مدخل
قاسم بركات
صاحب رسائل الغائبين وصانع التيه في حرفه .
من خلال متابعتي لهذا المد الحرفي الذي جاء في الفترة الأخيرة الممتدة بين رسائل الغائبين بجزأيها والتيه بحواريته وجزئه المشترك في مسابقة قصيدة شقائق الإبداع زارني على غير موعد ذلك الإحساس الذي أخذ يلح في ذهني ليشدني إلى متابعة هذا الجدول الذي رأيته يستقي وجوده من فكرة واحدة ، وينطلق من خلال وتر قوس أحكم الكاتب القبض عليه وأرسله إلى قلوب القراء محملا بروحه التي امتزجت بدماء هذه القلوب وتوحدت وإياه في قول الآه
تلك الآه التي يجرجرها الوجع أو ينتشي بها القارئ من التلذذ بما قرأ
ولم تكن قراءتي له اليوم صدفة ولا هي فكرة عابرة ، هي قراءة امتدت لعام ونصف سمحت لي أن أتجول في حقول حرفه أقتطف منها ما تيسر من بعض زهر .
وقد لا تكون شاملة كل ما يمكن أن يقال عن هذا الحرف لكنها قراءة ولدت من خلال نص من نصوصه رأيته صورة قاسم في كل ما كتب ، ورأيت فيه وكأنه يهيم في ظلال كتاباته السابقة ويصطفي فيه خلاصة روحه .
قاسم الذي كان له من النصوص :
تيه ، شيء من قلق ، رسائل الغائبين 1 ، رسائل الغائبين 2 ، شيء من الحب ، أعيدي موتي مطرا ، سجين ونافذة ، أحبك دون كلام ، نفحات الغائبين ، أرق العناوين ، شيء من الحب ، لا تغضبي ، لقاء بين نافذتين ، صلاة الراحلين ، دموع هوية ، تأملات على جدار الروح ، بلا عنوان ، واجهة الغد ، كل عام وأنت بخير يا عيد ، لم ينضج الشكر فينا بعد ، ارتحال في عوالم الذات ، تهاويم .
ولو استعرضنا عناوينها لوشت لنا بسر عالمه
قلق ، ارتحال ، تهاويم ، سجين ، راحلين ، غائبين ، تأملات ، تيه .
قد يلخصها لنا هو بكلمة واحدة جعل منها ملحمة تسافر بين دروبها نفسه ويعيد بريشتها رسم وجه قاسم بين الحروف .
هذا القلق الذي تشكلت منه تقاسيم حياته فرسمتها ريشة التيه على سطوره .
قاسم الذي يجرد من نفسه الغد يخاطبه ويراه لا يأتي جالسا على كرسي العدم لا يتحرك بل يراه هاويا للقتل : حين يقول في نص واجهة الغد :
يوجعني أني أراك في العدم
على كرسي لا يتحرك
تنادي جاء الليل
تنادي جاء الليل
وقسمات صوتك تحترق في الظلام
تجبل الطين بالدم
وتهوى قتل الحمام
تجبل الطين بالدم
وتهوى قتل الحمام
لكنه ومع ما يعيش في خياله من قتامة صورة اليوم والغد يعشش الأمل الممتد في طين الأرض في روحه لينتصر على قلق ينتشر في حواشي نصوصه فيقول :
سأعطيك بعضا من قطع المر
واحتضن أطفالي
لن يجلسوا أمام القاضي
لن يجلسوا أمام القاضي
لن يقتلهم الم الاغتراب
سأحملهم إلى ارض الطين
حيث يغتسلون
يرضعون حبات الزيتون
ونشرب قهوة الخريف
لنستظل بالربيع
نحن
الإنسان والأرض والعام الجديد
فمن أنت
سأحملهم إلى ارض الطين
حيث يغتسلون
يرضعون حبات الزيتون
ونشرب قهوة الخريف
لنستظل بالربيع
نحن
الإنسان والأرض والعام الجديد
فمن أنت
صورة مركبة انتصر فيها الشاعر على نفسه حين حاكم الغد وجعل من هزائم هذا الغد في نفسه ماضيا ينتصر عليه ويقرر أنه وأرضه سيكونون هم الغد .
وهذه الصورة هي ذاتها التي نراها في معظم نصوصه صورة قلق الإنسان فيه والأرض والأمل في غد جديد ذلك الأمل الذي جعل رمزه الحبيبة .
ويعلو ضجيج هذا القلق ويخفت في نصوصه لكنه لا يبرح يزاوله ، يعبر عنه كل مرة بطريقة أخرى وصور تشتد حدة الحرف فيها فنراه في قصيدته لم ينضج الشكر فينا بعد غاضبا يشد وتر الحرف ويرمي من قوسه بهذه الكلمات قائلا :
لا تفكر أبدا بنجاتك
حين تُعدمُ الشجرة ..
حين يُراقُ دمُ بيتك
حين يُراقُ دمُ بيتك
على كل شاشاتِ التلفزة ..
لا تصرخ فلا جدوى
من سماع الآخرين إليك ..
لا تصرخ فلا جدوى
من سماع الآخرين إليك ..
قمة في الألم والحنق والثورة استمر فيها النص متهكما ساخرا من كل ما يمارس ضده في وطنه الذي حمل مدادُ حرفه همَّه ووجعَه.
نص رائع يتنفس الوطن ويرسمها لوحة صاخبة الوجع .
وتأتي المرأة عنده لتمتزج صورتها بصورة الأرض ، لتكون هي الوجه الآخر للأمل للخصوبة والحياة من جديد .
هذان هما محورا حرف قاسم " المرأة والأرض "
كلاهما عنده وجهان لعملة واحدة حولهما يدور حرفه وفيهما يعلو وينخفض صوت الناي الحزين فيه .
هو حزن تشكل على يدي ضياع أرضه وغياب الحبيبة .
في الطّرِيقِ إلَيكِ
أخبِرِينِي
بِهَمْهَمَاتِ الصّمْتِ فِي قَبْرِي
قَبْلَ أَنْ يَبْتَلَعَنِي اليَبَاب
وقَشّرِي جِلْدَ المَوتِ عَنّي
وقَشّرِي جِلْدَ المَوتِ عَنّي
و اشْتوِي بلحمي قَبْلَ المَمَات
عَطَشِي فِيكِ يَصهَرُ جَوْفِي
فَاسْحَبِينِي مِن غَضَاضَةِ الطّرِيقِ
فَأَسِيرُ يَبْرِقُ الرّعْدُ فِي صَوتِي
فَأَسِيرُ يَبْرِقُ الرّعْدُ فِي صَوتِي
حِينَ تَكوّمُ الأجْوّبَة فِي حَلْقِي
بَشّرِي حَقَائِبَ الزّيتُونِ فِي حَقْلِي
أَنّي شَبِيهُ مَوتِي فِي الغِيَاب
أنّ الأمَاكِنَ فِي اغتِرَاب
أنّ الأمَاكِنَ فِي اغتِرَاب
نفحات الغائبين ، هي حقيقة نفحات ماجت بها روحه واستوت على سوق بوحه مختلطة بعطر الأرض لا ينفصل عنها في وجعه واغترابه عن وجع الحبيبة واغترابها فيه واغترابه فيها فيختلط عنده حوار الأنثى برموز الأرض والوطن .
هذا هو قاسم الذي جاءت رسائل الغائبينعنده بجزأيها الأول والثاني هبة الوطن لهذا الحرف ، يرسم فيها بلغة خاصة جدا حديث الأرض ويسكب في حرفه مرار الحكاية :
حينَ ينتفضُ المرٌّ مَع جَرجَرةِ الأقدامِ الحافِية .. يَتسلقُ الهمُّ المَصقُولُ في الحَلقِ .. لا يَخرجُ .. فتتجرّعهُ عَلى مضضٍ مِنك .. وتُواصلُ المَسِير .. وأنتَ تفكّر في المحذوفِ خلفكَ من سِيرَة .. فلا تترددْ بَعدَ ذلك .. ولا تَستطيعُ الرّجوع .. وإن هَممتَ ، تسحبُكَ الأجسادُ المُتسَابِقَة .. وصُررُ المَلابِس .. والنساءُ المَعجُوناتُ بِلحمِ أطفَالهنّ .. فيجلسُ الزيتونُ عَلى أوراقٍ نَاشِفة.. وفِي الذّاكِرة وجعُ الحِكَاية .. وَطينُ القَرية.. يُحدثني..
صورة ناطقة تحكي لنا قصة وطن استبيح فاستباحوا من خلاله أمن الشاعر ورسموا وجع الحرف حين يحدثه طين القرية عن النساء اللاتي عجن لحمهن بلحم أطفالهن ، صورة فيها الأفق ممدود نحو الخيال ترينا ضيق الظرف والمكان والأم التي تحتضن فلذة الكبد وتحتضنه حتى يختلط لحمها بلحمه وذلك الزيتون الذي غدا عنده من لحم ودم جالسا على أوراق ناشفة ليجعل من هذه الأوراق رمز الموت والفجيعة بالأمان ، والذاكرة هنا مشتركة بين زيتون الأرض وأصحابها ، فيها وجع الحكاية .
ثم نراه ينطلق منها في رسائل الغائبين الثانيةإلى عالم من القلق الأوسع حين ترتسم الرسالة أسئلة متوالية ينقل من خلالها خصامه مع هذا العالم الذي سرق وطنه فجعله معجونا بالضباب ، في طرقات ميتة .
ضباب ، موت ، وتيه ،وأرض ، وقلق، وحبيبة، تختلط صورتها بصورة الأرض حتى تمتزج ملامحهما وكما يعبر هو عن هذا الامتزاج بلفظة تتكرر أكثر من مرة لديه تعجن صورة وجه الأرض بوجه هذه الحبيبة كلها رموز يعج بها حرف قاسم :
فمن أين لنا التزود بالتاريخ , وقد سرقوه ذات مرة .. حين سال الغيم,وزحف الظل إلى الماء وأفق الجبال .. فنظرتُ إلى حالي المرسوم في الطرقات الميتة..فوجدتني معجونا بالضباب , فلا أناأمشي ولا أطير..
تاريخ سرقوه منه وسربلوه بعده بالضياع ليلجأ إلى المرأة رمز الأمان في نفسه ويحتسي بوجودها شربة أمان يهرب فيها من هذه الغربة وهذا التيه في فضاء مجهول حتى غدا الصيف زائفا يلبس ثوب الشتاء فلا تتحدد للأزمنة في فكره هوية ولا يرى هناك انعتاقا من هذا السكون :
والثبات يسطرني طيفاً غريباً عني فلاأعرفني..ولا أستلهم فضاءً يغرفني من مجهول في صيف زائف .. يتسربل بثياب الشتاء .. ثبات/ثبات .. سكون / سكون .. حتى في الصراخ المتمدد بين طيات الفراغ المذبوح على أريكةالخلاص المبلل بالحرية ومواسم العاشقين..
يلتجئ إلى الحبيبة باحثا عن روحه الهائمة الضائعة علّه يجد فيها الأمان
فبأي لغة أنبش حروفكِ الممدودةِ في تجاويف ارتحالي..وبأي لغة أقف على عتباتامتدادك حين تشطحين غرساً في يباب حلمي..
يقترب منها أكثر يلتصق يكتبها في حرفه ويجعل منها إلهام القصيد:
فأنى أكون حينأراني أقرب إلى الدموع من عينيك .. لأخطو نحو قصيدتي .. فتشطبني الكلمات ويلزمنيالصمت.. ليتنيأستطيع أنأقرأكِ,لأصطفي إليك نفسي كلماتٍ تتجرع ما بيني وبينكِ , وليتك في حدائق قلبي شدواً , يذيبثلج البعدويقرؤنيفي هواكِعنوانا لقصيدتي وصيرورة إلهامي..
لتأتي نهاية رسائله مكرِّسة للأمل وهذا الامتزاج بين المرأة والأرض :
سأكونفيك نور النهار الجديد .. نصارع اللقاء العنيد..نستبيح حلم الصبح .. لتندى تقلبات الريحِ .. تيك النوافذالموصدة فيكِ , أشرعيها .. وتذكري الصورة المغروسة في وجهكِ
أشعلياغترابَ الأرضِ في الكون .. وحداثة النظر إليكِ, حين تلتهب العيون..
وهكذا حتى إذا مضينا في تتبع المسار النفسي والفكري لحرفه سنجد نصه [سجين ونافذة ] الذي يترجم لنا فيه تجربة تبدو حقيقية عاشها الشاعر بين جدران السجن فأخرج نصا يستحق الوقوف الطويل عنده ويستحق وحده دراسة مستفيضة تضيء لنا جانبا مهما من شخصية هذا القلم وتفتح أمام الدارس مسارات عدة للولوج إلى عمق الصورة عنده حين تكون التجربة الفعلية هي منبع المعاناة ورحم اللغة التي تميز بها حرفه ، وكأن صعوبة التجربة وهبته حرفا خاصا ذا سمة خاصة ومدلولات خرجت من إطار اللغة الواقعية البسيطة إلى اللغة العليا ذات الدلالات التي قد تبدو معقدة .
يَتِيمَةٌ تِلكَ النَّافِذَةُ ، تَسرِقُهَا دُرُوبُ الشَّمسْ ..
أَتَنسَّمُ فِيهَا انطِلاقَ أَشرِعَتِي ،
حِينَ تُعَانِقُنِي عَتمَةُ الظَّلامِ ، لِتَختَبِئَ عَينَايَ فِي وَحيِ الإلهَامْ ..
وَأظَلُّ مُتّشِحاً بِفَضاءٍ مُغَرِّدٍ بِالحُرِّيّة ..
حِينَ يَمُرُّ القَمَرُ سَاخِراً , يُبهِرُ الحِيطَانَ المُغْمَضَةْ ،
بِتَنَهُّدَاتٍ عَلَى فَمِ الجِدَارِ المَملُوءِ بِالصُّرَاخْ ..
لَا أملكُ يداً تَمسَحُ دَمعَ النَّافِذَةْ ..
فهاهي نافذته يتيمة تسرقها دروب الشمس تعانقه عتمة الظلام والقمر يمر ساخرا والحيطان مغمضة ، والتنهدات مرسومة على فم الجدار المملوء بالصراخ ،
كل هذا الحشد لمشاهد الألم في مقطع واحد يأتي بعده ليقرر عجزه وقلة حيلته وبلغة خاصة عليا حين يقول :
لا أملك يدا تمسح دمع النافذة
وكما قلت نص كهذا جدير بدراسة خاصة لكنني أراه مدخلا حقيقيا إلى عالم التيه عنده الذي سيكون نموذجا له نص تيه في شغب القصيدة
هذا النص الذي كما قلت كان مقتطعا من مجموعة نصوص بنى منها عالما واحدا ورسم ظلال حرفه بدأ تيهه فيها هنا:
في ذاتِ اليومِ الذي وُلدْتُ فيه وُسِم على جبْهتي تُرابُ الوطنِ .. واستمعتُ إلى موسيقى اللهفةِ إليكِ ..
*
*
*
لا عليك إن سكَنَّا العمرَ وجعَلْنا الأحلامَ تلاقِيا .. لا عليكِ إنْ ذرفْنا الدمْعَ وسقيْنا القمحَ وارتشفْنا ليلَ الألَم .
لا عليك إن تسكَّعَتْ بنا الكلماتُ وأنْبتَتْنا في زحمة التيه .
وهنا تبدو الصورة أكثر وضوحا ، بل يقدمها لنا الشاعر بنفسه حين يرينا في هذه الفقرة
امتزاجا حقيقيا بينه وبين الأرض وسيدة الحياة فيها وصاحبة هذه الموسيقى في وجدانه وبين تقاسيم حرفه " المرأة " رمز الكينونة والوجود وخيط الأمل ممتد يرعى هذه المعزوفة في تقاسيم حرفه.
سنروي ملامِحَ الغدِ ولنْ نعودَ خائبين ، سنعودُ سالمين نرسمُ اللونَ على أوراقِ الشجرِ.. سنعودُ حالمين باسمِ الأرضِ نلفُظُ الممنوعَ وإنْ قتلوا الحلم فينا.
إصرار على الأمل وأرض تنمو بين الحرف يعلو صوتها في ضجيج الروح
سنلتقي هناك تحتَ ظِلالِ زيتونةٍ .. أو هناك على مَصطبةِ الرمل نعُبُّ الفضاءَ الفسيحَ ، وسنأكلُ التفاحةَ مرةً أخرى حتى نعودَ .
ولقاء في الأرض بين حواء وآدم ورمز نستقيه من صورة أراها غنية بهذا الرمز الجميل حين قال :
وسنأكلُ التفاحةَ مرةً أخرى حتى نعودَ .
وهكذا سنلتقي أكثر من مرة بذلك الشدو الذي يسيطر على أذن قاسم من خلال استخدامه لمدلولات الصوت والصوت نفسه وما يمت إلى التلذذ بعالم السماع لديه ، فأذنه تعشق الموسيقى وهي أذن تعيش جمال الصوت وتجعله من أخص روابطه بالحبيبة .لنرى قاسم من بعد
ممتدا بين لحن الموسيقى وخلود الأرض وصوت الحبيبة .
كلُّ شيءٍ يدفَعُنا إلى التِّمرُّدِ في هذا الكون المنتهي الصلاحيةِ !
كلُّ شيءٍ ، حتى الأغاني تُهروِلُ فينا بألمٍ يصدَح على رصيفِ الرُّوح وتُنبِتُ جُرحا يغنّي مِنْ جديدْ .
وهكذا لم يكن لي بد من هذه الجولة السريعة المسبقة في حرف قاسم لأدخل الآن عوالم هذا النص ليكون ما مضى من خطوط الرحلة السابقة إطارا عاما يحتضن هذا التيه الذي بين أيدينا لنرى
المرأة والأرض والشاعر قد امتدوا في هذا الحرف ليلدوا لنا تيه قاسم
سألتك عن زرقة الزهر في تشرين ..
وعن وردة حمراء تناثرت حين أصابها الريح الدامي ..
عن الأسماء ما بين الخراب ..
حين نَخِيطُ الأشلاءَ كي لا ننسى الصورة ..
يبدأ النص بصورة لافتة قد يشوبها بعض غرابة حين يقول :
سألتك عن زرقة الزهر في تشرين ...
كيف يزرق الزهر ؟ من أين جاءت هذه الصورة ؟
الزرقة للزهر ، وتشرين
كلاهما رمز لهذا القلق وهذا التيه الذي يرمز لموت الفرح وزرقة الجسد حين تغادره نضرة الحياة ، الزهر حياة وربيع والزرقة تطارد هذه الحياة تحاول قتلها بفلول تشرين الخريف .
الحبيبة زهرة والزهرة تكسوها زرقة يهددها الخريف . وردة حمراء تناثرت وأصابها [ الريح الدامي ] صورتان للوردة اجتمعتا في سطر تقريبا ، جعل منهما نافذتين على التيه والقلق بين ورد أحمر يتناثر يعبث به ريح دامٍ وزهر أزرق في تشرين الخريف والريح .
ز رقة ، تشرين ، الريح ، الدامي ، خراب ، أشلاء .
ست رموز في مقطع صغير تجتمع لتنبئ عن ملحمة إحساس مفعم بالألم ، بالقلق ، بالوجع الذي يريد أن يتقاسمه مع الحبيبتين المرأة والأرض ، وكلاهما عنده وجه واحد ، الأرض الحبيبة ، والحبيبة الأرض . وهو إليهما يحن ويسعى وفيهما تذوب روحه .لنجده من بعد ذلك يناجيها قائلا :
يا صانعة حدود الترانيم في بعضي !
لن أنتظر طلاسمَ الخلودِ لنلتقي ..
سأمتدُّ في خيال الليل أتفقد الأنفاسَ الخفيفة ..
حين تهاجر الحروف من رسائلنا ..
صانعة حدود الترانيم عبارة تعطينا خيالا يشي بشيء من خصوصيات الشاعر التي أشرت إليها وهي هذه الصلة بينه وبين الصوت حين تغدو الحبيبة صانعة لحدود الترانيم ، إذا للصوت عنده أثر كبير في شده والتصاقه بهذه الحبيبة حتى أن أذنه تلاحق صوت الأنفاس الخفيفة التي تتردد بينهما عند انتظار الرسائل بينهما ،
تلاحقها أذن حساسة تجيد السماع وتهواه ويتربع في صوانها عشق لهذا السماع .
قال الرفاق حين شتتنا الظلام، كيفَ ننجو ؟
وعلى سطح كل مدينة قناصة أعمى ..
كيف ننجو وقد سكبوا على اللون ولادة الخوف ؟
ماتت العصافير الشفافة يا حبيبة !
وسكنت إناء البرتقال، وأشارت أن أُكتبني في وجه الشمس كي لا يخون الجسد ..
يا لعطر الليمون حين يثرثر في استنشاقي !
حبيبة يتابع أنفاس رسائلها إليه يترنم بهذه الأنفاس يعيشها لحنا يطرب روحه المسافرة إليها ، لكن وجع الأرض يلاحقه يحرمه ويبدد هذا الحلم حين يأخذه هذا الوجع ويستحوذ عليه فالقناصة على سطح كل مدينة يغتالون الحلم ويسكبون الخوف ويقتلون العصافير الشفافة .
هذه الصورة أكثر من رائعة حين يصور لنا الظلام برمزيته من استعباد وقهر ومفاهيم سلبية في المجتمع وجبروت حكام نشروا الخوف والظلام واغتالوا الحبيبة الأرض ولم
يدعوا وقتا للحب ، قتلوا البراءة في العصافير وسلبوه بقتلها صوت الرنيم وأنسه بها
تلك الحبيبة التي يعاتب نفسه التي نسيت أن توصد النوافذ فغدا حلمه مهددا باستباحة القناصة أو التلصص عليه
نسيت أن أوصد النوافذ ..
وحده صوتكِ، ينبئني بسقوط التيه
حين يخلع شجر اللوز ثوبه ويكتسي بثلج لا ينتهي ..
,,ووحده الصوت ذلك الترنيم الذي يطرب له ويمتد فيه يسقط التيه عن روحه
حبيبة هي الأرض وأرض هي الحبيبة يخاف عليها يلتصق بها يمتزج بصوتها .
من أنا في هجرتي حين أتلاشى ؟
وأظن أني ما زلت هنا وأنه لم يحن بعد موتي ..
الآن أصطفي من نفسي لوحة لمداد حبركِ،
سؤال يقترب فيه منها يحاول فيه رسم صورة لوجودها
لوحة ومداد وخربشة
صورة لكنها غائمة وكأنه يسألها من أنا ؟؟ من أنا ؟
هو يراه خرابيش غير واضحة في مدادها وخجله يمنعه سؤالها
يخربشني تيها يصلبني مشققا في ندى الصبح ..
الآن يرشح صمتي قطرا في صوتك..
فمتى عرجتِ على جسدي ؟
ليصارحني خجلي ..
أنني ربما أكون أنت حين تأخذني حفنة من تيه مبتلة بالأغاني ..
ربما يكبر الحلم ونُسرع إلى الربيع المتجول فوق بساط الريح ..
تيه آخر يمتد في روح الشاعر يجعله باحثا عن ذاته فيها ، عن وجوده في وجودها نراه حائرا فيقول مستخدما كلمة [ربما] مرتين في سطرين متتاليين :
ربما أكون أنت ....
ربما يكبر الحلم
أمنية يسطرها على خجل يمتد به ويأخذه إلى الربيع المتجول فوق بساط الريح
ربيع وبساط ريح
أمل ينطلق ويأخذه إليها لكنه يستعجله وتتعبه هواجسه حين يقول :
يا لضمور الوقت حين يستلقي التعب على النهد !
هذا ممر اللقاح حين يهبط في الليل
,وقت لئيم يحاصره يسرع في تغليفه بالقلق حين يضيق عليه ويجعل الليل جاثما على صدره فينطلق إلى تساؤل آخر وشوق جديد إليها حتى يتمنى موج البحر مدادا لكلماته أو لونا يرسم به الحبيبة ، غير غائب صوتها عنه وترنمه به فهاهو للمرة الثالثة عنده يعود الصوت ليمثل عنده الوصل الذي لا يشبهه شيء بينه وبين الحبيبة
..
من يمنحني موج البحر مدادا، أرسم زهرتي على الأوراق العارية ؟
يا أنت أيها الجميل الأعذب !
كيف يبيت صوتك في فمي ؟
كيف ينتقل الأمس في يومي وغدي ؟
أسئلة تراكمت وتتالت تخللها نداء شفيف
من يمنحني موج البحر ؟
كيف يبيت صوتك في فمي ؟
كيف ينتقل الأمس في يومي ؟
كلها تأتي تغرس صورة الحبيبة وتغلغلها في روحه وصوتها الذي يملك في نفسه صوت الترانيم التي لا يطربه سواها وكأننا هنا وقد قاربنا على انتهاء النص نلمس هذا الخيط الرفيع بين البداية والنهاية حين يبدأ النص قائلا :
يا صانعة حدود الترانيم في بعضي !
ترانيم صوت مازال يلح عليه حتى بات صوتها يبيت في فمه هو ، صورة مركبة تعيد إلينا قوله : أنني ربما أكون أنت حين تأخذني حفنة من تيه مبتلة بالأغاني
,وتأتي الخاتمة برجاء شفيف ودعوة للأمل
وهنا نعود إلى ما بدأنا به الحديث عن قاسم في تيهه وقلقه وانتصار روح الأمل في حرفه وإن اشتد التيه أو الألم .
لم يأت كلامك اليوم، تأخر قليلا ،أو لعله كثيرا، أو ربما لا يأتي ..
فإن أتى لا تقولي وداعا ..
وابدئي مع قوافل القمر بساتين ..
واكتبي حكايا الجمر على براري الأثير .
يدعوها لتبدأ الحياة وإن كانت حكاياها من جمر ، يدعوها للكتابة على براري الأثير
يدعوها للانطلاق والحياة . ومتابعة السير في رحلة يراها تيها يريد بإصرار المحارب خوضه ودعوتها لمشاركته إياه وهنا يأخذنا قسرا إلى بداية التيه عنده في نصه ألأول وما جاء فيه من إصرار على الحياة والأمل :
سنروي ملامِحَ الغدِ ولنْ نعودَ خائبين ، سنعودُ سالمين نرسمُ اللونَ على أوراقِ الشجرِ.. سنعودُ حالمين باسمِ الأرضِ نلفُظُ الممنوعَ وإنْ قتلوا الحلم فينا.
*
*
سنلتقي هناك تحتَ ظِلالِ زيتونةٍ .. أو هناك على مَصطبةِ الرمل نعُبُّ الفضاءَ الفسيحَ ، وسنأكلُ التفاحةَ مرةً أخرى حتى نعودَ .
هذا هو التيه وهذا هو قاسم راسم الأمل عاشق اللحن وعازفه بحرف الأمل .
إطلالة على اللغة والصور
إن القارئ لنصوص قاسم جميعا حتى تلك التي نشرها في قسم الخاطرة إذا ما تتبع اللغة التي كانت هي الخام الذي شكل صوره سيجد فيها سمة تربطها جميعا يصدق عليها قولنا اللغة الخاصة .
قاموس خاص يختار منه ما يناسب التجربة العاطفية عنده ويمثل الوجع الاجتماعي
ليست هي اللغة البسيطة أو ما تسمى باللغة الواقعية بل هي ما تسمى باللغة الشعرية العليا تخترق المدلولات المباشرة إلى عمق خاص ليكون منها الصورة الرمزية الخاصة أيضا ففي نصه سجين ونافذة والذي عرضنا بدايته يقول:
يَتِيمَةٌ تِلكَ النَّافِذَةُ ، تَسرِقُهَا دُرُوبُ الشَّمسْ ..
أَتَنسَّمُ فِيهَا انطِلاقَ أَشرِعَتِي ،
حِينَ تُعَانِقُنِي عَتمَةُ الظَّلامِ ، لِتَختَبِئَ عَينَايَ فِي وَحيِ الإلهَامْ ..
وَأظَلُّ مُتّشِحاً بِفَضاءٍ مُغَرِّدٍ بِالحُرِّيّة ..
حِينَ يَمُرُّ القَمَرُ سَاخِراً , يُبهِرُ الحِيطَانَ المُغْمَضَةْ ،
بِتَنَهُّدَاتٍ عَلَى فَمِ الجِدَارِ المَملُوءِ بِالصُّرَاخْ ..
لَا أملكُ يداً تَمسَحُ دَمعَ النَّافِذَةْ
كم مرت علينا في مشاهد الأدب صورة مسح اليد لدمع اليتيم ، لكنها كانت صور ناقلة للواقع المرئي ، أما هنا فالصورة من نوع آخر ذات دلالة أخرى عبر عنها الشاعر بقدرة كبيرة على امتلاك ناصية الرمز حين قال لا أملك يدا تمسح دمع النافذة ، وكأن نافذته تشاطره هذا الألم وتبكي لألمه في سجنه مذكرة إيانا بصورة فرس عنترة حين صوّر التحام مشاعر الفارس بمشاعر فرسه فقال :
لو كان يعلم ما المحاورة اشتكى *** ولكان لو علم الكلام مكلمي
قال الرفاق حين شتتنا الظلام، كيفَ ننجو ؟
وعلى سطح كل مدينة قناصة أعمى ..
كيف ننجو وقد سكبوا على اللون ولادة الخوف ؟
ماتت العصافير الشفافة يا حبيبة !
وسكنت إناء البرتقال، وأشارت أن أُكتبني في وجه الشمس كي لا يخون الجسد ..
يا لعطر الليمون حين يثرثر في استنشاقي
لغة خاصة ، خاصة ، وصورة خرجت من إطار البعد الواحد تشكلت بحرفية صاغها بهذه المفردات
حين يسكب القناصة اللون على ولادة الخوف
وماتت العصافير الشفافة
وثرثرة الليمون في استنشاقه
صور امتلك صاحبها ناصية بيانها تسير في وجدان القارئ بصورة خاصة تفتح مدى مطلقا على الخيال ورسم المعنى ، أكاد أجزم أن لكل قارئ سيكون فهم خاص وخيال خاص لكنه مع ذلك لن يخرج عن إحساسه الذي سيشارك فيه الشاعر ترنيمة الألم من ذلك الموت الذي اقتنص الوطن وحرمه تغريد عصافير البراءة حتى جعلته يتساءل أين النجاة والموت في وطنه متربص يقتنص الفرح ويقتل الأمل .
نعم نشاطر الشاعر الإحساس وسيذهلنا في لغته الخاصة قدرتها على ابتكار الصورة الحديثة الخارجة عن سلطان المألوف.
فالزيتون عنده جالس على أوراق ناشفة ،
وهو يلاعب مخالب البحر
والساقية عنده تتراقص فوق الطحلب
والصور تهز شموخ الماء
يدور في ظلال السقف الأسود ويكتب تاريخ ميلاد الميت على جدائل الكلام
يبحث عن طفولته المعلقة على جناح يمامة لا تطير ، حاملا برج الوقت على جسده .
وها نحن نبحث عنه بين صور حرفه .
هذا هو قاسم ، وهذا هو الحرف الذي استمد لحنه من صوت يترنم به وأرض وإن أرهقه منها الوجع لم ينس أشلاء صورتها الممزقة على طرقات انتفض فيها المر مع جرجرةِ الأقدام الحافية وصُررِ المَلابِس .. والنساءِ المَعجُوناتِ بِلحمِ أطفَالهنّ .. والزيتونِ الجالس عَلى أوراقٍ نَاشِفة.. وفِي الذّاكِرة وجعُ الحِكَاية .. وَطينُ القَرية.. يُحدثه ..
تحياتي وكبير احترامي للشاعر ولكل من مر من هنا
تعليق