" خواطر عقل طليق "
صك دفتى كتابه سأما مطوحا به بين أقرانه ، و انزلق مستلقيا على ظهره مقلبا أفكاره و ناظريه فى تلك اللوحة السريالية الكئيبة ، التى نسجتها العناكب على مدى سنوات طوال ، ربما من عمر هذه الزنزانة ، هذه الزنزانة التى أشاخت و ما تشيخ ، وأبلت و ما تبلى .
كم شيب و شباب نزفوا أعمارهم بين جنباتها قطرة قطرة ! و امتصت رحيق عقولهم رشفة رشفة ! حتى استحالوا خرقا بالية ، و هياكل جوفاء هشة !
حملق متلمظا إلى تلك الكوة المستديرة أعلى الجدار : " كم تعلقت بها قلوب و أنظار ! أى سحر فيها أذهل الألباب ، و أذهب العقول ؟! إن بانيها تعمد أن يذل ساكنها حين ترك هذا الثقب المستدير لينسكب بصيص الحرية كلسان راقص يتشفى فى القابع داخلها !"
ثم انزلقت عيناه تمسح ذلك الجدارالشامخ الصلب ، يتحدى بقسوته ما يكسوه من كلمات ، و زفرات ، و أمنيات ، و دعوات ؛ كتبت بالدماء ، و فتات الحصى ، و نتف الجص ، و أنصال الأظافر .
" ذلك النص الملتهب دونه شاعر ثورى ، هذه الكلمة النارية دبجها خطيب خبأ رشاشا فى أحباله الصوتية ، هذه الحكمة الجامعة خطها فيلسوف لفظه عالم الجهلاء ، هذا الشعار نقشه ذو مبدأ فى عالم غاضت فيه المبادىْ ، هذا الدعاء رتله صوفى تسامى فوق الماديات ؛ فأودعوه محبسه أو خلوته كما كان يروق له ، تلك الاستغاثات الجبانة أطلقها رعديد زج به على سبيل الخطأ و هذه الذكرى خطها إمعة ماجور ، و هذه و هذه .... "
لقد حفظ المنقوش بالدم و الألم كلمة كلمة ، أضاف عليه .. عقب..و انتقد .. لكنه لم يطمس حرفا و إن كانت الملوحة و الزمن كفياه ذلك.
شعر بلسعات الأرض الباردة تأكل عظام الظهر ، و دقات أسافين تلكم الحرقفة ، فمال بهيكله العظمى ليواجه تهمته ، تلك الكومة من الكتب ، بما تزخر من أفكار و أحلام ألقته بين هذه الجدران الأربعة ؛ التى تجثم بكلكلها فوق أنفاسه المتثاقلة الذابلة !!
" هل أصبح اقتناء الكتب تهمة تصرع صاحبها ؟ تزجه فى غياهب السجون بين أجساد تهصرها الزنازين ؛ فتخبو فيها ذبالة الحياة ؟"
" لا تكن مراوغا ، إنك اعتنقت لا اقتنيت !! فما أكثر ما تحمل المكتبات الفارهة فى القصور الفخمة ، و ما أعظم ما يكدس فى جنبات الحجرات الفقيرة المتواضعة ، و ما أغزر ما تحوى الأرصفة ، و كم تعرض بيوت الثقافة و صالونات الأدب ، و لو من قبيل الترف الفكرى ، و الاستعراض الثقافى ."
" أنت فقط ..أنت وحدك من أراد أن ينسج ما اعتنق على أنوال الواقع الكئيب ، من أراد أن يبذر أحلامه فى تربة واقعنا الجدب ، أنت من نزع الفتيل و داس ببراءة طفل لاه فوق اللغم ؛ فكنت أول من تناثرت أشلاؤه !!"
" ما أقسى المفكرين و المصلحين و الفلاسفة ! يسكبون نفط أفكارهم ليشعلوا الحرائق فينا ، يزلزلون واقعنا الكئيب ! يكدرون صفو رتابتنا المقيتةّ ، ينسجون أفكارهم الثورية فى هدأة الليل الشاعرى ، على أنغام رشفات المشروب الساخن ، ثم ينسحبون من الحياة فى هدوء ؛ تاركين لنا ـ نحن الأقزام ـ تبعة أفكار و مبادىء تنوء بحملها الجبال الرواسى ."
انتبه حين تناهى إلى سمعه رنين الحرية تعبث بها أصابع السجان ! لم يعد ذلك يشجيه ، أو يحرك رغبة كامنة فيه !
" إنى حر!! ـ لاشك لدى ـ و إن بدوت محصورا بين هذه الجدران ! و هل الحرية أن نسبح فى الهواء الطلق ؟!
إنها حرية ساذجة لا يمتاز بها إنسان على حيوان ، إن الحرية الحقة ـ كما أفهمها ـ هى حرية العقل و الروح . إن هذا السجان و إن بدا ـ للسذج ـ حرا إلا أنه أحبس منى !!
إنه أسيرى ، حياته على موقوفة ، يقرأ نبضاتى ، يعد أنفاسى ، يرصد ما ـ استطاع ـ أفكارى ..تقلقه حركتى ، تريبه سكنتى !!"
" ألا كم طلقاء باسم الحرية لم يدركوا بعد كنهها ، و لم يبلغوا طرفا من معانيها !"
...ثم اعتدل جالسا مستندا إلى الحائط الرطب مرتكزا على سلسلة ظهره البارزة كجنزير صدىء.
" و ما كان يضيرنى لو سرت مع القطيع الضال ، ما كان على أن أشرد و بعض الرفاق نحو ما ارتأيناه الصراط السوى ! ما كان يضيرنى لو اندسست بين قطيع المتملقين المتسلقين ؟؟
لكم ألحوا بيد أننى أبيت ! رمت الطهر فتدثرت برداء الشرف فى مجمع القحاب ! فصرت هدفا لسهام الخونة ، و مهوى لنصال الغدر و الخسة !"
ثم زفر زفرة أفرغت أعماقه : " كم ليل على أظلم ؟ كم نهار على أشرق ؟ لقد جرفتنى أظفار الزمن ، و أتت على حتى النخاع ! اللهم إلا هذا الرأس الصوانى المتحجر! ما يزال حافظا لما فيه ، متمنعا أمام مطارق التعذيب ، متدرعا بصفائح الصمود الفولاذية "
ثم ابتسم ساخرا : " و تلك أمانيهم أن يظل حابسا لما يحويه ، حافظا لما فيه ! فهل تراهم نجحوا ؟ هل تراهم أفلحوا ؟؟"
و قبيل أن يقدم إجابة صريحة ، كانت يد السجان تدفع الباب ليلقى عليه نظرة الوداع الأخيرة !!
تعليق