طالما حلم بها. كان ذلك برقا في خريف. «وجد نفسه ثانية، وحيدا في شقته الواسعة».

        4- الـــــــــــــــــــرمــــــــــــــــــز
        تنتمي قصص هذه المجموعة في أغلبها إلى عالمي الواقعية والرومانسية بأشكالهما المختلفة، ولكن للرمز حضوره كذلك.وقد أحسن القاص حسين علي محمد توظيفه في بعض المواطن، بل توظيفه أحيانا في بعض عناوين القصص.
        ولعل أميز توظيف للرمز كان في قصة «عكرمة ..يرفع السلاح» فالقصة قدمت صورة رمزية كلية تمثل صمود صاحب الحق في وجه الدخيل المغتصب، وهي فياضة بالأمل عبرت عن حتمية انتصار الحق بلغة شعرية شفافة مؤثرة :«يا ابن الأرض، هاهي الريح بجانبك، تدفق الدماء في الجسد، وتزهو الريح لأنك نبتها الذي لم ينحن. وتقول: ستقتلع وحش الغابة الذي يهددك بالمحو، ستنتصر على الغريب، فلا تخف..»(5).
        وهي تفند أقوال الخوارين المرجفين في المدينة الذين يثبطون العزائم، ويبثون روح الانكسار، ويزعمون أن الغريب قوي ولا سبيل إلى مقاومته، وأن مراكب المقاومة التي يمتلكها البطل الصامد«عكرمة» قد غرقت جميعها.
        والرمز في هذه القصة الرائعة لا يتمثل في هذه الصورة الكلية التي أشرنا إليها فحسب، ولكنه يمتد في نسيج القصة كلها: أسماء، وشخصيات، وألفاظا، وعبارات، ويوظف فيها توظيفا فنيا معبرا.
        فالبطل المقاوم اسمه «عكرمة» وهو اسم يتناص مع التاريخ، ويحمل دلالات إسلامية، ويعبق بروح الجهاد والفتح والبسالة. والغريب واسمه «بنيامين» ذو دلالة إيحائية لا تخفى، والحارس الذليل الماشي في ركاب هذا الغريب يأتمر بأمره، ويغض الطرف عن جرائمه وفضائحه اسمه «مطيع» والدلالة في هذا الاسم لا تخفى كذلك.
        ولعل هذا «الحارس المطيع» هو الحاكم الذي يفترض أن يكون حارسا «للأرض/للعمارة» لا حارسا لمصلحة هذا الغريب المغتصب، يتملقه ويداهنه «ويقارضه على حبل الحوار، بلا حياء، ثناء ونفاقا رخيصا..»(6) ولذلك فهو ليس الحارس الأمين الساهر على مصلحة (العمارة/الأرض) بل هو مرتم في أحضان هذا الغريب، بل كأنه الوجه الآخر له، ومن ثم «فإنهما عند الجميع كشخص واحد: مطيع وبنيامين..»(7).
        وتختفي المباشرة تماما في هذه القصة، وتطل عليك الرموز المعبرة، لا في الصورة الكلية للقصة كما ذكرت، ولا في أسماء الشخصيات فحسب، ولكن في كثير جدا من ألفاظ القصة وعباراتها.
        يطل عليك الرمز في «الصافنات الجياد» وهو تعبير قرآني ذو دلالة عظيمة، ورد في قوله تعالى في سورة ص: {... إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْـجِيَادُ #^13^#) (ص)، وهو يرمز إلى الجهاد والشهامة العربية الإسلامية، إذ هي الخيل الواقفة على الحافر، السريعة الجري
        يقول الرازي :« وصفت تلك الخيل بوصفين، الأول:الصفون، وهو صفة دالة على فضيلة الفرس. والثاني «الجياد، وهي الشديدة الجري، والمراد وصفها بالفضيلة والكمال في حالي الوقوف والحركة، فإذا وقفت كانت ساكنة مطمئنة في مواقفها، وإذا جرت كانت سراعا في جريها»(8).
        وهذا الرمز الإسلامي الأصيل المقتبس من الآية القرآنية يقابله في القصة لفظ «البغال» وهو رمز لكل هجين رذيل، ولذلك لا يمكن أن يكون له موطئ قدم في أرض الشرفاء الأصلاء، ولايمكن أن ينتسب إليهم، أو يتزوج منهم «فالصافنات الجياد» لا تحب «البغال» تقول الصافنات في القصة:«هل تظن أني أحببت البغل؟» وتقول مرة أخرى عبارة أسخطت الغريب «بنيامين» فراح «يحدق في جنون، وتتسع حدقتا عينيه، ويتهاوى في قاع الجنون والحضيض» تقول الصافنات:« إن البغال لا تتزوج الصافنات».
        ويبدو الرمز أقل إشراقا، ولكنه معبر دال في قصة «ومضة الرحيل» وفيها يوظف الكاتب عبارة السيد المسيح – عليه السلام – المشهورة :«من كان منكم بلا خطيئة فليرجمها بحجر».
        وكأن القصة ترمز إلى سوء الظن بالآخرين، والافتراء من غير دليل على أبرياء غير مذنبين، ويقع ذلك من أناس غارقين في الخطايا، ولعل مايعرفونه عن أنفسهم يسقطونه على الآخرين أو يرون الآخرين في مرآتهم هم، فيسيئون الظن بهم، ويروجون من حولهم قالة السوء التي تقضي عليهم >
        .................
        الهوامش:
        (1) مناهج النقد الأدبي بين النظرية والتطبيق: ص502 .
        (2) مجنون أحلام: ص7 .
        (3) مناهج النقد: ص504 .
        (4) مجنون أحلام: ص86-87 .
        (5) السابق: ص52 .
        (6) السابق: ص50 .
        (7) السابق: ص51 .
        (8) التفسير الكبير للرازي: 26/204 .
        .................................................. ....
        *نشرت في مجلة "الأدب الإسلامي" العدد (58) ـ نيسان ـ حزيران 2008م، ص 52 فما بعدها.

        تعليق

        • دكتور مشاوير
          Prince of love and suffering
          • 22-02-2008
          • 5323

          #5
          [align=center]
          سيرة عطرة واهلا وسهلا بالدكتور وليد القصاب استاذنا الفاضل
          وشكرا لحضرتك دكتور حسين علي ..
          تقديري واحترامي لك
          [/align]

          تعليق

          • نجيةيوسف
            أديب وكاتب
            • 27-10-2008
            • 2682

            #6
            شكر الله جهدك دكتور حسين وكم أشكرك فالدكتور وليد علَم من الأعلام كم بحثت عن نتاجه وسيرته وأسعد بالمعرفة عنه أكثر .

            له ولك كل التقدير والاحترام .

            ترى هل يمكن أن نراه هنا في كوكبة هذا الملتقى الرائعة ؟؟؟؟

            كم أتمنى ..............

            النوار


            sigpic


            كلماتنا أرواحنا تهمي على السطر

            تعليق

            • د. حسين علي محمد
              عضو أساسي
              • 14-10-2007
              • 867

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة دكتور مشاوير مشاهدة المشاركة
              [align=center]
              سيرة عطرة واهلا وسهلا بالدكتور وليد القصاب استاذنا الفاضل
              وشكرا لحضرتك دكتور حسين علي ..
              تقديري واحترامي لك
              [/align]
              شُكراً للدكتور مشاوير على تعليقه الكريم،
              مع موداتي

              تعليق

              • د. حسين علي محمد
                عضو أساسي
                • 14-10-2007
                • 867

                #8
                المشاركة الأصلية بواسطة نجية يوسف مشاهدة المشاركة
                شكر الله جهدك دكتور حسين وكم أشكرك فالدكتور وليد علَم من الأعلام كم بحثت عن نتاجه وسيرته وأسعد بالمعرفة عنه أكثر .

                له ولك كل التقدير والاحترام .

                ترى هل يمكن أن نراه هنا في كوكبة هذا الملتقى الرائعة ؟؟؟؟

                كم أتمنى ..............

                النوار
                شُكراً للأستاذة الأديبة
                نجية يوسف
                على تعليقها الجميل،
                وأظن الأستاذ الدكتور وليد
                لا يتعامل مع مواقع الإنترنت،
                مع موداتي

                تعليق

                • د. حسين علي محمد
                  عضو أساسي
                  • 14-10-2007
                  • 867

                  #9
                  الأديب الناقد الدكتور وليد القصاب[1]

                  بقلم: أيمن بن أحمد ذوالغنى
                  .......................

                  هو: وليد بن إبراهيم بن يوسف بن محمد بن إبراهيم القصَّاب، ولد بدمشق سنة (1369هـ/ 1949م): بلاغي وناقد كبير، من علماء العربية وأدبائها المبدعين المرموقين، قاص وشاعر، وباحث ومحقق، وأستاذ جامعي. أحد أقطاب الأدب الإسلامي، وشجًا في حلوق الحداثيين. جاد مستقيم لا يداري ولا يماري، متواضع فاضل.
                  انتسب إلى كلية الصيدلة بجامعة دمشق، ثم آثر الانتقال إلى كلية الآداب للتخصص بعلوم العربية، وأتم دراسته فيها سنة 1970م، وحصل على دبلوم بالتربية، ثم تابع دراسته العليا في جامعة القاهرة ونال منها شهادتي الماجستير والدكتوراه، الأولى بإشراف الأستاذ الكبير د. يوسف خليف، عن بحثه (قضية عمود الشعر في النقد العربي القديم، ظهورها وتطورها) سنة 1973م، والأخرى بإشراف العلامة د. شوقي ضيف، عن أطروحته (التراث البلاغي والنقدي للمعتزلة حتى القرن السادس الهجري) سنة 1976م.
                  ويمَّم وجهه شطر الولايات المتحدة الأمريكية فدرس فيها الصِّحافة، وحصل على شهادة دبلوم من جامعة (Wane State).
                  تولى التدريس في عدد من الجامعات العربيَّة منذ أكثر من ثلاثين سنة، منها: جامعة حلب، وجامعة الملك سعود بالرياض (من 1977-1982م)، وجامعة الإمارات العربية (من 1982-1988م)، وكلية الدراسات الإسلامية والعربية بدبي (1989-2002م)، وجامعة عجمان (2002-2003م)، وانتُدب في الوقت نفسه أستاذًا في جامعة القدس المفتوحة في دبي مدة خمس سنين، وكلية التعاون الخليجي في عجمان سنتين، وجامعة الشارقة سنة، وكان من أعضاء لجنة إعداد مناهجها الدراسية.
                  ويعمل حاليًّا أستاذاً للدراسات العليا في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض منذ سنة (2003م). أشرف وشارك في مناقشة عدد كبير من رسائل الماجستير والدكتوراه.
                  وكان عمل سنوات في الصِّحافة، وعيِّن مستشاراً ثقافيًّا لعدد من المجلات، منها: (الفيصل، ودبي الثقافية، والصدى، والحرس الوطني). وكلِّف إدارة تحرير مجلة (الدراسات الإسلامية والعربية) في دبي ثماني سنين، وهو الآن مدير تحرير مجلَّة (الأدب الإسلامي) التي تصدرها رابطة الأدب الإسلامي العالميَّة.
                  ويعدُّ أحد كبار أعضاء رابطة الأدب الإسلامي، ومن الداعمين لأنشطتها وأعمالها، وهو يقتطع من أوقاته ساعات ثابتة يداوم فيها بمكتب الرابطة في الرياض متبرِّعًا محتسبًا، فضلاً عن إسهامه في تقويم النصوص المقدمة إلى ملتقى الإبداع الشهري فيها.
                  وهو عضو أيضًا في اتحاد الكتَّاب العرب بسوريا، وجمعية حماية اللغة العربية بالشارقة.
                  أعدَّ وقدَّم عددًا من البرامج الثقافيَّة التلفازية والإذاعية في كلٍّ من: دمشق، والقاهرة، والرياض، ودبي، والشارقة، وفي الأخيرة قدم غيرما برنامج تلفازي منها: (من مشكاة الأدب الإسلامي)، و(قضية الأسبوع)، و(شعراء حول الرسول). وبرامج أخرى في الإذاعة، منها: (من مكتبة الشارقة). واستُضيف في كثير من البرامج والندوات التلفازية في قنوات فضائية شتَّى.
                  وحضر عددًا كبيرًا من المؤتمرات والندوات العلمية، في: مصر، والمغرب، والسودان، وعُمان، وتركيا، والجزائر، وتشاد، والأردن، والكويت، وقطر، والإمارات، وأسهم في تقديم بحوث فيها، إضافة إلى أمسيات شعرية وقصصية كثيرة شارك فيها.
                  اختير عضوًا في لجان تحكيم عدد من الجوائز الكبرى، منها: جائزة البابطين، وجائزة سلطان العويس، وجائزة الألوكة الكبرى للإبداع الروائي. وكان عضوًا في لجنة النقد والتقويم لمسابقة (شاعر العرب) التي أقامتها قناة المستقلة الفضائية.
                  وحصل على عدد من الجوائز الأدبيَّة، أهمها:
                  جائزة محمد حسن فقي للنقد الأدبي سنة 1997م، وجائزة سعاد الصباح للقصة القصيرة. وكرَّمه الوجيه السعودي عبدالمقصود الخوجة في ندوته الإثنينية بمدينة جُدَّة في 20 من ذي القعدة 1427هـ (11/ 12/ 2006م).
                  أربت إصداراته على أربعين كتاباً في الأدب واللغة والنقد والتراث والإبداع الشعري والقصصي. واشترك في تأليف كتب اللغة العربية المقرَّرة في مناهج دولة الإمارات العربية المتحدة. وأسهم في إعداد (وثيقة اللغة العربية) الجديدة (2002- 2003م) لمناهج التربية في دولة الإمارات.
                  من كتبه ومؤلفاته المنشورة:
                  حقق: كتاب (الأوائل) لأبي هلال العسكري، وزارة الثقافة، دمشق، القسم الأول: 1975م، والقسم الثاني: 1976م، ط أولى. ثم صدر الكتاب بقسميه عن دار العلوم، الرياض: 1982م، ط ثانية. وكتاب (الأفضليَّات)، لابن الصَّيرفي، مجمع اللغة العربية، دمشق: 1983م. و(ديوان عبد الله بن رواحة)، جمع وتحقيق ودراسة، دار العلوم، الرياض، 1982م، ط أولى. دار الضياء، عمَّان: 1988م، ط ثانية. و(الأشراف): ابن أبي الدنيا، دار الثقافة، الدوحة: 1992م. و(ديوان محمود الورَّاق) جمع وتحقيق ودراسة، مؤسسة الفنون، عجمان: 1991م. دار صادر، بيروت: 2001م، ط ثانية.
                  وألَّف: (قضيَّة عمود الشعر في النقد العربي)، دار العلوم، الرياض،1980م، ط أولى. المكتبة الحديثة، العين: 1985م، ط ثانية. دار الثقافة، قطر: 1992م، ط ثالثة. و(الطِّرمَّاح بن حكيم شاعر الخوارج) القاهرة: 1978م. و(دراسات في النقد الأدبي)، دار العلوم، الرياض: 1983م. و(التراث البلاغي والنقدي للمعتزلة)، دار الثقافة، الدوحة: 1985م. و(في اللغة والأدب والنقد) بالاشتراك، دار الفلاح، الكويت: 1986م. و(الحداثة في الشعر العربي المعاصر، حقيقتها وقضاياها)، دار القلم، دبي: 1996م. و(نصوص النظريَّة النقديَّة عند العرب)، المكتبة الحديثة، العين: 1987م. و(النظرة النبويَّة في نقد الشعر)، المكتبة الحديثة، العين: 1988م، ط أولى. دار المنار، دبي: 1992م، ط ثانية. و(شخصيَّات إسلامية في الأدب والنقد)، دار الثقافة، الدوحة: 1992م. و(قطريُّ بن الفُجاءة)، ندوة أدب الخليج، جامعة الإمارات: 1998م، ط أولى. دار الثقافة، قطر: 1993م، ط ثانية. و(في الأدب الإسلامي): دار القلم، دبي: 1998م. و(البلاغة العربية، البيان والبديع)، دار القلم، دبي: 1998م. و(البلاغة العربية، علم المعاني)، دار القلم، دبي: 1999م. و(في الإعجاز البلاغي للقرآن الكريم)، دار القلم، دبي: 2000م. و(من صيد الخاطر، في النقد الأدبي)، دار البشائر، دمشق: 2003م. و(خطاب الحداثة في الأدب، الأصول والمرجعيَّة) مناظرة مع د. جمال شحيِّد، دار الفكر، دمشق: 2005م. و(النقد العربي القديم، نصوص في الاتجاه الإسلاميِّ والخُلُقي)، دار الفكر، دمشق: 2005م. و(المذاهب الأدبية الغربية، رؤية فكريَّة وفنيَّة)، مؤسسة الرسالة، بيروت: 2005م. و(مقالات في الأدب والنقد): دار البشائر، دمشق: 2005م. و(مناهج النقد الأدبي الحديث، رؤية إسلامية)، دار الفكر، دمشق: 2007م. و(من قضايا الأدب الإسلامي)، دار الفكر، دمشق: 2008م. و(إشكالية الأدب الإسلامي) ضمن سلسلة حوارات لقرن جديد، مناظرة مع د. مرزوق بن تنباك، دار الفكر، دمشق: 2009م.
                  ومن إنتاجه الإبداعيِّ:
                  دواوين شعريَّة: (يوميَّات من رحلة بحَّار)، القاهرة 1977م. و(عالم وضحايا)، القاهرة: 1979م. و(ذكريات وأصداء)، نادي الرياض الأدبي: 1985م، ط أولى. المكتبة الحديثة: 1986م، ط ثانية. و(صور من بلادي)، دار البشير، عمَّان: 1985م، ط أولى. المكتبة الحديثة، العين: 1987م، ط ثانية. و(فارس الأحلام القديمة)، دار الثقافة، الدوحة:1990م. و(أشعار من زمن القهر)، دار القلم دبي: 1996م. و(من شجون الغرباء)، مؤسسة الرسالة، بيروت: 2000م. و(انكسارات)، مؤسسة الرسالة، بيروت: 2005م.و(صفحات من سيرة عنترة)، دار التوبة، الرياض: 2009م.
                  مجموعات قصصيَّة: (هديَّة العيد)، وزارة الثقافة، دمشق: 1973م. و(الخيط الضَّائع)، القاهرة: 1978م. و(البَوح)، دار الفكر، دمشق: 2002م. و(يوم من اللامبالاة)، مؤسسة الرسالة، بيروت: 2005م. و(الصرخة)، دار الفكر، دمشق: 2007م.
                  وله تحت الطباعة: (أكبادنا على الأرض)، ديوان شعر، سيصدر عن النادي الأدبي في الأحساء.
                  فضلاً عن عشرات البحوث والمقالات المنشورة في مجلات محكَّمة وغير محكَّمة.
                  تزوج الدكتور وليد سيدة دمشقية من آل الدقاق، وله منها:
                  أنس بن وليد، ولد سنة (1980م): طبيب أسنان، درس في جامعة عجمان بالإمارات، وتخصص بجراحة الوجه والفكَّين في وزارة الصحة بدمشق، ويعمل طبيبًا مقيمًا في مشفى ابن النفيس. زوجته دمشقية من أسرة الملا.
                  وآلاء بنت وليد، ولدت سنة (1982م): متخرجة في كلية الاقتصاد بجامعة دمشق. زوجها دمشقي من آل الملا (شقيق زوجة أنس).
                  ويمان بن وليد، ولد سنة (1985م): درس الصيدلة في جامعة عجمان بالإمارات، وحصل على ماجستير بالصيدلة السريرية من جامعة العلوم والتكنولوجيا بإربد في الأردن، ويحضِّر حاليًّا الدكتوراه في التخصص نفسه في جامعة (بينانج) بماليزيا.
                  وعامر بن وليد، ولد سنة (1989م): طالب في السنة الثانية من كلية الاقتصاد، بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض.
                  ومودَّة بنت وليد، ولدت سنة (1996م): في الصف الثاني المتوسط. وريم بنت وليد، ولدت سنة (2002م): في الصف الأول الابتدائي.
                  ـــــــــــ
                  [1] اعتمدتُ في إنشاء هذه الترجمة على مشافهات أستاذي الفاضل المترجَم، وهو من أصحاب الفضل عليَّ، في تشجيعي على الكتابة والأخذ بيدي في عالم الأدب، جزاه الله خيرًا.

                  تعليق

                  • د. حسين علي محمد
                    عضو أساسي
                    • 14-10-2007
                    • 867

                    #10
                    يوم من اللامبالاة

                    قصة قصيرة، بقلم:د. وليد قصاب

                    قررت اليوم أن أكون سعيداً. ولم لا؟ لقد اشتقت ـــ والله ـــ إلى طعم السعادة. كدت أنسى طعمها. وقد قرأت أمس بحثاً علمياً في مجلة متخصصة يقول أن الإنسان قادر على إسعاد نفسه إذا أراد، وهو قادر على إتعاسها كذلك...‏
                    قررت أن أخوض هذه التجربة الطريفة. استيقظت مبكراً على غير العادة. بورك لأمتي في بكورها.‏
                    دخلت إلى الحمام، قضيت حاجتي وغسلت وجهي ويدي. نظرت إلى وجهي في المرآة طويلاً، اكتشفت لم أزل أحتفظ بغير قليل من الوسامة على الرغم من تقدمي في السن، واكتساح الشيب الواضح لرأسي.‏
                    قررت أن أحلق ذقني مع أنها لم تكن طويلة، ولكن الأناقة جزء من السعادة التي عزمت على اصطيادها في هذا اليوم. عندما رحت أمشط شعري خطرت لي فكرة أن أغير تسريحته التي درجت عليها منذ سنين. كم قيل لي إنها صارت تسريحة قديمة وهي لا تليق بي! فرقت شعري إلى اليسار، ثم رفعت غرتي إلى الأعلى كما يفعل بعض شباب هذه الأيام.‏
                    آه! بدوت أصغر من سني بخمس سنوات على أقل تقدير.‏
                    طربت، فأخذت أدندن أغنية عاطفية قديمة لعبد الحليم حافظ.‏
                    خرجت إلى شرفة المنزل، ألقيت نظرة على الحارة. كانت أكوام الزبالة منتشرة في كل مكان، تنبعث منها روائح كريهة. هذا المنظر كان يوتّر أعصابي، أين البلدية؟ وأين عمال التنظيف.‏
                    أما اليوم فقد أوشكت أن أراه مشهداً طريفاً يبعث على الاستياء. والروائح الكريهة تنفُذ إلى رأسي، وتسبب لي الصداع...‏
                    دخلت إلى الغرفة، وأنا أمط شفتي بغير مبالاة. أخذت أستعد لإعداد طعام الإطار. دخلت إلى المطبخ، كانت الدنيا فيه ـــ كالعادة ـــ قائمة قاعدة. الأواني المتسخة تملأ المجلى، تنتظر الهمة من أمس. رزمة الخبز متروكة مكشوفة، فتيبسَ الخبز وتقرمد. اللبن والجين والزيتون في البراد، من غير غطاء.. و.. و.. لا يهم، لم لا أعتاد على ذلك؟ لا فائدة، تخاصمت معها آلاف المرات، وصلت أصواتنا إلى آخر الدنيا. إنها لا تستطيع أن تكون غير ذلك، ولو دخلت إلى بطن أمها ثم خرجت.‏
                    تغاضّ اليوم، إنك تخوض تجربة السعادة ولن تتحقق إلا باللامبالاة.‏
                    أفلحت في إشعال "البوتغاز"، الذي انسدت فتحتاه من الأوساخ. صنعت شاياً، وتناولت ما وجدت من فتات الطعام المرمي على الطاولة. لم أغضب، بدأت أستعد للخروج إلى عملي. ما تزال مستغرقة في النوم. لا يهم. ينبغي أن أتجاهل كل شيء اليوم، أريد أن أجرِّب السعادة، أريد أن أصطنعها. قال صاحب البحث: تجاهل ما يتعسك، تسعد. انظر إلى الأشياء التي تُكْرِبك بمنظار جديد، تجدها ألطف. انظر في كأس الماء إلى نصفه الملآن، وانسَ نصفه الفارغ. حاول كذا... افعل كذا.. حسناً.. هاأنذا أحاول أيها المؤلف العظيم كما ترى.‏
                    رحت أستعد لارتداء ثيابي، أخرجت بنطالي الأسود الذي أحبه كثيراً. كان متسخاً، ويحتاج إلى كي. أخرجت الكحلي، لم يكن أحسن حالاً. حسناً، سألبسه هكذا.. لا يهم.. قيمة الإنسان في مَخْبَره لا في مظهره...‏
                    خرجت إلى الشارع، كان هواء الصباح منعشاً عليلاً، لم أشعر بروعة الصباح، منذ زمان بعيد. سلمت على أكثر من شخص قابلته. لم يكن من عاداتي السلام على أحد، كنت أمشي مقطب الوجه لا أكاد أرى أحداً في طريقي، أو أرد السلام على من يسلّم علي. كنت دائماً مستعجلاً. أخشى أن أتأخر عن عملي فأسمع من المدير لاذع القول وقارص الكلام.‏
                    رحت أمشي الهوينا.. لمَ العجلة؟ ما أبشع هذه العادة في!.. فلأجرّب السكينة.. ما أجمل ألا تشعر أنك ملاحق بالعصا!..‏
                    وصلت إلى محطة الحافلات، وقفت أنتظر وسط الزحام الخانق. انتظرت طويلاً، ولكني مارست اللامبالاة. وضعت يدي ورجلي، في ماء بارد. ليأت الباص متى شاء.. لماذا أتنرفز واغضب وأحرق أعصابي، من القلق؟ ما فائدة ذلك. إنه لن يعجل بوصول الباص، ولن يجيء به غير معطل.‏
                    أقبل باص مهترئ، يتهادى في خور كالعجوز المريضة..‏
                    اندفع الناس إليه مستعجلين، يدفع بعضهم بعضاً، حمقى متوترو الأعصاب. كادت هذه المرأة ذات الكعب العالي، أن تسقط.‏
                    وقفت أنتظر حتى يخف الزحام.. انطلق الباص، ركب من ركب. لا يهم.. سأنتظر الباص الآخر. جاء باص ثان وثالث، والزحام لا يخف. وأنا هادئ الأعصاب. لا أدافع.. ولا أشاكس... ولا أقتحم.‏
                    الوقت يمر.. أخيراً أتيح لي أن أركب، من غير مدافعة. نظرت في ساعتي، كانت تقترب من الثامنة والنصف. الدوام في الثامنة.. طُزْ في الدوام.. ليفعل المدير ما يشاء، سأقول له:‏
                    انتظرت طويلاً حتى جاء باص، استطعت أن أركب فيه من غير أن انحشر كقطعة السردين.‏
                    وإذا أغلظ في القول فـ(سأطنِّش(.. أصبحت حكمة اليوم "طنِّش تعشْ"..‏
                    فتح سائق الباص المذياع على الأخبار: طائرات أمريكا وإنكلترا تقصف جنوب العراق.. اليهود يقتحمون المسجد الأقصى وعشرات القتلى والجرحى الفلسطينيين في مواجهات دامية للدفاع عن مقدسات العرب والمسلمين.. الرؤساء العرب في مؤتمر القمة يشجبون ممارسات العدو الصهيوني..‏
                    ـــ لا حول ولا قوة إلا بالله..‏
                    حولق شخص جالس إلى جانبي.. وهو يكاد يحترق من الغيط، يشجبون!‏
                    ضحكت في سري.. أنا لست مثله اليوم...‏
                    ـــ أين نخوة العرب والمسلمين؟‏
                    كان شخص يتهامس مع صديقه الجالس إلى جانبه، خوفاً من أن يسمعهما أحد..‏
                    لن يزعجني شيء في هذا اليوم.. هذا يوم من اللامبالاة، لتفعل إسرائيل وأمريكا بالعرب ما يشاؤون.. لقد رضي القوم بذلك.. لو كنت في غير هذا اليوم لكنت الآن محترقاً من الغيظ كذلك الرجل الذي يحولق... تتآكل أوصالي من الحسرة والخيبة والإحساس بالعجز والعار... ولكن لا فائدة من ذلك... يجب أن تتعود... القاضي راض...‏
                    كان الزحام في الشوارع على أشدّه، الباص يشق طريقه بصعوبة. وصلت إلى عملي في التاسعة.. دخلت بارد الأعصاب.. هادئاً... اقتحمتني نظرات زملائي بقلق واستغراب...‏
                    ـــ التاسعة.. خير إن شاء الله!‏
                    صاح أحدهم، يروزني... تجاهلت كلامه، ومضيت إلى مكتبي غير مبال..‏
                    * * *‏
                    في آخر الدوام وصلني كتاب من المدير: "لوحظ أنك لست على المستوى اللائق للعمل في شركة محترمة كهذه... احترام مواعيد الدوام من أساسيات العمل... هذا إنذار يوجه إليه، ومخصوم من راتبك أجر يومين..".‏
                    لم أبالِ... ألم أقرر ألا ينغصني شيء في هذا اليوم؟ سأكون أبرد من طين الشتاء. حتى أظافري لم أحاول في هذا اليوم قضمها...‏
                    خرجت من عملي... وقفت أنتظر عند موقف الحافلات..‏
                    لن أركب، حتى يخف الزحام تماماً. صارت الساعة بعد الرابعة عصراً...‏
                    ما إن بلغت أول الشارع الذي أسكن فيه، حتى رأيت بعض رجال الإطفاء يسدوّن الطريق، وآخرين يندفعون بمعداتهم لإخماد حريق كبير شبّ في بعض البيوت.‏
                    لاحت لي ألسنة اللهب، وكأنها قريبة من منزلي. كنت أغني. توقفت عن الغناء. عراني توتر مفاجئ، كدت أندفع على غير هدى.. فجأة لمحت ولدي يوسف قادماً من آخر الحارة، رآني فأقبل نحوي:‏
                    ـــ بابا... لماذا تأخرت... نشب حريق هائل أتى على نصف بيوت الحارة...‏
                    لم أدعه يكمل، صحت فيه:‏
                    ـــ بيتنا يا يوسف؟...‏
                    ـــ اطمئن يا أبي، وصل رجال الإطفاء قبل أن تقترب النار منه.‏
                    عادت السكينة... لا يهم... ما دام بيتي بخير... وهذا يوم من اللامبالاة... عدت أدندن بالأغنية، وأتفرّج على ما يحدث...‏
                    ....................................
                    * مجلة "الموقف الأدبي" ـ العدد 420 ـ نيسان 2006م.

                    تعليق

                    • د. حسين علي محمد
                      عضو أساسي
                      • 14-10-2007
                      • 867

                      #11
                      أجمل فتاة في الجامعة

                      قصة قصيرة، بقلم: د. وليد قصَّاب

                      كانت سميرة أجمل فتاة في الجامعة كما اتفق على ذلك الجميع، بل كانت لا تُعرف إلا بهذه الصَّفة، حتى كان لا يسأل عنها أحد إلا بها، نادراً ما ذكرت باسمها..‏
                      كانت عندما تمشي مشيتها المغناج المعهودة تطيش عقول الرجال وأفئدتهم وراءها، وتميل رؤوسهم حيثما مالت.. أما الطالبات فكانت الغيرة تأكل قلوبهن.. فقد كان ظهورها كافياً لكي يلغي جميع النساء، ويهمِّش جميع الفتيات.. كانت كالشمس.. تتراجع أمامها الكواكب.. كانت تحفة فنية نادرة من الجمال والحسن والأناقة، تجلّت فيها عظمة الخالق في الإبداع والتصوير..‏
                      -سبحان المبدع فيما أبدع.‏
                      -سبحان الخلاق العظيم..‏
                      -كأنها سقطت من جنة عدن إلى دنيا البشر..‏
                      كان هذا أبسط ما ينفذ إلى مسامعها من عبارات الإطراء التي تُرمى بها حيثما سارت وأينما حلّت..‏
                      انتشت غروراً بجمالها الفتّان، سكرت من خمر فتنتها الآسرة حتى اقتنعت أن أحداً من الرجال لن يستطيع مقاومة إغرائها.. راحت تشطح بها الأحلام، أرسلتها إلى سماوات عليا من الرغبات والمطامح والنزوات.. ستتزوج أعظم الرجال: وسامة، وثروة، ومركزاً اجتماعياً.. يكفي أن تشير بيدها إلى الرجل الذي تختاره حتى ينحني بين يديها ملبياً..‏
                      ***‏
                      ولكن مشكلتها أن غرورها راح يمدّ لها دائماً في حبال الوهم؛ فكلما تقدّم إليها رجل وجدته لا يرقى إلى قمة طموحها.. تقدَّم الطبيب والمهندس وأستاذ الجامعة ورجل الأعمال والدبلوماسي.. وغير هؤلاء وهؤلاء.. تقدّم إليها "عرسان" لا ترفضهم امرأة، ولكنها رفضت الجميع، أوجدت في كل واحد منهم عيباً.. كانت "لكن" دائماً مفتاح الرفض:‏
                      -هذا طبيب ناجح.. ولكن عيادته في حي شعبي..‏
                      -هذا مهندس عبقري.. ولكنه غير ميسور الحال‏
                      -هذا تاجر كبير ممتلئ دسماً .. ولكنه غير مثقف..‏
                      -مثقف، وغني، ومركز.. ولكن وسامته غير كافية..‏
                      صرخت فيها أمها ذات يوم:‏
                      -طيّرتِ جميع الرجال.. من أنتِ؟ من تظنين نفسك؟.‏
                      أجاب غرورها المعهود:‏
                      -أنا أجمل فتاة في الجامعة.. هل نسيتِ؟‏
                      صاحت أمها متبرَّمة:‏
                      -مللنا من هذه الأسطوانة.. والجمال ليس كل شيء..‏
                      صاح الغرور مجادلاً:‏
                      -بل كلُّ شيءٍ بالنسبة للمرأة.. ومن كانت أجمل فتاة يا أمي ألا تستحقّ رجلاً لا نظير له؟‏
                      **‏
                      السنوات تمضي.. تتقدّم في العمر.. ولكن غرورها لا يتراجع أبداً.. وكلما مر يوم جديد تناقص عدد المتقدمين إلى خطبتها، وتضاءلت مواهبهم وإمكاناتهم:‏
                      كادت ذات يوم تنفجر من الغيظ عندما تقدم معلم مدرسة لخطبتها. صاحت حتى أسمعت الخاطبة التي انسحبت قبل أن تشرب فنجان قهوتها:‏
                      -هذا ما كان ينقصني.. معلّم مدرسة! كيف تجرأ هذا المأفون على التقدم إلى خطبتي؟.. ألا يعلم من أنا؟‏
                      ثم مع مرور الوقت تقدّم سائق تاكسي أجرة لخطبتها، فجن جنونها، وطردت أمه شرّ طِردة..‏
                      بعدها انقطع أثر الخاطبين.. شاع في الناس غُرورها وسوء خلقها في استقبال المتقدّمين، فلم يعد يطرق بابها أحد..‏
                      انكفأت على نفسها تجترّ أحلاماً قديمة يغذّيها غرور يأبى أن يطأطئ..‏
                      **‏
                      كانت قد تخرجت منذ سنوات.. عُيِّنت في مركز محترم في إحدى الشركات الهامة. غرورها أبعد عنها الجميع، رسّخ عند زملائها أنها امرأة للفرجة والتأمل، ولكنها ليست للمعاشرة أو المصاحبة أو الزواج..‏
                      لم يكن لها صديقة ودود تتباثث معها شجون النفس أو خلجات الفؤاد، أو هموم الحياة والعمل.. كانت تعيش وحدها..‏
                      كان الحاج "أحمد" عامل الكافتيريا الكهل هو الوحيد الذي يتحمل غرورها ولهجتها المتعالية بود، ويظهر لنا حفاوة نادرة يستغرب لها الجميع.. كانت تأمره وتنهاه كأنه خادم في بيت أبيها، أو كأنه يقبض منها مرتبه في آخر الشهر، ولكنه لم يكن يستاء منها أبداً... بل كان يستقبل أوامرها الفظة بود واستسلام:‏
                      -أحضر القهوة.. نظِّف المكتب.. هات الملف.. معك دقيقة واحدة لتحضر لي..‏
                      هكذا بالأمر المجرّد.. أوامر قاسية لا تليق بغلام حَدَثَ فما بالك برجل تجاوز الخمسين؟.. ما شفَّعتها مرة بـ"من فضلك" أو "لو سمحت" أو "شكراً" أو ما شاكل ذلك..‏
                      قالت له مرة إحدى زميلاتها في العمل؟‏
                      -هذه فتاة مغرورة.. ولا يليق بمثلك يا حاج أحمد أن تتحمّل هذه الإهانات وتسكت... لو كنت في مكانك وخاطبتني بهذه اللهجة لرميت والله فنجان القهوة في وجهها...‏
                      ولكن الحاج أحمد لم يفعل.. ولم يوغر صدره شيء عليها.. لم يدر لم كان يحسّ بالمودة تجاهها.. ظلّ يتحمل غرورها، ويسكت على صلفها وخشونتها.. حتى داعبته يوماً موظفة خبيثة قائلة له:‏
                      -واللهِ لو كنتَ تحبها يا عم أحمد لما تحملتها هكذا..‏
                      شرق بريقه ولم يرد، وسمعت سميرة هذا الكلام من غرفتها البعيدة، فامتلأت حنقاً وغيظاً.. ونهضت متحفِّزة تريد أن تقصد زميلتها.. ولكنها ارتدت فجأة إلى مكتبها.. وهي تكتم غيظها، وتكز على أسنانها.. ولكنها سرحت بأفكارها..‏
                      **‏
                      لم تستطع أن تنام تلك الليلة، كانت أضغاث من الأفكار والصور والذكريات تعبر أمامها.. راجعت حساباتها حتى حطت أمام سني عمرها الثلاثين.. لم يشفع لها جمالها الخارق أن تنال الرجل الذي تريد.. بل يبدو الآن وكأن قطار الرجال قد فاتها.. ضيّعت جميع الفرص.. ظلت تنتظر مَلَكَاً معصوماً يليق بها يهبط من السماء، ولكن هذا الملك لم يهبط.. ثم انقطع الرجال العاديون والأقل من العاديين عن طرق بابها.. وبقيت تنتظر..‏
                      هل ستعيش وحيدة.. ماتت أمها منذ سنوات وفي قلبها حسرة بالغة.. إنها تموت ولم تفرح بها.. كان آخر ما قالته لها:‏
                      -يابنتي.. كفكفي من غرورك قبل أن تندمي.. أعمار زواج الفتيات في بلادنا لها أجل محدود.. ما يزال بعضهم يريدك.. ها هي ذي وحيدة كشجرة في صحراء.. وأخواتها –الأقلّ جمالاً منها بكثير- تزوجن جميعاً زيجاتٍ أصبحت تحلم الآن بعُشْرها..‏
                      **‏
                      لم تستطع تلك الليلة أن تنام.. لم تدرِ لمَ غزا –على غير انتظار- الحاج أحمد-كهل الكافتيريا في الشركة-خواطرها بشكل غير مسبوق ولا معقول.. لماذا يعاملها –وهي القاسية المتعالية عليه باستمرار-بكل هذا اللطف وهذه البشاشة وهذا الدِّفء؟ ماذا يحمله على تجاهل "غلاظتها" وتحمل خشونتها وإهاناتها؟..‏
                      دوّت في أذنيها جملة زميلتها وهي تستثيره عليها.‏
                      -والله لو كنت تحبها يا عم أحمد لما تحملتها هكذا؟..‏
                      أيعقل أنه يحبها؟ هل يتجرأ هذا "الجربوع" على أن يحبّ مثلها؟..‏
                      أن يحب سميرة "أجمل فتاة في الجامعة"؟ تباً له من تعِس مغرور!‏
                      لتجعلنّه عبرة لمن يعتبر.. لتفعلنّ به وتفعلنّ وتفعلنّ.. فار بركان غرورها من لا شعورها.. هاجت وماجت كعادتها من عشر سنين...‏
                      ولكنها ثابت فجأة إلى رشدها.. عادت إلى واقعها.. هدأ مرجل الغضب، وسكن بركان الغرور.. لماذا هي محتدة هكذا؟..‏
                      بل لماذا هي مهتمة بهذا الكهل التافه؟.. هو حر أن يفكر فيها كما يشاء.. وليحبّها إن أراد.. إنها لا تملك قلبه، وهي ليست مسؤولة عما يفكر فيه.. هل على الحب قيود.. هل له قوانين وأنظمة؟ هل هنالك حرّاس على القلوب تمنع العواطف من الولوج إليها؟..‏
                      الحاج أحمد كهل جاوز الخمسين منذ سنوات، ولكنه لم يتزوج إلى الآن. سألوه كثيراً، فكان يقول:‏
                      -العين بصيرة.. واليد قصيرة..‏
                      ولكنْ لماذا تفكر فيه؟.. ما باله يحضر إلى خواطرها؟..‏
                      ماذا يدور في رأسك أيتها الحمقاء المتعالية؟..‏
                      خرجت إلى عملها في صباح اليوم التالي.. تأنّقت أكثر من المعتاد. لم يكفّ خيالها لحظة عن التفكير في الحاج أحمد، واستحضار صورته بعجرها وبجرها..‏
                      كانت خواطرها مزيجاً من مشاعر شتى، ولكنّ الحاج أحمد كان محورها الأول، وكلما استحضرت نقيصة من نقائصه التي كانت تعدّدها في الرجال من قبل، وترفضهم من أجلها، قالت في إثرها:‏
                      -ولكنه رجل.. رجل على كلّ حال..‏
                      عندما دخل عليها، بعد وصولها إلى مكتبها، بفنجان قهوتها المعتاد نهضت لاستقباله، بشّت في وجهه، قامت من وراء مكتبها، تعمدت أن تريه محاسنها جميعاً وكأنه يراها لأول مرة..‏
                      -كيف حالك يا أحمد؟..‏
                      هكذا نادته من غير "عم" أو "حاج" وبلهجة رقيقة ناعمة لم يصدق الحاج أحمد أذنيه، خيل إليه أنه في حلم.. اضطربت يده حتى كاد الفنجان يسقط منها.. ناولها فنجان القهوة وهو في حالة من الدهشة والذهول.. أخذته وهي تبتسم:‏
                      -شكراً يا أحمد.. ألف شكر.. قهوتك رائعة..‏
                      ازداد ذهول الحاج أحمد.. خرج وهو يلتفت إليها بين الفينة والفينة في حذر وذهول..‏
                      راحت سميرة تراقبه بود حتى غيّبه الباب.‏
                      ................................
                      *الأسبوع الادبي العدد 1015 تاريخ 15/7/2006م.

                      تعليق

                      • د. حسين علي محمد
                        عضو أساسي
                        • 14-10-2007
                        • 867

                        #12
                        المحطة الأخيرة

                        قصة قصيرة، بقلم: د. وليد قصاب

                        وحيدة في غرفتها.. بل في البيت كلّه.. يلفّ الصمت كلّ ما حولها.. غارقة في كتبها ومجلاتها.. تحاول أن تسلّي نفسها في وحدتها القاتلة، ولكن الملل يعتصر فؤادها..‏
                        تتأمل الأشياء من حولها، كل شيء فارغ من المعنى، خالٍ من الروح والحركة. كم غيّرت وبدلت في ترتيب البيت، ومكان الأثاث، لعل بعضاً من الروح ينبعث في هذا البيت الضخم الكبير الذي يحتضن وحدتها.. ولكن بلا فائدة.. إن الأماكن لا تكتسب جمالها وبهجتها إلا بالناس الذين يعمرونها. وهي تعيش في هذا البيت الفاخر الكبير الذي تحسد عليه في الصباح والمساء وحيدة بلا رفيق ولاأنيس.. ارتحل جميع من تحب.. كان آخرهم أبوها الذي شيَّعته منذ أسبوعين إلى مقره الأخير..‏
                        يرحمك الله يا أبي... هل هو حقاً سبب وحدتها هذه؟ هل هو الذي فوَّت عليها كل قطار كان ينتظرها؟‏
                        ***‏
                        وراحت ترهف السمع.. استغرقت في التأمل والتذكر.. خيل إليها أنها تسمع صوت القطار وهو يبتعد.. تقرع في أذنيها حركات عجلاته.. إنه ينطلق بسرعة جنونية مخلفاً محطتها الأخيرة، تاركاً إياها وحيدة على قارعة درب موحش.‏
                        جالت ببصرها في جنبات البيت.. يلف الصمت كلّ شيء، فيه يبدو كالقبر المهجور..‏
                        تحط عيناها على صورة أبيها تملأ حائط الصالة الكبيرة... مهيب جسيم، ذو شارة ووسامة وعظمة، هكذا عاش ومات.‏
                        راحت تتأمل الصورة... وتنصت إلى صافرة القطار المغادرة.. يرحمك الله يا أبي.. ألف رحمة تسقي جدثك.. لم يكن يهمك أبداً موعد القطار.. كنت تحسبه تحت أمرك.. يأتي متى شئت ويغادر متى شئت.. لم تضع في حسبانك قط أنه قد يفوتني ويخلّفني وحيدة في صحراء قاحلة..‏
                        رفضتَ يا أبي –يرحمك الله- جميع من تقدم ليصطحبني معه في رحلة الحياة الشاقة التي لابد للإنسان فيها من شريك..‏
                        -هذا متوسط الحال لا يمكن أن يؤمن لك العيش المطلوب.‏
                        -أنت جامعية وهذا لم يجاوز تعليمه الشهادة الثانوية..‏
                        -وهذا ليس ابن عائلة عريقة.. وأنت تعرفين من نحن؟‏
                        -وهذا قلبي لا يطمئن إليه..‏
                        وهذا.. وهذا.. كنت تريده مبرّأ من كل نقص.. أو ماكنت تراه نقصاً بموازينك الصارمة، وما كان أكثر النقائص عندك!‏
                        وعندما تقدّم إليّ "محمود": وكادت تشرق بالدمع عندما تذكرت محموداً.. أجمع الكل –حتى أمي التي تتلمذت على يديك في كثير من الآراء. إنه الرجل المناسب، رحت يا أبي –يرحمك الله- تُعييه بطلباتك المادية والمعنوية. بدوت كأنك "تُعجزه"... بدوت كالأستاذ القاسي الذي يتحامل على طالب لا يريد تنجيحه.‏
                        لم يتحمل محمود... لم تسمح له كرامته.. نفرته يا أبي.. "طفّشته".. وعلى حبه الشديد لي الذي لم يكن يخالجني فيه شك، قال لي بعد أن صمد طويلاً:‏
                        -لم أعد أطيق احتمال مايريد أبوك..‏
                        ثم أكمل وهو حزين تترقرق في عينيه دموع يحاول إخفاءها:‏
                        -يبدو أن أباك غير راغب في هذه الزيجة... مطالبه تعجيزية... كلما لبيت له طلباً تفتق ذهنه عن آخر... أبدو غير مؤهل لواحدة ذات حسب ونسب مثلك..‏
                        ثم احتبس الكلام في حلقه، وخرج ولم يعد..‏
                        لماذا تفعل ذلك يا أبي؟ يرحمك الله.. رفعت عينيها دامعتين إلى الصورة.. كان جوابك دائماً حاضراً:‏
                        -حرصاً على مصلحتك يا ابنتي...‏
                        ما أكثر ما رددت هذه العبارةَ وهل مصلحتي أن أبقى وحيدة كنبتة ذابلة في صحراء موحشة.. لا رجل يحميني أو يضمني أو يبعث الدفء في عروقي المقرورة وقد أصبحت في الخامسة والثلاثين؟ ألستُ بشراً من لحم ودم وشعور وإحساس؟..أليس الزواج يا أبي-وأنت لا تقطع فرض صلاة-سنة من سنن الله في الكون؟ أليس الرجال شقائق النساء والنساء شقائق الرجال كما قال رسولنا الكريم؟ هل تستغني المرأة عن الرجل؟ إن البرد يخترق أضلاعي.. ماذا أقول لك يا أبي أكثر من ذلك؟.. يرحمك الله!..‏
                        ماذا أفعل الآن؟ لقد غادرني... بل لقد غادرني الجميع... وهاهو ذا القطار يغادرني كذلك.. إنه يخلّف وراءه محطتي ويمضي طاوياً الأرض بسرعة جنونية.. صفيره يصمّ أذني... ولكنه يأخذ في الخفوت شيئاً فشيئاً.‏
                        -يرحمك الله يا أبي..‏
                        قالوا –ولم أصدق- إنك بعد رحيل أمي-خشيتَ الوحدة، خِفتَ فراقي حتى لا تبقى بلا أنيس ولا رفيق في هذه السنّ.‏
                        لم أصدّق... هل يعقل أن تكون ضحيت بي من أجل مصلحتك؟. أنا لا أصدق ذلك ولا أهضمه... كنت تحبني بملء جوارحك، ماكان يتردد على لسانك إلا "أميرة" حتى بعث ذلك الغيرة مني في كلّ من حولي. حتى أمي-يرحمها الله-كانت تتضايق من ذلك. قالت لك أكثر من مرة:‏
                        -أميرة... أميرة... مافي نفسك إلا أميرة.. اتق الله يارجل.. لا تميّز بين أولادك.. أما خلق الله لك غير أميرة؟..‏
                        سمعتها تقول لك ذلك في السر والجهر، ولكني كنت أثيرة عندك، وماكنت تستتر في إظهار ذلك، كنت تضرب بكلامها عرض الحائط، وتمضي في تدليلي وإيثاري...‏
                        كنت أفرح بهذا الإيثار، وأغتبط بهذا الحبّ.. ولكنْ ماذا جرّ عليَّ بعد ذلك؟ هل صحيح أن "من العشق ما قتل"؟...‏
                        هل حبك الزائد لي جعلك تتلكأ في زواجي؟ لا أصدق... بل كنتَ تحرص على أن تختار لي الزوج المناسب:‏
                        -الدنيا أصبحت غابة يا ابنتي.. ندر فيها الخير وأهل الخير... والزواج أهم حدث في حياة الإنسان.. عليه يتوقف مصيره كله.. ولذلك لابد أن يتأنى في الاختيار وإلا ندم طوال العمر..‏
                        من كان يستطيع أن يعارضك يا أبي؟.. كان دائماً كلامك مقنعاً. مغلفاً بالهيبة والوقار:‏
                        -أنت بنت فيك كل الصفات التي تجعل أي رجل يحرص عليك، ويسعى إلى مثلك...‏
                        كنت تنفخ في غروري.. ولكن "محمود" يا أبي كان زوجاً مناسباً.. على دين وخلق وثقافة، وابن عائلة كما أردتَ.. وضعه المالي فوق المتوسط، ولكن المستقبل مفتوح أمامه بذراعين عريضتين... ولقد أحبني بصدق وإخلاص، أحب "أميرة" لذاتها.. لا لأسرتها ولا لمركز أبيها.. وأحببته كذلك من كل قلبي.. تفتحت له أوراق عواطفي ورقة إثر ورقة.. كنت أستشعر الدفء والإخلاص في كلامه..‏
                        قطعت عنقه بكثرة طلباتك يا أبي.. قلت إنك تريد أن تختبر وضعه المادي.. أهي صفقة؟ ماكنتَ يوماً تاجراً يا أبي.. كنت دائماً ذا قلب ودود رحيم.. لماذا صرت في أيام زواجي تاجراً، بل تاجراً جشعاً، اغفر جرأتي يا أبي، وسامح وقاحتي.. ماجرؤت يوماً أن أعترض على كلمة من كلماتك.. كنت كالنعجة الذلول.. ولكني الآن أحس بالضياع والفراغ والسأم.‏
                        رحل محمود والدموع في عينيه منعته رجولته من سكبها، وبقيت وحيدة أجتر الأسى والذكريات...‏
                        رحتَ تصبرني وتسليني وتنفخ في رماد كبريائي وغروري:‏
                        -سيأتيك من هو أحسن من محمود بخمسين مرة...‏
                        ولكن ماجاءها بعد ولا الأقل من محمود بخمسين مرة...‏
                        مضى على رحيل محمود أكثر من عشر سنين.. ما جاء بعد ذلك رجل يطرق بابها، كان ذلك آخر عهدها بالخاطبين... وهاهي ذي في الخامسة والثلاثين. تزداد مأساتها برحيل أبيها الذي كان قلعة شامخة تأوي إليها فتشعر بالأمان من عاديات الأيام.‏
                        *****‏
                        تخلد إلى الصمت، تدوي في أذنيها مرة أخرى صافرة قطار مغادر إلى غير عودة.‏
                        أنا وحيدة يا أبي... تركتني وتركتني أمي... وإخوتي وأخواتي تزوجوا جميعاً، صرت كالمقطوعة من شجرة، صرت نبتة جافة في صحراء قاحلة. جاوزتُ الخامسة والثلاثين.. من يأرب بامرأة في الخامسة والثلاثين؟ لن يأرب بها إلا المتردية والنطيحة وما أكل السبع.‏
                        إنه قدرها على كل حال... راحت تتأمل صورة أبيها بهيبته وشارته وعظمته... كانت تملأ حائط الغرفة:‏
                        -يرحمك الله يا أبي....‏
                        لا يعرف الإنسان أين يكون الخير؟... هكذا شاء الله لها... والخيرة فيما أراد الله...‏
                        أحست أن الدموع تملأ عينيها، أخذت منديلاً تجففهما. ثم قامت من مجلسها، فتوضأت وصلت، وراحت تدعو الله في سرّها بتبتل وخشوع.‏

                        تعليق

                        • د. حسين علي محمد
                          عضو أساسي
                          • 14-10-2007
                          • 867

                          #13
                          زيارة عائلية

                          زيارة عائلية

                          قصة قصيرة، بقلم: د. وليد قصّاب

                          كنتُ –كعادتي- مستغرقاً في القراءة.. هوايتي.. التي أدمنت عليها إدماناً لا ينجع معه دواء..‏
                          كانت عالمي الذي أطير فيه، ناسجاً من حولي ما أشاء من حالات الحلم واليقظة، والرضى والسخط، والفرح والحزن، وغير ذلك من المشاعر الدفينة التي لا تُحصى..‏
                          وكانت الحديقة التي اعتدت أن أجلس على كرسي منزوٍ في آخرها كلما أحببت أن أغيّر جو البيت، غاصّة بالناس؛ فقد كانت الليلةُ ليلة النصف. البدر متألق مزهو في كبد السماء، والطقس رائع تنساب نسماته عذبة رخية في هذه الليلة المشرقة البهية.‏
                          فجأة رأيتها تندفع نحوي: طفلة صغيرة لا يزيد عمرها على ثلاث سنوات، جميلة كفلقة البدر، رقيقة مثل أنفاس الصباح.‏
                          -بابا.. بابا...‏
                          كانت تصيح بصوت عذب تعجز موسيقا العالم كلّها أن تصدح أرّق منه أو أجمل..‏
                          اندفعت إلى أحضاني، ثم تسلقتني واضعة قدميها فوق ركبتيّ:‏
                          -بابا.. بابا..‏
                          فاجأني ذلك الحدث، وأطار سكينتي. طوّقت الطفلة عنقي بذراعيها الرقيقين، ومضت تطبع قبلات حارة على وجهي وشعري وصدري ويديّ..‏
                          لم أدرِ ماذا أفعل؟ سقط الكتاب من حجري على الأرض، ولكني لم أشعر بسقوطه. كنتُ مباغتاً مأخوذاً بالموقف.‏
                          -بابا.. بابا..‏
                          يطير صوت الطفلة في أرجاء المكان مزقزقاً كأغرودة العصافير، تتجه الأنظار نحوي من كل جهة، أغدو محطّ تطلع الجميع.‏
                          والطفلة مطوّقة عنقي، متشبثة بي، كأنها تحتمي في صدري من شبح مرعب يطاردها .‏
                          -بابا.. بابا.. أين أنت كلّ هذه الأيام؟.. قم..‏
                          راحت تشدّني من ذراعي. كنت متصلباً فوق مقعدي، فاغراً فيّ من الدهشة، والطفلة التي أفلتت عنقي، ونزلت إلى الأرض من بين أحضاني، تمسك الآن ذراعي، وتشدّني لتوقفني..‏
                          -بابا.. بابا.. قم.. ماما تنتظرنا..‏
                          شعرت أن عليّ ألا أبقى جامداً كأبي الهول.. ينبغي أن أفعل شيئاً.. ولكن ماهو؟‏
                          وقفتُ مع الصغيرة، ورحتُ أتطلع حوالي، كانت أنظار كثيرة تتجه نحونا. شدَّتْني، فانقدتُ إليها، مشيتُ معها بضع خطوات، ثم رفعتها بين يديّ، ونسيت كتابي الأثير مطروحاً على الأرض..‏
                          رحتُ أتلفت في كلّ اتجاه. لم أكن ألمح أحداً. والطفلة تصيح صياحاً عالياً بصوتها الموسيقي العذب.‏
                          -بابا.. بابا.. عاد بابا.. اشتقتُ لبابا.‏
                          خطوتُ خطواتٍ توجهني الصغيرة التي أحملها عندما لاحت على البعد طفلة في حوالي الثامنة من عمرها قادمةً باتجاهنا. كانت أختها على ما يبدو من ذلك الشبه الكبير الواضح بينهما. اقتربتْ منا وأنا حامل الصغيرة بين ذراعيّ، وراحتْ تصيح بأختها.‏
                          -ريم.. تعالي.. عيب.. اتركي الرجل.‏
                          شددتُ الصغيرة في أحضاني وهمست في أذنها:‏
                          -ريم؟ اسمك ريم؟ ما أجمله من اسم!..‏
                          قرصتْ الصغيرة خدي وهي تقول بلثغة رائعة:‏
                          -ليم بابا.. نسيت؟..‏
                          صاحت الكبرى بأختها مرة ثانية.‏
                          -ريم.. اتركي الرجل وتعالي.. عيب.. ستزعل منك ماما..‏
                          ولكن ريم ازدادت تشبثاً بي. ألصقت خدّها بخدي، ونهرت أختها قائلة:‏
                          -لن أترك بابا.. أنا مشتاقة إليه كثيراً.. لقد عاد من السفر أخيراً..‏
                          كان موقفاً حرجاً. الصغيرة ريم ملتصقة بي كعصفور مذعور، وأختها الكبرى تنهرها، تدعوها أن تتركني، وتأتي معها إلى عند "ماما" التي تنتظرهما.‏
                          ولما أعيت الحيل مع ريم التفتُّ إلى أختها، وقلتُ لها:‏
                          -أين أمك يا صغيرتي؟.. أنا سأوصل ريم إليها..‏
                          تحركت الطفلة الكبرى وأنا وراءها حاملاً ريم التي هدأت بين يديّ كما يهدأ الفرخ الصغير.‏
                          ***‏
                          كانت الأم تجلس غير بعيد عنا، تشهد ما يحدث، وتتسمع ما يقال وقد علاها الارتباك والحرج، حتى بدا وكأنّ عرق الخجل يتصبب منها..‏
                          -ماما .. هذه ريم.‏
                          صاحت أختها، فنهضت امرأة شابة محتشمة بجلباب طويل وحجاب وقور، أقبلت نحونا، ومدت يديها تجاول أخذ ريم مني وهي تعتذر إليّ بصوت يقطع نبراته الحياء.‏
                          -آسفة يا أخي.. لا تؤاخذنا أرجوك.. تعالي يا ريم.. اتركي "عمو" لقد أزعجته بما فيه الكفاية.‏
                          ولكن ريم ازدادت تشبثاً بعنقي، ثم انفجرت في بكاء حار، وراحت تتمتم بنبراتها الطفولية العذبة من خلال صوتها المتهدج بالبكاء.‏
                          -هذا "بابا" وليس "عمو" بابا أرجوك.. لا تتركني مرة أخرى.. مرة أحبك.. لا أستطيع أن أعيش من دونك..‏
                          هدأت ريم قليلاً، فقلت لأمها وأن أتحاشى النظر إليها بسبب وقارها، وشدّة حشمتها، وإحكام حجابها:‏
                          -اتركيها معي قليلاً يا سيدتي.. أنا سأهدئها وأعيدها إليك.. ثم سألت على استحياء:‏
                          -ولكنْ ما الموضوع؟ مابها ريم؟..‏
                          قالت السيدة وهي تغالب نبرات صوتها المتهدج:‏
                          -هذه ابنتي الصغرى.. كانت شديدة التعلق بأبيها.. كان يشبهك كثيراً يا سبحان الله يا أخي.. يخلق من الشبه أربعون..‏
                          قلتُ، وقد غلبني الانفعال، واستكانت ريم فوق صدري حتى كأنها قد نامت:‏
                          -وأين أبوها الآن يا سيدتي؟‏
                          قالت السيدة وهي تغالب دموعها وتهدُّج صوتها:‏
                          -توفي من حوالي سنة في حادث سيارة.. أخفينا الأمر عن ريم، قلت لها إنه مسافر وسيعود.. حسبتُ إنها ستنساه.. ولكنها في كل يوم تسأل عنه: أين بابا؟.. متى سيعود؟ كانت شديدة التعلق به إلى حد الهوس..‏
                          ثم صمتتْ وصمتُّ. اعتراني تأثر لم أشعر به في حياتي. أما ريم فقد بدا أنها غفت فوق ذراعيّ فعلاً:‏
                          أكملت السيدة مغالبة دموعها وهي تمدّ ذراعيها لتأخذ ريم:‏
                          -ولما رأتك حسبتك هو.. سبحان الله.. كم تشبهه! حفظك الله يا أخي.. وأبعد عنك السوء.‏
                          أخذت المرأة ريم من بين ذراعي. لا أدري لم اعتراني فجأة إحساس غريب وهو أن شيئاً عزيزاً قد انتزع من بين جنبيّ، ثم تضخم هذا الإحساس حتى وجدتني فجأة وكأني على وشك أن أبكي لابتعاد هذه الصغيرة.‏
                          أهذا معقول؟.. كدت أسترجعها من بين ذراعيْ أمها، اعتراني شعور تدفق في أعماقي كشلال هادر: صعبٌ ألا ترى هذه الصغيرة مرة أخرى، لن تستطيع أن تنساها، أو تصبر على فقدها أبداً أبداً.‏
                          حفرتها تلك اللحظات التي حملتها فيها في أعماقي حفراً لا أستطيع أن أتخيل الآن أنه سوف يُمْحى.‏
                          هتفتُ من غير وعي.‏
                          -سيدتي.. أرجوك.. أنا محتاج إلى هذه الصغيرة مثلما هي محتاجة إليَّ..‏
                          نظرت إليّ المرأة باستغراب وارتياب، رأيتها لأول مرة، طالعتُ وجهها. كانت غاية في الحسن والبهاء والجاذبية والحشمة.‏
                          نظرتُ إلى أخت ريم.‏
                          -ما اسمك يا صغيرتي؟‏
                          همست الصغيرة ببراءة:‏
                          -لبنى..‏
                          التفت إلى أمها وأنا أتهدّج من الانفعال والنشوة.‏
                          -سيدتي.. هل أستطيع أن آخذ من لبنى رقم هاتفكم لأقوم بزيارتكم أنا ووالدتي زيارة عائلية؟..‏

                          تعليق

                          • د. حسين علي محمد
                            عضو أساسي
                            • 14-10-2007
                            • 867

                            #14
                            الشعر والمتلقي

                            بقلم: أ. د. وليد قصاب

                            (1)
                            بين النص والمتلقي -فرداً أو جمهورا- علاقة شائكة معقدة، وهي في الوقت نفسه علاقة متعددة الجوانب، متشعبة الأطراف ويمكن للدارس أن يتناولها من وجهات مختلفة.
                            إن الدرس النقدي الحديث -على أيدي الاتجاه التفككي مثلاً- يعطي المتلقي (القارئ) سلطة غير متناهية في عملية التواصل الأدبي، إذ يجعله وحده سيد الموقف، وينيط به وحده مهمة فهم النص وتوجيهه الوجهة التي يريد، مسقطاً عليه ما يشاء من فكره وأحاسيسه منقطعاً به عن مؤلفه، وظروف كتابته، وعن أية ملابسات اجتماعية، أو تاريخية، أو نفسية أحاطت به. وإن النص لمفتوح -في هذه البدعه الفكرية الغربية- على تفسيرات غير نهائية، وتأويلات مفوحة غير يقينية لا يدركها الحصر.
                            إن التفكيكية(1) هي سلطة القارئ (المتلقي) وحده بدلاً من سلطة المؤلف، أو سلطة النص، كما نادت بذلك اتجاهات أخرى..
                            ولا شك أن هذا غلو في تقدير دور المتلقي؛ لأن أركان العملية الأدبية -في الحقيقة- هي ثلاثة: المرسل (الشاعر) والمستقبل (المتلقي) والرسالة (القصيدة)، ولكل طرف مكانه الهام، ولا يمكن الغض من شأنه لحساب الآخر.
                            إن الشاعر يسعى أن يكون متميزاً مبتكراً باهراً، وأن يكون صادقاً ولكنه لا يمكن أن يغفل عن أنه يخاطب متلقياً معيناً، وهو يحاول أن يقيم علاقة بينه وبينه، يؤثر فيه، ويحظ عنده، من غير أن تشحب ذاته، أو يقدم تنازلاً على حساب فنياتٍ أو قيم فكرية وشعورية يؤمن بها، إنه -باختصار- يأرب أن يلج عالم المتلقي من خلال ذاته هو، فيلتقي معه ويحاوره وينال إعجابه من غير أن يتملقه، أو يهبط عن مستوى عالٍ يجب أن يكون فيه.
                            والمتلقي ينشد أن يكون الشعر معبراً عن أشواقه وأمانيه، أن يجد فيه ذاته وهمومه، أن يجني من روضه متعة وفائدة، أن يشوقه ويفيده، ويقدم إليه غذاء روحياً وفكرياً، ولكنه غير معض من المسؤولية، إنه مطالب أن يكون على مستوى النص، وأن يتسلح بمعطيات الفهم والتذوق، وأن يكون أهلاً للتميز والإدراك، لأنه إن افتقد آلة ذلك كان على صورة ما رسم المتنبي في قوله:
                            ومن يَكُ ذا فم مُرّ مريض
                            يجد مراً به الماء الزلالا
                            وقوله:
                            وكم من عائب قولاً صحيحاً وآفتُه من الفهم السقيم
                            والقصيدة هي "الجسر" الكتابي الذي يصل بين الطرفين: المرسِل والمستقبِل، ولا بد أن تمتع بالتوهج والألق، والقدرة على الوصول والتأثير، وألا تكون عالماً مغلقاً، أو طلسما من الطلاسم.
                            هذه أركان ثلاثة في معادلة العمل الأدبي، وإذا كان المتلقي ركناً ركيناً فيها كما رأيت، فإنه ليس كل شيء كما تقول التفكيكية. إن تاريخ الأدب يُري شعراء صفقت لهم الجماهير المتلقية، لكن قصائدهم كانت مثل فقاعات الصابون، تقرأ مرة واحدة ثم تتلاشى. ويُري شعراء ذوي مواهب عالية، ولكنهم تعالوا على المتلقي، أو لم يراعوا حقه، فلم يصلوا إليه، ولم يُكتب لشعرهم الذيوع والسيرورة، وهنالك شعراء قبضوا على ناصية الإبداع الفني من أطرافه الثلاثة، فقدموا شعراً باهراً شائقاً، عبر عن ذواتهم ومواجدهم، ووجد الجمهور فيه ذاته، فحظي عنده.
                            إن الشاعر والمتلقي يحتاج أحدهما إلى الآخر. قال الأديب الروسي تولستوي مرة عن الفن: "إنه عملية إنسانية فحواها أن ينقل إنسان للآخرين -واعياً مستعملاً إشارات خارجية معينة- الأحاسيس التي عاشها، فتنتقل عدواها إليهم فيعيشونها ويجربونها..."(2).
                            فهو نوع من البوح، والشاعر الفنان يجد راحة في هذا البوح؛ فهو محتاج الى من يشاركه تجربته الشعورية، وإلى من يحمل إليه عدوى ما أحس به. ومهما كان أصل الإبداع الفني، والمراحل التي يمر بها غامضاً معقداً فإن للفن -في أشكاله كافة- رسالة واضحة، وهي التبليغ والتوصيل ومن هنا يحضر المتلقي- آلياً، وبشكل شعوري أو غير شعوري -في كل عمل ابداعي ينشئه الأديب، ومن هنا أيضاً كان من غير المتخيل أن ينهض أي عمل أدبي من غير ثلاثة الأركان التي ذكرناها، وهي: المرسِل، والرسالة، والمرسَل اليه، أي المؤلف، والنص، والمتلقي. ولا يتخيل شاعر لا يضع في حسبانه متلقياً معيناً إلا أن يكون يكتب لنفسه فقط. وإن من المشروع أن يكتب الأديب لنفسه مادام يحتفظ بما كتبه في أدراجه، ولا يذيعه على الآخرين، ولكنه ما إن يفكر بإخراج ما كتبه حتى يغدو من غير المشروع تجاهل المتلقي، أو نفيه، أو الاستعلاء عليه. يقول الدكتور عمر فروخ: "على الشاعر أن ينظر إلى الناس، أو أن يلغي الناس من حسبانه، فاذا ألغى الشاعر عنصر القراء عند نظمه الشعر، فلماذا ينشر شعره في ديوان؟ ولماذا يُنشد الناسَ شعره؟ يقول أنصار (الفن للفن)- مقطوعاً عن الجانب الاجتماعي من دين وخلق وعلم ومنطق، وعن كل صلة بالبشر- إن شاعرهم ينظم الشعر لنفسه ولأنداده القليلين. فما حاجة جمهور الناس بذلك الشعر إذن؟"(3).
                            إن الجمهور المتلقي ركن ركين في العملية الإبداعية، كما ذكرنا، وقد أُثِرَ من تراثنا النقدي أن يحسب الشاعر حساب المتلقي، وأن يراعي مقام المخاطَب، فيلوّن كلامه بما يتناسب وحالة من يتوجه إليهم بالرسالة وقد عُرّفت البلاغة بأنها "مراعاة الكلام لمقتضى الحال"(4). والحال تعني المخاطَب والموقف. وما أكثر ما عيبت معاني الشعراء لأنها لم تراع مقامات المخاطَبين وأقدارهم المختلفة(5).
                            إن الشعر إذن ليس خطاباً للذات، بل هو خطاب للآخرين، وهو اتصال وتواصل مع الجمهور. إن الشاعر بشر يخاطب بشراً، "وليس هناك شاعر يعيش ويكتب في عزلة، فهو شخصية حية في فترة زمنية معينة، ومكان معين، وبيئة اجتماعية معينة، إنه فرد، ولكنه -في الوقت نفسه- عضو في المجتمع، ولابد للمجتمع من أن يلعب دوره في شعره، وقد يكون الشاعر متعاطفاً مع بيئته الاجتماعية، أو ثائراً ضدها، وقد يذهب إلى حد إنكارها، ولكن تأثيرها سيظل منطبعاً على شعره"(6).
                            وإن لكل عمل فني بعدين: أحدهما اجتماعي، وهو ينطلق من الواقع المعيش، والآخر فردي وهو ينطلق من خيال الفنان، وينبني على ذلك افتراض وجود آخرين، لهم علاقة ما - قراءة، أو نظر، أو سماع - بالعمل، وهؤلاء هم المتلقون، وهم يتوخون من خلال هذه العلاقة إيجاد رؤية أو أفق، أو حل لمشكلة مشتركة بينهم وبين المؤلف، فالعلاقة بينهما علاقة عضوية حتمية.

                            (2)
                            لمن يكتب الشاعر؟
                            إن سؤال الشاعر نفسه لمن يكتب؟ هو دليل الحيوية والخصب، وهو سؤال الإحساس بالمسؤولية، واحترام الفن، وهو مع السؤالين الآخرين: ماذا يكتب؟ ولماذا يكتب؟ ثالوث محترم موقر.
                            وإن من حقه أن يكتب لمن يشاء، وأن يختار الجمهور الذي يخاطبه، وإن الشعراء ليختلفون- كما تقول إليزابيت درو "واحدهم عن الآخر في اهتمام الواحد منهم بجمهوره، وتختلف الحال لذلك بين عصر وعصر، ويمكن على وجه الإجمال أن نقسم الشعر قسمين: شعر خاص، وشعر عام(7)، كما يمكن أن نقسم جمهور الشعر إلى جمهور خاص وجمهور عام، أي إلى "نخبة خاصة" وإلى طائفة "عريضة واسعة" فمن الشعراء من يتجاهر بالفخر بأن شعره موجه لنخبة، ومنهم من يفتخر بجماهيرية شعره. كان نزار قباني مثلاً يدعو إلى شعر "كالخبز يدخل في كل بيت".
                            ونخبوية الشعر لا تعني تميزه، أو أنه يتمتع بفنية أرقى، وذلك "أن رسالة كل منهما تختلف عن الأخرى، وكلاهما يتجه إلى أذواق وملكات مختلفة عند القارئ"(8).
                            وتحدث بعضهم عن أنواع أخرى من المتلقين. فقسمهم من حيث طبيعتهم التكوينية إلى ثلاث فئات، هي:
                            1 - طبقة الجمهور المحادث: وهو ذاك الذي يستحضره كل كاتب في وعيه في أثناء الكتابة، فيقيم الكاتب- حقيقة أو خيالاً- مع جمهوره المجرد هذا- وإن كان هو نفسه -حواراً قصدياً، بهدف تحريك شعوره، أو إقناعه، أو مواساته، أو تحريره، أو حتى تيئيسه.
                            2 - طبقة الجمهور الوسط: أي الوسط الاجتماعي الذي ينتسب إليه الكاتب، وهو الذي يفرض على الكاتب مجموعة من التحديدات.
                            3 - طبقة الجمهور الواسع: وهو الذي يتخطى جميع الحدود الزمنية والمكانية والجغرافية والاجتماعية، ولا يمكنه أن يفرض على الكاتب أي تحديد(9).
                            إن الكاتب -كما ذكرنا- لا يكتب إلا ليُقرأ، أي ليتلقاه متلق من نوع ما، وإن الكتاب لا يوجد إلا حين يُقرأ، أي حين يصبح الدالّ- الكتاب من حيث هو مجموعة أدلة لغوية- مدلولاً، أي مضموناً فكرياً لهذه الأدلة، بواسطة حل الشفرة، أي قراءة الجمهور(10).
                            وعلى العموم، فمهما اختلفت نوعية الجمهور الذي يتلقى الشعر فإنه جزء هام من العملية الإبداعية -كما ذكرنا- وهو حاضر -بصورة أو بأخرى- في ضمير الشاعر ووجدانه مادام هدفه التواصل مع الآخرين والبوح بتجربة شعورية معينة، ولا ينطوي الإحساس به، أو يغيَّب في أي نص ناجح إلا إذا كان الشاعر يكتب لنفسه، أو يعتزل الجماعة ليعبر عن أحاسيس ذاتية لا يهمه أن يفهمها أحد، أو تصل إلى أحد.
                            الحضور المكثَّف للمتلقي
                            على أن استحضار الشاعر للمتلقي، وإحساسه الحارّ به يتمثلان بصورة مكثفة، في ظل إيمانه بإحدى المقولات التالية:
                            - إنسانية الشعر.
                            - الدور الاجتماعي للشعر.
                            - غائية الشعر
                            - التواصل مع الآخرين.
                            وإذا كان النقاد -كل بحسب منهجه- قد تلمسوا في الشعر خلال مسيرته الطويلة ملامح وسمات، وافترضوا فيه أغراضاً وغايات، فإن "المتعة" و"الفائدة" ظلتا ملمحين لا يغيبان من سمائه أبداً فكي يكون الشعر مفيداً ينبغي أن يكون ممتعاً، ولكي يكون جميلاً ينبغي أن يكون مفيداً، ولقد عبر الدكتور جونسون عن غاية إنسانية للشعر بقوله: "الغاية الوحيدة للأدب هي أن يجعل القارئ يحسن الاستمتاع بالحياة، أو يحسن تحملها"، كما عبر كيتس عن هذا الجانب الإنساني في الشعر بقوله: "إن الشعر يجب أن يلفت القارئ وكأنه تعبير عما يجول في خاطره من أفكار سامية، وأن يبدو وكأنه استذكار لشيء عرفه ونسيه" كان إزرا باوند يقول: "ما من أحد يمكن أن يقرأ قصائد هاردي دون أن بحس بأن حياته ولحظات عمره التي نسيها قد عادت إليه: لمحة من هنا، وساعة من هناك..."(11).
                            فالشعر إذن يهبنا الإحساس بالحياة، وقد يجعلنا نعيش الحياة مرة أخرى، وهو ينبهنا إلى نقاط منها لم نكن نعرفها، يقول ماثيو أرنولد: "قوة الشعر الكبرى تكمن في قدرته على الترجمة، ولا أعني بذلك قدرته على كشف سر الكون، وإنما أعني قدرته على تناول الأشياء بطريقة توقظ فينا إحساساً كاملاً جديداً أليفاً بها..."(12)؛ فالشاعر يقترب من الجماهير بما يقدم إليهم من التجارب الإنسانية التي تمتعهم وتفيدهم، وتعمق معرفتهم بالحياة، وتفتح لهم آفاقاً جديدة إليها. ولا نزال -نحن جمهور العرب - نستحضر شعر المتنبي وأبي العلاء وغيرهما، ويعيش في ضمائرنا، ونستشهد به في كثير من المناسبات؛ لما يحمله من التجارب الإنسانية العظيمة، والحكم البليغة الرائعة.
                            إن الحياة الإنسانية بكل عمقها وثرائها وواقعيتها هي مادة الأدب، والأدب سجل حي لما رآه الناس في الحياة، وما عرفوه منها، وما خبروه من أحوالها، وما بلوه من شؤونها، وما كانت مواقفهم منها، ولذلك كان هدسون يقول: "إن الأدب تعبير عن الحياة وسيلته اللغة" وكان كولردج يقول: "إن الأدب نقد للحياة".
                            وكلما كانت صلة الشاعر بالحياة صلة عميقة حميمة كانت حظوته عند الجمهور أبلغ، وكان احتفاء الناس بشعره أعمق وأغزر. وإن انهماكه في قضايا عصره وتفهمه لمشكلات الناس وهمومهم، وعيشه في ضمير المجتمع، ينبض بقلبه، ويتنفس برئته، هو الذي يدنيه من الجمهور، ويدني الجمهور منه "ولن يكون الشاعر إنساناً إذا لم يستعمل شعره أحياناً لكي ينقد ويعارض. يقول لويس ماكنيس: ليس الشاعر مكبر صوت للمجتمع، ولكنه أقرب إلى أن يكون صوته الهادئ الخافت"(13).
                            ومهما ادّعى بعض النقاد أو المتذوقين للشعر أن للتجربة الشعرية قيمتها مستقلة عن الآثار النافعة التي قد تنجم عنها، أي ما يتصل بها من معنى خلقي، أو فلسفي، أو اجتماعي، أو ما شاكل ذلك، لأنها في جوهرها تجربة خيالية أو تأملية تنشأ عن طريق وضع الكلام في نسق خاص من الوزن، فإن ارتباط الشعر بالحياة- على نحو ما ذكرنا- يجعل من الصعب على الناقد مهما -ادعى الموضوعية والحيدة الفكرية- أن يحكم على التجربة الشعرية حكماً فنياً خالصاً، وهذا واحد مثل ماثيو أرنولد الذي كان يحب أن تعصمه معرفته بالشعر من الحكم عليه بناء على ما له من منفعة وهدف "كان يصر على أن المعاني الجدية هي أساس الشعر، فاستبعد شوسر من بين الأسماء الكبرى لأن شعره لا يتضمنها"(14).
                            وإذا كان الناقد المحصَّن بمعرفة طبيعة الشعر، وأنه في المقام الأول تجربة فنية جمالية تأملية، لا يستطيع أن ينطوي على إعجاب فني صرف، بل يبحث عن التجارب الإنسانية الحية، والمعاني الجادة؛ فهل نتوقع من الجمهور أن يعشق الشعر لا لشيء إلا لما فيه من المهارة اللفظية، وأن يُقبل عليه إذا لم يكن يقدم له شيئاً ينفعه، أو يمتعه، أو يزيده معرفة بالحياة؟
                            يقول برادلي: "قد يكون للشعر قيمة بعيدة أيضاً باعتباره وسيلة للثقافة والدين، لأنه قد يعلمنا شيئاً، أو قد يرقق من عواطفنا، أو يدعو إلى قضية خيّرة.. وليس هذا مما يسيء الى الشعر في شيء، وإنما الأمر على العكس.."(15).
                            وإن الاتجاه الشكلي، أو الفن من أجل الفن، ليقصران الشعر على القيم الحسية، مجردة عن الحياة والمجتمع، وقد أكد إليوت في أكثر من مرة أن "تحديد عظمة الأدب لا يمكن أن يكون على أساس المقاييس الأدبية وحدها، وذلك على الرغم من أننا لابد أن نتذكر أن معرفة ما إذا كان الذي أمامنا أدباً أم لا، يمكن أن يحدد بالمقاييس الأدبية فحسب..."(16).
                            وإذا ما أراد الشاعر أن يكون له جمهور فلا بد أن يقدم له ما يمتع ويفيد، ولا يكون ذلك إلا إذا اجتمعت في الشعر قيم فنية باهرة، وقيم فكرية إنسانية اجتماعية راقية، وإن فاعليته لا تتحقق إلا بتآزر هذه القيم جميعها، فالأدب تعبير عن (الأنا) الفردية، و(الأنا) الجماعية بطريقة فنية رفيعة، فهو من ثم تعبير عن النفس البشرية، ولذلك لابد من التساؤل فيه عن القصد والوظيفة، وعن صلته بالمجتمع والجمهور. "إن رسالة الشعر هي أن تكشف عن قيمة هذا العالم، عالم تجربة الإنسان الحي. ولكن الشعر يعيش في ألفاظه، ولا يمكن فصله عن ألفاظه الأصيلة التي كتب بها..."(17).
                            الجمهور والشعر العربي المعاصر
                            لنقل- على رأي فريق من الباحثين -إن الشعر العربي المعاصر يمتد من أوائل القرن التاسع عشر حتى منتصف القرن العشرين، ليبدأ بعد ذلك الشعر الحديث مع انطلاق موجاته الأولى على يدي نازك، والسياب، وعبدالصبور وغيرهم، وأنا أستطيع أن أقول بكل اطمئنان: إن الشعر العربي المعاصر -على اختلاف اتجاهاته ومذاهبه الفكرية والسياسية والفنية- كان ذا صوت مسموع، وكان حاضراً حضوراً باهراً في ضمائر الجماهير العربية، وكان تأثيره قوياً فعالاً. وصدق شوقي إذ قال:
                            كان شعري الغناء في فرح الشرق 00وكان العزاء في أحزانه
                            ولا يستطيع أحد أن ينكر ما كان يُستقبل به شعر البارودي، وشوقي، وحافظ، والرصافي، وبدوي الجبل، والجواهري، والشابّي، وأبي ريشة وغيرهم من حظوة القوم واحتفائهم، وما كان يشعله من الحماسة، ويلهبه من الأحاسيس. وعلى الرغم من الخصومات الكثيرة التي نشبت بين المحافظين والمجددين، كان الجميع - على مختلف انتماءاتهم- يعرفون طبيعة الشعر، ويحظون باحترام المتلقي وقناعته.
                            واستمر صوت الشعر العربي كذلك مسموعاً عند أصحاب الموجات الأولى من الشعر الحديث، كنازك، والسياب، والبياتي، وعبدالصبور، ومحمود درويش وغيرهم، ولكن ما إن انحسرت هذه الموجات الأولى في الخمسينيات والستينيات من هذا القرن -بعد أن خلفت آثاراً سلبية مدمرة فيمن جاء بعدهم من الشعراء الذين ركبوا موجة الحداثة المتطرفة- حتى بدأ عهد سقوط الشعر العربي وترديه.
                            واستمع إلى واحد مثل فاروق شوشة يتحدث عن جيل السبعينيات من الشعراء قائلاً: "إن جيل السبعينات صراصير يجب أن يداسوا بالأحذية"(18).
                            وإن أسباب هذا التردي كثيرة، فهي أولاً جزء من أزمة الثقافة العربية عامة، متمثلاً ذلك في مجموعة عوامل لا يتسع المقام لتفصيل القول فيها، منها مثلاً طغيان الحياة المادية وانحسار دور الفكر أمامها، ومنها تلك الهزائم، وذلك التحدي والتشكيك، اللذان تتعرض لهما الحضارة العربية الإسلامية في كثير من صورها وأشكالها، مما أحدث تصديعاً وتشويشاً في كثير من المفاهيم، ومنها مفهوم الشعر، ودوره، وطبيعته، ومنها ذلك الإعراض الذي نجده بين الجماهير العربية عامة عن كل ما هو ثقافي فكري، معمِّقاً هذا الانصرافَ شبهُ أمية ثقافية تحكم قبضتها عليهم فتحرمهم من متعة الاستمتاع بالشعر وتذوقه إن أحسنوا قراءته أصلاً..
                            ولكن على رأس الأسباب -في رأيي- ما حُمل عليه الشعر العربي وما يزال يُحمل على أيدي الحداثيين- من تغريب وإغماض، وتحديث غير أصيل، يدعو إلى تجريد الشعر من الغاية، وجعله نصاً مغلقاً، وتعتيمه -بشكل متعمد- حتى لا يصل إلى المتلقي، وفتح باب التجريب على مصراعيه أمام من هب ودب، وسلخ الشعر من المعايير التي تضبطه، فاقتحم ساحة الشعر ناس لا علاقة لهم بالشعر ولا بالنثر، وطفا هؤلاء- بسبب علاقات عامة، وانتماءات معينة- على السطح، فصاروا الأصل، ووجدوا من يعملقهم، فانحجب المجيدون، حتى رسخ في أذهان عامة الجمهور- ولا سيما من لا غوص لهم، أو يبهرهم طبل الدعاية الرنان- أن الشعر هو هذا الغثاء المستشري، فزهدوا فيه، وانصرفوا عنه، وقام بينهم وبينه حجاب ضيق، زاد من أزمة هذا الشعر وعزلته..
                            إن الشعر العربي الحديث يتقلص دوره في التعبير عن أزمة الأمة شيئاً فشيئاً، لقد صار -في غالبية نماذجه الذائعة المشهورة- عالماً مغلقاً، لم يعد نابضاً بالحياة، كما كان حاله في القرن الماضي، ولم يعد يحمل هم الجماهير ولا نبض حياتها اليومية. إنه يمر بأزمة توحي إلى المتابع أن عصر الشعر قد انتهى أو كاد. هناك انصراف عن قراءة الشعر، وزهد في طباعة الدواوين. واسأل أي شاعر مشهور عما يطبع من ديوانه فستجد ذلك مخجلاً، فما بالك بالمغمورين والشباب الصاعدين؟ إن أحداً لا يكاد يتحمس لطباعة شعرهم أو اقتنائه.
                            يقول نزار قباني في تصوير موقف الجمهور من شعراء الحداثة في هذه الأيام: "أزمة الشاعر العربي الحديث أنه أضاع عنوان الجمهور، فهو يقف في قارة والناس يقفون في قارة ثانية، وبينهما بحار من التعالي والصلافة وعقد العظمة، وبدلاً من أن تكون ثقافة الشاعر وسيلة للتفاهم والاقتراب أصبحت قلعة من الغرور لايدخلها أحد.. لماذا يعيد موزع البريد قصائد أكثر شعرائنا إليهم؟ لأنهم نسوا عنوان الشعب أو تناسوه.."(19).
                            لقد أقام الغموض السلبي الذي فشت فاشيته في كثير من نماذج الشعر الحديث، جداراً صفيقاً بينه وبين الجمهور العربي، فعمت الشكوى منه وطمت.
                            ولكن أصحاب الحداثة مضوا يحمّلون القارئ العربي مسؤولية العجز عن فهم إنتاجهم، فالجماهير العربية عند أدونيس لا تفهم هذا الشعر الحديث لأنها أمية، وغير ثورية(20). وهو يفتخر بأن من سمات هذا الحديث ذلك التنافر بين الشاعر والقارئ(21).
                            ولكي تسوّغ الحداثة عجزها عن الوصول إلى المتلقي العربي، أو لإيمانها الفعلي بغباء هذا المتلقي وعدم ثوريته؛ مضت تستهين به، وتحتقر ذوقه الفني، حتى بلغ الأمر أن قال قائل منهم: لسنا طالبي حداثة، وإنما نحن حديثيون. لهذا لا يمكننا التراجع أو التساهل، أو المساومة. الغموض؟ فليكن، وليكن الهذيان والجنون.."(22).
                            وراح الشاعر الحديث -بتعبير أحد الدارسين- يتعالى على المتلقي وينفيه "من معادلة العمل الفني ليصير النتاج الشعري نتاجاً في ذاته ولذاته. لا وجود للآخر. الأنا وحدها هي الموجودة. هي العالم.."(23).
                            وبدا هذا التعالي وهذا النفي مقصودين، معموداً إليهما عمداً اذ راح بعض الحداثيين "يتطيّرون من أي تواصل، حدث أو يحدث، بين الشعر والقراء والقضية، ويريدون لهذا التواصل -شبه المقطوع- ألا يعود أبداً، حفاظاً على نقاء الشعر ونظافته، أي عدم تلوثه بما يجري على الأرض. فلكي نظل في الشعر -كما يقول جاك الأسود- لا مفر للشاعر، ولشعره تحديداً، أن يظل خارج العلاقات الاجتماعية، خارج الصراع، وبدون موقف.."(24).
                            وهو كلام يجرد الشعر من أي وظيفة اجتماعية، ويقطع صلته بالجمهور. على أن انعدام التواصل بين الشعر الحديث والمتلقي العربي، الذي يحتج أصحاب الحداثة -في غمرة الدفاع عن قضية خاسرة- بقزامته وجهله، لم يقتصر على المتلقي العادي، بل عمّ المتخصصين والأدباء، وبعض رادة الحداثة أنفسهم ممن أوتوا شجاعة الاعتراف.
                            واستمع إلى أستاذ جامعي وناقد مرموق لا يُغمظ علمه وأثره، وهو الدكتور عبدالقادر القط يقول: "أعتقد أن التيار الجديد الذي يطلقون عليه مصطلح "الحداثة" سينحسر، ذلك أن الشعراء سيدركون أن صلتهم بالمتلقي توشك أن تنقطع تماماً..."(25).
                            واستمع كذلك إلى بلند الحيدري -وهو من كبار شعراء هذا التيار- يقول عن أدونيس، لا عن شاعر من شعراء هذه الأيام:"أنا لا أفهم أدونيس، وهو أقرب أصدقائي، وأصدق أصدقائي، أعرف كل دخائل حياة أدونيس لكن ما عدت أفهم قصيدته. يجب أن نجد العلاقة التي تؤكد عدم الانفصال ما بين المتلقي وبين المبدع.."، ثم يقول عن أدونيس: "يعتز بأن الآخر لا يفهمها- أي قصيدته- ويلتذّ بأن هذا الآخر ربما جاهل، أو قاصر عن استيعاب تجربته..."(26).
                            كما يقول عنه في موضع آخر: "مهّد أدونيس لهذا الاغتراب، فصار المرء لا يعرف ماذا يريد الشاعر أن يقول..."(27).
                            وهكذا قطع الغموض المقيت -الذي دعت إليه الحداثة، وأسرفت فيه- الأدب عن أداء رسالته، إذ تحول إلى طلاسم، بل آل -على حد تعبير الحداثيين أنفسهم- "إلى هلوسات لا تعرف لها رأساً من ذيل، ولا ذيلاً من رأس، لأنها بكل بساطة لا ذيل لها ولا رأس..."(28).
                            وانقطع التواصل بينه وبين المتلقي العربي، عاشق الشعر الأول، إذ راح الشاعر الحديث يكتب- في أغلب الأحيان- لنفسه، لا لأداء رسالة، أو التعبير عن قضية، إذ "لا وظيفة للإبداع إلا الإبداع"(29). كما يقول أدونيس، والقصيدة "ليس لها هاجس سوى وجودها الذاتي"(30). كما يقول جابر عصفور، والأدب "عملية إبداع جمالي من منشئه، وهو عملية تذوق جمالي من المتلقي، وهدفه ليس نفعياً بل جمالياً"(31) كما يقول عبدالله الغذامي.
                            ونفي المتلقي من الحسبان، ونسب إلى العجز والجهل والأمية، مهما كان موقعه الثقافي: ناقداً، أو أستاذاً جامعياً، أو أديباً، أو شاعراً، فهؤلاء جميعاً جهلة أقزام ما عجزوا عن الولوج إلى عالم الشاعر الحديث.

                            (يتبع)

                            تعليق

                            • د. حسين علي محمد
                              عضو أساسي
                              • 14-10-2007
                              • 867

                              #15
                              (3)
                              وأخيراً... أقول:
                              إن عصر الشعر لم ينته، كما يحاول أن يذيع ذلك قوم. وإن الحياة- إذا خلت من الشعر- فقد خلت من جانب إنساني هام. سيبقى الشعر ما بقي الإنسان، وما دامت المشاعر تنبض، ولكن الشعر العربي اليوم غير معافى، إنه موجع مأزوم، فَقَدَ احترام الجمهور وعشقه. ولكي يستعيد تلك العلاقة الحميمة القديمة به، ينبغي أن يعرف عنوانه، وأن يعبر عنه، ويصدر عن همومه، ويكف عن صلفه واستعلائه عليه..
                              المراجع:
                              1- انظر: نظرية الأدب المعاصر وقراءة الشعر: ص76 وما بعدها، وانظر لذلك: المرايا المحدبة ص291، وما بعدها.
                              2- الشعر: كيف نفهمه ونتذوقه؟ 29.
                              3- هذا الشعر الحديث: 26.
                              4- انظر مثلاً كتاب الإيضاح: 80.
                              5- انظر بعض أمثلة على ذلك في كتاب الموشح:189، 191، 226، 424. وانظر تفصيل بعض ذلك في كتابنا "دراسات في النقد الأدبي" 124-128.
                              6- الشعر كيف نفهمه ونتذوقه: 189.
                              7- السابق: 190.
                              8- السابق: 191.
                              9- من مقال (قراءة في القراءة) لرشيد بنحدو، مجلة الفكر العربي المعاصر، العددان (48-49) شباط 1918، ص15.
                              10- السابق نفسه.
                              11- الشعر كيف نفهمه ونتذوقه: 37.
                              12- السابق.
                              13- السابق 191.
                              14- السابق: 33.
                              15- الشعر والتأمل: 132، لهاملتون، ترجمة: د. محمد مصطفى بدوي.
                              16- من كتاب (حاضر النقد الأدبي) للدكتور محمود الربيعي: 58
                              17- الشعر كيف نفهمه ونتذوقه: 335
                              18- مجلة الناقد، عدد تشرين الثاني (نوفمبر: 1992) ص27.
                              19- ما هو الشعر؟:46-48.
                              20- انظر: الاتجاهات الجديدة في الشعر العربي المعاصر، للدكتور عبدالحميد جيدة: ص23.
                              21- قضايا وشهادات (الحداثة: 2) دار عيبال، قبرص. بحث محمد دكروب: ص208.
                              22- مجلة أدب، العدد الأول، المجلد الثاني: 1963، ص6.
                              23- قضايا وشهادات (الحداثة:2) ص208-209.
                              24- السابق: 209.
                              25- مجلة الناقد، العدد السادس عشر، تشرين الأول: 1989) ص82
                              26- لقاء له مع مجلة المنتدى الإمارتية (العدد: 111) اكتوبر: 1992، ص6.
                              27- لقاء له مع جريدة الخليج الإمارتية (العدد: 5015) الاثنين 1-2-1993م.
                              28- مجلة الناقد، العدد الرابع عشر (آب: 1989) ص82.
                              29- مجلة فصول (4-4-1984م) ص20.
                              30- السابق: ص43.
                              31- السابق: ص97.
                              مصادر البحث
                              أولاً: الكتب:
                              1 - الاتجاهات الجديدة في الشعر العربي المعاصر: د. عبدالحميد جيدة، مؤسسة نوفل، بيروت: 1980.
                              2 - الإيضاح: القزويني، تحقيق د. محمد عبدالمنعم خفاجي، دار الفكر اللبناني، بيروت.
                              3 - حاضر النقد الأدبي: د. محمود الربيعي، مصر.
                              4 - دراسات في النقد الأدبي: د. وليد قصاب، دار العلوم، الرياض: 1983م.
                              5 - الشعر كيف نفهمه ونتذوقه: إليزابيث درو، ترجمة د. محمد إبراهيم الشوش، مكتبة منيمنة، بيروت: 1961.
                              6 - الشعر والتأمل: روستريفور هاملتون، ترجمة د. محمد مصطفى بدوي، وزارة الثقافة، مصر.
                              7 - قضايا وشهادات (الحداثة: 2) دار عيبال، قبرص: 1991م.
                              8 - ما هو الشعر؟: نزار قباني منشورات نزار قباني، بيروت.
                              9 - المرايا المحدبة من البنيوية إلى التفكيك: د. عبدالعزيز حمودة، عالم المعرفة، العدد (232) الكويت: 1998م.
                              10- الموشح: المرزباني، تحقيق علي محمد البجاوي، دار نهضة مصر: 1965.
                              11- نظرية الأدب المعاصرة وقراءة الشعر. ديفيد بشبندر، ترجمة عبدالمقصود عبدالكريم، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة: 1966.
                              12- هذا الشعر الحديث: د. عمر فروخ، دار لبنان، بيروت: 1978م.
                              ثانياً: الصحف والمجلات:
                              - جريدة الخليج: الإمارات العربية المتحدة.
                              - مجلة أدب: بيروت.
                              - مجلة الفكر العربي المعاصر: بيروت.
                              - مجلة المنتدى. الإمارات العربية المتحدة.
                              - مجلة الناقد: تصدر في لندن.

                              تعليق

                              يعمل...
                              X