القِرْدِيَّةُ نزعةُ الأمةِ العربيّةِ السِّلْبِيَّةُِ
أ-ها أنا ذا، مرة أخرى، أمارس هوايتي المفضلةَ لديَّ في الكتابة بهذه اللغة العربية الطَّيِّعة الهينة اللينة المَرِنة لما تمكٍّن به الكاتب من المرونة والليونة ليكتب ما يريد كيف يريد، وينحت، أو يصوغ من مادتها الأولية، حروفَها وكلماتِها، ما يشاء من الكلمات الجديدة الغريبة العجيبة والمُعْجِبة كأنه صانع أواني الفخار يتلاعب بالفخار الهين اللين المِطواع المرن كيف يشاء [ما لم يخرج، الكاتبَ، عن سَنَنِ العرب في الاشتقاق والنحت وصوغ المفردات]؛ وفي عرض أدواء الأمة العربية المختلفة، فما أكثرَ أدواءَها وأمرضَها وأسقامَها وأوصابَها [الوصب = المرض نفسه، وقد أتيتُ بالمترادفات لإثراء لغة القارئ] وما أقل الأطباء النُّطُس [جمع نطاسي العالم الحاذق الماهر] الشجعان الذين يشخصون للأمة أدواءَها ويصفون لها دواءَها بصراحة وشفافية وشفقة عساها تأخذ ما يُشخِّصون وما يصفون مَحْمل الجِد فتبرأ وتشفى وتتعافى.
ب-"القِرْدِيَّة" مصدر صناعي اشتققته من "القِرْد" المعروف وهو الحيوان الأعجم بالغريزة والمعروف عند الناس بالتقليد الأعمى والمحاكاة البلهاء، واللغة العربية لغة تتميز بظاهرة الاشتقاق بأنواعه الثلاثة الأصغر والكبير والأكبر، أو الأربعة إن عددنا الاشتقاق الكُبَّار وهو النحت، والاشتقاق يمنح فرصة كبيرة لصوغ الأسماء، أو المصادر الصناعية من أية كلمة، اسما كانت أم فعلا، فإن نحن أخذنا كلمة "قرد" مثلا وأضفنا إليها ياء النَّزْعة، والتي يسميها بعض النُّحاة "ياءَ النسبة" وزدنا تاء التأنيث المربوطة، حصلنا على "القِرْدية" وهي نزعة "فطرية" في الإنسان عند ولادته إلى سن الإدراك والتمييز الأولي في صباه قبل أن يستكمل قدراته العقلية، في سن الرشد، والتي يميز بها النافع من الضار، والجميل من القبيح، والصحيح من الفاسد، والصريح من الغامض، والطيب من الخبيث، وهكذا... كلُّ ما يتميز بضده من الأشياء، وبضدها تتميز الأشياء.
ج- في اللغة الإفرنجية فعل "singer" المشتق من "singe"، وهو القرد، وتدل على المحاكاة البلهاء والتقليد الغبي؛ كما فيها "singerie/s"، بالإفراد أو بالجمع، ولها دلالات كثيرة ما يهمنا منها إلا واحدة وهي ما يفعله المهرج في عُروضه "السركية" (من السرك =cirque ) ليضحك مشاهديه ويفرِّجَهم عليه كأنه قرد لكنه إنسان يحاكي القرد الحيوان، وفي اللغة الحديثة كلمة أخرى تشبه "القردية" وهي "الببغائية"، المشتقة من "الببغاء" المحاكي لأصوات الناس فيعجبون منه، والببغائية وإن كانت نوعا من التقليد الأعمى إلا أنها أقل خطرا وأخف ضررا من "القردية" السلبية بكثير وتقال لمن يكرر قولا ما وهو لا يدري معناه ولا يفهم مغزاه كما يفعله كثير من الأدباء العرب في كتاباتهم وإبداعاتهم مقلدين ببلادة غيرهم من الأعاجم.
د- ولك في العنوان المثبت أن تضبط تاء "السِّلبية" بالضمة صفةً للنزعة، أو بالكسرة صفةً للأمة العربية، وفي كِلْتي الحالتين أنت مصيب وكلامك صحيح لا لحن فيه ولا خطأ؛ فالقردية نزعة سلبية لأن فيها سلبا ذاتيا لإرادة المُقلِّد [بكسر اللام، اسم فاعل] إذ لا مسئولية على المقلَّد [بفتح اللام، اسم مفعول] في تقليد المُقلِّد له؛ كما أن الأمة العربية لِما أصابها من هوان وخور وضعف وتلف وتخلف وركود وجمود وخمود وخمول وانحطاط سلبيةٌ تماما وقد أعجزت بسلبيتها العميقة والمتأصلة فيها الأطباءَ المداوين، والعلماء العارفين، والدعاة المشفقين، والهداة الناصحين، والنُّقاد الحازمين، والمرشدين الدالين على الخير، كأنها أمة قد رضيت بما به ابتليت منذ قرون عديدة ودهور مديدة وكأن التطبع صار فيها طبعا.
هـ- قد يظن ظان وهو يقرأ ما سبق أنه نابع من نزعة جلد الذات التي يتميز بها بعض الكتاب العرب في وصف أمتهم ونعت سلبياتها؛ أو أنه صادر من نزعة سلبية خبيثة، نزعة الشعوبية المقيتة، والتي تثلب العرب ميزاتهم الكثيرة والمتنوعة التي يدعيها العرب لأنفسهم بنزعة سلبية هي الأخرى، نزعة القومية المتعجرفة أو العروبية المتخلفة، وتسلب منهم كل منقبة هي فيهم أصيلة وتلصق بهم كل مثلبة هي عليهم دخيلة، وقد يخطر على الذهن ما جاء في الأثر أن من قال هلك الناس فهو أهلكُهم، بضم الكاف، بصيغة اسم التفضيل، أي هو أكثرهم هلاكا، أو هو أهلكَم، بفتحها، أي هو من أهلكهم بقوله السلبي، فلا هذا ينطبق على كلامي السابق ولا ذاك كذلك.
و- لا، ليس في وصف أدواء الأمة من ثلب ولا في مواجهتها بها من سلب، إنما يكون هذا وذاك عندما يقال للشماتة أو يعرض للاستهزاء أو السخرية أو يذكر لإظهار عوراتها وكشف مستورها، وما هو بالمستور ألبتة، لا على الأعداء الماكرين ولا على الأصدقاء العارفين، وإن أول خطوة في معالجة مريض ما إنما هي في التشخيص الصحيح الدقيق ثم وصف الدواء النّاجع النّافع ثم تأتي الخطوة الثانية في العلاج وهي عزم المريض على الالتزام بما يوصف له من الدواء والحمية والرياضة والصبر والشجاعة لقبول المرض ابتداءً ثم مقاومته استشفاءً للوصول إلى الشفاء - بإذن الله – انتهاء، وإلا فالمريض الذي لا يريد معرفة مرضه ولا مداواته إنما هو منتحر في هيئة مريض.
ز- أما بعد هذه الفذلكة الطويلة، فما هي "القردية" المنقودة هنا والمذكورة للاستهجان لما أصاب الأمة بسببها من الهوان؟ إنها تلك النزعة المقيتة في التقليد الأعمى غير الواعي لكل ما يَفِد على الأمة من الأفكار والعادات والممارسات التي لا تمُت إلى دين الأمة ولا إلى عاداتها ولا إلى تقاليدها الإيجابية بصِلة ما، وإنما اكتسبتها الأمة بـ "تقريدها" (من القِردية دائما) الأعمى غير البصير ولا المستبصر، وليس بتقليدها للآخرين المجرد، فهناك تقليد وتقليد وليس التقليد الإجابي كالتقليد السلبي، فـ"الفتقريد" الأعمى شقيق التقليد الأعمى سواء بسواء، وقد تخرج الأمة من العمى الطارئ إلى الكَمَه الموروث بعد جيل أو جيلين فكيف بعد الأجيال والأجيال والأجيال منذ العصور الطِّوال؟ وهذا ما نريد الحديث عنه ووصفه ونقده.
ح- التقليد في تقديري تقليدان اثنان: إيجابي بصير مفيد وسلبي أعمى مُبير؛ فأما الإيجابي منهما فهو ما كان في الأمور الحسنة والخيِّرة والجيدة والمفيدة ويزداد قيمة إن كان عن دليل واقتناع؛ وأما السلبي ففي ما يناقضها من الصفات وهو في الأمور القبيحة والشريرة والسيئة والمضرة فكيف إن كان بلا عقل إلا الاتباع؟ ولا ضير في تقليد من هو أحسن منا حالا في الخير ولا عيب ولا سوء، لكن الشر والعيب والسوء كله، في تقليد من هو أسوأ منا، والضعيف مجبول على تقليد القوي حتى في الشر، والأمة على ما فيها من السلبيات لا تزال تمتلك ميزات إيجابية كثيرة وصفات خيِّرة عديدة ولا ينكر هذا أو ذاك إلا جاحد حاقد أو معاند حاسد.
ط- فكما أن التقليد نوعان فكذلك التحرر منه نوعان، وبالتقسيم العقلي نحصل على التصنيف التالي لكل من التقليد والتحرر، فيصير عندنا:1- تقليد بصير؛ 2- تقليد أعمى خطير؛ 3- تحرر بصير؛ 4- تحرر أعمى خطير؛ فالتحرر الأعمى مثله مثل التقليد الأعمى إنما يصدر عن الجهل المعقد والذي يزعم صاحبه أنه يدري ولكنه لا يدري ويدعي أنه يدري ويعلن ذلك، فهو جهل ثلاثي الأبعاد، بشكل 3د، (3D)، وهذا النوع من الجهل أخطر الأنواع الثلاثة: الجهل البسيط، الجهل المركب من جهلين، الجهل المعقد المكون من ثلاثة "جُهُولٍ" إن صح الجمع قياسا على "فَعْل وفُعُول" مثل: عَقل وعُقول، وأَصل وأُصول، سَهل وسُهول؛ والقضية كلها في التقليد والتحرر بين طرفين اثنين إفراط وتفريط وتصفية وتخليط وإطلاق وتحنيط.
ي- إن الأمة، الإسلاميةَ، وهي موضوع عنايتي وسبب همومي، تمتلك من القدرات الكامنة والاستعدادات الوهبية، التي وهبها الله إياها، والكسبية التي حصلت عليها باحتكاكها بالأمم الأخرى المجاورة أو البعيدة وحتى المحاربة لها، وعندها من الكنوز المادية والمعنوية ما يؤهلها، لو أرادت، إلى قيادة العالم فيصير لها تابعا ولأخلاقها مقلدا ولحضارتها منتسبا متشرفا وقد حصل هذا في الماضي وهو قابل للتكرار في المستقبل إن هي استعادت وعيها واسترجعت شخصيتها المتميزة وتحررت من تبعيتها لأعدائها واستدركت أخطاءها في السياسة والاقتصاد والثقافة والتربية وحتى في الرياضة وقد أوتيت هذه الأمة الغافلة من الرياضة كما أوتيت من غيرها مما غزاها به أعداؤها الألداء و"ناصحوها" الخبثاء ومثقفوها الأغبياء وإن العرب هم وسط عقد الأمة وجوهرة تاجها.
ك– ومن هنا ولهذا جاء حديثي المتكرر عن العرب وكَثُر وصفي لهم وتعدَّد نقدي واستمر عليهم عتابي حتى لو جمعتُ ما كتبته عنهم ولهم لكان كتابا محترم الحجم كبيره يفصح عما في خاطري من الهم ويبين ما أقصده من النقد؛ والعرب مبتلون بأربع فئات من الناس لا خامس لها هم سبب شرها ومصدر بلائها، إلا الثالثة الشرذمة الواعية، وهي: 1- طُغمة حاكمة/ظالمة؛ 2- نخبة واهمة/حالمة، 3- شِرْذمة عالمة/آلمة (متألمة)، 4- بقية هائمة/سائمة؛ وإن البلية كل البلية في الفئتين الأولى والثانية وأخطرهما وأخسهما الثانية فئة "المثقفين" المُزيِّفين المُزوِّرين، وأما الرابعة فهي البقيَّة المَسُوقَة كالقطعان السائمة الهائمة في المراعي والبوادي والفيافي وكم يضرب المثل بالقطعان لتصوير الشعوب الجاهلة الضَّالة أو المُضلَّلة لجهلها ولقلة وَعْيِها.
ل- يُكثِرُ النُّقادُ السياسيون الحديثَ، في "شجاعة" لا مثيل لها وهم مختبئون خارج أوطانهم بعيدا عن سطوة حكامهم وفي حمايةٍ من رُعاتهم المنفقين عليهم ومؤويهم المتكرمين عليهم بالشهادات والألقاب والشارات، عن الحُكَّام والأنظمة السياسية وينسون، أو يتناسون، ذكر "المثقفين" المرتزقية المزوِّرين للحقائق المزيِّفين للوقائع من بني جلدتهم، والذين يزينون للحكام الفاسدين المفسدين أعمالَهم ويحسنون لهم سياساتِهم ويمجدون شخصياتِهم كأنهم المعصومون من الخطأِ، المبرَّءُون من الزلل، وهؤلاء المسترزقة الخونة لأمانة ما يحملونه من "العلم" والمعرفة هم، في تقديري الشخصي، أشدُّ خطرا على الأمة من حُكَّامها الفاسدين الذين وصفناهم في الفئة الأولى: الطغمة الحاكمة/الظالمة، وهم سبب ما تقع فيه الأمة من قردية سلبية لأنهم هم روادها وحُداتها ومروجوها ومشجعوها، وهم البلية ومنهم المصيبة.
م– نعم، إن البلية كلها والمصيبة أجمعها إنما تأتي الأمة من الفئتين الأولى والثانية، من فئة "المثقفين" المستلبين حضاريا، الممسوخين ثقافيا، المسترزقين بشهاداتهم ومناصبهم، الطّاعمين الكاسين، المنزوين في أبراجهم العاجية بعيدا عن هموم الأمة اليومية ومآسيها الحضارية حتى تحولت هذه الأمة المنكوبة بهؤلاء الخبثاء من فصيلة البشر العاقلة الحساسة ذات الحقوق إلى قطعان من الأغنام المعقولة [المربوطة] من بطونها المشدودة بمخاوفها، أو السائبة السائمة الضالة التائهة المهمومة ببطونها والمغبونة بفروجها، وقد تقاذفتها الشهوات وعبثت بها الشبهات، والكل من تدبير "الرُّعاة" الفاسدين وبمساعدة "المثقفين" المزيِّفين، ولو تُرِك الحكام من غير مؤازرة هؤلاء الغشاشين، ومن غش الأمة فليس منها وإن عُدَّ فيها، ولقد صدق من قال:"متى يبلغ البنيان تمامه إن كنت تبني وغيرك يهدم؟".
ن- فالقردية السلبية إذن حالة انتكاس في الناس إذ تجعل الواحد منهم يتقهقر إلى مرحلة الصبى حين كان صغيرا رضيعا ثم فطيما يتلقى ممن حوله من أبويه وذويه الحركات والكلمات والعادات من غير تمييز لأنه لم يستكمل قدراته العقلية التي تجعله يميز بين الصالح والطالح، والخير والشر، والنافع والضار، والجميل والقبيح، والصحيح و الفاسد، والصريح والغامض، والطيب من الخبيث، و كلُّ ما يتميز بضده من الأشياء، وبضدها تتميز الأشياء، كما سبق لنا قوله في الفقرة "ب" عند تعريفنا "القردية"؛ فالأمة المقلدة في السلبيات إنما هي أمة فاقدة لقدراتها العقلية التي تجعلها تميز الأشياء وتحكم عليها فتقبل الصالح وتنبذ الطالح، وتعمل بالمفيد وتطرح المضر؛ وهكذا عودا على بدء نختم حديثنا عن القردية السلبية.
البُلَيْدة، مساء يوم الخميس 8 شعبان 1438 الموافق 4 مايو/أيار 2017.
تعليق