د. عبده بدوي

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • د. حسين علي محمد
    عضو أساسي
    • 14-10-2007
    • 867

    د. عبده بدوي

    د. عبده محمد بدوي (1927 ـ 2005م)
    ...................................

    - الدكتور عبده محمد بدوي (مصر).
    - ولد عام 1927 بمحافظة البحيرة بمصر.
    - حصل على ليسانس دار العلوم 1953، ودبلوم معهد التربية 1954، والماجستير 1961، والدكتوراه بمرتبة الشرف 1968.
    - عمل في وزارتي التربية، والإرشاد والثقافة ثم في جامعات السودان والقاهرة والكويت والإمارات.
    - عمل مديراً ورئيساً للتحرير لعدد من المجلات الأدبية.
    - عضو في اتحاد الأدباء، ورابطة الأدب الحديث، ولجنتي الشعر والنثر بالمجلس الأعلى للفنون والآداب.
    - له عشرات الدراسات في المجلات العربية المتخصصة.
    - دواوينه الشعرية: شعبي المنتصر 1958- باقة نور 1960- لا مكان للقمر 1966- كلمات غضبى1966- أوبرا الأرض العالية 1966- محمد (قصيد سيمفوني) 1969- السيف والوردة 1975- الجرح الأخير 1986- ثم يخضر الشجر 1986- الحب والموت (طبعة ثانية) 1992- دقات فوق الليل (طبعة ثانية) 1992.
    - مؤلفاته: منها: الشعر في السودان، الشعراء السود وخصائصهم الشعرية- في الشعر والشعراء- أبو تمام- دراسات في النص الشعري العباسي- دراسات في الشعر الحديث- شخصيات إفريقية.
    - حصل على العديد من الجوائز والأوسمة.
    - ممن كتبوا عنه: الأساتذة الدكاترة: مصطفى السحرتي وسعد دعبيس، وحلمي القاعود، وأحمد كمال زكي، ويوسف نوفل، وصابر عبد الدايم.
    - عنوانه: 13 شارع دمشق – روكسي- مصر الجديدة.
  • د. حسين علي محمد
    عضو أساسي
    • 14-10-2007
    • 867

    #2
    منشورات عامة

    شعر: د. عبده بدوي
    ..................

    (1)
    يا أهل الكوفةْ
    لا يجتمع اثنانْ
    إن يجتمعا فالثالث سوف يكون السيف!
    لا يٌلقي إنسان أذنهْ
    إن سار وخلاها فسأقطعُها
    وسأقطعُ منه الكف
    فلقد كان الأحرى به
    أن يحشرها في أذنه
    إشفاقاً من صوت الحرفْ!
    (2)
    يا أهل البصرة
    لن يذهب إنسانٌ نحو المسجد
    لتكون صلاة عشائه
    من لم يلزم بيته
    لم يلزمه عنقه!
    (3)
    يا أهل الكوفة
    لن يشكوَ إنسانٌ ظلماً
    فالظلم هو القانون العام!
    لا يحلم إنسان حلماً
    فسنرقب كل الأحلامْ!
    وسنستدعيكم من جوفِ الراحةْ!
    ولتحذر تلك الكفُّ اليمنى
    من تلك الكف اليسرى
    فإذا حَنَّا فالسيف هناك!!
    (4)
    يا أهل البصرة
    لن آخذكم بالسيف على غِرة
    فأنا أهوى أن أنظر في عيني مقتولي
    وأحب الدم
    لا أعشق منه الخيط المنبجسا
    لكن الشلال الشرسا!
    أنا أعرف أني أحصد ما زرع الله
    لكن لا يعنيني نبض في الحقل الأخضر
    ما يعنيني أعناق سنابلكم إذ تهوى في البيدر!

    تعليق

    • د. حسين علي محمد
      عضو أساسي
      • 14-10-2007
      • 867

      #3
      عبده بدوي.. رحيل الكلمات الغضبى!

      بقلم: أ.د. حلمي محمد القاعود

      لم أستطع رؤيته منذ سنوات، وهو يعاني متاعب صحية لم أحب أن أراه وهو يعاني، وخاصة أن المعاناة امتدت وتنوعت، وحين يكون الذي يعاني شاعراً رقيقاً يجرحه النسيم كما يقولون فإن الأثر الذي تخلفه المعاناة يكون أكبر وأعمق، ومن المؤسف أن أحداً في الدولة لم يحاول أن يقف إلى جانب الشاعر الذي أصدر أكثر من عشرة دواوين وعشرات الكتب النقدية والأدبية، وكان ذات يوم ملء السمع والبصر في وزارة الثقافة والحقل الثقافي.. في الوقت الذي نجد فيه الصيحات تتعالى حين يمرض أو يدعى المرض، بعض أشباه الأدباء هنا وهناك، فتتحرك الجهات المعنية وتقرر علاجاً في الداخل أو الخارج، أو تمنح مالاً للمساعدة على العلاج أما شاعرنا فإن طبيعته أو حياءه يمنعه أن يتحدث عن نفسه أو يطلب من أحد!
      لقد كان عبده بدوي رئيساً لتحرير مجلة اسمها (الشعر) ظل يسعى حتى أصدرها عام 1976م عن مجلة الإذاعة والتلفزيون بعد أن ماطلت جهات أخرى في إصدارها، وظل يحررها لأكثر من عشر سنوات دون مقابل أو مرتب، اللهم إلا المكافأة التي تصرف نظير ما ينشره فيها مثل غيره من الكتاب والشعراء ومن خلال هذه المجلة ظهرت دراسات غنية، وشعر جيد، وشعراء جدد، ومع ذلك فإنه عانى ظروفاً صعبة ولم يشفع له جهده في مجلة (الشعر)، أو في مجلتي (الرسالة) و(الثقافة) اللتين صدرتا في النصف الأول من الستينيات وكان مديراً لتحريرها، كي يحظى بنوع من الاهتمام داخل الحقل الأدبي فيقف من يعنيهم الأمر إلى جانبه.
      على كل فإن كبرياءه جعله لا يتحدث عن نفسه أو يشكو حاله، وكان في كل الأحوال يواجه متاعبه بنفس مطمئنة راضية، ورغبة عارمة في العمل والإنتاج، وقبلهما القراءة والمتابعة لما يدور في الحقل الأدبي وكان قد أخرج للناس مؤخراً، عبر المجلس الأعلى للثقافة، أعمال الشاعرة العراقية الكبيرة نازك الملائكة مع دراستين طويلتين لأعمالها الشعرية وأعمالها النثرية، وإن كان كما حدثني بريدياً لم ير هذه الأعمال لسبب بسيط، وهو أنها لم تصل إليه!
      وإذا كانت جوائز الدولة التقديرية قد تجاهلته مع أنها منحت لآخرين من الأجيال التالية له وللشعراء أو الأدباء الأقل منه مستوى وموهبة وكفاءة فإنه واصل إنتاجه الشعري والأدبي الذي بدأ مع موجة التجديد الحديثة في الشعر العربي التي ترتبط إعلامياً بذكر السياب ونازك والبياتي في العراق وصلاح عبد الصبور من مصر.
      لقد بدأ (عبده بدوي) بنشر أشعاره وهو طالب وأصدر أول دواوينه مبشراً بطاقة من نور تنبئ عن شاعر واعد، يحتضن هموم قومه وأمته، ويقدم لغة شعرية جديدة، تجمع الجلال إلى الجمال وتستفيد من معطيات التراث المضيء والثقافة المعاصرة، محلية وأجنبية، وهو ما عبر عن نفسه فيما بعد من خلال الرمز والصورة، والقصة القرآنية والأسطورة الإفريقية والتاريخ الإسلامي وفنون الدراما، ولعله كان من السباقين والرواد حين حاول أن يقدم القصيد السمفوني والأوبرا الشعرية فضلاً عن المسرح الشعري.. ثم كانت مشاركته في التجديد الشعري من خلال شعر التفعيلة حيث قدم أجمل قصائده، خاصة في ديوانه (كلمات غضبى) الذي حمل ثورة ضارية ضد الاستبداد والكلمات الزائفة والرجال الجوف (كما سماهم إليوت) وزوار الفجر، ومغتصبي كرامة الإنسان وأمنه، ولا أنسى بيتاً قرأته في هذا الديوان يعبر عن الرعب والخوف اللذين عاشهما الإنسان المصري في بعض المراحل:
      إني أعيش، الرعب يتبع خطوتي
      والخوف ينعس جفنه بدمائي!
      كان (عبده بدوي) صاحب فضل كبير على الثقافة العربية المعاصرة في التعريف بالشعر الإفريقي ولعل هذا ما دفع علي شلش رحمه الله كي يهدي إليه كتابه عن الأدب الإفريقي، الذي أصدرته سلسلة عالم المعرفة فقد كان (عبده بدوي) مديراً لتحرير مجلة نهضة إفريقية التي كانت تصدرها وزارة الإرشاد والثقافة وكان عبدالعزيز إسحق رئيساً لتحريرها ومن خلالها عرف القارئ المصري والعربي ما يتعلق بإفريقية المجهولة والمستعمرة في معظمها آنئذ لدرجة أن البعض قال: (لقد أصبحنا نعرف دبة النملة في إفريقية بفضل مجلة نهضة إفريقية).. وقد أغلقت هذه المجلة مع المجلات الأخرى لأسباب لا مجال هنا لتناولها.
      وقد استفاد (عبده بدوي) من الشعر الإفريقي استفادة كبيرة حين ضمّن شعره بعض الأساطير والحكايات الإفريقية وهو ما لم يسبقه إليه أحد من المعاصرين فيما أعلم وفي هذه الحكايات وتلك الأساطير لمحات إنسانية، تعبر عن نقاء الفطرة، وشوق الإنسان إلى الحرية والكرامة والعدل.
      في قرية تسمى كفر الدفراوي تقع ضمن مركز شبراخيت بحيرة ولد في الخامس من يوليو 1927 طفل اسمه (عبده محمد محمد بدوي) لأسرة ريفية متواضعة تعلم في المدرسة الابتدائية مثل أبناء الفلاحين والتحق بالأزهر الشريف ليحصل منه على الشهادة الثانوية ويلتحق بكلية دار العلوم ويتخرج فيها عام 1945 ثم يحصل على الماجستير حول الشعر في السودان عام 1961 والدكتوراه عن الشعراء السود وخصائصهم الشعرية عام 1969 ومنذ تخرجه حتى وفاته وهو يتعامل مع الكلمة معلماً في المدارس العامة، ومسؤولاً في أكثر من جهة ثقافية وصحفية ثم أستاذاً جامعياً في عين شمس وأم درمان والكويت والإمارات.
      وكانت فترة إدارته (للرسالة) و(الثقافة) الإصدار الثاني من أخصب فترات حياته فقد أتيح له أن يطرح العديد من القضايا الأدبية والفكرية، وأن يشارك في أكثر من معركة أدبية كانت (الرسالة) و(الثقافة) مسرحين لها ولعل أبرز هذه المعارك المعركة التي كان طرفها الأشهر، العلامة الراحل محمود محمد شاكر(رحمه الله) وطرفها الآخر لويس عوض ودارت حول أبي العلاء المعري وكتاباته، وظلت المعركة ثلاثة وثلاثين أسبوعاً، تقدم كل أسبوع مقالة طويلة على صفحات (الرسالة) يكتبها (شاكر) (جمعها فيما بعد في كتاب ضخم بعنوان أباطيل وأسمار) وانتهت المعركة بانتصار لويس عوض حيث استطاع أن يغلق مجلات وزارة الثقافة جميعاً باستثناء مجلة (المجلة).
      وكان الإغلاق فرصة لعبده بدوي كي يفرغ بعد عام 1965 الذي تم فيه الإغلاق لإنجاز رسالة الدكتوراه ويتحول مساره من موظف بلا عمل ولا مكتب ولا مقعد في وزارة الثقافة إلى أستاذ جامعي يقضي كثيراً من سنوات عمره خارج البلاد في السودان والكويت والإمارات ولكنه ظل مع ذلك يكتب الشعر والدراسة الأدبية ويتحدث في الإذاعة عن إفريقية وتاريخها الوثني والإسلامي.
      في موقفه الحضاري يأخذ عبده بدوي موقفاً إسلامياً وسطاً يدرك مواطن القوة في تراثنا ويعلم قيمتها جيداً وأيضاً يدرك المواطن القلقة والضعيفة ويؤمن بأن الواقع يفرض علينا أن ننطلق من مناطق الضوء في حضارتنا ونستفيد من المعطيات الإيجابية للحضارة الإنسانية الراهنة، ولعل كتابه المهم (حضارتنا بين العراقة والتفتح) خير من يعبر عن توجهه الفكري والإنسان.
      لقد أصدر عبده بدوي العشرات من الكتب والدراسات التي تؤصل لهذا الموقف الحضاري أو تصب في محيطه، حتى لو كانت متخصصة في مجالات أخرى ومنها:
      في الشعر والشعراء دراسات تطبيقية، الشعراء السود والحضارة، أبو تمام وقضية التجديد في الشعر، دراسات في النص الشعري، قضايا حول الشعر، طه حسين وقضية الشعر، العقاد وقضية الشعر، شعر إسماعيل صبري، نظرات في الشعر الحديث.
      ومن دواوينه:
      شعبي المنتصر، باقة نور، دقات فوق الليل، كلمات غضبى، لا مكان للقمر، السيف والوردة. وقد أصدرت هيئة الكتاب أعماله الشعرية في مجلدين عام 1999 وفيها أوبرا الأرض العالمية والقصيد السمفوني (محمد).
      حصل عبده بدوي على جائزة الدولة التشجيعية في الشعر عام 1977 وحصل على وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى عام 1978 كما حصل على جائزة مؤسسة يماني الثقافية (إبداع الشعر) عام 1997 وأصدرت عنه جامعة الكويت كتاباً تذكارياً سنة 2000 شارك بالكتابة فيه عدد من زملائه وأصدقائه وتلاميذه تناولوا شعره وأدبه.
      ومع النجاحات التي أحرزها في مجال الشعر والكتابة فإن تجارب الابتلاء التي تعرض لها كثيرة، ولعل أخطرها محنة غزو الكويت عام 1990 حيث رأى العسكر يدمرون كل شيء ويضطر إلى الخروج بأسرته تاركا مسكنه ومكتبته ومتاعه للنهب والضياع وفي الوقت نفسه يقطع الصحراء بسيارته حتى تلتقطه طائرة نقل عسكرية وتحضره إلى الوطن الذي تناساه وهو في محنته يصارع المرض والأحزان حتى لقي ربه راضيا مرضيا في مساء الخميس 27 ـ 1 ـ 2005 رحمه الله.

      تعليق

      • د. حسين علي محمد
        عضو أساسي
        • 14-10-2007
        • 867

        #4
        أفريقية الأرض والإنسان في الدراما الإذاعية عند عبده بدوي

        بقلم: علي محمد الغريب

        تنوعت عطاءات الشاعر الكبير عبده بدوي ـ رحمه الله ـ بين مجالات الأدب وفنونه، وكان من أهم ما قدمه للمكتبة العربية المقروءة والمسموعة حكاياته الدرامية التي كتبها عن أفريقية من واقع الفلكلور الشعبي لهذه البلاد.. وتعد أفريقيا من الصفحات الناصعة في مسيرة عبده بدوي الأدبية، ففيها جانب كبير من إبداعاته، فهو يذكرك في اعتنائه بأفريقية وتراث أفريقية بما فعله الأدباء العباسيون حين نقلوا لنا حياة الفرس وآدابهم وأطلعوا العرب على تراث وأساطير لم يعرفوا عنها شيئاً، ومن أشهر هذه المؤلفات كتاب كليلة ودمنه الذي نقله ابن المقفع عن اللغة البهلوية، ويكتب الله لنسخة ابن المقفع أن ينقل عنها المترجمون إلى لغات الدنيا ويعتدونها النسخة الأصلية بعدما فقدت النسخة الأصلية في لغتها البهلوية.
        والجهد الذي بذله عبده بدوي ليس بالهين في استيعاب عادات وتقاليد الشعوب الأفريقية ونقلها إلينا فيما يشبه الحكايات فقد توفرت له خاصية من أهم خصائص ناقلو الآداب أو من يسمون بالصورلوجي الذي يقول عنهم الدكتور عبدالإله الصايغ أنهم يدرسون طبائع شعب ما ويقدمها لشعب آخر ليستفيد من أجل التواصل والتقارب ومعرفة الحقيقية([1])
        لقد نقل إلينا عبده بدوي الكثير من عادات وتقاليد الشعوب الأفريقية في صور درامية بديعة، وهي إلى كونها تكشف جانباً مهماً وصفحة تكاد تكون مجهولة من حياة هذا العالم الفذ، فإنها تأخذ القارئ إلى مجاهل الحياة الأفريقية وتحلق بنا في آفاق جديدة وغريبة علينا.. فتاريخ أفريقية خلال الفترة التي خرجت فيها أعمال عبده بدوي الدرامية لم يكن معروفا للعرب بشكل كاف ويكاد ماضيها يكون مجهولا، وأكثر ما كتب عنها كان متأثراً بوجهة نظر المستعمرين الذين وفدوا إليها، والذين اغتصبوا حرية الإنسان فيها وهددوا أمنه وحياته.
        وكانت أفريقية ذاك الوقت تكاد تكون جديدة علينا، بعد أن أزيح عنها الستار فجأة أمام العالم في الفترة المعاصرة، وأن تدفق الحرية كان من الغزارة بحيث دعا بعض المؤرخين أن يطلقوا على هذا العصر أنه "عصر أفريقية". إذا أضفنا إلى ذلك أنه كان في مخطط الاستعمار وضع "جسر عازل" بين بلادنا وبين أفريقية، أدركنا أن أفريقية كانت تشبه "الماسة" التي بهر ضوؤها العالم أجمع، ذلك لأنه قد أحكم "عزلها" عن العالم، ثم عمل الاستعمار على تجفيف الحياة فيها
        ولقد كان في مخططه أنها أصبحت جافة القلب، وأنها لن تستطيع الحياة إلا من خلال البستاني الأبيض الذي يعطيها الحياة قطرة قطرة.. وخفقة خفقة.. وفي وجهه الغضب، وفي قلبه الحقد.([2])
        لقد صادف توجه الشارع الثقافي العربي إلى أفريقيا بعد أحداث الحرب العالمية الثانية شيئاً في نفس عبده بدوي الذي تعامل مع أفريقية ومع حركة الإسلام فيها تعاملاً مختلفاً أقل ما يوصف به أنه الشغف وحب البحث والكشف عن وجه الإسلام وحضارته في هذه الأرض فألف كتابه "مع حركة الإسلام في أفريقية" والذي نشرته الهيئة العامة المصرية للتأليف والنشر عام 1970م، والكتاب في مجملة جولة في الإرث الحضاري الذي تركه الإسلام والمسلمون في هذه البلاد، وأن هذه البلاد كانت أوراقاً في الشجرة الكبيرة التي تمثل حضارة الإسلام، وأنها جميعاً ـ باسمه ـ قد نبتت واخضرت، وأنها كذلك ـ بالبعد عنه ـ قد تساقطت ورقة بعد ورقة، ودولة إثر أخرى!
        "من هنا نرى أن الإسلام كان حضارة إنسانية حققت للأفريقي السعادة وتحقيق الذات،ونرى أن الإسلام ـ في حركته وبحثه عن الإنسان ـ لم يقف عند الصحراء، وذلك لأنه تعداها إلى أقاليم الأشجار القصيرة، وفي الوقت نفسه طرق الغابة وجعل له من المناطق الساحلية عدة مرتكزات، فهو لم يقف عند كسر (الصحراء الكبرى) وإنما تعداها إلى إقامة عشر دول إسلامية خلف هذه الصحراء في وقت مبكر" ([3])
        وبعد أن تحررت أفريقية من كابوس الاستعمار كان لابد من عرضها على أمة العرب تاريخاً وإنساناً وحضارة بالوسائط المتاحة كافة، وكان من بين من نهضوا بهذه المهمة الدكتور عبده بدوي، فقد تولى ـ رحمه الله ـ تحرير مجلة "نهضة أفريقية" التي كان يعد الرجل الثاني فيها بعد الدكتور "عبدالعزيز إسحاق" وهو أحد المثقفين الذين كانوا ضمن وزارة الخارجية المصرية، وكان له ارتباط بالمجال الأفريقي.
        إلى جانب نشاط عبده بدوي في المجلة انطلق في عرض فلكلور هذه البلاد في مقطوعات درامية إذاعية خلابة، تأسر المستمع والقارئ بما فيها من عوالم مختلفة وبيئات غريبة، وأساطير تزخر بألوان التحدي مع البيئة والغابة، إضافة إلى الحكمة وبعد النظر، وقد كان هدف عبده بدوي هو تعريف أفريقية أرضاً وإنساناً للأمي قبل المثقف، بل لجميع فئات الشعب العربي التي تتابع الإذاعة وتجتمع عليها، فهو لم يقتصر على الفلكلور الأفريقي وحده بل عرض سير القادة الأفارقة في حلقات درامية أيضاً، فقد وضع عام 1965م كتاب "رجال من أفريقية" ضمن سلسلة "مذاهب وشخصيات وقدمت فيها الإذاعة المصرية عددا من المفكرين والسياسيين الأفريقيين منهم، مثل "بليوبولد سيد ارسنغور" رئيس جمهورية السنغال، و"وليم تبمان" رئيس جمهورية ليبيريا كواحد من الذين ذوبوا المتناقضات في بلده، كذلك قدم نيلسون مانديلا من خلال عذابات المواطنين في جنوب أفريقية، وكيف أنه لم ينهر في السجن أو يضعف إيمانه بقضية بلاده.
        وقدم عددا من الأدباء والفنانين والمفكرين، كالقصاص "عثمان سمبين" من السنغال، والمثال ساد من ساحل العاج، والدكتور وليم دوبوا والدكتور جيمس اجراي كمثالين من المثقفين الذين استوعبوا ما قالته الحضارة الحديثة، ثم جعلوا هذه الحضارة في خدمة أفريقية، وكمثالين في الوقت نفسه لاستعصاء بعض المفكرين على الذوبان في العالم الجديد بحيث يصبحون نسخاً مكررة يمتلئ به هذا العالم ([4])
        كما أصدر ضمن سلسلة الكتاب الماسي العديد من القصص الدرامية خرجت كلها في فترة الستينيات، وهي فترة من أخصب فترات النشر وحركة الثقافة في مصر، وكتب عبده بدوي هذه الحلقات للإذاعية المصرية، فكتب "مع شعوب أفريقية" عام 1964، وكما قدم في الكتاب السابق سياسيين ومفكرين وأدباء أفارقة، فإن هذا الكتاب يقدم حلقة مستقلة عن كل شعب بهدف تعريف المستمع العربي بهذا الشعب واستبطان حضارته التي هي في كثير من الأحيان تمت إلى الحضارة لإسلامية بصلة. وقدم في هذا الكتاب شعوب إثيوبيا، والصومال، والسودان، ونيجيريا، وزنجبار، وغانا، وتنجانيقا، ومالي، وكينا، وسيراليون، وأوغندا، وجنوب أفريقية، وهي كلها قصص تحكي صفحات من تاريخ هذه الشعوب وكفاحها من أجل الحرية. أما كتاب سهرة مع مصر فقد صدر في العام 1967م وقدمته الإذاعة المصرية مادته في ذكرى ثورة يوليو مساء 23 يوليو 1966م
        وفي كتاب "حكايات من أفريقية" يأخذنا عبده بدوي في رحلة ساحرة مع الفلكلور الأفريقي، وإذا كان هناك من يرى أن الفلكلور لا يخرج عن كونه البقايا المتخلفة التي سقطت من الحياة وهي تجري وأن هذا الفلكلور لا يستطيع أن يقدم جديداً للعصر، إذا كان هذا رأي بعض الدارسين فإن الأفريقيين يعتقدون أن الفلكلور شيء لا تستغني حياتهم عنه.
        ذلك أنهم يعتبرونه نبضاً حياً تطعم به حياتهم المعاصرة، وأرضية لا يمكن للإبداع الفني أن يبتعد عنها. وفي ضوء هذا يعتبره "نيكيا" أحد أبناء غانا "خامة" ويدعو إلى "جس" هذه الخامة والانتفاع بها لا باعتبارها "مخلفاً فكرياً" له دلالة على الماضي فقط، وإنما باعتباره ذلك الشيء الذي يمكن منه النظر إلى الماضي والحاضر معاً.
        ومن هنا فالفلكلور جزء لا يتجزأ من ثقافة الأفريقي فهو في الأمثال التي تجري على لسانه، وفي الحكم التي لا تفارق أفواه الشيوخ، وفي الأغنية التي تهز النفس، ثم في أشياء كثيرة لعل أهمها الحكاية التي تمثل قمة هذا الفن الشعبي والتي لأهميتها تعطي له عناية خاصة ([5])
        ففي حكاية "الوصول إلى الشمس" نرى "جنحو" ذلك الحكيم الثائر على الظلام، حين يستبطئ الشروق لغياب الشمس فترة أطول، الأمر الذي يهيئ الظروف للحوش التي تخرج من الغابة فتهدد أمن القرية، تروع النساء والأطفال وتلتهم الماشية.
        يذهب "جنحو" عارضاً على كاهن القرية فكرة مفادها الذهاب إلى الشمس والتفاوض معها لتظل مشرقة على قريتهم أطول وقت ممكن، حتى لا تتمكن وحوش الغابة من القرية وأهلها ومواشيها.
        وحين تروق الفكرة الكاهن يوافقه شريطة أن يستشيروا أهل القرية، فيدقوا الطبول، ويُقدم أهل القرية جميعاً في ساحتها، ويعرض "جنحو" فكرته، فيتحمس الجميع للفكرة، ويتقدم أكثر من شخص مستعداً للذهاب إلى الشمس والتفاوض معها.
        جنحو: من الذي يتقدم؟
        العجوز: أنا "جوشيا" هل تقبلني يا سيدي الكاهن؟ هل تقبلني يا جنحو؟
        جنحو: ولكنك رجل عظيم.
        الكاهن: بل أنت أكبر رجل في القبيلة.
        العجوز: ولكني مازلت قادراً على السير، ثم إني لا أعمل الآن في الحقل ولما كان على كل إنسان أن يؤدي عملاً فإني أرى نفسي جديراً بهذه المقابلة.
        ويشفق الكاهن على "جوشيا" كبير القبيلة العجوز فيعفيه من هذه المهمة، فتتوالى عروض أفراد القبيلة في حماسة للقاء الشمس، فيعرض الشاب "مندو" نفسه، ويعرض أحد الصبيان نفسه، لكن الكاهن وجنحو لا يوافقان فالمدة التي يستغرقها الطريق إلى الشمس ستلتهم عمر الشاب وعمر الصبي قبل لقاء الشمس والتحدث معها، فيقع الجميع في حيرة لحل هذه المشكلة، وفي غمرة حيرتهم تتقدم منهم امرأة اسمها "ناندي" مجيبة على تساؤل الكاهن ماذا نفعل:
        ناندي: ترسلني أنا إلى الشمس.
        جنحو: أنت يا ناندي بجسمك الرقيق؟
        الكاهن: هل نرسل امرأة؟
        جنحو: ثم إنك حامل وهذا ما يزيد الأمر تعقيدا.
        ناندي: بل إنه يزيد الأمر وضوحاً.
        الكاهن: كيف ذلك؟
        ناندي: ماذا تقدر من الزمن للوصول إلى الشمس؟
        جنحو: 80 عاماً لا تزيد ولا تنقص.
        ناندي: إذن فلن يقوم بهذا العمل إلا طفلي الذي سأحمله رسالتكم وهو بلا شك سيقوم بها بعد موتي.
        يبدو الأمر معقولاً لـ"جنحو" والكاهن، فيوقفان على صعود ناندي إلى الشمس، ويوصها الكاهن بأن توصي ابنها الذي ستضعه في الطريق أن يجعل علامة عودته إلى القرية ظافراً بوعد الشمس بشروق أطول أن يجعل علامة وصوله صبغ السماء بعدة ألون زاهية.
        ويظل ذهاب ناندي خبرا يتناقله الناس ويتغنون به، وبالألوان التي سيرونها عند عودة البشير .. وتمضي الأيام والليالي.. وفي يوم من الأيام يرون موكب الشروق الزاهي بالألوان السخية، وإذا بهم يعدون الأيام التي فارقتهم فيها ناندي فيجدونها 80 عاما بالتمام والكمال.. وهاهو اليوم الموعود قد جاء لتنتهي معاناتهم مع الوحوش التي تهددهم فقد باتوا ينعمون بالأمن والسكينة.
        تترجم هذه الحكاية ما يحلم به الأفريقي من انمحاء الظلم الظلام وإطلال الشروق سخيا بالألوان مفعما بالسحر والجمال، كما تبين مدى تعاضد أفراد القبيلة الذين يمثلون الشعب بكافة أطيافه وأعماره، وحرص الكل على الخير للكل، بدأً من الحكيم "جنحو" الذي يمثل صوت الضمير، مروراً بالكاهن الذي يمثل السلطتين الدينية والسياسية، فهو لا يستغني عن آراء شعبه، ولا يقطع أمراً بدونهم، وحينما يعرض عله جنحو الأمر يقول:
        الكاهن: ولكن.. ألا نشرك معنا أفراد القبيلة؟
        جنحو: لا أمانع في هذا.
        كما تبين الحكاية عناد الإنسان الأفريقي أمام الظلم والقهر وصبره الطويل الجميل، وأنه يتوسل بكل السبل للتخلص من مما يضره وإن طال الزمن، فالثمانون عاماً التي غابتها "ناندي" وهلكت دونها لم تنسيهم حلمهم الذي ظل شاخصاً أمامهم ينتظرونه مع كل شروق شحيح، إلى أن جاء اليوم الموعود وانفجر بركان النور بوصول ابن "ناندي" تلك المرأة التي ضحت بنفسها من أجل قبيلتها.
        ويزخر كتاب "حكايات من أفريقية" بالعديد من الصور المشابهة التي تؤكد أن الفلكلور الأفريقي مليء بالقيم والمعاني الإنسانية والعطاء بلا حدود، ففي حكاية "سبب الغيرة" التي تروى مثول "أوهيا" أمام كاهن القبيلة لمحاكمته بسبب سخريته من زوجته العرجاء.. يحاول "أوهيا" أن يوضح للكاهن أنه لم يسخر منها وإنما هي من ظنت به هذا لفرط غيرتها من زوجته الثانية.. يصر عليه الحاكم في قص السبب أمام الملأ حتى تبرأ ساحته أمام أفراد القبيلة.. فيحكى له "أوهيا" أنه كان يخرج وصديقه لجمع عصير النخل في أواني يتركونها تحت النخيل فكانت تتكسر، وذات مرة اكتشف أوهيا أن أحد التيوس البرية هو من يفعل هذا فتتبعه حتى وجد نفسه يدخل على النمر الذي غضب لاقتحامه المكان، فحكى له حكايته، فعطف عليه النمر وعلمه منطق الحيوان، على أن لا يبوح بهذا السر لأحد وإن فعل فستكون نهايته.. وأثناء عودته إلى داره وعندما كانت تطل زوجته العرجاء من الباب سمع فأرين يتناجيان، فقال أحدهما للآخر: مادام قد نام صاحب الدار فلنذهب لنستولي على الطعام.
        وحينما توقف أوهيا عن الكلام وحاول الكاهن مخاطبته ولم يجيب علم أنه قد باح بالسر فمات.. فأجمع أفراد القبيلة على إحراق الزوجة العرجاء وذر رمادها في الجهات الأربع ومن يومها رتعت الغيرة في القلوب لتعكر النفوس وتصدها عن الصفاء.
        وهذه الحكاية على طرافتها تحمل من المضامين الشيء الكثير، منها احترام الأفريقي لمن ارتضاه حاكماً أو كاهناً أو مرجعاً يرجع إليه، فيحمنا يحضر يناديه الكاهن والحاكم في نفس الوقت:
        الحاكم: أوهيا.. أخيراً حضرت؟
        أوهيا: وهل أستطيع عدم الحضور يا سيدي الحاكم؟
        الحاكم: أنت تعرف أنك صديقي.
        أوهيا: وأنا أحبك كأعمق ما يكون الحب.
        وحين يبدأ الحاكم في استجوبه عن سبب ضحكة وسخريته من المرأة لا يتردد في إبداء السبب الحقيقي الذي سيؤدي إلى هلاكه امتثالاً لأمر الحاكم أولاً واحتراماً لأفراد قبيلته الذين ينتظرون موقفه من التهمة ثانياً.
        والحاكم نفسه يجد نفسه مضطراً لاستجوابه نزولاً على رغبة زوجته احتراماً لها كواحدة من أفراد قبيلته:
        الحاكم: إننا لا نطالبك بالكلام إلا أنها أقامت دعوى تقول فيها إنك سخرت منها.
        أوهيا: أنا لا أسخر من أحد.
        الحاكم: وأنت تعرف أنها عرجاء.
        أوهيا: أعرف هذا تماماً.
        الحاكم: وتعرف أن القبيلة تحترم الإنسانية.
        أوهيا: بلا شك.
        الحاكم: والآن بقي عليك أن تتكلم.
        أوهيا: ولكني إن تكلمت ستندم وتندم القبيلة!
        الحاكم: لا تنس أننا نحاكمك باسم احترام الحياة.
        أوهيا: هل أنت مصر على أن أتكلم؟
        الحاكم: نعم.
        وهكذا يؤكد عبده بدوي رحمه الله من خلال حكايته الدرامية على قيمة الإنسان الأفريقي، وسعيه الدائم من أجل الحرية، واحترام الذات واحترام الآخر حتى وإن كان الثمن حياته. كما تؤكد هذه الحاكية على سوء الغيرة وقبحها إذا وقعت بدون سبب، فهو يجسمها في امرأة عرجاء مشوهة تأكل نفسها، وإذا رأت أحداً يضحك أو يعلو محياه السرور فإن هذا يسوءها ويؤذيها، وما الغيرة العمياء التي تدمر حياة البشر إلا صورة لهذه المرأة الدميمة العرجاء!!
        ويسوق عبده بدوي العديد من الحكايات المليئة بالأساطير والخرافات التي لا تخلو من مغزى أو عبرة أو طرفة، وهو ما يكشف عن روح ساخرة لدى عبده بدوي وقدرة على إدارة الحوار والصراع الذي يتطلبه العمل الدرامي الذي يعتمد على الحوار، إذ يكون الحوار فيه هو البطل في دفع الحدث وتنميته وصولاً به إلى الذروة، وهذا ما نلمسه جلياً فيما بينا أيدينا من أعمال عبده بدوي الدرامية.
        إن هذه الأعمال الدرامية الرائعة للراحل عبده بدوي تحتاج إلى بعث من جديد لتطلع عليها الأجيال الجديدة، فهي فضلاً عن أنها تحمل كماً هائلاً من الحكايات الغريبة التي تعتمد على الأسطورة، والحكاية على لسان الطير والحيوان، فهي تكشف تراثاً مجهولاً لهذه الأرض الأفريقية العزيزة، ولعل أسرة الراحل الكريم تقوم مشكورة بدفع هذا التراث الضخم لهذا الشاعر الكبير إلى إحدى دور النشر لإعادة نشره وإشعاعه على الدنيا من جديد.

        تعليق

        • د. حسين علي محمد
          عضو أساسي
          • 14-10-2007
          • 867

          #5
          في رحيل عبده بدوي

          بقلم‏:‏ فاروق شوشة

          حين تقدمت للمشاركة في المهرجان الشعري الذي يقيمه اتحاد الطلاب في كلية دار العلوم بجامعة القاهرة عام‏1953,‏ وأنا بعد طالب بالسنة الأولي‏,‏ لم تمض علي التحاقي بالكلية إلا شهور معدودة فوجئت بحشد الشعراء الذين تزدحم بهم الكلية‏,‏ وهم يتبارون في صنوف القول واحدا بعد الآخر من فوق منصة مدرج علي مبارك الشهير‏.‏ وفي دهشة الانبهار بهم ـ وأنا ما أزال ابن السادسة عشرة الصغير السن والخبرة الإنسانية والشعرية ـ كان بوسعي أن أميز شاعرين كبيرين من طلاب السنة الرابعة يكادان يلخصان واقع الشعر وحالة في الكلية هما‏:‏ عبده بدوي وعلي الصياد‏.‏
          كان عبده بدوي وقتها في عشرينيات العمر‏,‏ متأنقا في لغة الشعرية تأنقه في زيه ومظهره‏.‏ وكانت قصيدته في المولد النبوي تحمل عنوانا لافتا جديدا علي الأسماع هو الفجر الأخضر وبالرغم من الجدة الشعرية في اللغة والتعبير بالصورة‏,‏ إلا أنه كان حريصا علي القالب العمودي للقصيدة‏.‏ بخلاف علي الصياد‏,‏ الذي كان التأثير الرومانسي لشعراء جماعة أبوللو‏:‏ ناجي وعلي محمود طه ومحمود حسن إسماعيل‏,‏ قد طغي عليه من حيث المعجم الشعري‏,‏ واللغة التصويرية‏,‏ وقالب الرباعيات الذي صب فيه قصيدته‏.‏

          وفي رحلة الحياة الطويلة‏,‏ علي مدار أكثر من نصف قرن‏,‏ لمع نجم عبده بدوي‏,‏ بدءا بنشر شعره في جريدة المصري‏,‏ وتعرفه علي الملحن أحمد عبد القادر الذي لحن له عددا من قصائده تغنت بها نجاة وفايدة كامل وكارم محمود ومديحة عبدالحليم‏,‏ وعلاقته القوية بفتحي رضوان وزير الإرشاد القومي ـ عن طريق تدريسه لابنه في مدرسة النقراشي النموذجية‏,‏ وتكليفه بعد ذلك بالإشراف علي مجلة الرسالة ومجلة الشعر‏,‏ وكاتبا في مجلة الثقافة فحصوله علي الدكتوراه عن الشعر الحديث في السودان‏,‏ و قيامه بالتدريس في جامعتي أم درمان والخرطوم‏,‏ ثم اتحاقه بقسم اللغة العربية في كلية الآداب بجامعة عين شمس‏,‏ حيث أصدر كتبه الأدبية والنقدية‏:‏ في الشعر والشعراء‏,‏ أبو تمام وقضية التجديد‏,‏ علي أحمد باكثير شاعرا غنائيا‏,‏ دراسات في النص الشعري‏:‏ العصر العباسي‏..‏ وغيرها‏.‏ ثم نجاحه في إقناع يوسف السباعي ـ وزير الثقافة والإعلام معا ـ في إصدار مجلة للشعر‏,‏ تابعة لمجلة الإذاعة والتليفزيون‏,‏ ظل يرأس تحريرها منذ عام‏1976‏ طيلة أحد عشر عاما حتي بعد إعارته للعمل في جامعة الكويت لسنوات طويلة‏,‏ منذ عام‏1977‏ حتي عام‏.1998‏ توثقت علاقته خلالها بالشاعرة العراقية الكبيرة نازك الملائكة التي كانت زميلة له في العمل بجامعة الكويت‏,‏ فكتب عنها‏,‏ وعن كتابها النقدي عن علي محمود طه‏,‏ وقدم لأعمالها الكاملة التي صدرت عن المجلس الأعلي للثقافة‏.‏ وفي فبراير‏2000‏ ـ وفي مناسبة بلوغه السبعين‏(‏ ولد عام‏1927)‏ أصدر قسم اللغة العربية في كلية الآداب بجامعة الكويت كتابا تذكاريا عنه بعنوان‏:‏ عبده بدوي شاعرا وناقدا شارك فيه الدكاترة‏:‏ عبد الله المهنا ومصطفي النحاس وفاطمة الراجحي ومختار أبو غالي ولمعي المطيعي ـ الذي شارك بالكتابة في مجلة نهضة إفريقيا حين أشرف عليها عبده بدوي ـ وسعد دعبيس وحلمي القاعود وصابر عبد الدايم‏.‏
          وأخيرا‏,‏ كان رحيل عبده بدوي ـ منذ عدة أسابيع ـ وهو يعمل أستاذا في كلية الإعلام والألسن في جامعة مصر الدولية‏,‏ بعد أن قدم شهادته علي حصاد العمر ومنجزاته‏,‏ واكتمال مدار النجم بعد طول اغتراب وتطواف‏,‏ قائلا‏:‏ حاولت جهدي أن أغطي مساحات شاسعة في الدراسات الأدبية‏,‏ وأن تكرمني جامعة الكويت بكتاب تذكاري عن دوري‏,‏ وقد أخلصت دائما لقضية الشعر‏;‏ فقد جددت في ديواني الأول شعبي المنتصر ببناء القصيدة علي نسق هرمي‏,‏ بعدد من التفاعيل‏,‏ ثم تقل حتي تنتهي بتفعيلة واحدة‏,‏ كما ركزت علي مايسمي بالقصيد السيمفوني علي النمط الأوروبي‏,‏ وفي الوقت نفسه شغلت بفاعلية الإيقاع‏,‏ وبالبناء الهارموني الشامل للنص‏,‏ مع المحافظة ـ قدر الإمكان ـ علي عروض البحر وعروض التفعيلة‏,‏ وتعاملت مع الأساليب الحديثة كالمونولوج والأسطورة والرمز والقناع والحوار والتضمين وغيرها‏.‏
          رحل عبده بدوي بعد أن حصل علي جائزة الدولة في الشعر عام‏1977,‏ وجائزة البحث العلمي لأعضاء هيئة التدريس‏,‏ والجائزة الأولي عن التأليف الإذاعي في مهرجان داكار‏,‏ وجائزة أفضل ديوان شعر من مؤسسة يماني الثقافية‏,‏ تاركا رصيدا ضخما من الإبداع الشعري يتمثل في دواوينه‏:‏ شعبي المنتصر‏,‏ باقة نور‏,‏ لامكان للقمر‏,‏ كلمات غضبي‏,‏ السيف والوردة‏,‏ دقات فوق الليل‏,‏ الحب والموت‏,‏ الجرح الأخير‏,‏ هجرة شاعر‏,‏ محمد‏:‏ قصيد سيمفوني‏,‏ الأرض العالية‏:‏ أوبرا إفريقية‏,‏ ثم يخضر الشجر‏,‏ معلنا عن ثلاثة دواوين جديدة قيد الطبع هي‏:‏ الغربة والاغتراب والشعر‏,‏ حبيبتي الكويت‏,‏ ويجيء الختام‏.‏ ورصيدا ضخما من الإنتاج الأدبي والنقدي‏.‏
          يبلغ أربعة وثلاثين كتابا من بينها‏:‏ الشعراء السود وخصائصهم الشعرية‏,‏ في الشعر والشعراء‏,‏ أبو تمام وقضية التجديد‏,‏ دراسات في النص الشعري‏,‏ حضارتنا بين العراقة والتصحيح‏,‏ في الأدب واللغة‏,‏ قضايا حول اللغة‏,‏ شعر إسماعيل صبري‏,‏ طه حسين وقضية الشعر‏,‏ العقاد وقضية الشعر‏,‏ التقاء العمارة بالشعر‏,‏ شعراء حول الرسول‏.‏
          فهل اتسعت حياته ـ بالرغم من امتدادها لما بعد الخامسة والسبعين ـ لطموحه الكبير‏,‏ ودوره الإبداعي والأكاديمي الذي وقف عليه جهده منذ مطالع العمر؟ وهل وجد في الكثير من معارك الحياة التي خاضها ـ منذ نعومة أظفاره في مصر والسودان والكويت‏,‏ مايؤازره تطلعه الدائم إلي هدف أبعد‏,‏ ومجال أرحب‏,‏ متوحدا كالنجم البعيد‏,‏ مغتربا وغريبا عمن حوله ومن معه‏,‏ متلفعا دوما بوحدته وإنعزاليته‏,‏ مترفعا في آن ومقاربا في آن‏!‏ أغلب الظن أن سنواته الطويلة في الكويت ـ إحدي وعشرين سنة علي مرحلتين‏,‏ قبل الغزو العراقي وبعده‏,‏ وانغماسه في العمل الأكاديمي‏,‏ قد باعد بينه وبين الوهج الشعري الذي واكب إنطلاقاته الأولي‏,‏ ولم يضمن له مكانا متميزا في خريطة الشعر المصري المعاصر‏,‏ ولم يجعله قريبا ممن آلت إليهم أمور الإبداع والثقافة في العقدين الأخيرين من الزمان‏.‏ لقد كان عليه أن يدفع ثمن الغربة الطويلة‏,‏ والابتعاد النفسي والمكاني وهو الذي كان يحلم دوما بأفق أرحب‏,‏ وسماء لاتنال‏.‏
          لكن الإنكسار الروحي هو الذي جعله يقول‏:‏
          هذا عصر الإنسان المخطوف اللون
          والمشجوج القلب
          والنازف طول العمر
          والمستدعي من أحلامه
          كيما يثقب
          برصاص مابين العينين ودون القلب
          كما قاده إلي أن يدمغ العصر كله بهذه الكلمات‏,‏ محاكيا صوت صلاح عبد الصبور في قصيدته الظل والصليب‏,‏ منتهيا الي النتيجة نفسها‏:‏
          هذا عصر الإنسان الجائع
          والأم الباكية الثكلي من هول الحرب
          والطفل اللاقم ثديا مقطوع الحلمة
          والجندي المقسوم النصفين
          والتلميذ اللاهي بالحكمة
          والشيخ المفقود العكاز
          والميت من قبل الحكم
          وبنات لم تعرف أبدا طعم الحب
          والصدر المعتصر الثديين
          ليوفر نصف رغيف اليوم‏!‏
          وبرحيله تنتهي صفحة حياة حافلة‏,‏ ورحلة إبداع جفف من ينابيعها جهده الأكاديمي الدائب ووعيه النقدي المتكيء علي ثقافة عربية راسخة لم يستطع التحليق بعيدا عنها‏.‏

          ..................................
          *الأهرام، في 13/3/2005م.

          تعليق

          • د. حسين علي محمد
            عضو أساسي
            • 14-10-2007
            • 867

            #6
            رحيل الدكتور عبده بدوي شاعر إفريقيا والعرب الكبير
            عاش من أجل الأصالة أدبياً وشعرياً

            بقلم: صلاح حسن رشيد
            ....................

            عاش مجدِّداً ورحل رائداً.. وبين الحياة والموت نسج قصة الشعر عندما يكرمه صاحبه. في عام 1927 كان ميلاد الشاعر الدكتور عبده بدوي بمدينة البحيرة بمصر صاحب الصوت الشعري الإفريقي الذي ذهب بعيداً ليطلب المجد الشعري عبر البوابة الإفريقية المتمخضة لدوحات جديدة فيها الخيال البكر والأساطير المستجدة، والذي غادر حياتنا منذ عدة أيام قلائل.
            نال درجة الماجستير عام 1961 عن الشعر في السودان بعد أن تخرج في كلية دار العلوم جامعة القاهرة عام 1954م، وحصل على الدكتوراه عام 1969م عن رسالته الطريفة العويصة: "الشعراء السود واتجاهاتهم الشرعية وبيئاتهم"، ونال جائزة البحث العلمي من جامعة عين شمس والجائزة الأولى في داكار بالسنغال عن عمل درامي وجائزة شاعر مكة محمد حسن فقي الثقافية عن أفضل ديوان شعري عربي عام 1997م، وله أيادٍ بيض على الحياة الثقافية والأدبية بمصر والعالم العربي في فترتي الستينيات والسبعينيات وأوائل الثمانينيات من القرن العشرين حيث أصدر مجلة الشعر عن اتحاد الإذاعة والتليفزيون بمصر، وظل رئيساً لتحريرها مدة عشر سنوات وعمل مديراً لتحرير مجلة نهضة إفريقيا الصادرة عن وزارة الإرشاد والثقافة بمصر في الستينيات، وفيها اتصل بالأقاليم الإفريقية، واكتشف عمق أساطيرها وسحرها الفواح، كما اشتغل مديراً لتحرير مجلة الرسالة في إصدارها الثاني، ولا ننسى عمله الكبير في إدارة مجلة الثقافة المصرية، وهو في هذا العمل الصحفي الثقافي كان يلتقط أية موهبة أدبية ليفسح لها المجال، ويعتني بها ويعطيها الفرصة في الحياة، كما كتب للإذاعة المصرية أعمالاً درامية عديدة.
            غبن شديد: لكنه للأسف الشديد تعرض لغبن شديد وظلم فادح بعد قيام العراق بغزو الكويت عندما كان أستاذاً في جامعة الكويت لمدة ثلاثة عشر عاماً حيث عاد تاركاً أمواله ومكتبته، وعندما عاد رفضت كلية الآداب بجامعة عين شمس التحاقه بها مرة ثانية فعمل في جامعات الإمارات وبغداد والكويت ومصر الدولية، وعاش في أخريات حياته مريضاً بالفشل الكلوي على هامش الحياة، منعزلاً عن الوسط الثقافي الأكاديمي بلا سبب سوى الجحود والنكران.
            دراساته ودواوينه
            ومن دراساته الفذة: الشعر والشعراء دراسات تطبيقية والشعراء السود، والحضارة، وأبو تمام، وقضية التجديد في الشعر، ودراسات في النص الشعري، وقضايا حول الشعر، وحضارتنا بين العراقة والتفتح، وطه حسين وقضية الشعر، وشعر إسماعيل صبري، ونظرات في الشعر الحديث.
            ومن دواوينه التي كشفت عن شاعريته الكبيرة: شعبي المنتصر، والجرح الأخير، وهجرة شاعر والأرض العالية، وهي ملحمة درامية عن إفريقيا و"محمد{" وهو قصيد سيمفوني أدخل فيه لأول مرة إلى الشعر العربي الموسيقي السيمفونية متأثراً بالشعر الفرنسي خاصة بالشعراء اليهود الذين خلدوا أنبياءهم في قصيد سيمفوني حديث؛ لذلك آثر الدكتور عبده بدوي أن يتناول سيرة الرسول الأعظم { في سيمفونية درامية موسيقية تظهر جوانب العظمة فيها، وهو في هذا كان الرائد غير المسبوق.
            كما أخرجت عنه جامعة الكويت عام 2000 كتاباً تذكارياً حمل عنوان "عبده بدوي" تناول فيه تلاميذه شعره وأدبه بالدراسة والبحث والتحليل والكشف عن ريادته. كما أنه يرجع إليه الفضل في اكتشاف بحر شعري جديد له جذور تراثية أهمله القدماء والمعاصرون على حد سواء.
            وتعتبره الشاعرة العراقية نازك الملائكة من رواد شعر التفعيلة، ومن السابقين إلى تأصيله، إذ فضّل هو أن يعرف كشاعر عمودي بدلاً من هذا النعت. وهو كما يذكر الكثير من النقاد والأدباء صاحب أقوى قلم نقدي في ثلث القرن الأخير مصرياً وعربياً.. تشهد على ذلك أبحاثه العلمية ودراساته ومؤلفاته القمة.
            ومن أشعاره قوله:
            أنا قلب أفريقيا الذي قد دق أبواب القدر
            الشمس تنبع من جبيني ثم تغرب في الشعر
            أنا قصة الشرق الذي أبهاؤه من أمنيات
            أنا ذلك الشعب الذي جمدت يداه على السلاح
            انظر إلى إصراره تلق الرماح على الرماح
            في قلبه فجر يسلسل خطوة نحو الصباح
            استكشاف المتنبي: والى الدكتور عبده بدوي يرجع الفضل كذلك في استكشاف المتنبي من جديد، فهو درسه دراسة جديدة تغاير من سبقه، وتبحث في أسباب خلود شعره إنسانياً، وهو رائد الشعر العربي المتأثر بأعماق القضايا الإفريقية كما كان يناديه بذلك أستاذه العقاد.
            ويقوم أحد الباحثين بعين شمس بإعداد دراسة جامعية عنه كشاعر موهوب استطاع أن يدخل على قريضنا العربي ثقافات جديدة وأخيلة مختلفة لم نقرأها من قبل، وهو في هذا الاتجاه يخالف الحداثيين والعلمانيين الذين اتجهوا صوب أوروبا والولايات المتحدة ليقلدوا الأصوات الشعرية الغربية التي ماتت في بيئاتها بينما كان صنيع عبده بدوي هو البحث عن أرض أخرى ليستحلب ماءها ورواءها شعرياً وهو صوت المعذبين في الأرض والفقراء والكادحين في كل مكان، وهو المعبر عن آلام الناس والعالم الثالث ضد جبروت الإقطاع والرأسمالية الطاحنة للإنسانية.
            ثلاثة عشر كتاباً: ومن العجيب أن للدكتور عبده بدوي ثلاثة عشر كتاباً أصدرها في الكويت ولا يُعرف عنها شيء في مصر، ولم تحاول دور النشر الحكومية إعادة طبعها مرة ثانية للاستزادة مما فيها من فكر خصب وأدب ونقد.
            وأعتقد أن للدكتور عبده بدوي دواوين شعر لم تر النور لا تزال في حيز الإهمال والنسيان فمتى يتم نشرها حفاظاً على آثار هذا الشاعر الكبير؟
            التأريخ للصحابة: وكان يتمنى من أعماقه أن تمتد به السنوات لينجز مشروعه الرائد وهو التأريخ للصحابة الكبار في قصيد سيمفوني آخر تتجلى فيه روعة حضارتنا وشموخ الرعيل الأول الذين حملوا على عاتقهم مهمة نشر الدين بالحكمة والموعظة الحسنة، ولكي يظهر للغرب والهائمين حباً في الحداثة أن بمقدور شعرنا العربي العمودي أن يتعاطى مع كافة التيارات والأشكال الجديدة ولكن أين من يؤدي هذه الأمانة مثل شاعرنا الفذ عبده بدوي؟ ولا نعلم هل أتم عمله هذا أم لا!
            أما السر الكامن في عذوبة أفكار ودراسات وإبداع عبده بدوي فهو كما يقول أحد الباحثين المتعمقين في كتاباته "إن عبده بدوي أخلص لقضيته وتراثه، واضطلع بدور محوري بفضل تفكيره الفلسفي العميق ورؤيته الثاقبة وتحليله الجوهري وآرائه الجديدة فكان مجدداً لا تابعاً ورائداً لا مقلداً".
            ......................................
            *مجلة "المجتمع" ـ العدد 1641 ـ في 05/03/2005م.

            تعليق

            • د. حسين علي محمد
              عضو أساسي
              • 14-10-2007
              • 867

              #7
              بكيتُ.. ثم بكيت

              شعر: د. عبده بدوي
              .................

              قد قالوا في همس قبل الرحلة
              لما وجهت الوجهة نحو القِبلة
              ودخلتُ وعُمري مرتجف في قلب الصف
              مكسور الأنف
              (.. إن الإنسان الضيف
              لن يدركه في غربته إلا الحيف
              وجنون الصيف
              وبكاء الحرف
              وسؤال مقرور خانق
              عن (أين؟) و(كيف؟)
              فإذا ما استروح من تعب كان السيف
              والسهم الآتي غدراً من خلف!)
              ولقد قالوا فيما قالوا (.. إني بعت النهر الرفاف
              والخضرة تومض في الصفصاف
              والنخل يوشي كل الأطراف
              .. حتى زهر اللوتس
              لم أتركه من بين شغاف
              حتى من كانت لعبة عمره
              قد غادرها من غير طواف
              .. حتى الزمن الحلو الشفاف
              ما دار عليه، وناح، وخاف!)
              3
              ولقد ذكروا ـ فيما ذكروا ـ بعضَ الغرباء
              ما أكثر من ذكروا منهم؟
              قالوا: إن الشعراء الآباء
              كل قد عانى في الغربة
              وشكا في الليل الممتد العاتي كربه
              وتحول في الأيام لنبع بكاء.!
              1 هذا من عاش طويلا في بطن الزِّق الرَّجراج
              قد فارق (كِندةَ) كيما يستبقى التاج الوهاج
              لكن الريح تنازعه هذا التاج
              وبعيدا يُسمع صوت للقلب المكسور المهتاج
              ويموت بقبر منسي من غير رتاج!
              2 والذّبياني في غربته يتقلب فوق (هراس) الهم
              فالليل سيدركه مهما طال اليوم
              .. لولا ما ترسله (المتجردة) النشوى في الحلم
              وطريقتها في جذب نصيف لم تسقطه عن عمد
              بينا عيناها في عينيه، وشيءٌ ما قد نم!
              3 وبكفَّىْ عنترةٍ قعبٌ فيه لبن بائس
              كيما يسقى كل النسوة إلا عبلة
              فلقد خرجت كيما تبكي في أعلى التله
              لما يئست من وعدٍ مخلوفٍ أبله
              والعمر تولى وهي على خوف العانس!
              4 وزهير قد أضحى وتداً من أوتاد الخيمة
              لكن الحرب وإن سكتت مازالت تهدر في الأمة
              ويعلّم كعباً كيف يقول الكلمة بعد الكلمة
              قد قال: أجز، فانهلت أفراح الغيمة!
              5 والأعشى لا يخطو إلا مسنوداً ما بين الكأس وبين الحرف
              ويُساوم بالإبل الحمراءِ قُريشاً حتى لا يذهب
              ليقول قصيدته الكبرى في (يثرب)
              لكن ستباغته الناقة
              في صحراء الموتِ المُجدب!
              6 أما طرفة
              فالسيف بِغُربته قطفه
              وارتاعت في دنياه الرحفة
              فمشى خطوات، بعضا يبعد عن بعض
              ثم انهار الطول، ومال العرض
              ومشت غربان سودٌ مؤتلفة
              والصمت العاتي قد جرفه!
              7 ولبيد قد سئم الدنيا، واشتاق القبر
              .. لما طال العمر
              استعصم بالصمت، وأغفى فوق القفر
              واستنجدَ في حزنٍ بالابنة
              كيما تنهل عليه ببعض القطر
              فلقد مات الشعر!
              3
              لكن الشاعر لا يُصغي للأصوات الثكلى من أجداده
              ويراها وهما
              أو تخليط الحمى
              لكن يُصغى لنقاءٍ يبدو حلما
              .. وبقلب ممتلئ عزما
              يخطو.. يمشي مهموماً جهماً
              في راحته ورق، ما أكثر ما يُرمى
              في جبهته نورٌ قد أوشك أن يدمى
              وبقايا من أملٍ مرسومٍ رسما
              وجواز مرور قد أخذته الرعشة وهو يقدمه للشرطي العابس
              من خلف جهاز التفتيش البائس
              (.. ويدور بخاطره أن الوادي يبكي حوله
              وستتبعه أنى سار النخلة
              والأشجار الخضراء تفيءُ إليه
              والأزهار الحمراء تشدّ يديْه
              وبأن الطير حواليه شد الرقبة
              وممثل نهر النيل توقف عند العتبة
              هل كان كبيراً للأُمناء
              قد جاء يودّع أيّامي قبْل الرِّحلة؟
              بالياقة وهي منشّاة، وبأَوْسمةٍ فوق الحُلَّة
              .. لكني لم أُبعد إلاَّ وَهْما
              والدنيا قد ملئت غيما
              والقادم سار، وما أوما!!)
              4
              أمّا الإنسانُ الآليّ الجالس
              من خلف الطاولة الملأى بملفات، ووساوس
              فتجهم.. لم ينظر في عينيه
              لم يأبه للورق الممتد إليه
              لم يعجبه شيء في تدوير الحرف
              فتعمد وهو يدق عليه
              أن يقلب في شفتيه
              ويموء كمن يرجو نوماً
              .. فيغادره قلقا لكن يبقى شيءٌ ما
              وبعيداً عن أن يوقظه في داخله صوت هاجس
              عن أن نُسيمات الحرية
              ستهب على وجه الدنيا، وتلامس
              يتجاوز باب الغرفة مُنفعلاً، في خطو قارس
              .. لكن سيُرى مُرتطماً في جسم الحارس
              فإذا ما جاوز معتذراً للوجْه المعروق اليابس
              واستجمع في عينيه أحلامَ الفارس
              سنراه يقُول:
              يبدو أن الدنيا صارت غير الدنيا
              والشاعر في هذي الأيام مُعافى
              مادام سيبعد عن وطنه
              مادام سيخرج من زمنه
              وأدار الظهر، فلم يطرف جفنا، أو خافا
              أو هزَّ الكفَ لمن حضروا، ورأوه يُزمِعُ إيلافا
              أو خاف بأن يتهامسَ عنه الناس:
              ها قد بدأ الإجحافا!
              .. لما شاهدت أوائل رحلته في وادي الخوف
              قد داهمني شيءٌ كالصمت
              والرعشة قد ملأت قلبي
              وبكيت.. بكيت!
              5
              في قرب القِمة
              ولكل الأشياء دوىّ بعد دوىّ
              كوَّرتُ فؤادي، ثم تدليت لأعماقي في ذعرٍ صحراويّ
              لكنيّ أطفو في خوف من فوق الحزن المأساوي
              بل من فوق الجدري
              فلقد قالوا فيما قالوا
              كلمات مختلطات كالنقش الأثري:
              يا هذا المطرق في أقصى ذاته
              اسبح في هذا النور الفرحان الوردي
              يا هذا الشاعر
              اسقط من ذاكرتك
              ما ظلّ بها من إشراقٍ وطني
              .. اذكُرْ.. لابد لهذي الرّحلة من حادٍ بدوي
              نادمنا بالكاسات الصّداحة
              وبما قد قيل لليْلى في أطراف الواحة
              ما أحوجنا للشعر الذهبي
              لم تبقَ سوى ساعات في هذا الزمن المسروق السريّ
              ونعود ببطء للوجه القبلي
              وإلى الإيقاع الغاضب من عَبسٍ ولُؤَى
              وإلى الشّعر الطافي من غير رويّ
              وأيائَل قد ضاعت في قلب الحيّ
              وبقايا من أوهامٍ (لابن أبي)
              .. يا هذا ذكّرنا بالمجد العربي
              وبقايا من عصر رعوي
              قُل: إنا حضرّنا العالم
              قُل: إنّا نِعمْ الصُّحبة
              لا تنكرنا، فستُعطى سلَّة عملات صعبة
              في عصرٍ معروقٍ وشقيٌ!
              .. لما أن أظلمت الدنيا في عينيّ
              وذكرتُ بأني لم أتسلّق أشجار المدْح
              وبأنيّ معروضٌ في خطافٍ للذبح
              وبأن الخفقة قد ضاعت من جنبيّ
              وبأني قد أصبحتُ بهذي الدنّيا.. لا شيءْ
              .. استدعيتُ الحزن الباقي في قلب العالم
              وذكرتُ بأني في الأيام شقيْت
              وعلى نفسي في التيه بكيتْ
              .. ثم بكيت..

              تعليق

              • د. حسين علي محمد
                عضو أساسي
                • 14-10-2007
                • 867

                #8
                د. عبده بدوي :
                عااش حياته ينتظر الضياء ويبشر بالمستقبل
                عبده بدوي.. الشاعر الذي مات مظلوماً

                بقلم: د. محمد أبوبكر حميد
                ......................

                منذ وفاة الأديب الكبير الشاعر والناقد الدكتور عبده بدوي (1927 ـ 2005م) في آخر يناير الماضي لم تتحرك إلا القليل من الأقلام للكتابة عنه على كثرة زملائه وتلاميذه في مصر والعالم العربي. ولم تتنبه وسائل الإعلام والصحافة الأدبية للكتابة عنه إلا مؤخراً باستثناء بعض الصفحات الأدبية. كان عبده صاحب فكر لم يغيره قط في حين كان بعض الناس يغيرون فكرهم كما يغيرون ملابسهم، وبالتالي أوصدت في وجهه أبواب كثيرة. ولو كان عبده بدوي مطرباً أو مسلياً لتصدر خبر وفاته الصفحات الأولى لبعض الصحف وتكررت إذاعة سيرته في الفضائيات العربية ولكن شأنه شأن العلماء في عالمنا العربي لا يعرفون إلا بعد موتهم بسنوات طوال وبعد أن يكتب عنهم أصحاب الأقلام المنصفة تحيي ذكراهم وتعيدهم إلى ذاكرة دولهم وشعوبهم فيبعثون من جديد ويعاد طبع المندثر والمجهول من مؤلفاتهم ونشرها على الأجيال الجديدة.
                وسيأتي اليوم الذي يذكر الناس فيه عبده بدوي ويتذكرون جهوده وخدماته للأدب والثقافة والفكر المرتبط بوطنه وعالمه العربي وقارته الإفريقية ودينه الإسلامي، فعبده بدوي يعد من أهم الشعراء الذين برزوا في الخمسينات والستينات الميلادية في مصر، وتصدروا الحياة الثقافية والأدبية بإصدار الأعمال الشعرية والأبحاث والدراسات وممارسة النشاط الصحفي والإعلامي. ورغم دوره المميز في كافة المجالات التي خاضها والفنون التي كتب فيها إلا أنه لم يأخذ حقه من التقدير في حياته سواء من ناحية الذيوع والصيت أو من ناحية البحوث والدراسات التي كتبت عن شعره وأدبه، وهما شيئان حظي بهما من هم أقل منه موهبة وإنتاجا من أبناء جيله وزملائه.
                ومنذ عرفت عبده بدوي أديباً وأستاذاً إنساناً منذ ما يقرب من خمسة وعشرين عاماً كان نموذجاً في سلوكه للأستاذ الجامعي المحب لعلمه، المخلص لتلاميذه وللأديب الملتزم لفنه. وبالمثل كان عبده بدوي ناقداً جاداً وعالماً مثابراً يجهر بكلمة الحق حتى لو تعارض ذلك مع مصالحه الشخصية وعلاقاته. أما شخصيته الإنسانية فقد كان شاعراً في كل شيء ولذلك اتسمت حياته بالرقة والهدوء. ولم يكن بطبعه من الذين يعشقون الأضواء ويقيمون العلاقات هنا وهناك لمزيد من الظهور، ولم يكن يحب الخصومات أو الدخول في صراعات وإنما كان يكتفي بالصمت والابتعاد عن نقاط التماس، وقد أدت به طبيعته الحساسة والمسالمة إلى الانعزال في سنواته الأخيرة والابتعاد عن الظهور مع حفظ الود والوفاء لكل من عرف والتسامح مع كل الذين أساءوا إليه إلى آخر لحظة في حياته.
                آمن عبده بدوي برسالة الشعر واعتبر أن الشاعر أمين سر الحياة وظل يجاهد في الدفاع عن حرية الكلمة على ألا تباع أو تذل أو يشتري بها ثمنا قليلا ولما مر به من زمن وجد كلمته فيه محاصرة كتب بالرمز واللون والإيحاء، وأصبح هذا هو الطابع الغالب على شعره، وأهم ميزاته لأنه يقع في صميم التعبير الفني، وقد أصدر عبده بدوي خمسة عشر ديوانا شعريا (شعبي المنتصر) 1958، (باقة نور) 1960، (الحب والموت) 1960، (الأرض العالية) 1965، (لا مكان للقمر) 1966، (كلمات غضبى) 1966، (محمد صلى الله عليه وسلم) 1975، (السيف والوردة) 1975، (دقات فوق الليل) 1978، (ثم يخضر الشجر) 1994م، (الجرح الأخير) 1995م، (هجرة شاعر) 1997م، (الغربة والاغتراب والشعر) 1999م، (حبيبتي الكويت) 2000م، (ويجيء الختام) 2001م.
                وقد عمقت تجربته الأكاديمية حسه النقدي من الناحية التطبيقية فأصدر عدة كتب في دراسات النص الشعري منذ صدر الإسلام إلى العصر الحديث، واهتم بدراسة الشعر وأعلامه ونقاده فأصدر (قضايا حول الشعر) في جزءين، (نظرات في الشعر الحديث))، و(نظرات في الشعر العربي)، (العقاد وقضية الشعر)، (طه حسين وقضية الشعر)، (شعر إسماعيل صبري).
                وفي خدمة اللغة العربية أصدر (في الأدب واللغة)، (أهمية تعلم اللغة العربية)، (في آفاق العربية)، واهتم عبده بدوي بدراسة رواد التجديد عبر عصور الشعر العربي ابتداء بكتابيه (أبوتمام وقضية التجديد)، و(علي أحمد باكثير شاعراً غنائياً) وانتهاء بكتاب (التقاء الشعر بالعمارة) الذي صدر في سلسلة كتاب الهلال سنة 1997م.
                واعتبر عبده بدوي الشعر مقياس حضارات الشعوب والأمم، وبالتالي فقد نفذ من دراسة الشعر العربي لدراسة الحضارة الإسلامية التي أنتجته، فأصدر عدة دراسات عن الحضارة الإسلامية ومكوناتها منها (أفكار حول الإسلام) و(أعلام في الإسلام)، و(دول إسلامية)، و(شعراء حول الرسول)، وآخرها (حضارتنا بين العراقة والتفتح).
                حصل عبده بدوي على عدة جوائز معظمها يتصل بإبداعه الشعري أهمها جائزة الدولة في الشعر ووسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى سنة 1977م، وجائزة البحث العلمي لأعضاء هيئة التدريس من جامعة عين شمس، والجائزة الأولى في (مهرجان داكار)، عن التأليف الإذاعي، وجائزة أفضل ديوان شعر من مؤسسة يماني الثقافية عن ديوانه (دقات فوق الليل) كما أنشأ مجلة الشعر المصرية عام 1977م وظل رئيساً لتحريرها لمدة 12 عاماً.
                من جامعة القاهرة سنة 1969م بدراسة (الشعراء السود وخصائصهم الشعرية) ثم أتبع هذين الكتابين الكبيرين بكتابه القيم (السود والحضارة العربية) وتعد هذه المؤلفات في طليعة مؤلفات عبده بدوي ومن أهم الدراسات في الأدب الإفريقي.
                وفي المجال الصحفي عين عبده بدوي سنة 1957م مديراً لتحرير مجلة (نهضة إفريقيا) التي أصدرتها وزارة الثقافة المصرية، فارتفع بمستوى لغة الخطاب فيها من السياسة إلى الأدب، واتسعت في هذه الفترة ثقافته الإفريقية وانعكست على أدبه فأصدر عدة كتب تدرس حضارة الإسلام في إفريقيا وتقدم صورا عن زعمائها وشعوبها ومدنها، فبدأ بإصدار (مع حركة الإسلام في إفريقيا) و(دول إسلامية في الشمال الإفريقي) ثم أصدر (حكايات إفريقية) و(مدن إفريقية) و(شخصيات إفريقية) وبالمثل كان للسودان وإفريقيا حضور لافت في دواوينه الشعرية وهو أمر جدير بوقوف الدارسين والباحثين عنده، وتعد أوبرا (الأرض العالية) التي تعالج مشكلة الأرض في كينيا من أهم أعماله الشعرية في الطرح الإفريقي درامياً، وقد تمرس عبده بدوي في كتابة الدراما الشعرية والنثرية، فالعديد من أعماله خاصة الموضوعات الإفريقية كتبها في القلب الدرامي منذ الستينات. ورغم أنه يعد كاتباً للدراما الإذاعية الشعرية والنثرية من الطراز الأول ونال بها جائزة مؤتمر داكار للتأليف الإذاعي، وله في ذلك تراث إسلامي إذاعي ضخم بعضه في أرشيف الإذاعة المصرية ومعظمه في أرشيف إذاعة الكويت، إلا أنه لم يصدر شيئا منه في كتب عدا كتاب واحد هو (سهرة مع مصر).
                لقد ظُلم عبده بدوي شاعراً كما ظُلم ناقداً وباحثاً وسُلبت منه ريادته في الاهتمام بالشأن الإفريقي وخدمته لها ثقافياً وأدبياً وإسلامياً وأعطيت لغيره من الذين أساءوا لإفريقيا أكثر مما أكرموها. واضطر عبده بدوي بالجبر والاختيار معاً على العيش خارج وطنه، فكما بدأ مطلع شبابه مدرساً بالسودان أمضى معظم سنوات صدر حياته أستاذاً جامعياً في الكويت وفترات قصيرة متفرقة في العراق ودولة الإمارات، إذ لم يستطع البقاء في وطنه. فلما عاد ليستقر في وطنه استقر في بيته ولكنه أحس أن الشعور بالاغتراب في الوطن أشد وحشة من الغربة خارجه، وعانى من القهر لما رأى تنكر بعض الزملاء له، وتجاهلهم لدوره انكفأ على كتبه ولاذ بمكتبه يبدع في صمت، ويخرج مؤلفاته واحداً تلو الآخر دون انتظار لصحفي يطرق بابه أو مصور يركض وراءه أو زميل يأتي ليؤنسه أو تمليذ ليناقشه مؤمناً بأن كتبه وحدها ستنصفه وتتحدث عنه من بعده.
                وفي سنواته الأخيرة فاجأه الفشل الكلوي فأقعده الفراش، وتراخت همته لكن جذوه الإيمان ظلت مشتعلة في داخله، فعكف على كتاب الله، يتلوه آناء الليل وأطراف النهار فلما لم يعد يقدر على القراءة، ظل يتلو من حفظه ويستمع لتلاوة أهله، ويردد كلما دخل عليه أحد في وحدته وجاء ذكر نسيان الحياة الثقافية له يتلو قوله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا} وظل يرددها باسماً حتى توفاه الله منتصراً في ليلة الجمعة المباركة 16/12/ 1425هـ الموافق 27/1/2005م. رحمه الله وأثابه عما قدمه خدمة لدينه ثم لغته وشعبه وأمته العربية والإسلامية.

                تعليق

                • د. حسين علي محمد
                  عضو أساسي
                  • 14-10-2007
                  • 867

                  #9
                  قراءة في ديوان «الجرح الأخير» للدكتور عبده بدوي

                  بقلم: د. منيرة مصباح
                  ...................

                  إذا كان الإنسان برأي أفلاطون، تدفعه رغبة النصفين في الالتحام إلى استرجاع الوحدة الأولى، والعالم الصادر عن الواحد الأول، يظل الإنسان في رأي أفلاطون مشتاقا إلى النفس الكلية والخلية الحية، لا تزال ساعية إلى حالة اللا عضوية.
                  وإذا كان الشاعر يستشرف الآتي ويعرف ملامح المجهول، ويستكشف ملامح اللحظة، ويرود الآفاق البعيدة ليطل من خلال كل ذلك على مصيره وقدره الخاص والعام، والمرتبط بمصير وقدر الإنسانية، فإن الدكتور عبده بدوي في مجموعته الشعرية التي لم تكن الأخيرة كجرحه الأخير الذي يغرق في فضائه، ويحضر بقوة ليتجسد باتجاه الضفة الأخرى من الوجود بروحه وفكره وبوجهه العاري المتمم للمعاناة الإنسانية الكبيرة.
                  ذلك أن الشاعر في مغامرته الفكرية الوجودية الإنسانية، يعرف أن رحلته لا تنتهي في فراغ الوقت والأشياء، حيث مواجهته الحادة حميمة وقاسية وصعبة مع الفكرة والقضية والواقع . كما يعرف أن سلاح المواجهة لديه ينمو، فحتمية ذلك لا مفر منها حتى الرمق الأخير والفكرة الأخيرة. وحين يكون الخصم العنيد هو الموت، بكل ما فيه من قدرية، فإن الشاعر يقاومه بما يمتلك من قوة الفكر والخلود. لكننا مع ذلك لا نعجب حين نستشف في بعد القصائد رائحة النهايات والمحطات الأخيرة، رائحة الدروب المقفلة على سرها والقضايا، كأن الكلمة عنده لا تقف في حدود البحث عن معنى لها في الرماد والفراغ، إنما يسبقها زخم من الوعي الفكري لقضية شعب، أو لقضية فلسفية إنسانية عامة.
                  إن العودة إلى الينابيع دائما تكمن في اللا شعور، يجسدها الإنسان في حياته على اختلاف ظروفه، ولعل الجرح الأخير للدكتور عبده بدوي نموذج هذا الشعور الكامن في الأعماق . فقصائده بليغة التعبير عن النكوص في السلم والحرب، وعن مناشدة الحق والعدل، فهو يرتد إلى الوراء، يلملم شباك التاريخ عائدا بها من حيث جاء. " ماذا أفعل ؟
                  رأسي تتكور منها الشمس وتمشي في عرس الألوان
                  قلبي ممتد .. ممتد .. لا يخطئه أبدا عنوان
                  كلماتي عزف منفرد للريح .. ولوحاتي برق غضبان
                  وعلى أطراف حروفي أشعار، أزهار، أكوان،
                  صوت يشدو للناس بكل حنان
                  ألا تطغوا في الميزان " .
                  ودائما ثمة نهاية في القصيدة لا ترتاح في أشرعة الموت، فلا سبيل للانتهاء من الكتابة، أو اللحظة أو القصيدة، قبل بزوغ وغروب طعم الأشياء الأخيرة. وشروق آخر الصمت وآخر الكلام وآخر الجراح المفتوحة على الحياة . لكن القصيدة قبل أن تذهب إلى الخلاص الأخير والحقيقة النهائية، تقف وتقول المطارح الشائكة والتساؤلات الكبيرة والأحجية المستحيلة.
                  الآلام الكبرى
                  وأثناء قراءتي للجرح الأخير تذكرت سقراط الذي تجرع كأس الموت، فتحولت الكلمة عنده إلى عنوان كبير في التاريخ . ويومها انشغل الناس بهمومهم اليومية، وسقطوا في المنفى الداخلي، وسقراط انتحر دفاعا عن رسالته في الحياة، وبعيدا عن كل التحليلات التي جاءت بعده لتربط مبدأ الانتحار باليومي والثقافي والوجودي، نرى أن كل طلابه ومحبيه قد بكوه، لكنه والأهم أنه أعطى للفكر الإنساني ما لا يفنى . وبذلك فقد خلد سقراط في انتحاره، كل إنتاجه الفكري المبدع، ليعم على العالم قانون الحق والعدل النابع من فكرة الخير المطلق، فألغى تماما أهمية الذات في فكرة الجماعة .
                  والدكتور عبده بدوي كان في صمته الرهيب أكثر قدسية، وأكثر حنانا من الأم ومن التراب، هو في صومعته المنفى، أكثر التصاقا بالواقع .
                  " في هذا الشعب الطيب أسرار جبارة
                  تتشابك في صمت، تنمو، تهتز حضارة
                  تلقاها في قلب الفلاحين الأخضر
                  تلقاها في شبان ينصهرون حضارة
                  تلقاها في طفل … فرحا ونضارة
                  في بنت لا تشدو إلا من خلف ستارة
                  في قلب ممتلئ حزنا، لكن من غير مرارة
                  قد تلقى هذا الشعب الطيب في ليلات الغارة
                  مصباحا لم يصدح بالألوان المنهارة
                  قد تلقاه والقلب مكان الفجر منارة
                  في ضوء يبدو من أطراف محارة
                  في آخر غصن نوارة
                  آناَ يصغي أو يلقي للدنيا أشعاره "
                  لقد جعلنا الشاعر وهو في انكساره نصحو على وطأة الحياة، لتتقدم أمامنا إبداعية اللحظة، والضمير الذي كان نائما فيها، ليعود معنا إلى الذاكرة الجماعية فيحصد من التجربة مفتاح أمل أخير كجرحه الأخير، الذي جاء أكثر حرية وأكثر إبداعا . حيث أن الآلام الإنسانية الكبرى في هذا الديوان قد برزت من خلف القصائد، فقد استرجع الشاعر الكثير من مذابح التاريخ ومآسيه، ليزيد من تعقيد الخلفية الإنسانية، ويعطي قصائده غنا في المضمون الإنساني وفي الموضوع الذي يتناول الواقع اليومي. فالموت الذي هو قدر الإنسان، يصبح موتا جميلا في قصيدته هذه :
                  " لم يكن موتا حزينا وشقيا
                  إنه قد كان موتا عربيا
                  ذلك الموت الجميل
                  كان عرسا طار فيه الورد من جرح الجليل
                  حين كانت نجمة في طبريا
                  وقريبا كان للموج عويل
                  ذكروها بحبيب ليس مجهول الهوية
                  اسمه الموت الجميل "
                  في هذه القصيدة نجد الدكتور عبده بدوي يبحث عن حقيقة الإنسانية، ليشير إلى مثالية الفعل الإنساني، معتبرا الفرق بين الواقعية والمثالية هو فرق في الوجود والوجوب . فالواقعية التي يراها الشاعر هي وجوب يتجاوز ذاته، إلى مثالية تشتمل على الوجود كما يجب أن يكون، وذلك بفعل طاقة باطنية واعية، كما كان لدى كل الشهداء . فليس للأزمان نهاية، كما أن ليس للوطن نهاية. وفلسطين تتسامى من غزة إلى يافا على الواقع لتصير ذاتا مثالية .
                  " فأفاقت من رؤاها اللؤلؤية
                  ثم راحت في الهواء
                  ترسم الفاء إلى النون القصية
                  طار فيها القلب عصفورا سماويا حزينا
                  فهو قد خف إلى يافا الشهيرة
                  لحظة قال المغني أوف وارتج البكاء
                  لحظة قد أطلقت وردة حب طيب
                  أخذت صورة وجه، رف فوقي ملكا،
                  غاب حينا … رف حينا … سلكا،
                  وشدى الموت الجميل … "
                  إن الشاعر عبده بدوي في ديوانه هذا هو شاعر الأسئلة، فهو يطرح قضايا ويثير ويشاغب، والسؤال لديه لا يهدأ ولا يستكين إلا للحظات قليلة، نادرة وحميمة، فشعره شعر أسئلة وجودية إنسانية واقعية. ولأنه يرفع سؤالا عميقا في وجه الدنيا والواقع والوجود، فهو يشهر أسئلته ليكتبها متوحدا في ليل صادق، ويصبح في صراع مكشوف لا ينتهي إلا بالجرح الأخير، هذا إذا كان هناك جرح أخير.
                  لكن أتساءل، لمن يكتب الشاعر ولماذا يكتب ويلامس حالة الموت في شبه تقارب وامتثال، في علاقته بالعالم والوجود ! ذلك الذي يحاصره الحرس والعيون التي ترصد الكلمة. لماذا هو دائما في تماس مقيم وعلاقة مستمرة مع الموت، كأن مقاومته هي استمرار للحياة ! واستمرار للفكرة وللغة وللإنسان خوفا من السقوط . فهو يخاطب الشمس متسائلا :..
                  " يا قرص الشمس الزاهي ماذا أفعل !
                  يا نقشا هيروغليفيا، ماذا أفعل !
                  فالحارس مشدود الكتفين … مشقوق الظلفين …
                  مولود من فرعون … موجود بين محاره …
                  مرسوم بالألوان بكل مغارة …
                  يبدو في منف أو في سقارة … "
                  لبعض هذه الأشياء يكتب الشاعر ويبوح. في غمرة الموت الرابض حياتا، والمنعكس في جهات متناثرة، يبقى هناك الخلاص، ربما يكون لدى الشاعر في الحب بكل تجلياته وحالاته الانسانية، فهو يقول أمام تمثال بوشكين:
                  " إني شاهدتك في جفني
                  يا زهرة عباد الشمس
                  القرص في الوجهين : هذا الوجه الباقي
                  في أقصى نفسي من شعرك
                  هذا الوجه الشادي في عيني
                  مثل الشمس الشرقية "
                  الحب
                  لكن الحب الرمز ليس صدمة، ولا يغيب ويتوارى في الموت، إنما دائما يعبر به الضفة الأخرى البعيدة، ويرحل في الصمت المبكر، كرحيل قبل أوان وقبل اكتمال العناقيد، يمسح عن قلب الشاعر غصة كبيرة، وجرحا كبيرا يراه كأنه لا يندمل. ولأن الحب هو الخلاص، يتذكر الشاعر لحظات جميلة، وأخرى تأتي من عمق التاريخ حاملة الأسى والبؤس كالهواجس والرؤى . فنراه يذهب إلى أقصى الاحتمالات وأبعدها وأدفأها، وأكثرها توحدا وذوبانا . ويأتي من لحظة تهزه إلى حد التخطي البشري العادي وتحمله إلى الأعمق والأبعد والأحلى والأكثر اكتمالا .
                  " لم ينقذني من هذا البحر الزاخر إلا شيء
                  من إسراع يعدو
                  يبطئ حتى آخر ما في البطء من إيقاع
                  كيما تلقى أشواق الناس عليه الزهر الأحمر
                  لتواسي جرحا مفتوحا ـ من بعد زمان ـ في الجنب الأيسر "
                  لكن قصيدة "تفتيش المواطن ع. ب " تبقى تلاحق كافة قصائد الديوان، حتى في لحظات الحب يختبئ حارث في شيء خلف الموت، يلمحه الشاعر يطوف مع الليل والحب والحرب، وربما على قارعة الطريق في لحظة الزمن الرديء :
                  " في بطء مروا مخلبهم بحثا في رأسي عن فكر
                  بحثا في قلبي عن شعر
                  بحثا في أقلامي عن حبر
                  وأنا أتقلب من فوق الجمر
                  ويظل على رأسي وبأعماقي شيء يتدحرج مثل الصخر ! " .
                  وحين يغيب الديوان يبقى صوت الشاعر متروكا ومتوحدا، يحن إلى جرحه الأخير، يرسم صورة صادقة لنفسه، يرسمها بحذر وخوف، وقريبة من حدة الصراع مع الأسئلة والقضايا في الحياة والوجود والكتابة . ومرهفة في لحظة حب يجعلنا من خلالها نتذكر أن بين الشعر والجرح نبض الحزن المشترك . فمن قال أن الجرح حضور والشعر غياب ! إن الحالتين متلازمتين .
                  لذلك أقول ليس هناك جرح أخير، فالحياة مستمرة والجراح مستمرة، والعودة إلى الينابيع هي رؤية الإنسان الراني دائما لاسترجاع وحدته الأولى، رغم صخرة سيزيف الرابضة في وحدة الفكر الإنساني ورؤاه .
                  .............................
                  *د. منيرة مصباح: شاعرة وكاتبة فلسطينية، وأستاذة للغة العربية في جامعة شيكاغو.

                  تعليق

                  يعمل...
                  X