هذا هو دكتور جمال مرسي الشاعر الملهم
ألو .. هل تُجِيبُ النِّدا يَا حَبِيبِي
أَتَسمَعُ صَوتِي ، و جَمرَ نَحِيبِي ؟
لعل هذا البيت يكشف الجوانب الخفية من شخصية الدكتور جمال مرسي الشاعر الملهم ... يكشف حرقة الغربة التي اعتورته وأرقته فقضت مضجعه ... لك الله ياجمال وأنت تخاطب عن بعد ذلك الأب الحنون الحكيم الذي غيبه الثرى وأنت بعد بعيد ، تقف مكلوما هناك في بلاد الغربة لا تستطيع حراكا ... حيل بينك وبين أن تحادثه في لحظاته الأخيرة أو أن تلقي عليه نظرة وداع تشفي بها غليل غربة أعملت نصلها في فؤادك فشوقتك إلي أب إحدودب عليك بحبه وعطفه ورعايته وإلى مراتع الصبا والشباب التي نشأت وشببت عن الطوق في كنفها ... وكأنما كتب الله عليك وعليه أن يكون لقاؤكما القادم تحت عرشه في جنات نعيمه .
عندما نعى الناعي لجمال مرسي والده الحبيب لم يصدق الخبر فأمسك سماعة الهاتف يخاطبه ومشاعره تضطرم وتضطرب
وكأن الأمنيات في داخله قفزت من فؤاده وطارت صوب الثرى الذي وارى الأب تستحلفه أن يرد ... ولكن رجع الصدى عاد إلى صاحبه مكللا بالفشل لايحمل إلا خفي حنين ... وي كأنك بكيت ياجمال وقتها كما يبكي الرجل ... هل تعلم كيف يبكي الرجل ؟ يبكي ورأسه مرفوعة وشفته منفرجة عن إبتسامة خفيفة خفية ... لاينكس رأسه أبدا فتنكيس الرأس للنساء , أما ابتسامته فمن أجل أن يخفف عن أهله عظم المصاب ...هكذا يكون الرجل وهكذا هو جمال .
هانحن أولاء في الثاني من فبراير من عام ألف وسبعمائة سبعة وخمسين حيث ولد في بيت من بيوتات كفر الشيخ وليدُ صغير ـ سيصبح فى مستقبل الأيام أحد أعلام دولة الشعر والأدب ـ لأب أزهري قضى حياته بين العلم والعلماء وتوفرت له مكتبة قل أن يوجد نظيرها ـ رحمه الله ـ كان هذا الأب يشغل وظيفة مدير إدارة الإحصاء بمديرية التعليم في محافظة كفر الشيخ .... ومن مكتبة الأب نهل الإبن .
كان جمال طفلا هادئا صامتا معظم الوقت وكأنما كان قد جُبل على تفرس الأشخاص والأحداث ليصبح بعد ذلك علما نابغا من أعلام الشعر الذي لايتهادى ولايقترب إلا من أصحاب القلوب الحية والعقول المتعمقة , و قبل التحاقه بمدرسته الإبتدائية كان قد حفظ بعض ماتيسر من القرآن الكريم وتعلم القراءة والكتابة لذلك لم يكن من المستغرب أن يبز جمال أقرانه ويتفوق عليهم وهو الذي شغف بالقراءة والكتابة منذ نعومة أظفاره ... ولعل رعاية الله قد حاطت هذا الرجل مذ كان وليدا من أجل هذا الأب الذي حرص على تربيته على الخلق القويم والتدين الصحيح ، وإذا كانت المساجد تشهد لروادها فإن مساجد كفر الشيخ تشهد لذلك الطفل الصغير الذي كان يذهب منفردا في كثير من الأحايين كي يؤدي فرض ربه بشغف وحب وكأنه في سياحة روحية يتمنى خلالها أن يطول أمدها حيث يجلس بعد أداءه لفرض ربه كي يتأمل الناس في حركاتهم وسكانتهم ... أما في يوم الجمعة فكثيرا ماكان يرافق الأب الحنون حيث يجلسان قبل صلاة الجمعة في مسجد كبير جامع كي يستمعان إلى القرآن الكريم الذي يتلوه القراء قبل الصلاة ـ كما هو الحال في معظم مساجد مصر ـ ثم لكي يستمع في شغف كبير لخطبة الجمعة , وإذا صادف أن دخلت المسجد وقتها فستجد صبيا يتحول كله وقت الخطبة إلى ( آذان صاغية ) من فرط تداخله الروحي والوجداني مع الخطيب .
ومرت على الصبي سنوات الدراسة الأولى , وفي بدايات إلتحاقه بالمدرسة الإعدادية لفت أنظار مدرس مادة اللغة العربية كان وقتها اليافع جمال مرسي يخط بداياته كشاعر وظهرت إرهاصات نبوغه الشعري فتنبأ له الرجل حيث قال له أمام جمع من أقرانه ( سيكون لك مكانة وقامة وقيمة ... ستكون شاعرا بحق )
ومن عجب أن الصغير كتب قصائده الأولى موزونة مستقيمة شجية عفية فتية رائقة رقراقة بالسليقة والفطرة السليمة دون أن يدرس علم العروض ــ إذ درسه فيما بعد ونبغ فيه ــ وكان هذا هو الدرس الأول الذي تعلمه الفتى إذ أدرك أن الشعر موهبة ربانية وهبة من عند الرحمن وحكمة ... والله يؤتي الحكمة من يشاء .... كنت لاتنظر في فصول المدرسة ولاتشخص ببصرك في أروقتها وأفنيتها إلا ووجدت الفتى الغض جمال وهو يقرأ كتابا ما في فرع من فروع الأدب أو الشعر أو يترنم بقصيدة من نبت خياله الرحب أمام ثُلة صغيرة من أقرانه المقربين ... وهكذا مضت سنوات الدراسة الإعدادية بالفتى وهو في مقدمة الناجحين المتفوقين .
وفي المرحلة الثانوية التقى الفتى الذي شب عن الطوق بمدرس فريد من مدرسي اللغة العربية هو الأستاذ عبد الفتاح الجزار ــ رحمه الله ــ الذي كان يمثل مدرسة لاتتكرر لجيل لايتكرر ... مد الأستاذ عبد الفتاح الجزار العبقري الفريد يد الرعاية للفتى اليافع وتعهده بالرعاية حتى استوى الفتى على سوقه يعجب الشعراء والأدباء وشجعه على أن يرسل إنتاجه الشعري للمجلات والصحف فكان أن نشرت له العديد من المجلات والصحف المحلية ثم نشرت له صحف ومجلات القاهرة الأدبية وهو بعد صغير , مازال جمال يذكر مقولة أستاذه عبد الفتاح الجزار الذي دله على طريق التفرد حينما قال له ( لن تكون أديبا جيدا إلا إذا كنت قارئا جيدا ) ولذلك نهل الفتى من مكتبة أبيه وقرأ في كل فروع المعرفة وشغف بكتب الفلسفة والإجتماع وعلم النفس بله كل فروع الأدب والشعر قديمه وحديثه... ولكن هل كان الفتى منفصلا عن قضايا وطنه وأمته ومتفرغا للتغرد بالحسان ؟ .. كلا وأيم الله عندما قامت حرب أكتوبر المجيدة كان الفتي في المرحلة الثانوية وقتها التحق بقوات الدفاع الشعبي حيث كانت هذه هي مدرستة الوطنية الأولى التي نهل من معينها ومن هناك من مصر من كفر الشيخ أُشربت أنسجته القضية الفلسطينية والقدس تلك القضية التي لاتخص دولة بذاتها وإنما هي قضية المسلمين جميعا فكتب من مشاعره وحشاشات الشعور المستنير المستبصر المتقد بالوطنية ــ وقتها وبعد ذلك وإلى أن ينقضي العمر ـ أروع ماكتبه شاعر عن وطن سليب بلا تصنع أو تكلف , وكيف يتصنع من لم يتعود المديح والنفاق في قضية هي قضيته هو وقضية عقيدته قبل أن تكون قضية غيره أقسم لكم وقسمي لاأحنث فيه أبدا فهو قسم الرجل الحر أقسم أن جمال يتعبد لله بحبه لفلسطين وبحبه لذلك النفر الأبي الذين يقفون على ثغر من ثغور الإسلام يدافعون عن بيت مقدسه ـ وذكرهم الرسول صلى الله عليه وسلم في حديثه ـ في الوقت الذي قعد فيه القاعدون ونكل الناكلون .
عود على بدء ...لفت الفتى الأنظار إليه بموهبته السامقة , وكان أن التقاه الشاعر المصري الكبير العلم العلاّمة محمد محمد الشهاوي الذي أخذ على عاتقه رعاية تلك الموهبة وتشذيبها وتو جيهها إلى وجهتها الصحيحة ...
ياالله لم تكن تلك هي رعاية الناس للناس ولكنها كانت رعاية رب الناس لذلك الفتى الذي مالبث أن حصل على درجة متفوقة في الثانوية العامة فالتحق بكلية الطب البيطري جامعة الزقازيق .... أغترب ذلك الشاب غض الإهاب من بداية حياته وكانت تلك هي الغربة الأولى وكأنما كانت هذه الغربة وقتها تدريبا له من العلي القدير حتى يتحمل آلام غربة أشد وأنكى ستأتي له في مستقبل أيامه ( ومما لاشك فيه أن الآلام إذا اجتمعت في قلب رجل عادي صنعت منه شاعرا فإذا اجتمعت في قلب شاعر صنعت منه شاعرا عبقريا وإذا اجتمعت في قلب شاعر عبقري صنعت منه شاعرا ملهما وهذا هو أعلى الشعراء قاطبة )
كان للبعد بين المحافظتين ــ الشرقية حيث الجامعة وكفر الشيخ حيث المنبت والإقامة ـ سببا إضطراريا للسكن في الزقازيق وحيدا بعيدا عن الأهل والخلان والرفقاء , ولكن بالرغم من ذلك مازالت جامعة الزقازيق تذكر ذلك الشاب الذي كان غرة شعراء الجامعة ودرة الموهوبين فيها ... تفجرت الموهبة وأصبح جمال مرسي هو شاعر الجامعة الأول ... ورغم بعد تخصص الدراسة عن موهبة ذلك الشاب إلا أن هذا لم يقف حاجبا لنبوغه بل كان دافعا للتقدم .. ولما لا وإبراهيم ناجي كان طبيبا وكان في ذات الوقت أرق شعراء عصره , وكان يوسف إدريس طبيبا وفي ذات الوقت كان علم القصة القصيرة ومبدعها... وغيرهما كثير وكثير
وتخرج الشاب وأصبح طبيبا وشاعرا يشار له بالبنان ثم كانت رحلة الغربة حيث جاب العديد من البلدان إلى أن استقر به المقام في تلك الأرض الطاهرة أرض الرسالة رسالة الإسلام دين الحق عبادة التوحيد ... لم تكن تلك الغربة لفتة بشرية نعزوها إلى محض المصادفة ولكنها كانت رعاية الله كي تتناغم نفسية الشاب الموهوب الملهم مع أجواء تربة أرض سار عليها المصطفى صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام .
وخرجت القصائد الشعرية تترى تثري عالم الشعر وتزخم الساحة بعبقرية متفردة شهد لها القاصي والداني , أخرج لنا هذا الشاعر الفذ ثلاث مجموعات شعرية هي غربة ( وهي ترجمة لرحلته النفسية في الغربة .... وديوان أصداف البحر ... وديوان لآلىء الروح ... ثم أخرج لنا ديوانا مشتركا مع شعراء آخرين هو على شرفة القمر ليضرب مثلا على تجرده وحبه لإخوانه من الشعراء .
وإذا كان البيان يعوزني وأنا أتحدث عن شاعر وأنا لست بشاعر فالأولى ببيان تفرده هم أهل الشعر والوجدان ولكن حسبي أن شهد له رموز الشعر ونقاده في الوطن العربي مثل فاروق جويدة وسمير العمري والشاعر الموسوعي توفيق حلمي وعادل العاني وهلال الفارع والحريري وحسان خادم اللغة العربية وعبد الرحمن يوسف ومريم يمق ومحمد سمير السحار وعبد الرحمن الجميعان والناقد المتخصص الأريب أحمد حسن وعائض القرني وغيرهم كثير وكثير مما لايتسع المجال لذكرهم ممن تفاعل معهم وتأثر بهم وأثر فيهم ... فإن جاز لي أن ألخص هذا الرجل في كلمة أو في كلمتين أقول عنه هذا هو ( الشاعر الملهم )
ولي في حقه شهادة ... إذ عن لكاتب هذه السطور في يوم من الأيام أن يكتب قصيدة عن أحداث لبنان ويزاحم الشعراء وهو شعرور , وبعد أن كتب ماكتب لجأ إلى العلم الملهم جمال مرسي كي يصوب له ماوقع فيه من زلل فإذا به شاعر عملاق يحدودب على المتشاعرين والشعراء ويشملهم برعايته وفضله دون أن ينتظر منهم كلمة شكر , لم يكن الشعر بابي أو كراستي ولكنه شجعني وشد على يدي بتجرد وإخلاص لامثيل لهما ..
أما الشهادة الأخرى فيوم أن كتبت قصيدة ما ووضعتها في أحد المنتديات كان أن رد عليها الشاعر الكبير هلال الفارع فقال لي جمال مرسي لقد بسط الحظ رداءه لك فالأستاذ هلال الفارع هو أحد أكبر شعراء الأمة بلاريب ( والله يعلم صدق روايتي ) ورغم أنني أعرف أن بعض الموهوبين ينتابهم غرور التفرد إلا أن جمال مرسي لم يكن من هؤلاء بل كان يدرك قدره وقدر هلال الفارع وكلاهما علم لاتستطيع أن تفضل أحدهما على الآخر كما لاتستطيع أن تفضل شوقي على حافظ فكلاهما له مذاقه ومدرسته وموهبته
كانت هذه كلمة حق في ذلك الرجل الذي تعرض لإساءة فصبر ... وسيكون في مرتبة أعلى إن تعرض للإساءة فشكر ... إذ يروى أن الإمام البصري وصله أن أحدهم يسبه فأرسل إلي من سبه طبق تمر فتعجب الرجل الذي سب أيما عجب وقال للبصري أأسبك وتهديني هدية قال البصري للرجل .. أهديتني من حسناتك أفلا أهديك من متاع الدنيا
إهنأ ياأبا الأمراس ولاتجزع وقر عينا فقد أحببناك في الله
.
ثروت الخرباوي
ألو .. هل تُجِيبُ النِّدا يَا حَبِيبِي
أَتَسمَعُ صَوتِي ، و جَمرَ نَحِيبِي ؟
لعل هذا البيت يكشف الجوانب الخفية من شخصية الدكتور جمال مرسي الشاعر الملهم ... يكشف حرقة الغربة التي اعتورته وأرقته فقضت مضجعه ... لك الله ياجمال وأنت تخاطب عن بعد ذلك الأب الحنون الحكيم الذي غيبه الثرى وأنت بعد بعيد ، تقف مكلوما هناك في بلاد الغربة لا تستطيع حراكا ... حيل بينك وبين أن تحادثه في لحظاته الأخيرة أو أن تلقي عليه نظرة وداع تشفي بها غليل غربة أعملت نصلها في فؤادك فشوقتك إلي أب إحدودب عليك بحبه وعطفه ورعايته وإلى مراتع الصبا والشباب التي نشأت وشببت عن الطوق في كنفها ... وكأنما كتب الله عليك وعليه أن يكون لقاؤكما القادم تحت عرشه في جنات نعيمه .
عندما نعى الناعي لجمال مرسي والده الحبيب لم يصدق الخبر فأمسك سماعة الهاتف يخاطبه ومشاعره تضطرم وتضطرب
وكأن الأمنيات في داخله قفزت من فؤاده وطارت صوب الثرى الذي وارى الأب تستحلفه أن يرد ... ولكن رجع الصدى عاد إلى صاحبه مكللا بالفشل لايحمل إلا خفي حنين ... وي كأنك بكيت ياجمال وقتها كما يبكي الرجل ... هل تعلم كيف يبكي الرجل ؟ يبكي ورأسه مرفوعة وشفته منفرجة عن إبتسامة خفيفة خفية ... لاينكس رأسه أبدا فتنكيس الرأس للنساء , أما ابتسامته فمن أجل أن يخفف عن أهله عظم المصاب ...هكذا يكون الرجل وهكذا هو جمال .
هانحن أولاء في الثاني من فبراير من عام ألف وسبعمائة سبعة وخمسين حيث ولد في بيت من بيوتات كفر الشيخ وليدُ صغير ـ سيصبح فى مستقبل الأيام أحد أعلام دولة الشعر والأدب ـ لأب أزهري قضى حياته بين العلم والعلماء وتوفرت له مكتبة قل أن يوجد نظيرها ـ رحمه الله ـ كان هذا الأب يشغل وظيفة مدير إدارة الإحصاء بمديرية التعليم في محافظة كفر الشيخ .... ومن مكتبة الأب نهل الإبن .
كان جمال طفلا هادئا صامتا معظم الوقت وكأنما كان قد جُبل على تفرس الأشخاص والأحداث ليصبح بعد ذلك علما نابغا من أعلام الشعر الذي لايتهادى ولايقترب إلا من أصحاب القلوب الحية والعقول المتعمقة , و قبل التحاقه بمدرسته الإبتدائية كان قد حفظ بعض ماتيسر من القرآن الكريم وتعلم القراءة والكتابة لذلك لم يكن من المستغرب أن يبز جمال أقرانه ويتفوق عليهم وهو الذي شغف بالقراءة والكتابة منذ نعومة أظفاره ... ولعل رعاية الله قد حاطت هذا الرجل مذ كان وليدا من أجل هذا الأب الذي حرص على تربيته على الخلق القويم والتدين الصحيح ، وإذا كانت المساجد تشهد لروادها فإن مساجد كفر الشيخ تشهد لذلك الطفل الصغير الذي كان يذهب منفردا في كثير من الأحايين كي يؤدي فرض ربه بشغف وحب وكأنه في سياحة روحية يتمنى خلالها أن يطول أمدها حيث يجلس بعد أداءه لفرض ربه كي يتأمل الناس في حركاتهم وسكانتهم ... أما في يوم الجمعة فكثيرا ماكان يرافق الأب الحنون حيث يجلسان قبل صلاة الجمعة في مسجد كبير جامع كي يستمعان إلى القرآن الكريم الذي يتلوه القراء قبل الصلاة ـ كما هو الحال في معظم مساجد مصر ـ ثم لكي يستمع في شغف كبير لخطبة الجمعة , وإذا صادف أن دخلت المسجد وقتها فستجد صبيا يتحول كله وقت الخطبة إلى ( آذان صاغية ) من فرط تداخله الروحي والوجداني مع الخطيب .
ومرت على الصبي سنوات الدراسة الأولى , وفي بدايات إلتحاقه بالمدرسة الإعدادية لفت أنظار مدرس مادة اللغة العربية كان وقتها اليافع جمال مرسي يخط بداياته كشاعر وظهرت إرهاصات نبوغه الشعري فتنبأ له الرجل حيث قال له أمام جمع من أقرانه ( سيكون لك مكانة وقامة وقيمة ... ستكون شاعرا بحق )
ومن عجب أن الصغير كتب قصائده الأولى موزونة مستقيمة شجية عفية فتية رائقة رقراقة بالسليقة والفطرة السليمة دون أن يدرس علم العروض ــ إذ درسه فيما بعد ونبغ فيه ــ وكان هذا هو الدرس الأول الذي تعلمه الفتى إذ أدرك أن الشعر موهبة ربانية وهبة من عند الرحمن وحكمة ... والله يؤتي الحكمة من يشاء .... كنت لاتنظر في فصول المدرسة ولاتشخص ببصرك في أروقتها وأفنيتها إلا ووجدت الفتى الغض جمال وهو يقرأ كتابا ما في فرع من فروع الأدب أو الشعر أو يترنم بقصيدة من نبت خياله الرحب أمام ثُلة صغيرة من أقرانه المقربين ... وهكذا مضت سنوات الدراسة الإعدادية بالفتى وهو في مقدمة الناجحين المتفوقين .
وفي المرحلة الثانوية التقى الفتى الذي شب عن الطوق بمدرس فريد من مدرسي اللغة العربية هو الأستاذ عبد الفتاح الجزار ــ رحمه الله ــ الذي كان يمثل مدرسة لاتتكرر لجيل لايتكرر ... مد الأستاذ عبد الفتاح الجزار العبقري الفريد يد الرعاية للفتى اليافع وتعهده بالرعاية حتى استوى الفتى على سوقه يعجب الشعراء والأدباء وشجعه على أن يرسل إنتاجه الشعري للمجلات والصحف فكان أن نشرت له العديد من المجلات والصحف المحلية ثم نشرت له صحف ومجلات القاهرة الأدبية وهو بعد صغير , مازال جمال يذكر مقولة أستاذه عبد الفتاح الجزار الذي دله على طريق التفرد حينما قال له ( لن تكون أديبا جيدا إلا إذا كنت قارئا جيدا ) ولذلك نهل الفتى من مكتبة أبيه وقرأ في كل فروع المعرفة وشغف بكتب الفلسفة والإجتماع وعلم النفس بله كل فروع الأدب والشعر قديمه وحديثه... ولكن هل كان الفتى منفصلا عن قضايا وطنه وأمته ومتفرغا للتغرد بالحسان ؟ .. كلا وأيم الله عندما قامت حرب أكتوبر المجيدة كان الفتي في المرحلة الثانوية وقتها التحق بقوات الدفاع الشعبي حيث كانت هذه هي مدرستة الوطنية الأولى التي نهل من معينها ومن هناك من مصر من كفر الشيخ أُشربت أنسجته القضية الفلسطينية والقدس تلك القضية التي لاتخص دولة بذاتها وإنما هي قضية المسلمين جميعا فكتب من مشاعره وحشاشات الشعور المستنير المستبصر المتقد بالوطنية ــ وقتها وبعد ذلك وإلى أن ينقضي العمر ـ أروع ماكتبه شاعر عن وطن سليب بلا تصنع أو تكلف , وكيف يتصنع من لم يتعود المديح والنفاق في قضية هي قضيته هو وقضية عقيدته قبل أن تكون قضية غيره أقسم لكم وقسمي لاأحنث فيه أبدا فهو قسم الرجل الحر أقسم أن جمال يتعبد لله بحبه لفلسطين وبحبه لذلك النفر الأبي الذين يقفون على ثغر من ثغور الإسلام يدافعون عن بيت مقدسه ـ وذكرهم الرسول صلى الله عليه وسلم في حديثه ـ في الوقت الذي قعد فيه القاعدون ونكل الناكلون .
عود على بدء ...لفت الفتى الأنظار إليه بموهبته السامقة , وكان أن التقاه الشاعر المصري الكبير العلم العلاّمة محمد محمد الشهاوي الذي أخذ على عاتقه رعاية تلك الموهبة وتشذيبها وتو جيهها إلى وجهتها الصحيحة ...
ياالله لم تكن تلك هي رعاية الناس للناس ولكنها كانت رعاية رب الناس لذلك الفتى الذي مالبث أن حصل على درجة متفوقة في الثانوية العامة فالتحق بكلية الطب البيطري جامعة الزقازيق .... أغترب ذلك الشاب غض الإهاب من بداية حياته وكانت تلك هي الغربة الأولى وكأنما كانت هذه الغربة وقتها تدريبا له من العلي القدير حتى يتحمل آلام غربة أشد وأنكى ستأتي له في مستقبل أيامه ( ومما لاشك فيه أن الآلام إذا اجتمعت في قلب رجل عادي صنعت منه شاعرا فإذا اجتمعت في قلب شاعر صنعت منه شاعرا عبقريا وإذا اجتمعت في قلب شاعر عبقري صنعت منه شاعرا ملهما وهذا هو أعلى الشعراء قاطبة )
كان للبعد بين المحافظتين ــ الشرقية حيث الجامعة وكفر الشيخ حيث المنبت والإقامة ـ سببا إضطراريا للسكن في الزقازيق وحيدا بعيدا عن الأهل والخلان والرفقاء , ولكن بالرغم من ذلك مازالت جامعة الزقازيق تذكر ذلك الشاب الذي كان غرة شعراء الجامعة ودرة الموهوبين فيها ... تفجرت الموهبة وأصبح جمال مرسي هو شاعر الجامعة الأول ... ورغم بعد تخصص الدراسة عن موهبة ذلك الشاب إلا أن هذا لم يقف حاجبا لنبوغه بل كان دافعا للتقدم .. ولما لا وإبراهيم ناجي كان طبيبا وكان في ذات الوقت أرق شعراء عصره , وكان يوسف إدريس طبيبا وفي ذات الوقت كان علم القصة القصيرة ومبدعها... وغيرهما كثير وكثير
وتخرج الشاب وأصبح طبيبا وشاعرا يشار له بالبنان ثم كانت رحلة الغربة حيث جاب العديد من البلدان إلى أن استقر به المقام في تلك الأرض الطاهرة أرض الرسالة رسالة الإسلام دين الحق عبادة التوحيد ... لم تكن تلك الغربة لفتة بشرية نعزوها إلى محض المصادفة ولكنها كانت رعاية الله كي تتناغم نفسية الشاب الموهوب الملهم مع أجواء تربة أرض سار عليها المصطفى صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام .
وخرجت القصائد الشعرية تترى تثري عالم الشعر وتزخم الساحة بعبقرية متفردة شهد لها القاصي والداني , أخرج لنا هذا الشاعر الفذ ثلاث مجموعات شعرية هي غربة ( وهي ترجمة لرحلته النفسية في الغربة .... وديوان أصداف البحر ... وديوان لآلىء الروح ... ثم أخرج لنا ديوانا مشتركا مع شعراء آخرين هو على شرفة القمر ليضرب مثلا على تجرده وحبه لإخوانه من الشعراء .
وإذا كان البيان يعوزني وأنا أتحدث عن شاعر وأنا لست بشاعر فالأولى ببيان تفرده هم أهل الشعر والوجدان ولكن حسبي أن شهد له رموز الشعر ونقاده في الوطن العربي مثل فاروق جويدة وسمير العمري والشاعر الموسوعي توفيق حلمي وعادل العاني وهلال الفارع والحريري وحسان خادم اللغة العربية وعبد الرحمن يوسف ومريم يمق ومحمد سمير السحار وعبد الرحمن الجميعان والناقد المتخصص الأريب أحمد حسن وعائض القرني وغيرهم كثير وكثير مما لايتسع المجال لذكرهم ممن تفاعل معهم وتأثر بهم وأثر فيهم ... فإن جاز لي أن ألخص هذا الرجل في كلمة أو في كلمتين أقول عنه هذا هو ( الشاعر الملهم )
ولي في حقه شهادة ... إذ عن لكاتب هذه السطور في يوم من الأيام أن يكتب قصيدة عن أحداث لبنان ويزاحم الشعراء وهو شعرور , وبعد أن كتب ماكتب لجأ إلى العلم الملهم جمال مرسي كي يصوب له ماوقع فيه من زلل فإذا به شاعر عملاق يحدودب على المتشاعرين والشعراء ويشملهم برعايته وفضله دون أن ينتظر منهم كلمة شكر , لم يكن الشعر بابي أو كراستي ولكنه شجعني وشد على يدي بتجرد وإخلاص لامثيل لهما ..
أما الشهادة الأخرى فيوم أن كتبت قصيدة ما ووضعتها في أحد المنتديات كان أن رد عليها الشاعر الكبير هلال الفارع فقال لي جمال مرسي لقد بسط الحظ رداءه لك فالأستاذ هلال الفارع هو أحد أكبر شعراء الأمة بلاريب ( والله يعلم صدق روايتي ) ورغم أنني أعرف أن بعض الموهوبين ينتابهم غرور التفرد إلا أن جمال مرسي لم يكن من هؤلاء بل كان يدرك قدره وقدر هلال الفارع وكلاهما علم لاتستطيع أن تفضل أحدهما على الآخر كما لاتستطيع أن تفضل شوقي على حافظ فكلاهما له مذاقه ومدرسته وموهبته
كانت هذه كلمة حق في ذلك الرجل الذي تعرض لإساءة فصبر ... وسيكون في مرتبة أعلى إن تعرض للإساءة فشكر ... إذ يروى أن الإمام البصري وصله أن أحدهم يسبه فأرسل إلي من سبه طبق تمر فتعجب الرجل الذي سب أيما عجب وقال للبصري أأسبك وتهديني هدية قال البصري للرجل .. أهديتني من حسناتك أفلا أهديك من متاع الدنيا
إهنأ ياأبا الأمراس ولاتجزع وقر عينا فقد أحببناك في الله
.
ثروت الخرباوي
تعليق