القِرْدِيَّةُ نزعةُ الأمةِ العربيّةِ السِّلْبِيَّةُِ (مقالة للتأمل والتألم)

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • حسين ليشوري
    طويلب علم، مستشار أدبي.
    • 06-12-2008
    • 8016

    القِرْدِيَّةُ نزعةُ الأمةِ العربيّةِ السِّلْبِيَّةُِ (مقالة للتأمل والتألم)

    القِرْدِيَّةُ نزعةُ الأمةِ العربيّةِ السِّلْبِيَّةُِ

    أ-ها أنا ذا، مرة أخرى، أمارس هوايتي المفضلةَ لديَّ في الكتابة بهذه اللغة العربية الطَّيِّعة الهينة اللينة المَرِنة لما تمكٍّن به الكاتب من المرونة والليونة ليكتب ما يريد كيف يريد، وينحت، أو يصوغ من مادتها الأولية، حروفَها وكلماتِها، ما يشاء من الكلمات الجديدة الغريبة العجيبة والمُعْجِبة كأنه صانع أواني الفخار يتلاعب بالفخار الهين اللين المِطواع المرن كيف يشاء [
    ما لم يخرج، الكاتبَ، عن سَنَنِ العرب في الاشتقاق والنحت وصوغ المفردات]؛ وفي عرض أدواء الأمة العربية المختلفة، فما أكثرَ أدواءَها وأمرضَها وأسقامَها وأوصابَها [الوصب = المرض نفسه، وقد أتيتُ بالمترادفات لإثراء لغة القارئ] وما أقل الأطباء النُّطُس [جمع نطاسي العالم الحاذق الماهر] الشجعان الذين يشخصون للأمة أدواءَها ويصفون لها دواءَها بصراحة وشفافية وشفقة عساها تأخذ ما يُشخِّصون وما يصفون مَحْمل الجِد فتبرأ وتشفى وتتعافى.

    ب-"القِرْدِيَّة" مصدر صناعي اشتققته من "القِرْد" المعروف وهو الحيوان الأعجم بالغريزة والمعروف عند الناس بالتقليد الأعمى والمحاكاة البلهاء، واللغة العربية لغة تتميز بظاهرة الاشتقاق بأنواعه الثلاثة الأصغر والكبير والأكبر، أو الأربعة إن عددنا الاشتقاق الكُبَّار وهو النحت، والاشتقاق يمنح فرصة كبيرة لصوغ الأسماء، أو المصادر الصناعية من أية كلمة، اسما كانت أم فعلا، فإن نحن أخذنا كلمة "قرد" مثلا وأضفنا إليها ياء النَّزْعة، والتي يسميها بعض النُّحاة "ياءَ النسبة" وزدنا تاء التأنيث المربوطة، حصلنا على "القِرْدية" وهي نزعة "فطرية" في الإنسان عند ولادته إلى سن الإدراك والتمييز الأولي في صباه قبل أن يستكمل قدراته العقلية، في سن الرشد، والتي يميز بها النافع من الضار، والجميل من القبيح، والصحيح من الفاسد، والصريح من الغامض، والطيب من الخبيث، وهكذا... كلُّ ما يتميز بضده من الأشياء، وبضدها تتميز الأشياء.

    ج- في اللغة الإفرنجية فعل "singer" المشتق من "singe"، وهو القرد، وتدل على المحاكاة البلهاء والتقليد الغبي؛ كما فيها "singerie/s"، بالإفراد أو بالجمع، ولها دلالات كثيرة ما يهمنا منها إلا واحدة وهي ما يفعله المهرج في عُروضه "السركية" (من السرك =cirque ) ليضحك مشاهديه ويفرِّجَهم عليه كأنه قرد لكنه إنسان يحاكي القرد الحيوان، وفي اللغة الحديثة كلمة أخرى تشبه "القردية" وهي "الببغائية"، المشتقة من "الببغاء" المحاكي لأصوات الناس فيعجبون منه، والببغائية وإن كانت نوعا من التقليد الأعمى إلا أنها أقل خطرا وأخف ضررا من "القردية" السلبية بكثير وتقال لمن يكرر قولا ما وهو لا يدري معناه ولا يفهم مغزاه كما يفعله كثير من الأدباء العرب في كتاباتهم وإبداعاتهم مقلدين ببلادة غيرهم من الأعاجم.

    د- ولك في العنوان المثبت أن تضبط تاء "السِّلبية" بالضمة صفةً للنزعة، أو بالكسرة صفةً للأمة العربية، وفي كِلْتي الحالتين أنت مصيب وكلامك صحيح لا لحن فيه ولا خطأ؛ فالقردية نزعة سلبية لأن فيها سلبا ذاتيا لإرادة المُقلِّد [بكسر اللام، اسم فاعل] إذ لا مسئولية على المقلَّد [بفتح اللام، اسم مفعول] في تقليد المُقلِّد له؛ كما أن الأمة العربية لِما أصابها من هوان وخور وضعف وتلف وتخلف وركود وجمود وخمود وخمول وانحطاط سلبيةٌ تماما وقد أعجزت بسلبيتها العميقة والمتأصلة فيها الأطباءَ المداوين، والعلماء العارفين، والدعاة المشفقين، والهداة الناصحين، والنُّقاد الحازمين، والمرشدين الدالين على الخير، كأنها أمة قد رضيت بما به ابتليت منذ قرون عديدة ودهور مديدة وكأن التطبع صار فيها طبعا.

    هـ- قد يظن ظان وهو يقرأ ما سبق أنه نابع من نزعة جلد الذات التي يتميز بها بعض الكتاب العرب في وصف أمتهم ونعت سلبياتها؛ أو أنه صادر من نزعة سلبية خبيثة، نزعة الشعوبية المقيتة، والتي تثلب العرب ميزاتهم الكثيرة والمتنوعة التي يدعيها العرب لأنفسهم بنزعة سلبية هي الأخرى، نزعة القومية المتعجرفة أو العروبية المتخلفة، وتسلب منهم كل منقبة هي فيهم أصيلة وتلصق بهم كل مثلبة هي عليهم دخيلة، وقد يخطر على الذهن ما جاء في الأثر أن من قال هلك الناس فهو أهلكُهم، بضم الكاف، بصيغة اسم التفضيل، أي هو أكثرهم هلاكا، أو هو أهلكَم، بفتحها، أي هو من أهلكهم بقوله السلبي، فلا هذا ينطبق على كلامي السابق ولا ذاك كذلك.

    و- لا، ليس في وصف أدواء الأمة من ثلب ولا في مواجهتها بها من سلب، إنما يكون هذا وذاك عندما يقال للشماتة أو يعرض للاستهزاء أو السخرية أو يذكر لإظهار عوراتها وكشف مستورها، وما هو بالمستور ألبتة، لا على الأعداء الماكرين ولا على الأصدقاء العارفين، وإن أول خطوة في معالجة مريض ما إنما هي في التشخيص الصحيح الدقيق ثم وصف الدواء النّاجع النّافع ثم تأتي الخطوة الثانية في العلاج وهي عزم المريض على الالتزام بما يوصف له من الدواء والحمية والرياضة والصبر والشجاعة لقبول المرض ابتداءً ثم مقاومته استشفاءً للوصول إلى الشفاء - بإذن الله – انتهاء، وإلا فالمريض الذي لا يريد معرفة مرضه ولا مداواته إنما هو منتحر في هيئة مريض.

    ز- أما بعد هذه الفذلكة الطويلة، فما هي "القردية" المنقودة هنا والمذكورة للاستهجان لما أصاب الأمة بسببها من الهوان؟ إنها تلك النزعة المقيتة في التقليد الأعمى غير الواعي لكل ما يَفِد على الأمة من الأفكار والعادات والممارسات التي لا تمُت إلى دين الأمة ولا إلى عاداتها ولا إلى تقاليدها الإيجابية بصِلة ما، وإنما اكتسبتها الأمة بـ "تقريدها" (من القِردية دائما) الأعمى غير البصير ولا المستبصر، وليس بتقليدها للآخرين المجرد، فهناك تقليد وتقليد وليس التقليد الإجابي كالتقليد السلبي، فـ"الفتقريد" الأعمى شقيق التقليد الأعمى سواء بسواء، وقد تخرج الأمة من العمى الطارئ إلى الكَمَه الموروث بعد جيل أو جيلين فكيف بعد الأجيال والأجيال والأجيال منذ العصور الطِّوال؟ وهذا ما نريد الحديث عنه ووصفه ونقده.

    ح- التقليد في تقديري تقليدان اثنان: إيجابي بصير مفيد وسلبي أعمى مُبير؛ فأما الإيجابي منهما فهو ما كان في الأمور الحسنة والخيِّرة والجيدة والمفيدة ويزداد قيمة إن كان عن دليل واقتناع؛ وأما السلبي ففي ما يناقضها من الصفات وهو في الأمور القبيحة والشريرة والسيئة والمضرة فكيف إن كان بلا عقل إلا الاتباع؟ ولا ضير في تقليد من هو أحسن منا حالا في الخير ولا عيب ولا سوء، لكن الشر والعيب والسوء كله، في تقليد من هو أسوأ منا، والضعيف مجبول على تقليد القوي حتى في الشر، والأمة على ما فيها من السلبيات لا تزال تمتلك ميزات إيجابية كثيرة وصفات خيِّرة عديدة ولا ينكر هذا أو ذاك إلا جاحد حاقد أو معاند حاسد.

    ط- فكما أن التقليد نوعان فكذلك التحرر منه نوعان، وبالتقسيم العقلي نحصل على التصنيف التالي لكل من التقليد والتحرر، فيصير عندنا:1- تقليد بصير؛ 2- تقليد أعمى خطير؛ 3- تحرر بصير؛ 4- تحرر أعمى خطير؛ فالتحرر الأعمى مثله مثل التقليد الأعمى إنما يصدر عن الجهل المعقد والذي يزعم صاحبه أنه يدري ولكنه لا يدري ويدعي أنه يدري ويعلن ذلك، فهو جهل ثلاثي الأبعاد، بشكل 3د، (3D)، وهذا النوع من الجهل أخطر الأنواع الثلاثة: الجهل البسيط، الجهل المركب من جهلين، الجهل المعقد المكون من ثلاثة "جُهُولٍ" إن صح الجمع قياسا على "فَعْل وفُعُول" مثل: عَقل وعُقول، وأَصل وأُصول، سَهل وسُهول؛ والقضية كلها في التقليد والتحرر بين طرفين اثنين إفراط وتفريط وتصفية وتخليط وإطلاق وتحنيط.

    ي- إن الأمة، الإسلاميةَ، وهي موضوع عنايتي وسبب همومي، تمتلك من القدرات الكامنة والاستعدادات الوهبية، التي وهبها الله إياها، والكسبية التي حصلت عليها باحتكاكها بالأمم الأخرى المجاورة أو البعيدة وحتى المحاربة لها، وعندها من الكنوز المادية والمعنوية ما يؤهلها، لو أرادت، إلى قيادة العالم فيصير لها تابعا ولأخلاقها مقلدا ولحضارتها منتسبا متشرفا وقد حصل هذا في الماضي وهو قابل للتكرار في المستقبل إن هي استعادت وعيها واسترجعت شخصيتها المتميزة وتحررت من تبعيتها لأعدائها واستدركت أخطاءها في السياسة والاقتصاد والثقافة والتربية وحتى في الرياضة وقد أوتيت هذه الأمة الغافلة من الرياضة كما أوتيت من غيرها مما غزاها به أعداؤها الألداء و"ناصحوها" الخبثاء ومثقفوها الأغبياء وإن العرب هم وسط عقد الأمة وجوهرة تاجها.

    ك– ومن هنا ولهذا جاء حديثي المتكرر عن العرب وكَثُر وصفي لهم وتعدَّد نقدي واستمر عليهم عتابي حتى لو جمعتُ ما كتبته عنهم ولهم لكان كتابا محترم الحجم كبيره يفصح عما في خاطري من الهم ويبين ما أقصده من النقد؛ والعرب مبتلون بأربع فئات من الناس لا خامس لها هم سبب شرها ومصدر بلائها، إلا الثالثة الشرذمة الواعية، وهي: 1- طُغمة حاكمة/ظالمة؛ 2- نخبة واهمة/حالمة، 3- شِرْذمة عالمة/آلمة (متألمة)، 4- بقية هائمة/سائمة؛ وإن البلية كل البلية في الفئتين الأولى والثانية وأخطرهما وأخسهما الثانية فئة "المثقفين" المُزيِّفين المُزوِّرين، وأما الرابعة فهي البقيَّة المَسُوقَة كالقطعان السائمة الهائمة في المراعي والبوادي والفيافي وكم يضرب المثل بالقطعان لتصوير الشعوب الجاهلة الضَّالة أو المُضلَّلة لجهلها ولقلة وَعْيِها.

    ل- يُكثِرُ النُّقادُ السياسيون الحديثَ، في "شجاعة" لا مثيل لها وهم مختبئون خارج أوطانهم بعيدا عن سطوة حكامهم وفي حمايةٍ من رُعاتهم المنفقين عليهم ومؤويهم المتكرمين عليهم بالشهادات والألقاب والشارات، عن الحُكَّام والأنظمة السياسية وينسون، أو يتناسون، ذكر "المثقفين" المرتزقية المزوِّرين للحقائق المزيِّفين للوقائع من بني جلدتهم، والذين يزينون للحكام الفاسدين المفسدين أعمالَهم ويحسنون لهم سياساتِهم ويمجدون شخصياتِهم كأنهم المعصومون من الخطأِ، المبرَّءُون من الزلل، وهؤلاء المسترزقة الخونة لأمانة ما يحملونه من "العلم" والمعرفة هم، في تقديري الشخصي، أشدُّ خطرا على الأمة من حُكَّامها الفاسدين الذين وصفناهم في الفئة الأولى: الطغمة الحاكمة/الظالمة، وهم سبب ما تقع فيه الأمة من قردية سلبية لأنهم هم روادها وحُداتها ومروجوها ومشجعوها، وهم البلية ومنهم المصيبة.

    م– نعم، إن البلية كلها والمصيبة أجمعها إنما تأتي الأمة من الفئتين الأولى والثانية، من فئة "المثقفين" المستلبين حضاريا، الممسوخين ثقافيا، المسترزقين بشهاداتهم ومناصبهم، الطّاعمين الكاسين، المنزوين في أبراجهم العاجية بعيدا عن هموم الأمة اليومية ومآسيها الحضارية حتى تحولت هذه الأمة المنكوبة بهؤلاء الخبثاء من فصيلة البشر العاقلة الحساسة ذات الحقوق إلى قطعان من الأغنام المعقولة [المربوطة] من بطونها المشدودة بمخاوفها، أو السائبة السائمة الضالة التائهة المهمومة ببطونها والمغبونة بفروجها، وقد تقاذفتها الشهوات وعبثت بها الشبهات، والكل من تدبير "الرُّعاة" الفاسدين وبمساعدة "المثقفين" المزيِّفين، ولو تُرِك الحكام من غير مؤازرة هؤلاء الغشاشين، ومن غش الأمة فليس منها وإن عُدَّ فيها، ولقد صدق من قال:"متى يبلغ البنيان تمامه إن كنت تبني وغيرك يهدم؟".

    ن- فالقردية السلبية إذن حالة انتكاس في الناس إذ تجعل الواحد منهم يتقهقر إلى مرحلة الصبى حين كان صغيرا رضيعا ثم فطيما يتلقى ممن حوله من أبويه وذويه الحركات والكلمات والعادات من غير تمييز لأنه لم يستكمل قدراته العقلية التي تجعله يميز بين الصالح والطالح، والخير والشر، والنافع والضار، والجميل والقبيح، والصحيح و الفاسد، والصريح والغامض، والطيب من الخبيث، و كلُّ ما يتميز بضده من الأشياء، وبضدها تتميز الأشياء، كما سبق لنا قوله في الفقرة "ب" عند تعريفنا "القردية"؛ فالأمة المقلدة في السلبيات إنما هي أمة فاقدة لقدراتها العقلية التي تجعلها تميز الأشياء وتحكم عليها فتقبل الصالح وتنبذ الطالح، وتعمل بالمفيد وتطرح المضر؛ وهكذا عودا على بدء نختم حديثنا عن القردية السلبية.

    البُلَيْدة، مساء يوم الخميس 8 شعبان 1438 الموافق 4 مايو/أيار 2017.
    sigpic
    (رسم نور الدين محساس)
    (رسّام بجريدة المساء الجزائرية 1988)

    "القلم المعاند"
    (قلمي هذا أم هو ألمي ؟)
    "رجوت قلمي أن يكتب فأبى، مُصِرًّا، إلاَّ عِنادا
    و بالرَّفض قابل رجائي و في الصَّمت تمــادى"

  • حسين ليشوري
    طويلب علم، مستشار أدبي.
    • 06-12-2008
    • 8016

    #2
    بسم اللهِ، الرَّحمانُ وهو، سبحانه، الرَّحيمُ.
    الحمد لله وحده وهو سبحانه حسبي، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وهو حِبِّي.

    ثم أما بعد، قلت في الفقرة "م" من مقالتي هنا متحدثا عن المثقفين المزيِّفين، بكسر الياء المضاعفة، المزيِّفين للحقائق، والمحرِّفين للوقائع، والمخادِعين لأسيادهم ممن يغدق عليهم الأموال والمناصب والمكاسب، الغاشين لأمتهم، وهم المزيِّفون لأنهم مزيَّفون، بفتح الياء المضاعفة هذه المرة، في واقعهم، كأنهم العُمَلُ (جمع عُمْلَة، وهي النقود) المزيَّفة لا قيمة لها إلا عند المخدوع بها وإلا فهي زائفة في نفسها وعند مزيِّفها، ما يلي:

    "م– نعم، إن البلية كلها والمصيبة أجمعها إنما تأتي الأمة من الفئتين الأولى والثانية، من فئة "المثقفين" المستلبين حضاريا، الممسوخين ثقافيا، المسترزِقين بشهاداتهم ومناصبهم، الطّاعمين الكاسين، المنزوين في أبراجهم العاجية بعيدا عن هموم الأمة اليومية ومآسيها الحضارية حتى تحولت هذه الأمة المنكوبة بهؤلاء الخبثاء من فصيلة البشر العاقلة الحساسة ذات الحقوق إلى قطعان من الأغنام المعقولة [المربوطة] من بطونها المشدودة بمخاوفها، أو السائبة السائمة الضالة التائهة المهمومة ببطونها والمغبونة بفروجها، وقد تقاذفتها الشهوات وعبثت بها الشبهات، والكل من تدبير "الرُّعاة" الفاسدين وبمساعدة "المثقفين" المزيِّفين، ولو تُرِك الحكام من غير مؤازرة هؤلاء الغشاشين، ومن غش الأمة فليس منها وإن عُدَّ فيها، ولقد صدق من قال:"متى يبلغ البنيان تمامه إن كنت تبني وغيرك يهدم؟".اهـ بنصه وفصه.


    شعرت عند انتهائي من تلك الفقرة وانتقلت إلى غيرها مما ختمت به مقالتي وكأنني لم أفرغ ما في جعبتي المترعة عن هذه الفئة الخبيثة من الناس التي رغم تكلمها بلسان الأمة أحيانا إلا أنها ليست منها لا من قريب ولا من بعيد وإن كانت تدَّعي أنها من جِلْدَة الأمة من حيث الأوراق، إلا إنها فئة غريبة عن الأمة مغَرَّبَة في ثقافتها وتفكيرها وتربيتها وحتى في مشاعرها، فهي فئة رباها الأعداء على أعينهم وغذوها بأفكارهم وغرزوها في جسم الأمة قسرا ونصبوها قهرا فصارت للأمة إماما ولعقولها قائدا ولأفكارها موجِّها وهي الدخيلة المدخولة في ثقافتها وتفكيرها ووتربيتها وحتى في عواطفها ومشاعرها.

    هذه الفئة الشريرة من الناس أشد خطرا على الأمة من الطُّغَمِ الحاكمة الظالمة المتسلطة على رقاب الناس بالسيوف أو بالمشانق أو بالرصاص فهذه تقتل أجساد الناس وتلك، أبعدها الله، تقتل أفكارهم وعقولهم وأرواحهم بما تبثه فيهم من السموم الفكرية والشرور الأخلاقية لأنهم يرون فيها "القدوة" و"المثال" و"النموذج" فهم يأتمُّون بها ويقتدون، وبها يأتمرون في تصوراتهم ومواقفهم وسلوكاتهم وتصرفاتهم، أليست هي، قاتلها الله، من تصنع الرأي العام بما تبثه في الناس من الآراء والأحكام عبر وسائل الأعلام المختلفة والمنابر المتنوعة، حتى المسجدية منها أحيانا، فيصدقونها ويأتمون بها؟ بلىا، هي كذلك - والله - ومن هنا جاء خطرُها وكثر شرُّها وعم بلاؤها، أبعدها الله وأخزاها، اللهم آمين يا رب العالمين.

    ويشبه هذه الفئة من حيث الغرابة والغُرْبة وإن بشيء من الرفق في غشها للأمة فئة الأدباء السلبيين الذين انزووا في أبراجهم العاجية الجميلة الهادئة الهنيَّة الهنيئة وهم من كتبت لهم موضوعي الذي يبدو أنه لم يُفْهَم على حقيقته: "
    أنتَ أديب والسيّاسةُ لَيْستْ من شأنك. (مقالة غير سياسية)" فلم يتفاعل معه القراء لأنهم، وببساطة، لم يدركوا مغزاه لأنه جاء بصيغة النهي عن فعل والقصد التحريض عليه ومن يقرأه بتمعن يفهم ما رميت إليه منه، وأنا أتحدث هنا عن الأدباء السلبيين الذين انشغلوا بالغراميات والآهات والتأوهات والبكاء والنحيب على الحبيب ولم يلتفتوا إلى مآسي الأمة ومعاناتها وما ابتُلِيت به من المصائب في شتى المجالات ومختلف الميادين وأدباؤها يبكون، أو يتباكون، على صدود حِبٍّ و غفلة قلب وعلى الجحود وراحوا يصفون الخدود والنهود والقدود والأمة تعاني من السدود والحدود والقيود التي يفرضها عليها الطَّغام من الحُكَّام والمزيَِّفون من المثقفين اللِّئام.

    جاء في الأثر عن النبي، صلى الله عليه وسلم:
    "مَن غشَّنا فليس منَّا والمكرُ والخداعُ في النَّارِ"، وإن أولئك الأباعد، لفظا ومعنى، من المثقفين المزيَِّفين المستلبين حضاريا الممسوخين ثقافيا ومن الأدباء السلبيين اللَّاهين العابثين، وقد أدرجت الأدباء السلبيين هنا مع المثقفين المزيفين لأنني أقدر أن الأديب مثقف من جهة ما إن لم يكن من الجهات كلها، ليغشون الأمة ويُضِلُّونها وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، نسأل الله السلامة والعافية، اللهم آمين يا رب العالمين.

    sigpic
    (رسم نور الدين محساس)
    (رسّام بجريدة المساء الجزائرية 1988)

    "القلم المعاند"
    (قلمي هذا أم هو ألمي ؟)
    "رجوت قلمي أن يكتب فأبى، مُصِرًّا، إلاَّ عِنادا
    و بالرَّفض قابل رجائي و في الصَّمت تمــادى"

    تعليق

    • السعيد ابراهيم الفقي
      رئيس ملتقى فرعي
      • 24-03-2012
      • 8288

      #3
      .. أخي الفاضل الأديب المفكر .. حسين ليشوري
      السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
      أستمتع بأفكارك والتفاتاتك الطيبة،
      حول المناطق المصابة في جسد أمة العرب،
      ومحاولة تحديدها وافتراض الدواء،
      وأهمها وأخطرها هذا التقليد الأعمى،
      النابع من التبعية،
      في الفكر الإجتماعي والسياسي والإقتصادي .......
      ----
      تقديري واعتزازي بفكركم النبيل
      سأتابع إن شاء الله

      تعليق

      • حسين ليشوري
        طويلب علم، مستشار أدبي.
        • 06-12-2008
        • 8016

        #4
        المشاركة الأصلية بواسطة السعيد ابراهيم الفقي مشاهدة المشاركة
        .. أخي الفاضل الأديب المفكر .. حسين ليشوري: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
        أستمتع بأفكارك والتفاتاتك الطيبة، حول المناطق المصابة في جسد أمة العرب، ومحاولة تحديدها وافتراض الدواء، وأهمها وأخطرها هذا التقليد الأعمى،
        النابع من التبعية، في الفكر الإجتماعي والسياسي والإقتصادي .......
        ----
        تقديري واعتزازي بفكركم النبيل
        سأتابع إن شاء الله
        وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته وخيراته.
        أهلا بك أستاذنا الفاضل الأستاذ السعيد إبراهيم الفقي وسهلا ومرحبا.
        أشكر لك مرورك الكريم وتعليقك العليم والشيء من معدنه لا يستغرب، فأنت أستاذنا وشيخنا.
        ثم أما بعد، إن الحديث عن أدواء الأمة الإسلامية، والعربية منها، لحديث مؤلم يثير في النفس الأسى والأسف وما يزيد الأمر سوءا هو انشغال المثقفين من أبناء الأمة الشرفاء والنزهاء بالأمور الثانوية الجزئية الفرعية ويغفلون عن الأصول والأسس والقواعد، وإن أمة ضربت في أخلاقها وفي إيمانها وفي معتقداتها لأمة معرضة لكل أنواع الغزو الثقافي والحضاري إن كان للحضارة وجود خارج الإسلام، لأن الإسلام وحده هو الحضارة ولا حضارة في غيره ألبتة، أحب من أحب وكره من كره، وليشرب من كره من البحر حتى الاختناق.

        إن الإسلام دين مكارم الأخلاق وما بُعث النبيُّ محمدٌ بنُ عبد الله، صلى الله عليه وسلم، إلا ليتمم مكارم الأخلاق، وقد أدرك أعداء الأمة مقتلها أين يكمن فضربوها فيه بقوة وشدة وحدة وأمعنوا وواصلوا حتى أردوها صريعة وهي اليوم تتخبط في دمائها وقد تعفرت بالتراب وتلطخت بالوحل، وحل المدينة الفاسدة الوافدة عليها من الأعداء أنفسهم، لكنها وإن سقطت وتعفرت فإنها لم تمت وستنهض من سقوطها لما تجد من ينهض بها وما ذلك على الله بعزيز وما هو منها ببعيد، ويرونه بعيدا ونراه قريبا.

        أكرر لك أستاذنا الفاضل حضورك الطيب وتعليقك المشجع.
        تحيتي إليك ومحبتي لك.

        sigpic
        (رسم نور الدين محساس)
        (رسّام بجريدة المساء الجزائرية 1988)

        "القلم المعاند"
        (قلمي هذا أم هو ألمي ؟)
        "رجوت قلمي أن يكتب فأبى، مُصِرًّا، إلاَّ عِنادا
        و بالرَّفض قابل رجائي و في الصَّمت تمــادى"

        تعليق

        • السعيد ابراهيم الفقي
          رئيس ملتقى فرعي
          • 24-03-2012
          • 8288

          #5
          لأن الإسلام وحده هو الحضارة ولا حضارة في غيره ألبتة
          ====
          وهذا هو الحق،
          والتعصب للحق عين الفضيلة،
          ====
          فلاتوجد حضارة تحمل قاعدة الهرم:
          عقيدة - شريعة - أخلاق
          إلا حضارة الإسلام
          ==
          ==
          = التوحيد
          = قانون ودستور المعاملات واستعمار الأرض
          = العدل والحرية والكفاية لكل المخلوقات، أخلاق الفطرة، المحودة
          ====
          رزقكم الله الخير كله وحفظكم وثبتكم

          تعليق

          • حسين ليشوري
            طويلب علم، مستشار أدبي.
            • 06-12-2008
            • 8016

            #6
            المشاركة الأصلية بواسطة السعيد ابراهيم الفقي مشاهدة المشاركة
            لأن الإسلام وحده هو الحضارة ولا حضارة في غيره ألبتة
            ====
            وهذا هو الحق، والتعصب للحق عين الفضيلة،
            ====
            فلاتوجد حضارة تحمل قاعدة الهرم:
            عقيدة - شريعة - أخلاق
            إلا حضارة الإسلام
            ==
            ==
            = التوحيد
            = قانون ودستور المعاملات واستعمار الأرض
            = العدل والحرية والكفاية لكل المخلوقات، أخلاق الفطرة، المحودة
            ====
            رزقكم الله الخير كله وحفظكم وثبتكم.
            اللهم آمين يا رب العالمين، ورزقكم الله مثل ما دعوتم به لي وأكثر.
            بارك الله فيك أستاذنا الفاضل ووفقك إلى الخير حيث كنت.
            ثم أما بعد، في المسلمين، حتى من الصادقين المستقيمين، مَنْ يستحي مِن إعلان رأيه صراحة وكأنه يخشى أن يوصم بالإرهاب لأنه اختار الإسلام دينا ومنهاج حياة وأسلوب تعامل مع الوجود كله مع أنه يقول بعد الأذان لكل صلاة: رضيتُ بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد، صلى الله عليه وسلم، نبيا ورسولا وليتنا نضيف و"بالقرآن إماما وحَكَما"، فما حقيقة هذا الزعم إن لم نعش وفقه؟
            يقول الأستاذ
            سيد قطب، رحمه الله تعالى وغفر له وعفا عنه:"لقد ضمن الإسلام للبشرية أعلى أفق في التصور، وأقوم منهج في الحياة، فهو يدعو البشرية كلها أن تفيئ إليه، ما كان تعصبا أن يطلب الإسلام وحدة البشرية على أسسه هو ولا على أساس آخر، وعلى منهجه هو لا على أي منهج آخر، وتحت رايته هو لا تحت أية راية أخرى. فالذي يدعوك إلى الوحدة في الله، والوحدة في الأرفع من التصور، والوحدة في الأفضل من النظام، ويأبى أن تشتري الوحدة بالحيدة عن منهج الله، والتردي في مهاوي الجاهلية، ليس متعصبا، أو هو المتعصب، لكن للخير والحق والصلاح ! {فاذكروني أذكركم، واشكروا لي ولا تكفرون}"[البقرة:152]، يا للتفضيل الجليل الودود ! الله جل جلاله يجعل ذكره لهؤلاء العبيد مكافئا لذكرهم له في عالمهم الصغير" اهـ (منقول من كتاب
            "من كنوز الأستاذ سيد قطب: 200 حكمة كي نفهم الحياة سيد حامد" ص36).
            ثم أما بعد، نرى كثيرا من الكُتّاب والأدباء و"المفكرين" (؟!!!) يتعصبون لباطلهم ولغيهم وضلالهم ويتبجحون به بلا حياء ونجد أصحاب الحق والرشد والهدى ينزوون في زواياهم البعيدة كأنهم من حقهم يَفْرَقون وعلى أنفسهم يخشون، فأنَّىا لهم، كيف يحكمون؟!!!
            بارك الله فيك أستاذنا وجزاك عنا خيرا، آمين.
            تحيتي إليك ومحبتي لك.

            sigpic
            (رسم نور الدين محساس)
            (رسّام بجريدة المساء الجزائرية 1988)

            "القلم المعاند"
            (قلمي هذا أم هو ألمي ؟)
            "رجوت قلمي أن يكتب فأبى، مُصِرًّا، إلاَّ عِنادا
            و بالرَّفض قابل رجائي و في الصَّمت تمــادى"

            تعليق

            • حسين ليشوري
              طويلب علم، مستشار أدبي.
              • 06-12-2008
              • 8016

              #7
              للتذكير بما قيل، موضوع ذو صلة وثيقة.

              sigpic
              (رسم نور الدين محساس)
              (رسّام بجريدة المساء الجزائرية 1988)

              "القلم المعاند"
              (قلمي هذا أم هو ألمي ؟)
              "رجوت قلمي أن يكتب فأبى، مُصِرًّا، إلاَّ عِنادا
              و بالرَّفض قابل رجائي و في الصَّمت تمــادى"

              تعليق

              • نعمان عابد
                أديب وكاتب
                • 21-04-2011
                • 28

                #8
                رد بعد إذن مؤاخذة بسيطة

                المشاركة الأصلية بواسطة حسين ليشوري مشاهدة المشاركة
                القِرْدِيَّةُ نزعةُ الأمةِ العربيّةِ السِّلْبِيَّةُِ

                أ-ها أنا ذا، مرة أخرى، أمارس هوايتي المفضلةَ لديَّ في الكتابة بهذه اللغة العربية الطَّيِّعة الهينة اللينة المَرِنة لما تمكٍّن به الكاتب من المرونة والليونة ليكتب ما يريد كيف يريد، وينحت، أو يصوغ من مادتها الأولية، حروفَها وكلماتِها، ما يشاء من الكلمات الجديدة الغريبة العجيبة والمُعْجِبة كأنه صانع أواني الفخار يتلاعب بالفخار الهين اللين المِطواع المرن كيف يشاء؛ وفي عرض أدواء الأمة العربية المختلفة، فما أكثرَ أدواءَها وأمرضَها وأسقامَها وأوصابَها [الوصب = المرض نفسه، وقد أتيتُ بالمترادفات لإثراء لغة القارئ] وما أقل الأطباء النُّطُس [جمع نطاسي العالم الحاذق الماهر] الشجعان الذين يشخصون للأمة أدواءَها ويصفون لها دواءَها بصراحة وشفافية وشفقة عساها تأخذ ما يُشخِّصون وما يصفون مَحْمل الجِد فتبرأ وتشفى وتتعافى.

                ب-"القِرْدِيَّة" مصدر صناعي اشتققته من "القِرْد" المعروف وهو الحيوان الأعجم بالغريزة والمعروف عند الناس بالتقليد الأعمى والمحاكاة البلهاء، واللغة العربية لغة تتميز بظاهرة الاشتقاق بأنواعه الثلاثة الأصغر والكبير والأكبر، أو الأربعة إن عددنا الاشتقاق الكُبَّار وهو النحت، والاشتقاق يمنح فرصة كبيرة لصوغ الأسماء، أو المصادر الصناعية من أية كلمة، اسما كانت أم فعلا، فإن نحن أخذنا كلمة "قرد" مثلا وأضفنا إليها ياء النَّزْعة، والتي يسميها بعض النُّحاة "ياءَ النسبة"، حصلنا على "القِرْدية" وهي نزعة "فطرية" عند الإنسان قبل أن يستكمل قدراته العقلية التي يميز بها النافع من الضار، والجميل من القبيح، والصحيح من الفاسد، والصريح من الغامض، والطيب من الخبيث، وهكذا... كلُّ ما يتميز بضده من الأشياء، وبضدها تتميز الأشياء.

                ج- في اللغة الإفرنجية فعل "singer" المشتق من "singe"، وهو القرد، وتدل على المحاكاة البلهاء والتقليد الغبي؛ كما فيها "singerie/s"، بالإفراد أو بالجمع، ولها دلالات كثيرة ما يهمنا منها إلا واحدة وهي ما يفعله المهرج في عُروضه "السركية" (من السرك =cirque ) ليضحك مشاهديه ويفرِّجَهم عليه كأنه قرد لكنه إنسان يحاكي القرد الحيوان، وفي اللغة الحديثة كلمة تشبه "القردية" وهي "الببغائية"، المشتقة من "الببغاء" المحاكي لأصوات الناس فيعجبون منه، والببغائية وإن كانت نوعا من التقليد الأعمى إلا أنها أقل خطرا وأخف ضررا من "القردية" السلبية بكثير وتقال لمن يكرر قولا ما وهو لا يدري معناه ولا يفهم مغزاه كما يفعله كثير من الأدباء العرب في كتاباتهم وإبداعاتهم مقلدين ببلادة غيرهم من الأعاجم.

                د- ولك في العنوان المثبت أن تضبط تاء "السِّلبية" بالضمة صفةً للنزعة، أو بالكسرة صفةً للأمة العربية، وفي كِلْتي الحالتين أنت مصيب وكلامك صحيح لا لحن فيه ولا خطأ؛ فالقردية نزعة سلبية لأن فيها سلبا ذاتيا لإرادة المُقلِّد [بكسر اللام، اسم فاعل] إذ لا مسئولية على المقلَّد [بفتح اللام، اسم مفعول] في تقليد المُقلِّد له؛ كما أن الأمة العربية لِما أصابها من هوان وخور وضعف وتلف وتخلف وركود وجمود وخمود وخمول وانحطاط سلبيةٌ تماما وقد أعجزت بسلبيتها العميقة والمتأصلة فيها الأطباءَ المداوين، والعلماء العارفين، والدعاة المشفقين، والهداة الناصحين، والنُّقاد الحازمين، والمرشدين الدالين على الخير، كأنها أمة قد رضيت بما به ابتليت منذ قرون عديدة ودهور مديدة وكأن التطبع صار فيها طبعا.

                هـ- قد يظن ظان وهو يقرأ ما سبق أنه نابع من نزعة جلد الذات التي يتميز بها بعض الكتاب العرب في وصف أمتهم ونعت سلبياتها؛ أو أنه صادر من نزعة سلبية خبيثة، نزعة الشعوبية المقيتة، والتي تثلب العرب ميزاتهم الكثيرة والمتنوعة التي يدعيها العرب لأنفسهم بنزعة سلبية هي الأخرى، نزعة القومية المتعجرفة أو العروبية المتخلفة، وتسلب منهم كل منقبة هي فيهم أصيلة وتلصق بهم كل مثلبة هي عليهم دخيلة، وقد يخطر على الذهن ما جاء في الأثر أن من قال هلك الناس فهو أهلكُهم، بضم الكاف، بصيغة اسم التفضيل، أي هو أكثرهم هلاكا، أو هو أهلكَم، بفتحها، أي هو من أهلكهم بقوله السلبي، فلا هذا ينطبق على كلامي السابق ولا ذاك كذلك.

                و- لا، ليس في وصف أدواء الأمة من ثلب ولا في مواجهتها بها من سلب، إنما يكون هذا وذاك عندما يقال للشماتة أو يعرض للاستهزاء أو السخرية أو يذكر لإظهار عوراتها وكشف مستورها، وما هو بالمستور ألبتة، لا على الأعداء الماكرين ولا على الأصدقاء العارفين، وإن أول خطوة في معالجة مريض ما إنما هي في التشخيص الصحيح الدقيق ثم وصف الدواء النّاجع النّافع ثم تأتي الخطوة الثانية في العلاج وهي عزم المريض على الالتزام بما يوصف له من الدواء والحمية والرياضة والصبر والشجاعة لقبول المرض ابتداءً ثم مقاومته استشفاءً للوصول إلى الشفاء - بإذن الله – انتهاء، وإلا فالمريض الذي لا يريد معرفة مرضه ولا مداواته إنما هو منتحر في هيئة مريض.

                ز- أما بعد هذه الفذلكة الطويلة، فما هي "القردية" المنقودة هنا والمذكورة للاستهجان لما أصاب الأمة بسببها من الهوان؟ إنها تلك النزعة المقيتة في التقليد الأعمى غير الواعي لكل ما يَفِد على الأمة من الأفكار والعادات والممارسات التي لا تمُت إلى دين الأمة ولا إلى عاداتها ولا إلى تقاليدها الإيجابية بصِلة ما، وإنما اكتسبتها الأمة بـ "تقريدها" (من القِردية دائما) الأعمى غير البصير ولا المستبصر، وليس بتقليدها للآخرين المجرد، فهناك تقليد وتقليد وليس التقليد الإجابي كالتقليد السلبي، فـ"الفتقريد" الأعمى شقيق التقليد الأعمى سواء بسواء، وقد تخرج الأمة من العمى الطارئ إلى الكَمَه الموروث بعد جيل أو جيلين فكيف بعد الأجيال والأجيال والأجيال منذ العصور الطِّوال؟ وهذا ما نريد الحديث عنه ووصفه ونقده.

                ح- التقليد في تقديري تقليدان اثنان: إيجابي بصير مفيد وسلبي أعمى مُبير؛ فأما الإيجابي منهما فهو ما كان في الأمور الحسنة والخيِّرة والجيدة والمفيدة ويزداد قيمة إن كان عن دليل واقتناع؛ وأما السلبي ففي ما يناقضها من الصفات وهو في الأمور القبيحة والشريرة والسيئة والمضرة فكيف إن كان بلا عقل إلا الاتباع؟ ولا ضير في تقليد من هو أحسن منا حالا في الخير ولا عيب ولا سوء، لكن الشر والعيب والسوء كله، في تقليد من هو أسوأ منا، والضعيف مجبول على تقليد القوي حتى في الشر، والأمة على ما فيها من السلبيات لا تزال تمتلك ميزات إيجابية كثيرة وصفات خيِّرة عديدة ولا ينكر هذا أو ذاك إلا جاحد حاقد أو معاند حاسد.

                ط- فكما أن التقليد نوعان فكذلك التحرر منه نوعان، وبالتقسيم العقلي نحصل على التصنيف التالي لكل من التقليد والتحرر، فيصير عندنا:1- تقليد بصير؛ 2- تقليد أعمى خطير؛ 3- تحرر بصير؛ 4- تحرر أعمى خطير؛ فالتحرر الأعمى مثله مثل التقليد الأعمى إنما يصدر عن الجهل المعقد والذي يزعم صاحبه أنه يدري ولكنه لا يدري ويدعي أنه يدري ويعلن ذلك، فهو جهل ثلاثي الأبعاد، بشكل 3د، (3D)، وهذا النوع من الجهل أخطر الأنواع الثلاثة: الجهل البسيط، الجهل المركب من جهلين، الجهل المعقد المكون من ثلاثة "جُهُولٍ" إن صح الجمع قياسا على "فَعْل وفُعُول" مثل: عَقل وعُقول، وأَصل وأُصول، سَهل وسُهول؛ والقضية كلها في التقليد والتحرر بين طرفين اثنين إفراط وتفريط وتصفية وتخليط وإطلاق وتحنيط.

                ي- إن الأمة، الإسلاميةَ، وهي موضوع عنايتي وسبب همومي، تمتلك من القدرات الكامنة والاستعدادات الوهبية، التي وهبها الله إياها، والكسبية التي حصلت عليها باحتكاكها بالأمم الأخرى المجاورة أو البعيدة وحتى المحاربة لها، وعندها من الكنوز المادية والمعنوية ما يؤهلها، لو أرادت، إلى قيادة العالم فيصير لها تابعا ولأخلاقها مقلدا ولحضارتها منتسبا متشرفا وقد حصل هذا في الماضي وهو قابل للتكرار في المستقبل إن هي استعادت وعيها واسترجعت شخصيتها المتميزة وتحررت من تبعيتها لأعدائها واستدركت أخطاءها في السياسة والاقتصاد والثقافة والتربية وحتى في الرياضة وقد أوتيت هذه الأمة الغافلة من الرياضة كما أوتيت من غيرها مما غزاها به أعداؤها الألداء و"ناصحوها" الخبثاء ومثقفوها الأغبياء وإن العرب هم وسط عقد الأمة وجوهرة تاجها.

                ك– ومن هنا ولهذا جاء حديثي المتكرر عن العرب وكَثُر وصفي لهم وتعدَّد نقدي واستمر عليهم عتابي حتى لو جمعتُ ما كتبته عنهم ولهم لكان كتابا محترم الحجم كبيره يفصح عما في خاطري من الهم ويبين ما أقصده من النقد؛ والعرب مبتلون بأربع فئات من الناس لا خامس لها هم سبب شرها ومصدر بلائها، إلا الثالثة الشرذمة الواعية، وهي: 1- طُغمة حاكمة/ظالمة؛ 2- نخبة واهمة/حالمة، 3- شِرْذمة عالمة/آلمة (متألمة)، 4- بقية هائمة/سائمة؛ وإن البلية كل البلية في الفئتين الأولى والثانية وأخطرهما وأخسهما الثانية فئة "المثقفين" المُزيِّفين المُزوِّرين، وأما الرابعة فهي البقيَّة المَسُوقَة كالقطعان السائمة الهائمة في المراعي والبوادي والفيافي وكم يضرب المثل بالقطعان لتصوير الشعوب الجاهلة الضَّالة أو المُضلَّلة لجهلها ولقلة وَعْيِها.

                ل- يُكثِرُ النُّقادُ السياسيون الحديثَ، في "شجاعة" لا مثيل لها وهم مختبئون خارج أوطانهم بعيدا عن سطوة حكامهم وفي حمايةٍ من رُعاتهم المنفقين عليهم ومؤويهم المتكرمين عليهم بالشهادات والألقاب والشارات، عن الحُكَّام والأنظمة السياسية وينسون، أو يتناسون، ذكر "المثقفين" المرتزقية المزوِّرين للحقائق المزيِّفين للوقائع من بني جلدتهم، والذين يزينون للحكام الفاسدين المفسدين أعمالَهم ويحسنون لهم سياساتِهم ويمجدون شخصياتِهم كأنهم المعصومون من الخطأِ، المبرَّءُون من الزلل، وهؤلاء المسترزقة الخونة لأمانة ما يحملونه من "العلم" والمعرفة هم، في تقديري الشخصي، أشدُّ خطرا على الأمة من حُكَّامها الفاسدين الذين وصفناهم في الفئة الأولى: الطغمة الحاكمة/الظالمة، وهم سبب ما تقع فيه الأمة من قردية سلبية لأنهم هم روادها وحُداتها ومروجوها ومشجعوها، وهم البلية ومنهم المصيبة.

                م– نعم، إن البلية كلها والمصيبة أجمعها إنما تأتي الأمة من الفئتين الأولى والثانية، من فئة "المثقفين" المستلبين حضاريا، الممسوخين ثقافيا، المسترزقين بشهاداتهم ومناصبهم، الطّاعمين الكاسين، المنزوين في أبراجهم العاجية بعيدا عن هموم الأمة اليومية ومآسيها الحضارية حتى تحولت هذه الأمة المنكوبة بهؤلاء الخبثاء من فصيلة البشر العاقلة الحساسة ذات الحقوق إلى قطعان من الأغنام المعقولة [المربوطة] من بطونها المشدودة بمخاوفها، أو السائبة السائمة الضالة التائهة المهمومة ببطونها والمغبونة بفروجها، وقد تقاذفتها الشهوات وعبثت بها الشبهات، والكل من تدبير "الرُّعاة" الفاسدين وبمساعدة "المثقفين" المزيِّفين، ولو تُرِك الحكام من غير مؤازرة هؤلاء الغشاشين، ومن غش الأمة فليس منها وإن عُدَّ فيها، ولقد صدق من قال:"متى يبلغ البنيان تمامه إن كنت تبني وغيرك يهدم؟".

                ن- فالقردية السلبية إذن حالة انتكاس في الناس إذ تجعل الواحد منهم يتقهقر إلى مرحلة الصبى حين كان صغيرا رضيعا ثم فطيما يتلقى ممن حوله من أبويه وذويه الحركات والكلمات والعادات من غير تمييز لأنه لم يستكمل قدراته العقلية التي تجعله يميز بين الصالح والطالح، والخير والشر، والنافع والضار، والجميل والقبيح، والصحيح و الفاسد، والصريح والغامض، والطيب من الخبيث، و كلُّ ما يتميز بضده من الأشياء، وبضدها تتميز الأشياء، كما سبق لنا قوله في الفقرة "ب" عند تعريفنا "القردية"؛ فالأمة المقلدة في السلبيات إنما هي أمة فاقدة لقدراتها العقلية التي تجعلها تميز الأشياء وتحكم عليها فتقبل الصالح وتنبذ الطالح، وتعمل بالمفيد وتطرح المضر؛ وهكذا عودا على بدء نختم حديثنا عن القردية السلبية.

                البُلَيْدة، مساء يوم الخميس 8 شعبان 1438 الموافق 4 مايو/أيار 2017.
                السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
                بعد فترة ليست بالقصيرة عدت وكلي شغف وحرص للاطلاع تعلماًوكسباً
                فلمحت عيناي مقالكم الموقر ذو عنوان استردجني تركيبه واستعمله لقطعة ذات احرف مشتقة للدخول في انفاق ودهاليز فقراته بداية من البوابة مرورا بكافة القنوات البنيوية والمنهجية وصولا الى باب الخروج من الشق الاخر
                سيدي الفاضل قد لاارقى لنقدكم او ابداء ملاحظات ولكن لضرورة ملحة ألحتها اللغة ذاتها للتدخل متعلماً
                قد تناولتم في موضوعكم إشكالية النمطية وندرة إن لم نقل إنقراض الابداع والخلق والتكوين لغويا وسلوكيا حسب فهمي المتواضع لمقالكم مقارنة باللسان الأفرنجي ولكن سوف اباشر عملية المؤاخذة نوعا ما من الناحية الشكلية حال اختياركم لكلمة القردية كنموذج تطبيقي لعملية الإشتقاق للغوي من جهة ولتصلون للمقصود بحكم طبيعة أصل المشتق كمرجعية للإشكالية التي قمتم بطرحها حسب الصيغة والصياغة التي الورادة منكم
                وهنا اخص في مؤاخذتي الشق للغوي الشكلي حتى أحافظ على منهجيتي جد متواضعة بحيث ان النحاة القدامى وحتى المستحدثين قد نلتمس لهم الاعذار في النمطية حتى لانصف وصفا اخر إن صح استعمال اللفظ حفاظا على الكلمة حتى لا تنحرف معانيها وتنحرف عن بلاغتها وعن مقدار ليونتها وشدتها ووقعها ومن حيث ادبيتها لنصل سيدي المحترم الى القول ان مصطلح القردية قد جانبكم الصواب في استعماله لاستحالة ان يكون الفرع مثل أصله في جميع المميزات الاصلية فقد يحمل عنه ولكن لايحمله وقد حمل عنه الشيء الذي وضع له بطبيعته وهو الحيوان ولايمكن ان نغير جور المشتق عن جوهر المشتق منه في طبيعته التي خلق الاسم منها وهنا نكون قد مسسنا بقيمة الانسان حتى وان كان نمطيا في ذهنه ومقلدا فيبقى المقلد والنمطي فينا إبن آدم وهذا هو مناط تدخلي في هذا الشق
                اما الشق الموضوعي فأنا اول المؤيدين حتى وان كنت متاخراً
                ففعلا بختصارالنمطية الذهنية هي أصل الداء الذي قتل الابداع والخلق والتكوين سواء في للغة حتى اندثرت مجالات استعمالات الكلمات والاسماء قبل ان نصل الى فكرة الاشتقاق والاكثر من ذلك ظهرت التراكيب للغزية للتطفوا فوق سطح للسان العام وحلت محل التراكيب البسيطة والمعنى البسيط وتطابق التركيب مع المعنى فوقعنا في التيه أي تيه تيه الاصول قبل الفنون كمن يمشي على السماء ويسبح فوق الارض ويطير في اعماق البحار فأصبحنا بعد ان علمنا الله الاسماء كلها بعد اهمالها في خانة -جاهل الاسماء كلها-
                هذا من حيث التشخيص
                فمن حيث التأصيل قد وقد تفيد التحقيق كان عليكم وعليناوعلى الذين سبقونا من الحكام والسلاطين عبر الازمنة منذ بلوغ للغة والعلوم ذروة الإرتقاء الى غاية كتابتي هاته الكلمات المتواضعات سيطرة الذهن المادي الفاحش المتسلط بماانتجه من تبديد الطاقات العلمية وللغوية حفاظاً على مواقعها في سدة الحكم فلاسيادة الى عالى جاهل فكان هذا تنظيرهم ونهجهم لتطول سيادتهم وسلطتهم
                سيدي وسادتي استسمحكم عذرا وان خلتم ازعاجا فتلميذكم لايكاد يرفع لمحه استحياءا وتعلما
                الاستاذ عابد نعمان الجزائر

                تعليق

                • حسين ليشوري
                  طويلب علم، مستشار أدبي.
                  • 06-12-2008
                  • 8016

                  #9
                  السلام عليكم، أخي الأستاذ نعمان عابد، ورحمة الله تعالى وبركاته.
                  أهلا وسهلا بك، ومرحبا وعودة ميمونة إن شاء الله تعالى.
                  أشكر لك تعليقك المفيد وأرحب بنقدك المثري فكل نقد بناء يثري الموضوع ويزيده متانة وقد عدت، بسبب مشاركتك الكريمة هذه، إلى المقالة فأضفت إليها، في الفقرة "ب"، بعض العبارات الموضِّحة حتى تزداد بيانا، ويمكنك مقارنة ما نقلتَه في مشاركتك مع ما هو مثبت في متن النص لترى ما أضفتُه.
                  ثم أما بعد، قلتَ:"(...)
                  ومن حيث أدبيتها لنصل سيدي المحترم إلى القول إن مصطلح القردية قد جانبكم الصواب في استعماله..." اهـ وأقول: كلمة "القردية"، كما وظفتها هنا، ليست مصطلحا حتى الآن لأنها لم "يصطلح" عليها الكتاب والأدباء بعد وإنما هي مفردة لغوية اشتققتها من "القرد" كما هو موضح في النص وستبقى في مستواها اللغوي لا تبرحه حتى يصطلح عليها المختصون فتخرج من استعمالها اللغوي إلى الاستعمال الفني وما أراها خارجة لما يمتاز به اللغويون من الجمود ... الفطري كذلك، والعربية، كما أسلفتُ قوله في الفقرة "أ": "(...) اللغة العربية الطَّيِّعة الهينة اللينة المَرِنة لما تمكٍّن به الكاتب من المرونة والليونة ليكتب ما يريد كيف يريد، وينحت، أو يصوغ من مادتها الأولية، حروفَها وكلماتِها، ما يشاء من الكلمات الجديدة الغريبة العجيبة والمُعْجِبة ...[ما لم يخرج، الكاتبَ، عن سَنَنِ العرب في الاشتقاق والنحت وصوغ المفردات]".

                  ثم إن الحكمة من "اختراع" المفردات الغريبة والعجيبة هي جذب القراء، والمهتمين منهم خاصة، إلى الموضوع ليناقشوه أو لينشروه غير أن الجمود العام الذي يهيمن على الأمة، حتى على خواصهم، صار ظاهرة عامة فلا الاختراع المعجِب يحركهم ولا استعمال القديم الثابت ينشطهم ما لم يكن في الحب والغرام والهيام والدعارة الأدبية والإباحية "الفنية"، نسأل الله العفو والعافية، اللهم آمين يا رب العالمين؛ كما أن صياغة العنوان تحتاج إلى فنية حتى تشد انتباه القراء وهذا ما تتقنه الصحف ووسائل الإعلام عادة.

                  ولنعد إلى الموضوع، وهو أن الأمة العربية قد صارت رائدة في فن التقليد الأعمى حتى في الكفر والنفاق والفسوق والفجور والفساد فلا عجب إن أمعنت في "القردية" حتى صارت "أَقْرَدَ" من القرود أنفسهم، نسأل الله السلامة والعافية، اللهم آمين يا رب العالمين.

                  أكرر لك أخي الأستاذ نعمان عابد شكري على حضورك الطيب وما أثريت به الموضوع، بارك الله فيك وأنعم عليك من فضله وجعلك من عباده الصالحين، اللهم آمين.

                  تحياتي إليك وتقديري لك ودمت على التواصل البناء الذي يُغني ولا يُلغي.

                  sigpic
                  (رسم نور الدين محساس)
                  (رسّام بجريدة المساء الجزائرية 1988)

                  "القلم المعاند"
                  (قلمي هذا أم هو ألمي ؟)
                  "رجوت قلمي أن يكتب فأبى، مُصِرًّا، إلاَّ عِنادا
                  و بالرَّفض قابل رجائي و في الصَّمت تمــادى"

                  تعليق

                  يعمل...
                  X