محطات نقدية / حول قصيدة النثر لهيثم ريماوي

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • صادق حمزة منذر
    الأخطل الأخير
    مدير لجنة التنظيم والإدارة
    • 12-11-2009
    • 2944

    محطات نقدية / حول قصيدة النثر لهيثم ريماوي

    حول قصيدة النثر
    للشاعر والناقد هيثم الريماوي
    مقدمة

    أعتقد أن قصيدة النثر محاولة جريئة ,,,على طريق إضاءة شاعرية الكتابة ,,,والتي كان لها بذورها القديمة ,,وفي كتابات المتصوفة تحديداً ,,وما القول عن استيراد الفكرة بأولية الكتابة (كرامبو وبودلير) أو التنظير لها ( غربا) هو -في رأيي - قول قاصر ,, والواقع أن قصيدة النثر كانت ستظهر في الأوساط العربية عاجلاً أم آجلاً بتأثر أو بدونه ..أعتقد أن قصيدة النثر هي خطوة متقدمة على النمط الحر الذي راوح خجولاً حول الموزون باعتباره تأصيلاً ...ولا أرى أن هنالك تناقضاً في التسمية (قصيدة النثر) , إذا علمنا ان مصطلح نثر هنا اتخذ معنى اصطلاحي أوسع بكثير من المدلول المعجمي للكلمة, في الواقع هو دال على ثورية الفكرة في مقابل الموزون باعتباره تأصيلاً لا يمكن الخروج عنه
    أعتقد أن اتهام قصيدة النثر بأنها دخيلة ومحاولة تغريبية لتهديم التراث هو قول غير واعي ويحتاج إلى كثير من الدلالات لأثبات وجهة نظره إذا علمنا أن الدلالة المنطقية تقتتضي بالتأثر الزماني والمكاني ,,,وأبسط مثال على ذلك أن أغراض الشعر الآن –مثلاً- خرجت كثيرا عن (المدح ,الرثاء, الهجاء, الغزل, الفخر..الخ) لأن الهم الإنساني وتناقضاته الذي يحمله شاعر الآن , مختلف تمام الإختلاف عن ما كان يحمله عنترة , امروء القيس , أو المتنبي مثلاً ,,,وتلك القاعدة المنطقية تنسحب تماماً على شكل الكتابة المغايرة أيضا,, ولايعني الإختلاف الخلاف بالضرورة ,,,,حيث لا تحتم عليّ الضرورة المنطقية أن أكتب بطريقة المتنبي لكي أقول أنه قامة عالية جدا
    -إضاءة حول شرعية النشوء...**
    وصف لارتباط الشعر بالمحيط البيئي1
    الشعر بصفة عامة وليس من حيث التعريف ,,,-أي الحد الادنى الذي يمكن أن نتفق عليه جميعاً-هو تعبير أنساني/جمالي عبر وعاء اللغة عن رؤية و/أو رأي الشاعر عن البيئي الذي حوله
    ...والبيئي يتمثل في كل ما هو حول الشاعر..كالواقع السياسي..النفسي..الاقتصادي.. الاجتماعي ..العلاقة بالآخر ..الطبيعة..الخ..إذن –إذا افترضنا اتفاقنا على ما تقدم- يكون الشعر كأي بنية كلامية له شقين المعنى (الرؤية الجمالية المتشكلة في ذهن الشاعر عن المثال في أرض الواقع) والشكل (الصياغة اللفظية التي تعبر عن تلك الرؤية الجمالية وتوصلها للمتلقي )..والاستنتاج المنطقي الأولي لهكذا توصيف أنه إذا تغير المحيط البيئي حول الشاعر أو تغيرت رؤية هذا الشاعر للمحيط البيئي ستتغير طرائق التعبير بالضرورة ...ولو أخذنا الصفات البيئية العامة التي خرج منها الشعر العمودي ...سنجد العربي المعتز بفصاحته..وكرامته ..وشهامته..وكرمه..وقبل كل ذلك قوته...وكل ذلك ضمن الطبيعة / الصحراء وأشيائها فكان طبيعياً ..أن الشعر يستند أساسا على المعجم اللفظي الهائل للغة العربية في علاقاتها الخطية المباشرة من الدال إلى المدلول و ضمن سياق ذو نظام تركيبي ثابت تقريبا يتصف بتوالي متساوي تقريبا للدفقات الشعرية المنتهية بقافية مما يجعل الموسيقى الخارجية عالية صاخبة وحتى في طريقة الإلقاء المنسجم كثيرا مع اعتزازه بقوته والمنسجم مع بيئته القاسية , فاعتبار القصيدة قوية أو ضعيفة عموماً كان مرهونا بمدى حسن اختيار ألفاظها ومدى انسجامه مع الوزن والقافية وجاءت هنالك مصطلحات نقدية تتلاءم مع ذلك ( الزحاف ,العلة, التصريع , الوصل , الخروج...الخ)..
    العروض ..نظرة توصيفيه وليست تأصيليه2
    وجاء بعد ذلك الفذ الخليل الفراهيدي يضع توصيفاً دقيقا للشكل الشعري بعبقرية غير مسبوقة
    أن ما فعله الخليل لا يعادل ما اكتشفه أرخميدس أو فيثاغورس أو بلانك أوغيرهم...بل ما قام به أكثر بكثير لأن المتغيرات التي تحكم التجربة الإنسانية معقدة كمّاً ونوعاً ..أكثر بكثير من المتغيرات التي تحكم التجربة العلمية البحتة ...هذا حقيقي لقد احتاج عمل الفراهيدي لوضع كم هائل من النتاج الشعري في عصره تحت مجهر الدراسة على صعيد البحث الشكلي....حتى خرج بتلك النتائج المبهرة ....ولكن علينا أن نشير هنا إلى نقطة مهمة جداً فارقة بين الدراسات في المجال الإنساني والعلوم البحتة ...وهو أن سلوك الإنسان بطبيعته التكيفية مع البيئة المحيطة وقدرته على التأثر والتأثير يختلف كثيرا عن سلوك المادة الثابت تقريباً....لذلك فإن المتعلق بسلوك الإنسان وطرائق تعبيره هو نظريات قابلة للتغير والتطور والتعدد أيضاً ...بخلاف ما يتعلق بالعلوم البحتة التي تحكمها قوانين ثابتة تقريبا ...لهذا تحديداً لا أرى أن ما جاء به الخليل هو تأصيلاً ...أو قانوناً ثابتاً لا يمكن الخروج عنه ..بغض النظر عن طرائق هذا الخروج...وهذا ليس إنقاصاً من عبقريته وعلو ما جاء ...وإنما هو في اعتقادي فهم لطبيعة ما يتعلق بالإنساني واعتقد ما جاء بعد ذلك من أوزان غير الخليلية كان مثلا على ذلك الفهم حتى وإن لم يكن ذلك خروجاً جذرياً وإنما هو خروج في كل الأحوال .....لقد صنف الخليل الكثير الكثير من القصائد التي لم تتفق تماما مع أوزانه وأسماها المهملات ولكن لم يخرجها من حظيرة الشعر .....هذا- في رأيي- إشارة بالغة الوضوح بأن ما قام به الخليل هو استقراء إحصائي يعبر عن أشكال التعبير الشعري الأكثر شيوعاً في ذلك الوقت وليس أكثر من ذلك
    ..3 نقاط حول شرعية تطور الشعر خارج أوزان الخليل
    ..لقد جاء عروض الخليل بعد أكثر من 300 سنة من الكتابة ..كان فيها الكثير, الكثير من الأنساق الوزنية تم اختيار الأكثرها شيوعا – إحصائيا- والأكثر الباقي تم إهماله من الدوائر العروضية ,,ولكن بقي ضمن حظيرة الشعر ...مما يدل بوضوح على أن القضية توصيف إحصائي وليس تأصيلي ...وقابل لتغير والتطور جزئيا أو كليا...كالموشحات والموليا والدوبيت وشعر التفعيلة ..وقصيدة النثر


    يقول ابن سنان الخفاجي عن تعريف الشعر : (( هو التأليف الذي يشهد الذوق بصحته أو العروض. أما الذوق فلأمر يرجع إلى الحس، وأما العروض فلأنه قد حصر فيه جميع ما عملت العرب عليه من الأوزان، فمتى عمل الشاعر شيئا لا يشهد بصحته الذوق و كانت العرب قد عملت مثله جاز له ذلك... والذوق مقدم على العروض. فكل ما صح فيه لم يلتفت إلى العروض في جوازه)) وتلك إشارة أخرى واضحة على الدور التوصيفي للعروض وليس التأصيلي

    يرى الدكتور كمال أبو ديب في طرحه الجديد كبديل عن عروض الخليل أن الوحدات الأساسية تعتمد عليها تشكيلات الشعر العربي القديم هي نظام متتابع يتكون من"نواه" ثنائية أو ثلاثية وهي "فا" و"علن" أو"علن"و"فا". أي"سبب خفيف" و"وتد مجموع" و أحياناً نواة رباعية هي "علتن" مدعياً أن هذا النظام يسهل التوصيف ويحل قضايا شائكة كالزحاف والعلة ...بالقول أن الاستناد على التفعيلات الكبيرة يظهر إلى السطح تعقيدات كبيرة في التوصيف وتحديد كبير للرتابة الشكلية وبتالي إسقاط الكثير بدعوى عدم التوافق ...بالاستناد على هكذا توصيف يمكن للتشكيلات الشعرية أن تكون فائقة التعدد ...لأنه عوضاً عن الدوائر المغلقة يتم الاستناد إلى النوى الأكثر تحرراً تشكيلياً أمثال...

    ...علن فا علن فا فا
    ... علن فا فا علن فا فا
    ....علن فا فا فا فا علن فا ......الخ
    وتدعي هذه النظرة أن الموزون يمكن أن يكون أكثر تحرراً ..وان الكثير مما يعتبره البعض كسراً في الوزن هو حقيقةً تنويع إيقاعي

    إن هذه الوقفات وغيرها تدلل بوضوح – في رأيي – على مشروعية بل ومنطقية تطور التعبير الإيقاعي شعرياً/جمالياً ....وتدلل على أن الوزن الخليلي ليس أبداً شرطاً للشعري
    الاعتراضات على قصيدة النثر
    ,واستناداً على ما تقدم يكون -في رأيي-..الهجوم الهائل على قصيدة النثر حيث يرى الكثيرون أنها محاولة تغريبية بدعوى الحداثة ..و أنها ضد الموروث..بل وأكثر من ذلك بأنها محاولة لتهديم التراث ,هي أقوال غير دقيقة لأن هذه النظرة أساساً تعتمد على اعتبار لا شعر بدون وزن ..أي اعتبار الوزن شرط الشعر
    .
    -تسجيلات تاريخية حول بدايات قصيدة النثر
    (التأثر بكتابات المتصوفة ( النفري الحلاج1
    لقد جاءت كتابات المتصوفة تعبيرا عن ثورة فكرية فلسفية عارمة ضمن أسلوبية خاصة جداً تمتاز بشاعرية اللغة ,,,والتكثيف الأقصى... وأعتقد أن هنالك أسباب عديدة لعدم الاهتمام بهذه الكتابات جماليا إلا حديثا,,,أهمها الإعتبرات الأيدولوجية ....لقد كانت خطوة ابتدائية مميزة وفارقة على طريق إضاءة الكتابة الشعرية منها تحديدا بلا شك ....ولكني لا أعتقد أن هذه الكتابات يمكن تجنيسها ضمن قصيدة النثر لاعتبار مهم جدا أنها كانت جوهريا تهتم بالفكري أولا وأخيرا وليس الجمالي ....لقد اهتم الغرب كثيرا بكتابات المتصوفة وتحديدا ((المواقف والمخاطبات )) لنفّري و ((الطواسين )) للحلاج عبر ترجمات المستشرقين ..واعتقد أنها أثرت كثيرا في الشكل الكتابي الحديث وظهور وتطور قصيدة النثر ..تقول العبارة الشهيرة للنفّري ((إذا اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة)) أعتقد أن هذا تحديداً ما تريد أن تقوله قصيدة النثر ...يقول أدونيس عن المواقف والمخاطبات ....(( يضيء الكتابة العربية الحديثة والكتابة إطلاقاً… الفكر هنا شعر خالص والشعر فكر خالص)) اسمحوا لي بإقتباسين كمثال على ما ندعي هنا ..


    النفري .....المواقف والمخاطبات

    موقف البحر
    أوقفني في البحر فرأيت المراكب تغرق والألواح تسلم، ثم غرقت الألواح، وقال لي لا يسلم من ركب.
    وقال لي خاطر من ألقى نفسه ولم يركب.
    وقال لي هلك من ركب وما خاطر.
    وقال لي في المخاطرة جزء من النجاة، وجاء الموج ورفع ما تحته وساح على الساحل.
    وقال لي ظاهر البحر ضوء لا يبلغ، وقعرة ظلمه لا تمكن، وبينهما حيتان لا تستأمن.
    وقال لي لا تركب البحر فأحجبك بالآلة، ولا تلق نفسك فيه فأحجبك به.
    وقال لي في البحر حدود أيها يقلك.
    وقال لي إذا وهبت نفسك للبحر فغرقت فيه كنت كدابة من دوابه.
    وقال لي غششتك إن دللتك على سواي.
    وقال لي إن هلكت في سواي كنت لما هلكت فيه.
    وقال لي الدنيا لمن صرفته عنها وصرفتها عنه، والآخرة لمن أقبلت بها إليه وأقبلت به علي.


    الحلاج...الطواسين


    قال لَهُ "لاتسجد؟ يا أيُّها المهين! " قال "مُحِبّ ، والمحِبُّ مَهِينُ ، إنَّك تقول "مَهين" ، وأنا قرأتُ فى كتابٍ مُبين ، ما يجر علىَّ يا ذا القوَّةِ المتين ، كَيْفَ أذل لَهُ وقد خَلَقْتَنِى مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طينٍ، وهُما ضِدَّان لايتوافقان ، وإنِّى فى الخدمَةِ أَقْدَم، وفى الفَضْلِ أَعظَم، وفى العِلْم أَعْلَم ، وفى العمر أَتَمُّ " . قال لَهُ الحقُّ ، سُبحَانهُ "الاختيار لِىَ ، لا لَكَ " قال " الاختياراتُ كُلُّها واختيارى لَكَ ، قد اختَرْتَ لى يا بديع ، وانْ مَنَعْتَنى عن سجودِهِ فأَنْتَ المنيع، وإن أخطأتُ فى المقال فلا تهجرنى فأَنْتَ السميع ، وإن أَردّتَ أن اسجدَ لَهُ فأنا المطيِع ، لا أَعْرِفُ فى العارفين أَعْرف بك مِنىِّ ....
    التأثير الغربي
    ظهرت قصيدة النثر في الأوساط الفرنسية مبكراً جدا في منتصف القرن التاسع عشر,وأهم من أسهم في تشكيل هذا النموذج الشعري في تلك المرحلة هو الشاعر الفرنسي بودلير جاء بعده الكثير ممن كتبوا قصيدة النثر أمثال :رامبو,وبريتون وتابعت الحركة النقدية ذلك بشغف..وتأثرت الأوساط العربية بذلك عبر الترجمات لاحقاً
    جبران خليل جبران
    كان جبران من أوائل من ساهموا في أوائل القرن العشرين بكسر الحدود بين الشعري والنثري
    عبر مقولته المشهورة إن الوزن والقافية قيدان على الإبداع، وأنا بنفسي سوف أبدأ في التخلص من هذه القيود، وأكتب شعرًا يلائم الواقع الذي أعيش ..فظهر ما سمي النثر الشعري الرومنسي ..والشعر المنثور
    نواة قصيدة النثر الأولي -أدونيس- محمد الماغوط-سنية صالح-أنسي الحاج
    يرى أدونيس ذلك الباحث الكبير أنه الرائد الأول لقصيدة النثر في العالم العربي والمبشر الأول لها عبر مجلة شعر..وبل والمسمي الأول لها عربيا ً..عبر إطلاق تسمية قصيدة النثر لأول مرة في مجلة شعر عام 1960نقلاً عن الترجمات الفرنسية ..وهو الذي حث أنسي الحاج على كتابة قصيدة النثر الذي أصبح لاحقا في نظر الكثيرين الرائد الأول لقصيدة النثر وهو صاحب الديوان الشهير (خواتم)...وشكلوا مع محمد الماغوط وزوجته سنية صالح النواة الأولى لقصيدة النثر في الوطن العربي وعبر مجلة شعر..منذ مطلع الستينيات
    -حول التعريفات لقصيدة النثر

    سوزان برنار
    أنَّ قصيدة النثر هي:قطعة نثر موجزة بما فيه الكفاية، موحّدة، مضغوطة، كقطعة من بلّور…خلق حرّ، ليس له من ضرورة غير رغبة المؤلف في البناء خارجاً عن كلّ تحديد، وشيء مضطرب، إيحاءاته لا نهائية

    أدونيس
    كلمات عادية مشحونة بطاقة غامضة ـ شكل يجري فيه الشعر كتيار كهربائي عبر جمل وتراكيب لا وزن لها ظاهريا، ولا عروض ـ عالم متشابك كثيف مجهول غير واضح المعالم
    أنسي الحاج
    تكون قصيدة النثر قصيدة حقاً لا قطعة نثر فنية، أو محملة بالشعر، شروط ثلاثة: الإيجاز والتوهج والمجانية....وهذا يعني بشكل عام ضرورة التكثيف الرؤيوي والابتعاد عن السطحية المباشرة أو الاستطراد التوضيحي
    -مفهوم الانزياح في قصيدة النثر
    حول مفهوم الانزياح


    الانزياح بمعناه الواسع موجود , منذ وجود الصورة الشعرية في الكلاسكيات القديمة ,,بمعنى أن أي لفظة تبتعد عن معناها المباشر تحقق الانزياح , وعلينا أن نعترف ان ذلك يمكن له أن يتحقق أيضاً في السرديات الخطابية المحضة , كقولنا أننا بحاجة لفصل قصيدة النثر عن الخاطرة حتى وإن حققت تلك الأخيرة جزء من الانزياح ..يمكننا هنا أن نستنتج منطقيا ونحن مطمئنين أن الانزياح شرط للشعر وليس سبباً يؤدي إلى الشعري بالضرورة ,, أي أن كل شعر لابدّ له أن يحقق الانزياح ,,ولكن ليس كل انزياح هو بالضرورة شعراً.

    أعتقد أن ظهور المصطلح كلبنة أساسية في بينة قصيدة النثر بالرغم من أسبقية حدوثه في كل أنماط الشعر على المستوى التصويري , مرده أن قصيدة النثر بتركيبها العضوي المتخلي عن الموسيقى الخارجية , اتجهت من الخارج الممثل بالغنائية والعلاقات الكلامية المباشرة إلى الداخل الممثل بالموسيقى الداخلية والعلاقات الكلامية غائرة العمق وبالتالي ظهور مفهوم الانزياح كركيزة هامة في بنية قصيدة النثر

    أعتقد أن الشاعرية ترتكز أساساً على استكشاف علاقات بين الأشياء حولنا لا تراها إلا عين الشاعر الذي يضعها ضمن تركيب تصويري قد يكون له حدود معرفية ولكن ليس بالضرورة , وإنما قد يحقق أبعاد شعورية محضة تماما كالموسيقي التي تعكس على المتلقي بعدا شعورياً لا معرفياً , ولا أدعي هنا أني مع اللامعنى وإنما أدعي أنه يمكن للألفاظ ضمن التركيب التصويري أن تحقق انزياح شعوري مكملا للانزياح المعنوي الذي تحققه الصورة ككل ,,يقول محمود درويش مثلا
    فالبحر أبيض والسماء))
    قصيدتي بيضاء , والتمساح أبيض
    والهواء
    وفكرتي بيضاء
    كلب البحر أبيض))
    لا أعتقد أن هنالك علاقة منطقية معرفية جعلت محمود درويش يذكر ..البحر , السماء, القصيدة , التمساح, الهواء, الفكرة , كلب البحر....معا في ذات الصورة , وأنما جاء التعداد بمنتهى البراعة والشاعرية ليقول أن صفة البياض التصقت بكل شيء

    لا أعتقد أن الغموض أو الوضوح في الصورة الشعرية له علاقة طردية أو عكسية مع الانزياح وإنما يتحقق الانزياح بتحقق تعدد مستويات الفهم والشعور عند المتلقين على اختلافاتهم الثقافية والتذوقية وليس لذلك علاقة بوضوح الصورة أو غموضها
    يقول عنترة (( وإن كنت في عدد العبيد فهمتي فوق الثرّيا والسماك الأعزل
    يقول محمود درويش (( كل أرض الله روما يا غريب الدار))
    يقول محمد الماغوط(( عكازك الذي تتكئ به على الرصيف يوجع الرصيف))
    أعتقد أن الانزياح تحقق على اختلاف الوضوح والغموض في الصور أعلاه

    المباشرة ضد الانزياح في قصيدة النثر

    يخلط الكثير بين البساطة أسلوبياً ,,التي تحتاج فيما اعتقد لدراية كبيرة وواعية –في مجال الشعر-و إلى حس شعري رفيع وبين المباشر الصارخ ,,فيتجه من حيث يدري أو لا يدري إلى ما هو ضد الانزياح والذي هو من أهم ركائز قصيدة النثر..بدعوى الابتعاد عن الغموض والتعقيد ,,,,ويجعل العلاقة سطحية خطية بين المبنى/المعنى بمباشرة ووضوح قاسي ...
    إن أهم ما تحتاجه الصورة الشعرية هو التخييل..أي استكشاف علاقات جديدة بين الأشياء كما يراها الشاعر ..وحسن السبك في مدى إظهار جمالية هذه العلاقات هو ما يحقق الشعري /الجمالي أكثر...و يحقق بالضرورة الانزياح –الذي تم التحدث عنه سابقاً,,,ولا علاقة لذلك لا من قريب ولا من بعيد بالوضوح أو الغموض..تلك مسألة أسلوبية ومنطقة أخرى للحديث...وبعيدا عن التخييل شعرياً ..سنجد الجمل العادية الخبرية التي لا علاقة لها بالشعر...كأن أقول ::ركبت في الباص أو مثلا نزلت من الباص....
    أعتقد أن الشعر عموماً وقصيدة النثر خصوصاً ...هي حالة رؤيوية خاصّة تنقل للمتلقي المعنى واحساس الكاتب به ..فلا يكفي –شعراً- أن أصف وردة-مثلا- وإنما علي أن أضع المتلقي في حالة تشبه ما أشعر به إذا رأيتها أو شممتها ...وهذا –تحديدا- ما تقتله المباشرة فهي تؤدي الغرض الوصفي فقط..وليس أكثر من ذلك..فتنعكس صورة مشوهة..غير ناضجة إذا وضعناها في حظيرة الشعر...والجدير ذكره أن اللامباشرة ليست شعراً بالضرورة فهنالك سرديات محضة وذات كثافة عالية جداً

    السرد و قصيدة النثر
    السرد لغةً هو تعاقب الكلام ضمن سياق مترابط ..وبهذا المعنى لن يكون السرد إطلاقاً ضد الشعر..لأن تعاقب الكلام ترابطياً لا يعني بالضرورة التسطح فتعاقب التصوير الشعري المتصل لن يمنع أن يكون التصوير رؤيوي كثيف..كما أن التدفق المتقطع لا يمنعه أيضاً...مما يعني أن السرد في قصيدة النثر غير متعلق بالسطحي أو الكثيف ..قد يكون هذا وقد يكون هذا وقد يكون ذاك
    -مفهوم الإيقاع..في قصيدة النثر
    حول الإيقاع

    لقد كتب الكثير في هذا الموضوع ولكنه مازال –في رأيي- بعيدا عن الحسم لتشعب الموضوع وزئبقيته ...وما الوارد هنا سوى مدخل رؤيوي متواضع

    أعتقد أن هنالك مفاصل اصطلاحية مهمة يجب الولوج في ثناياها عند الحديث عن الإيقاع في قصيدة النثر ومحاولة رصدها مهفوميا وعلاقاتها التأثيرية والتأثرية – رغم التورط الكبير والشائك عن الدخول - وهي الوزن والشعر والجمال ...
    .......فيما يتعلق بالوزن أعتقد أن القضية أوضح استنادا إلى اعتباره منظومة الساكن والمتحرك لفظاً التي عبّر عنها الخليل بالعروض ووضع تشكيلاته المحددة و اسماها بحور الشعر عددها 16- بافتراض الخبب مضموما - ورفض غيرها باعتبارها إحصائيا جلّ التشكيلات التي قال العرب على نسقها الشعر ....أما فيما يتعلق بالشعر والجمال فأعتقد أن الموضوع أكثر تعقيداً ...وهذا ينسحب على الإيقاع أيضا ..فالموضوع هنا يتعلق بالحس/التذوق أكثر من تعلقه بالفهم ..ولا اعتقد أن هنالك من قدّم تعريفات وافية شافية لهكذا مصطلحات بدأً من أفلاطون وحتى اللحظة ...ولكن ولافتراض نقطة ابتدائية للولوج هنا ...افترض أن الإيقاع بمفهومه الواسع هو أثر الحركة وبما أن الكون المنظور تلازمه الحركة اتصافا ضرورياً فإن الإيقاع هو اتصافٌ ضروريٌ لكل الأشياء في المستوى المنظور / الفيزيقي وباعتبار طرائق التعبير هي ترميز للمتصف فيزيقياً بالإيقاع فهي إيقاعية بالضرورة لأنها تعبير عن الإيقاعي وترميزاً له ...بهذا فإن التوصيف الإيقاعي هو ضرورة للمنظور /الفيزيقي ولما وراء المنظور/الميتافيزيقي ... والسؤال الأهم -في رأيي- متى تشكل ومتى لا تشكل المنظومة الإيقاعية الشعري و/أو الجمالي؟ إذا استطعنا أن نحدد ذلك استطعنا تناول هكذا مصطلحات بالتعريف...ولكن – وبافتراض صحة ما تقدم - يمكن تضييق الخناق على زئبقية هذه المصطلحات باستنتاج أن الشعري والجمالي هما نتاج إيقاع ما أو علاقة جدلية بين مجموعة إيقاعات محددة ...ولكي لا يقال عن هذا الجهد بأنه تفسير للماء بالماء ...نفترض أولاً – لتبسيط- أن الجمالي أحد صفات الشعري . يتحقق بتحققه – مع تأكيد تحققه بطرائق أخرى طبعاً- يمكن لنا البدء بأكثر التشكيلات الإيقاعية وضوحاً وهو الوزن والسؤال –تقليدياً – هل هو شرط للشعري أم لا من باب الإيقاع؟ وربما السؤال الأكثر تطرفاً , هل تعمد الأنساق الوزنية يفسد الشعري أم لا
    .... اعتقد انه كان من الطبيعي تغير طرائق التعبير عند تغير الهم المُعبر عنه ... لا انتقادا أو تقليلاً من الماضي وإنما انسجاماً مع الواقع المُعبر عنه ..عبر توظيف منظمومات إيقاعية تقول الشعري/الجمالي لا ضمن الرتيب الخطي وإنما ضمن الفوضوي المركب ...لتبدأ الغنائية بالتراجع أمام الدفق الإيقاعي الممثل بتفجير كثافة المعنى وكمدخل لتوضيح تطور الشعر بشقيه المبنى والمعنى يمكن القول:

    هنالك الكثير من المنظومات لها جملة من التراتيب المجردة تبقى ثابتة ليس بسبب القداسة وإنما لانتفاء العلاقة المنطقية بينها وبين الواقع البيئي وبالتالي لا تستجيب لتغيراته كاللغة و دارسوا علم اللغة واللسانيات يعلمون ذلك تماماً...يرى سوسير ((مثلاً)) أن الوحدات الأساسية للغة (الألفاظ) من حيث النشوء , هي رموز وجدت اعتباطياً في شكلها ورسمها للدلالة على مثال ما في الواقع ,كما أن الاشتراطات الأساسية لرصف الجملة أيضا حالها كذلك كما هو النحو في اللغة العربية , فمثلاً لا توجد أي علاقة منطقية تربط لفظة شجرة برسمها وصفتها التأنيثية مع الشجرة المثال في أرض الواقع وبالتالي مهما تغير المفهوم أو تبدل..أو تطورت الزراعة ..الخ.,,,لن يتغير حال اللفظة لأنها لا علاقة لها بتلك التغيرات ,,وأيضا-على سبيل المثال- كون الفاعل مرفوعاً وعلامة رفعه الضمة للمفرد والألف للمثنى والواو لجمع المذكر السالم لا علاقة له منطقياً بكون الفاعل على أرض الواقع إذا تأكيدا لن تتغير هذه التراتيب بتغير المفهوم ...ولكن هنالك قضايا أخرى في اللغة مرتبطة بشكل حثيث مع الواقع تتغير وتتبدل وتتطور تبعاً له ,,,مع التأكيد أن التطور ليس بالضرورة إيجابياً,,,مثلا مع تطور التكنولوجيا والتعقد البيئي تظهر على الدوام مصطلحات وألفاظ جديدة لم تكن موجودة أصلاً كالحوسبة والعولمة أو ألفاظ كالتلفاز أو المذياع أو الشبكة العنكبوتية ..الخ,,,وأيضا هناك قضية مهمة جدا-في رأيي- أن التغير البيئي يؤدي إلى تغير المفاهيم الموجودة أصلاً أو على الأقل تغير فهمنا للواقع المثال...على سبيل المثال ..الحرب كما يفهمها إنسان العصر الحديث تختلف كثيرا عن الحرب إنسان العصر الجاهلي وذلك بسبب التغيرات السياسية..ظهور الاستعمار ..التقسيمات السياسية..ثورات الشعوب...حرب العصابات..حرب الاستنزاف..الحرب الباردة...تعمق مفهوم الوطن والمواطنة..الخ كل ذلك يؤثر بشكل كبير على رؤية شاعر الحاضر وفهمه للألفاظ عن شاعر القديم ..وبالتي طرق استحضاره للفظة شعرياً وربطها عبر التصوير الشعري وهذا منطقي جداً
    مثلاً يقول محمود درويش
    (( وأمي لم تكن إلا لأمي
    خصرها بحرٌ , ذراعاها ساحبٌ يابسٌ
    ونعاسها مطرٌ وناي))
    لا أعتقد أننا سنجد هكذا مقاربة في الشعر القديم الأم/الوطن- الخصر/البحر-الذراع/السحاب-النعاس/المطر والناي ...ليس من باب المقارنة وإنما لتأكيد أن فهم شاعر الآن لمدلولات الألفاظ هو مختلف وبالتالي طرق تناوله لها عبر التصوير الشعري سيكون مختلف بالتأكيد.....
    وأما فيما يخص الموسيقي /الإيقاعي و بالرغم من أن الموضوع شائك أكثر إلا أني أعتقد كثيراً أن المنطقية السابقة ذاتها تنسحب هنا ,,,بل هما صنوان لا ينفصلان ...فكما التركيب التصويري كان مغايراً عبر الاستخدام للفظي المغاير...سيتبع ذلك بالضرورة تغاير الإيقاعي الشكلي..لأنه ناتج عنه...وبالتالي الشكلي الجاهز-مع أن الكثير ربما يعترض هنا- لن يحقق بالضرورة التصويري المغاير ..لأن الإيقاعي /الموسيقي يتبع اللفظي المتأتي من الذهني المتصور عند الشاعر عن الواقع/المثال المحيط وليس العكس ..ومن هنا تحديدا كانت جاهزية القالب قيد كما يقول جبران خليل جبران ...وليس للأمر علاقة ببراعة الشاعر أم لا ..واسمحوا لي بمثال صغير علّي أظفر بتقريب ما أدعيه من وجهة نظر , يقول عمرو بن كلثوم :
    تريك إذ دخلت على خلاءٍ , وقد أمنت عيون الكاشحينا
    ذراعي عيْطلٍ إدماءَ بكرٍ , هجانِ اللون لم تقرأ جنينا



    ويقول أحمد شوقي:
    يا جارة الوادي طربت وعادني , ما يشبه الأحلام من ذكراك
    مثلت في الذكرى هواك وفي الكرى, والذكريات صدى السنين الحاكي
    نرى إن ما يقوله احمد شوقي يختلف كثيرا عما يقوله عمرو بن كلثوم وقريب أكثر لنا من حيث اختيار الألفاظ...ورقة التصوير فالبيئة التي يعبر عنها عمرو بن كلثوم تختلف كثيرا عن البيئة التي يعبر عنها أحمد شوقي وهي أقرب من تلك وليس الموضع هنا موضوع مقارنة ..لأنا تأكيداً لن تذوق ما قاله عمرو بن كلثوم كما تذوقه من عاش في تلك الفترة ولو قيلت هذه الأبيات ذاتها من شاعر في وقتنا الحالي تأكيداً لن تلق ذاك الصدى المرموق كما حدث عندما قالها عمرو وفي تلك الفترة ...وأضيف أيضاً لما تقدم أن العربي في تلك الفترة بظروفه البيئية كان يعتز بفصاحته..يفتخر بنسبه ..بكرمه..شهامته..وأساساً قوته-كما ذكر سابقا-.فكان النسق الرتيب في صف الصور الشعرية بأطوال محددة منتهية بقافية منسجما كثيرا مع ما يعتز به وما يريد إبرازه...فكانت الموسيقى العالية والصخب والقوة في الإلقاء جهراً منسجما مع ذلك أيضا...ونلاحظ أن ما قاله شوقي يختلف كثيراً من حيث التصوير ..ولكنه ينهج نفس النهج من حيث طول الدفقة التصويرية ونهايتها بالقافية وتوالي ذلك على طول النص..على اختلاف وزني النصين إلا أن النسق والموسيقى الخارجية العالية طول التصوير الرتيب كان واحد.....وهذا طبعا ليس إدعاء بتقليل جمال النصين وإنما ادعاء بأن الأنساق واحدة رغم الاختلاف البيئي ...

    - فيما يتعلق بمقومات الإيقاعي وأوصافه ..أعترف بأنه-بحسب قراءتي المتواضعة- ليس هناك اهتمام حقيقي بهذا الموضوع على المستوى النقدي إلا من بعض الدراسات القليلة جداً..وأعتقد أن الموضوع طويل جداً وطازج...ويحتاج إلى همة أهل النقد والباحثين

    - فيما يتعلق بصلة الإيقاعي بالموزون أعتقد بأن هذا صحيح جداً.. وخصوصاً في شعر التفعيلة .. حيث أن الوزن هو جزء من الإيقاع أصلا ... ولكنه في رأيي غير مستغل كثيراً...والدراسات عليه قليلة...رغم الحديث الطويل في هذا الموضوع......

    - وأيضاً في هذا المقام أسمحوا لي أن أدعي –في رأيي – أن أحد أهم مميزات المشروع الشعري للشاعر الكبير محمود درويش ..واحد أهم أسباب تربع هذا الشاعر على عرش الشعر...هو التنويع الفذ للإيقاع واستثماره كثيراً...وأعترف هنا..أنه حلم كبير هو دراسة المشروع الشعري للكبير درويش إيقاعياً....واسمحوا لي بمثال بسيط...

    يقول درويش في قصيدة مديح الظل العالي..ضمن مقطع يدعو فيه للصمود...

    حاصر حصارك لا مفرُّ
    سقطت ذراعك فالتقطها
    واضرب عدوك لا مفرُّ
    وسقطتُ قربك فالتقطني
    واضرب عدوك بي
    فأنت الآن حرُّ
    حرٌٌّ وحرُّ
    قتلاك أو جرحاك فيك ذخيرة
    فاضرب بها اضرب عدوك لا مفرُّ

    إن كثرة أفعال الأمر,قصر الجمل الشعرية والتدفقات, قافية الراء المتكررة كثيراً جعلت المقطع صاخب جدا سريع الإيقاع..منسجم كثيراً مع فكرة الدعوة للصمود....
    ونجد في نفس القصيدة مقطع أخر عن توصيف مجزرة مخيم صبرا , فقول:

    صبرا فتاةٌ نائمة
    رحل الرجالُ إلى الرحيل
    والحرب نامت ليلتين صغيرتين , وقدمت بيروت طاعتها وصارت عاصمة
    ليلٌ طويلٌ يرصد الأحلامَ في صبرا وصبرا نائمة
    صبرا بقايا الكفّ في جسدٍ قتيل
    ودّعت فرسانها وزمانها , واستسلمت لنومِ من تعبٍ ومن عربٍ رموها خلفهم

    إن الاستطراد في التوصيف ..وطول الصور الشعرية وتتابعها بشكل متصل هادئ لغياب القافية جعل من الإيقاع هادئ حزين منسجم كثيرا مع معنى المقطع ...أعتقد أن تلك عبقرية تستحق الدراسة..

    أعتقد أننا شعراً نحتاج أن نجسد شكل الفكرة إيقاعياً بصرف النظر عن الوزن
    فالتأثر النفسي للمتلقي بالإيقاع النصي مقروءاُ أو مسموعاً هو الذي يحدد له بدايةً هوية النص الشعري من غيره .. واعتقد هنا بأن الإيقاع هو موضوعة لبنية النص أي يشمل النص بجزئيه الشكل والمعنى ...

    الإيقاع على مستوى الشكل هو تغير منتظم أو تكرار حدث أو منظومة أحداث معينة ضمن فترة زمنية معينة ....وما الموزون الخليلي سوى تكرار منتظم ومغلق لتوالي الساكن والمتحرك عبر عنه الخليل بالدوائر العروضية ...ويبقى ذلك جزء من الإيقاعي الكثير....كالقافية ...التكرار اللفظي ...تكرار اللازمة اللفظية ...أو حتى تكرار حروف المد -مثلا- ا و ي
    أو تكرار أفعال الأمر الخ ......

    الإيقاع على مستوى المعنى مرتبط بالتأئر الشعوري المباشر عند المتلقي ...أعتقد أن هذا النوع من الإيقاع مرتبط طرديا مع عمق الرؤى التي تقدمها الجمل الشعرية ومدى حسن صياغة هذه الرؤى ...وهنالك على سبيل المثال لا الحصر ..إشارات يمكن من خلالها استشفاف الإيقاع الداخلي ....كالتضاد اللفظي والمعنوي ...التركيز على لفظة واعتبارها مركزية للنص..لا لاعتباراتها اللفظية المتكررة وإنما لاعتبارات معنوية أيضاً...الفكرة الصادمة والصياغة الصادمة واستكشاف العلاقات الدقيقة بين الأشياء ...وتعدد مستويات الفهم .....فضاء القصيدة مثلا...كأن يكون متسع أو ضيق ...كأن نرى نص تحمل تصويراته ألفاظ كالبحر والسماء والغيم او الترميز الأسطوري....و نص آخر حمل تصويراته فضاء ضيق ..كالجدران..الأبواب ..الزهرة ...الزجاج ...الخ


    محاولات /أمثلة حول الدراسة الإيقاعية
    بهذا نرى – بشكل عام- أن التعقد الحضاري الذي شهده المجتمع العربي بدأً من دخول الأعاجم الإسلام مرورا بالتواصل ونقل الفلسفات الإثينية والهلنستية , وظهور الفكر التصوفي والتبادل الثقافي خصوصاً الأندلسي منه ومتأخراً ترجمات المستشرقين ...أدباء المهجر والتبادل الثقافي العالمي عبر الترجمات وتطور وسائل الاتصال....أدى ذلك إلى تغير نظرة إنسان الحاضر للبيئة المحيطة به ,,,وترتيب أولوياته وحاجاته ,,,تغيرت همومه وعلاقته بالآخر. الخ....وبالتي أدى ذلك إلى تغير -كتأثر استجابي - في طرائق التعبير انسجاماً مع كل هذه المتغيرات ... وليس هذا فقط وبل وتغير نظرته لتراثه ...فلم يعد ذلك المقدس الذي لا يقبل التغيير ..وإنما القابل للدراسة بالبحث والنقد الفهم التطوري....فكان طبيعيا أن تظهر قصيدة النثر كطريقة للتعبير منسجم مع التعقد البيئي المحيط ...منسجم مع وقع الحياة الحديث....تم مثلا تبديل العلاقة التصويرية الخطية بين المشبه والمشبه به كقول المتنبي مثلا(( مكر مفر مدبر مقبل معا كجلمود صخر حطّه السيل من علٍ )) إلى علاقة تصويرية مركبة رؤيوية تحاول أن توجد الحياة داخل الصورة وانعكاساً للبيئي المعقد كقول الماغوط
    ((على هذه الأرصفة الحنونة كأمي,,,
    أضع يدي وأقسم بليالي الشتاء الطويلة
    سأنتزع علم بلادي عن ساريته
    وأخيط له أكماماً وأزرارا
    وأرتديه كالقميص ً))

    وتخلى عن تراتيب الثابت والمتحرك المحدد بالجاهز الشكلي ..نحو الإيقاعات المتعددة على مستوى البنية ..فكانت بنية قصيدة النثر ..تحاول أن تنسجم إيقاعيا مع الرؤية التي تحاولها
    ..

    محاولات /أمثلة على النظرة الإيقاعية

    المتنبي
    عيدٌ بأي حالٍ عدت يا عيدُ بما مضى أم بإمرٍ فيك تجديدُ
    لا تشتر العبد إلا والعصى معه إن العبيد لأنجاسٌ مناكيد

    أعتقد أن تكرار أحرف المد في البيت الأول كان له دور كبير في جعل إيقاع البيت أكثر هدوءاً وإثارة ما يشعر بالحزن لاستطالة زمن القول ..بخلاف إيقاع البيت الثاني حتى وان كان على نفس البحر

    محمود درويش – لا عب النرد

    ومشى الخوفُ بي ومشيت بهِ
    حافياً ، ناسياً ذكرياتي الصغيرة عما أريدُ
    من الغد - لا وقت للغد -
    أَمشي / أهرولُ / أركضُ / أصعدُ / أنزلُ / أصرخُ /
    أَنبحُ / أعوي / أنادي / أولولُ / أسرعُ / أبطئ / أهوي
    / أخفُّ / أجفُّ / أسيرُ / أطيرُ / أرى / لا أرى / أتعثَّرُ
    / أَصفرُّ / أخضرُّ / أزرقُّ / أنشقُّ / أجهشُ / أعطشُ
    / أتعبُ / أسغَبُ / أسقطُ / أنهضُ / أركضُ / أنسى
    / أرى / لا أرى / أتذكَُّر / أَسمعُ / أبصرُ / أهذي /
    أُهَلْوِس / أهمسُ / أصرخُ / لا أستطيع / أَئنُّ / أجنّ /
    أَضلّ / أقلُّ / وأكثرُ / أسقط / أعلو / وأهبط / أدْمَى
    / ويغمى عليّ /

    أعتقد أن تكرار الفعل المضارع يضفي إيقاع من السرعة والفوضى تنسجم كثيرا مع (( لا وقت للغد)

    صلاح عبد الصبور-الظل والصليب

    هذا زمن الحق الضائع
    لايعرف فيه مقتول من قاتله ومتى قتله
    ورؤوس الناس على جثث الحيوانات
    ورؤوس الحيوانات على جثث الناس
    فتحسس رأسك
    فتحسس رأسك !
    أعتقد أن توالي التضاد في رؤوس الناس على جثث الحيوانات والعكس...والنهاية الصادمة والمؤكدة بالتكرار التي تقول انه لا استثناء من هذه الفوضى ...كل ذلك منسجم كثرا مع (( زمن الحق الضائع))



    جنازة نسر ..محمد الماغوط
    أيها الحزن .. يا سيفيَ الطويل المجعَّد
    الرصيفُ الحاملُ طفله الأشقر
    يسأل عن وردةٍ أو أسير ،
    عن سفينةٍ وغيمة من الوطن

    أعتقد أن الحياة داخل هذا النص هي إيقاعه البطيء الحزين ...إن التقابل تصويريا بين الحزن والسيف الطويل المجعد ...الرصيف الحامل لطفلة الأشقر وبين أشياء الوطن ...جعل من الأشياء طرائق ترابطها عبر الصورة تنبض داخل النفس الشعري

    خواتم.... انسي الحاج
    عندما يحصل الحبّ تهجم العاصفة عمياء. يتجسّد الجنون على شكل قلب
    كلّ حبّ إغتصاب

    إن التصاعد في ترتيب الأحداث من العلاقة الرؤيوية يمهد إيقاعيا النهاية الصادمة (( كلّ حب اغتصاب))

    قصيدة النثر تريد إلغاء الأشكال القائمة


    أعتقد ان هذه النقطة بالذات فُهمت كثيرا بشكل خاطئ ....وكان سبب- الفهم الخاطئ- في عزوف الكثير عن قصيدة النثر ...وبل وادعاء انها محاولة تغريبية لتهديم التراث ...

    لقد قرأت الكثير من المقالات ...أو الحوارت (اذا صح التعبير) في الكثير من المنتديات بعنوان أو بما يشابه عنوان (( قصيدة النثر لا تريد إلغاء ما قبلها )) أعتقد أن هذه المقولة صحيحة فقط فيما يتعلق بالتأريخ ...ولكن واقع قصيدة النثر يقول بوضوح أنها ثورة كبيرة على الشكل الشعري القائم ...ولكنه في كل الأحوال ليس محاولة لتهديم التراث...رغم ان الكثير ربما يختلف معي في هذه النقطة
    أعتقد أن هذا أيضا هو ما قاله الشكل التفعيلي رغم عدم الخروج الجذري عن الكلاسيكي العامودي ...لأن القول باعتماد التفعيلة كنواة للشكل القصيدي وقبول حرية تكرارها هو تهديم للكلاسيكي القائم من حيث الفكرة ..لقد رأى منظروا التفعلية وروادها أن الفسحة شعرا والانسجام مع معطيات حاضر ذلك الوقت لا يتحقق إلا بالخروج عن البحر الكلاسيكي والقافية ...وتلك نظرة ثورية واضحة تدعو لتهديم الكلاسيكي الخليلي...ومن هنا جاءت الهجمة الكبيرة في ذلك الوقت على التفعيلة بدعوى أنها تهديم للتراث ...وواقع الحال يقول أن التفعيلة تتدعي أن الكلاسيكي الخليلي لا ينسجم مع الحاضر البيئي بتغيراته في تلك الفترة ...ولكنه لم يدعي أبدا أن التراث كان عليه أن يكون تفعيلياً ...
    هذا ينسحب كثيرا على حال قصيدة النثر ...إن المقولة الشهيرة للكبير جبران خليل جبران (( ان الوزن والقافية قيود سأبدأ بالتخلص منها)) ... – مع تحفظي الكبير هنا على هذه المقولة وعدم قبولها الا جزئيا- كانت بمثابة تثوير في بداية ما سمي بالشعر المنثور ودعوة واضحة لتهديم الموزون المقفى واستبدال هذه الضوابط بأخر تمثلها الرؤيا والإيقاع ....والذي تطور لاحقا والأسباب اخرى كثيرة وادى إلى ظهور قصيدة النثر....إن القول بأن (( قصيدة النثر لا تريد إلغاء ما قبلها )) -بافتراض أن هذه المقولة تشمل الحالي- هو أغلوطة كبيرة تتناقض مع فلسفة قصيدة النثر الثورية .... لأن القول بأن قصيدة النثر تقبل التعايش مع الموزون هو إلغاء للفكرة الأساس لنشوء قصيدة النثر باعتبارها الحل لقيد الموزن وليست صياغة شعرية متغيرة شكلا ....مع التأكيد طبعا أن هذا ليس له علاقة لا من قريب ولا من بعيد بالمساس بالتراث ...لأن التراث كانت تحكمه ظروف زمانية ومكانية تختلف كثيرا عن تلك التي تحكمت بظهور قصيدة النثر
    واسمحوا لي هنا أن استغرب كثيرا جدا ...ممن يقبلون التفعيلي ...وينكرون قصيدة النثر ...بدعوى أن الأخيرة تتناقض مع التراث ...وأسأل أي منطق يتحكم بقبول الخروج عن الخليلي نحو التفعيلي ولا يقبل الخروج نحو قصيدة النثر ...ان حال هذه النظرة ينقلنا من التعريف الكلاسيكي للشعر (( الموزون المقفى)) إلى تعريف آخر هو (( هو ضرورة وجود تفعيلة كحد أدنى )) ولا أرى منطقا يحتكم إليه هكذا تعريف.....
    ثغرات واقتراحات
    أعتقد –بالرغم من كل ما تقدم- بقيت قصيدة النثر محاولة أحادية النظرة اتجهت في مقابل الموزون فقط بالدعوة إلى الابتعاد عن الصخب والقافية نحو التكثيف والانزياح التموسق الداخلي فكانت محاولة إطلاق التحرر نحو المعنى حتى أقصاه ضمن الشروط الواجب توافرها في قصيدة النثر هو تقييد للشعر بشكل أو آخر ؟
    فيكون صحيح تماماً عندما نقول أن قصيدة النثر بتفردها لاتقبل الموسيقى الخارجية العالية أو الالتزام بالقافية و لكنه من جهة أخرى سيلزم الشاعر بتغيير وتبديل النص الشعري إذا أحسّ أنّ قصيدته النثرية فيها شيء من الموسيقى الخارجية أو نوع من الالتزام بقافية , تماما كما يلزم كاتب القصيدة العامودية أن يغير أو يبدل النص الشعري إذا أحسّ بكسر في الوزن أو عدم ملائمة القافية.
    ....

    إن تطور النص الشعري كان طبيعيا من تتابع الشكل للتوافق مع المعنى , من الخارج الممثل( بالوزن/الموسيقى الخارجية / القافية/ المفردات الواضحة وعلاقاتها الخطية الطافية على السطح…..) إلى الداخل الممثل (بالموسيقى الداخلية / الترميز / الكثافة / الكلام بعلاقاته الغائرة المركبة التي تفضي إلى سعة المعنى …..) وحتى تكتمل دورة التطور الشعري –على المستوى النظري على الأقل- يجب أن تكتمل جديلة (الشكل / المعنى ) حتى آخرها فنصل ارتقاءً إلى النص الشعري المكتمل الصفات الملتزم فقط بانسجام ثنائية ( المبنى/المعنى) , ويكون بذلك تصنيف العمودي , التفعيلة, المنثور,النثر ….هو مجرد ضرورة مرحلية ليس إلا فالأصل أن الشعر هو واحد ويحتمل كل ما تقدم .

    و طالما أن الأثر النفسي الواقع على المتلقي يخبره أن ما قرأه أو سمعه شعرا, فيكون ما قيل أو كتب هو مُندرج تحت بند الشعر , ويكون ملتزم بكل ما تقدم في إطار الانسجام , وتكون ذات القصيدة راقصة ساخرة حيناً , هادئة كثيفة حيناً , صارخة غاضبة حيناً , موزونة حيناً منثورةً حيناً …وكل ذلك مرهون بضرورة انسجام القول مع المُراد منه , لا مع شروط مسبقة واجبة الإتباع هنا و واجبة التخلي عنها هناك .
    إن الشعر: هو انسجام الشكل والمعنى حدّ التماثل....


    هيثم الريماوي






  • سليمى السرايري
    مدير عام/رئيس ق.أدب وفنون
    • 08-01-2010
    • 13572

    #2
    [frame="2 90"]

    شكرا جزيلا لتسليط الضوء على كلّ هذه الجوانب
    واكيد جدا أنّ هذه الإضاءات ستضيف لي الكثير

    شكرا استاذي هيثم الريماوي

    وشكرا العزيز صادق


    تحيّاتي وتقديري

    ملاحظة زميلي صادق
    لو ممكن تكبير الخط قليلا

    شكرا


    [/frame]
    التعديل الأخير تم بواسطة سليمى السرايري; الساعة 11-05-2011, 14:30.
    لا تلمني لو صار جسدي فاكهة للفصول

    تعليق

    • إيمان عبد الغني سوار
      إليزابيث
      • 28-01-2011
      • 1340

      #3
      قصيدة النثر موضوع مثير إلى الديالكتيك**

      [QUOTE]
      الاعتراضات على قصيدةالنثر
      ,واستناداً على ما تقدم يكون -في رأيي-..الهجوم الهائلعلى قصيدة النثر حيث يرى الكثيرون أنها محاولة تغريبية بدعوى الحداثة ..و أنها ضدالموروث..بل وأكثر من ذلك بأنها محاولة لتهديم التراث ,هي أقوال غير دقيقة لأن هذهالنظرة أساساً تعتمد على اعتبار لا شعر بدون وزن ..أي اعتبار الوزن شرط الشعر
      [/QUOTE]

      وسؤالي موجه للمتشددين في رأيهم للشعر المقفى هل لكم أن تكتبون الآن وتتقيدون على طريقة
      المدرسة الطبيعية أو الواقعية أي مثل قصيدة لامية العرب؟ هذا محال لكل حدث حقبة من الزمن له
      أشخاص مختلفة الطبائع باختلاف الأوضاع والأحوال وعنها ينتج الشعر ,ويجب علينا مواكبة التطور في الأدب العربي
      و إلا هذه عادة العرب التتبع دون الرغبة في التجديد والتطوير؟!

      الشعر هو فن مثله مثل أي فن آخر باختلاف أنواعه وأقسامه ولكل له خصائصه,وإن انقسم لا ينبغي مقارنته, مثله مثل فن الرسم
      باختلاف مدارسه التجريدية والتكعيبية و... فأنا لا أرى في هذا الفن من قام واعترض لماذا ظهر الفن التشكيلي ؟
      أو نقده باستعلاء...!!

      أخيراً أقول قصيدة النثر وإن كان ظهورها منذ القرن الثامن عشر وفي العصر الرومانتيكي يبقى النثر
      وليد اللحظة الذي يتمرد على المألوف ويعيد الجدل المتدفق الذي حدث فيالستينات وكل هذا لأنه يعمل بشكل
      يومي على ابتكار الأشكال بأسمى المستويات. شكراً لك أيها الأخ الفاضل صادق لطرحك الموضوع
      والشكر للأديب الراقي هيثم على ثراء معرفته وعلى أسلوبه الجميل.

      تحياتي:



      التعديل الأخير تم بواسطة إيمان عبد الغني سوار; الساعة 12-05-2011, 19:53.
      " الحرية هي حقك أن تكون مختلفاً"
      أنا الهذيان وبعـض الوهم حقيقة!

      تعليق

      يعمل...
      X