2 - البلبل نبيل يشعل شعلة الحرية
كان نبيل بلبلا رقيقا، جميل الصوت.
درس الموسيقى على يد أفضل بلبل في الناحية، وعندما أنهى دراسته قلّده البلبل الأستاذ وسام التميّز على صدره.
فرح نبيل بالوسام الذهبي الآمع، الذي كان يعكس أشعة الشمس في كل اتجاه.
سلم الزملاء البلابل عليه بشدة. : والله إنك تستحق يا نبيل!
وارتفعت أصوات البهجة والفرح، وطلبوا منه أن يغني أغنية النجاح.
وقف نبيل أمام الأصدقاء ببدلته السوداء الداكنة، والمزينة بوسامه الذهبي اللآمع.
اتسع صدره وقد ملأه بالهواء العليل، ومد رقبته إلى أعلى.. وانفتح منقاره الأحمر لينشر أنغامه الساحرة.
سكت كل الكون إلا من نغمه،
وتسللت الحيوانات بهدوء تتسمّع.
كان هذا اليوم أحلى يوم في حياة نبيل..
كان يتذكره بألم في كل يوم يمر وهو جالس عاطلا عن العمل في عشه المتواضع الفقير.
كان في كل يوم يطير في الأنحاء باحثا عن عمل.
كان يغني ليعبر عن فرحه، وليشعر سكان الغابة بحلو غنائه فيدعونه لإقامة أفراحهم ليتضاعف الفرح!
أوقفه البوم.
أخبرته نظرة مسحت الأشجار حوله أن البوم قد عشش في كل الناحية!
أمسك البوم بمنقار نبيل، وأداره ليواجهه. قال:
ألم تسمع أوامر الملك؟!
فنجل نبيل عينيه، وقد زاد الشد على منقاره.
لاحظ نجوما على كتف البوم أمامه.
قال البوم: إن ملك البوم يكره الغناء، وقد أصدر فرماناً بذلك.
وأخرج كتابا من صدره انفتح وراح يتدلى، وقد نقشت عليه أوامر لا أول لها ولا آخر..
دفع البوم ظهر نبيل وقال: امش. امش.. لن أحبسك هذه المرة.
سار نبيل إلى الأمام. سار متطوحا وقد ترنحت خطواته..
: آه يا ربي! الله يستر. الله يستر.. لقد صرنا في زمن البوم !!
في اليوم التالي جاءت نبيل فكرة. وجمع نوتاته البسيطة وطار نحو مدرسة الصغار.
استبشر خيرا بابتسامة الآنسة فصيحة "دجاجة" الممتدّة وهي تستقبله.
: الفنان المميّز البلبل نبيل!!
غمرته السعادة وهو يرى الصيصان والفراخ يحيطون به من كل مكان.
تساءل بتواضع مجروح: ألا زلتم تذكرونني؟!
قالت بلهفة: طبعا، طبعا. يا للهنا! يا للسعادة!!
قال لها بأسف مر زمن على زمن الغناء!
التفتت حولها بتخوّف، ثم أسرت له في أذنه: نحن نسمع اسطواناتك في الخفاء.. كلما سنحت لنا الفرصة.
قالت له بود: تفضل يا سيد. كيف يمكننا أن نخدمك؟
قال لها: أبحث عن عمل. فكرت أنه يمكنني تعليم الصغار ....
وفجأة تغيّرت نبرتها. قالت بصوت عال مستهجن: ماذا؟!! مستحيل!
القانون يمنع الغناء يا سيدي!
ومدت يدها تفتح الطريق له كي ينصرف.
قام مستغربا متألما، ولمّا نظر أعلى السور.. وجد البوم يتكتّف..
مرّ على كل المقاهي. كان الببغاء يؤرغل ويسعل:
إهه.. إهه..إه
ناوله نبيل حبة سكر فضّي.
نظر الببغاء حوله قبل أن يمد يده ويأخذها.
وقبل أن يقول كلمة واحدة قال: آسف .. لا يوجد لدينا عمل.
مرّ على كل المقاهي. كان الببغاء يؤرغل ويسعل:
إهه.. إهه..إه
ناوله نبيل حبة سكر فضّي.
نظر الببغاء حوله قبل أن يمد يده ويأخذها.
وقبل أن يقول كلمة واحدة قال: آسف .. لا يوجد لدينا عمل.
كلهم، بلا استثناء.. كانت هذه إجابتهم: لا يوجد لدينا عمل..
مع آسف أو دون أسف.
صارت الأيام كئيبة.
صار اللون الرمادي منتشرا في العشب.
في ورق الأشجار...
وفي جذوع الأمل التي تحمل الأعشاش والزغاليل!!
وصار الصمت.. موتاً!!
في أحد الأيام..
حمل نبيل نوتاته الموسيقية وأشعار الحب والفخر، ووسامه الذهبي على عربة اشتراها بالتقسيط خصيصا ليعمل عليها بائعا متجولا.
سار بها قاطعا الحي روحة وجيئة وما التفت إليه أحد.
أعاد الكرّة.. أياما وأياما..
وما التفت إليه أحد!
كساه الحزن..
ملأ قلبه..
فانطلق صوته حزيناً شجيا.
في لحظة كان شرطي البوم عنده.
صاح في وجهه:
ما تفعل يا وضيع؟! أنت تكسر القانون بصوتك هذا!!
أجاب نبيل بانفعال وقد طفح الكيل: القانون والعود والمزمار من وحيي أنا!
نفخ شرطي البوم صدره ولطم نبيل على خده، ورمى العربة مبعثرا كل ما عليها.
عندها ضاقت الأرض في وجه نبيل، وضاقت السماء بما رحبت..
في لحظة:
مسح نظره بضاعته الغالية وهي مبعثرة، مرمية على أرض الشارع.
اشعتلت الكرامة في صدره.
مدّ يده في بضاعته..
التقط وسامه الذهبي.. وثبته على صدره..
وصدح صوته أجمل لحن يعزفه في حياته. عزف لحن والحياة.
صدح صوته وانتشر كالنار في الهشيم ..
عندها صدحت كل البلابل. صدحت كل الطيور. شاركت كل الحيوانات، وشارك كل من يحب الحريّة..
نادى ملك البوم على أتباعه.. نادى ونادى..
لكنهم كلهم كانوا يغلقون آذانهم من الأصوات المرعبة.
كان الصوت الجميل مقلقاً، مرعبا للبوم..
ففر
إلى الخرائب
وما عاد له في الغابة مكان..
تعليق