خواطر تحت الأصفاد

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد عبد الغفار صيام
    مؤدب صبيان
    • 30-11-2010
    • 533

    خواطر تحت الأصفاد

    " خواطر عقل طليق "

    صك دفتى كتابه سأما مطوحا به بين أقرانه ، و انزلق مستلقيا على ظهره مقلبا أفكاره و ناظريه فى تلك اللوحة السريالية الكئيبة ، التى نسجتها العناكب على مدى سنوات طوال ، ربما من عمر هذه الزنزانة ، هذه الزنزانة التى أشاخت و ما تشيخ ، وأبلت و ما تبلى .

    كم شيب و شباب نزفوا أعمارهم بين جنباتها قطرة قطرة ! و امتصت رحيق عقولهم رشفة رشفة ! حتى استحالوا خرقا بالية ، و هياكل جوفاء هشة !

    حملق متلمظا إلى تلك الكوة المستديرة أعلى الجدار : " كم تعلقت بها قلوب و أنظار ! أى سحر فيها أذهل الألباب ، و أذهب العقول ؟! إن بانيها تعمد أن يذل ساكنها حين ترك هذا الثقب المستدير لينسكب بصيص الحرية كلسان راقص يتشفى فى القابع داخلها !"

    ثم انزلقت عيناه تمسح ذلك الجدارالشامخ الصلب ، يتحدى بقسوته ما يكسوه من كلمات ، و زفرات ، و أمنيات ، و دعوات ؛ كتبت بالدماء ، و فتات الحصى ، و نتف الجص ، و أنصال الأظافر .

    " ذلك النص الملتهب دونه شاعر ثورى ، هذه الكلمة النارية دبجها خطيب خبأ رشاشا فى أحباله الصوتية ، هذه الحكمة الجامعة خطها فيلسوف لفظه عالم الجهلاء ، هذا الشعار نقشه ذو مبدأ فى عالم غاضت فيه المبادىْ ، هذا الدعاء رتله صوفى تسامى فوق الماديات ؛ فأودعوه محبسه أو خلوته كما كان يروق له ، تلك الاستغاثات الجبانة أطلقها رعديد زج به على سبيل الخطأ و هذه الذكرى خطها إمعة ماجور ، و هذه و هذه .... "

    لقد حفظ المنقوش بالدم و الألم كلمة كلمة ، أضاف عليه .. عقب..و انتقد .. لكنه لم يطمس حرفا و إن كانت الملوحة و الزمن كفياه ذلك.

    شعر بلسعات الأرض الباردة تأكل عظام الظهر ، و دقات أسافين تلكم الحرقفة ، فمال بهيكله العظمى ليواجه تهمته ، تلك الكومة من الكتب ، بما تزخر من أفكار و أحلام ألقته بين هذه الجدران الأربعة ؛ التى تجثم بكلكلها فوق أنفاسه المتثاقلة الذابلة !!

    " هل أصبح اقتناء الكتب تهمة تصرع صاحبها ؟ تزجه فى غياهب السجون بين أجساد تهصرها الزنازين ؛ فتخبو فيها ذبالة الحياة ؟"

    " لا تكن مراوغا ، إنك اعتنقت لا اقتنيت !! فما أكثر ما تحمل المكتبات الفارهة فى القصور الفخمة ، و ما أعظم ما يكدس فى جنبات الحجرات الفقيرة المتواضعة ، و ما أغزر ما تحوى الأرصفة ، و كم تعرض بيوت الثقافة و صالونات الأدب ، و لو من قبيل الترف الفكرى ، و الاستعراض الثقافى ."

    " أنت فقط ..أنت وحدك من أراد أن ينسج ما اعتنق على أنوال الواقع الكئيب ، من أراد أن يبذر أحلامه فى تربة واقعنا الجدب ، أنت من نزع الفتيل و داس ببراءة طفل لاه فوق اللغم ؛ فكنت أول من تناثرت أشلاؤه !!"

    " ما أقسى المفكرين و المصلحين و الفلاسفة ! يسكبون نفط أفكارهم ليشعلوا الحرائق فينا ، يزلزلون واقعنا الكئيب ! يكدرون صفو رتابتنا المقيتةّ ، ينسجون أفكارهم الثورية فى هدأة الليل الشاعرى ، على أنغام رشفات المشروب الساخن ، ثم ينسحبون من الحياة فى هدوء ؛ تاركين لنا ـ نحن الأقزام ـ تبعة أفكار و مبادىء تنوء بحملها الجبال الرواسى ."

    انتبه حين تناهى إلى سمعه رنين الحرية تعبث بها أصابع السجان ! لم يعد ذلك يشجيه ، أو يحرك رغبة كامنة فيه !

    " إنى حر!! ـ لاشك لدى ـ و إن بدوت محصورا بين هذه الجدران ! و هل الحرية أن نسبح فى الهواء الطلق ؟!

    إنها حرية ساذجة لا يمتاز بها إنسان على حيوان ، إن الحرية الحقة ـ كما أفهمها ـ هى حرية العقل و الروح . إن هذا السجان و إن بدا ـ للسذج ـ حرا إلا أنه أحبس منى !!

    إنه أسيرى ، حياته على موقوفة ، يقرأ نبضاتى ، يعد أنفاسى ، يرصد ما ـ استطاع ـ أفكارى ..تقلقه حركتى ، تريبه سكنتى !!"

    " ألا كم طلقاء باسم الحرية لم يدركوا بعد كنهها ، و لم يبلغوا طرفا من معانيها !"

    ...ثم اعتدل جالسا مستندا إلى الحائط الرطب مرتكزا على سلسلة ظهره البارزة كجنزير صدىء.

    " و ما كان يضيرنى لو سرت مع القطيع الضال ، ما كان على أن أشرد و بعض الرفاق نحو ما ارتأيناه الصراط السوى ! ما كان يضيرنى لو اندسست بين قطيع المتملقين المتسلقين ؟؟

    لكم ألحوا بيد أننى أبيت ! رمت الطهر فتدثرت برداء الشرف فى مجمع القحاب ! فصرت هدفا لسهام الخونة ، و مهوى لنصال الغدر و الخسة !"

    ثم زفر زفرة أفرغت أعماقه : " كم ليل على أظلم ؟ كم نهار على أشرق ؟ لقد جرفتنى أظفار الزمن ، و أتت على حتى النخاع ! اللهم إلا هذا الرأس الصوانى المتحجر! ما يزال حافظا لما فيه ، متمنعا أمام مطارق التعذيب ، متدرعا بصفائح الصمود الفولاذية "

    ثم ابتسم ساخرا : " و تلك أمانيهم أن يظل حابسا لما يحويه ، حافظا لما فيه ! فهل تراهم نجحوا ؟ هل تراهم أفلحوا ؟؟"

    و قبيل أن يقدم إجابة صريحة ، كانت يد السجان تدفع الباب ليلقى عليه نظرة الوداع الأخيرة !!







    التعديل الأخير تم بواسطة محمد عبد الغفار صيام; الساعة 23-03-2018, 10:45.
    "قُلْ آمَنْتُ باللهِ ثُمَّ استَقِمْ"
  • ربيع عقب الباب
    مستشار أدبي
    طائر النورس
    • 29-07-2008
    • 25792

    #2
    نص رائع
    ساخن
    ممتلئ
    جمال اللغة حمل جمالا في الرؤى

    أشكرك أخي على هذه الوجبة الدسمة جدا جدا

    يثبت للجمال
    sigpic

    تعليق

    • بسباس عبدالرزاق
      أديب وكاتب
      • 01-09-2012
      • 2008

      #3
      يا للمصافة


      البارحة قرأت قصتك و نالت مني كثيرا
      ثم وجهت رأسي نحو الشاشة لأتقابل مع حياة روبين كارتر فيلم يعالج تقريبا نفس الموضوع و إن كان يسلط الضوء على العنصرية

      و لكن ما أثار فضولي تلك الكلمة التي قالها روبين كارتر و هو في السجن عن سجانه

      ** الحرية عندي أن لا أكون محتاجا لشئ.**
      و كلمة أخرى قالها

      ** السجان هنا مسجون مثلي لأجلي و ربما هو مقيد بي أكثر مني لأنني تحررت من الخارج و الداخل**

      و اليوم بعد عودتي هنا صممت على الدخول عندك

      لأستوعب أكثر معنى الحرية


      نص رائع بحق و شامخ


      تقديري و احتراماتي أستاذ محمد عبدالغفار صيام
      السؤال مصباح عنيد
      لذلك أقرأ ليلا .. حتى أرى الأزقة بكلابها وقمامتها

      تعليق

      • محمد عبد الغفار صيام
        مؤدب صبيان
        • 30-11-2010
        • 533

        #4
        المشاركة الأصلية بواسطة ربيع عقب الباب مشاهدة المشاركة
        نص رائع
        ساخن
        ممتلئ
        جمال اللغة حمل جمالا في الرؤى

        أشكرك أخي على هذه الوجبة الدسمة جدا جدا

        يثبت للجمال

        الرائع حقا / أستاذ ربيع

        إطراؤك المهذب يخجلنى .. و أقول صادقا إنما هى فيوضات و فتوحات أسال الله أن يديمها علينا .
        يسعدنى أن مهرت قصتى بحضورك الباهى .


        "قُلْ آمَنْتُ باللهِ ثُمَّ استَقِمْ"

        تعليق

        • غالية ابو ستة
          أديب وكاتب
          • 09-02-2012
          • 5625

          #5

          الأديب أ محمد عبد الغفار
          السلام عليكم
          شكراً على هذا النص الوارف
          ولك التحية

          يا ســــائد الطيـــف والألوان تعشــقهُ
          تُلطّف الواقـــــع الموبوء بالسّـــــقمِ

          في روضــــــة الطيف والألوان أيكتهــا
          لـــه اعزفي يا ترانيــــم المنى نـــغمي



          تعليق

          • محمد عبد الغفار صيام
            مؤدب صبيان
            • 30-11-2010
            • 533

            #6
            المشاركة الأصلية بواسطة بسباس عبدالرزاق مشاهدة المشاركة
            يا للمصافة


            البارحة قرأت قصتك و نالت مني كثيرا
            ثم وجهت رأسي نحو الشاشة لأتقابل مع حياة روبين كارتر فيلم يعالج تقريبا نفس الموضوع و إن كان يسلط الضوء على العنصرية

            و لكن ما أثار فضولي تلك الكلمة التي قالها روبين كارتر و هو في السجن عن سجانه

            ** الحرية عندي أن لا أكون محتاجا لشئ.**
            و كلمة أخرى قالها

            ** السجان هنا مسجون مثلي لأجلي و ربما هو مقيد بي أكثر مني لأنني تحررت من الخارج و الداخل**

            و اليوم بعد عودتي هنا صممت على الدخول عندك

            لأستوعب أكثر معنى الحرية


            نص رائع بحق و شامخ


            تقديري و احتراماتي أستاذ محمد عبدالغفار صيام
            أستاذنا الأديب / بسباس عبد الرازق

            إنه لشرف لى و أى شرف أن أحظى بكلماتكم الكريمة ...
            أثمن مروركم الباهى فى براح ملتقانا الأغر ..
            لك منى كل الود .
            "قُلْ آمَنْتُ باللهِ ثُمَّ استَقِمْ"

            تعليق

            • فراس عبد الحسين
              أديب وكاتب
              • 18-08-2013
              • 180

              #7
              جذبني العنوان اول الامر
              فوجدت النص كالبحر في احشائه الدر كامن...
              دمت مبدعاً.....استاذ محمد صيام
              فراس العراقي

              تعليق

              • آسيا رحاحليه
                أديب وكاتب
                • 08-09-2009
                • 7182

                #8
                " ألا كم طلقاء باسم الحرية لم يدركوا بعد كنهها ، و لم يبلغوا طرفا من معانيها !"

                فعلا ..
                تحياتي لك على هذا النص الجميل ..
                يظن الناس بي خيرا و إنّي
                لشرّ الناس إن لم تعف عنّي

                تعليق

                • مناف بن مسلم
                  أديب وكاتب
                  • 19-09-2013
                  • 72

                  #9
                  نص رائع وصور فنية حزينة عميقة بمعانيها ولغة شاعرية لا يمتلكها الا فنان يمتلك من الحس المرهف ما يجعله مبدعا ومتألقا تشد القارئ وتجعله مذهولا اما هذا الكم الهائل من الافكار والمشاعر
                  تحياتي وتقديري لك استاذ محمد عبدالغفار صيام
                  مناف بن مسلم

                  تعليق

                  • عائده محمد نادر
                    عضو الملتقى
                    • 18-10-2008
                    • 12843

                    #10
                    الزميل القدير
                    محمد صيام عبد الغفار
                    نص رائع بحجم الكرة الأرضية
                    نص يستحق أن يأخذ أعلى جائزة في الأدب والفكر
                    هذا النص قد أعتبره مرجعية كلما قرأته لأن فيه فكر نير وروح حرة ابية
                    أشكرك على هذا الفكر الراقي وأحمد الله أني استطعت أن أقرأ لك
                    كل الود لك
                    الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

                    تعليق

                    • محمد عبد الغفار صيام
                      مؤدب صبيان
                      • 30-11-2010
                      • 533

                      #11
                      المشاركة الأصلية بواسطة مناف بن مسلم مشاهدة المشاركة
                      نص رائع وصور فنية حزينة عميقة بمعانيها ولغة شاعرية لا يمتلكها الا فنان يمتلك من الحس المرهف ما يجعله مبدعا ومتألقا تشد القارئ وتجعله مذهولا اما هذا الكم الهائل من الافكار والمشاعر
                      تحياتي وتقديري لك استاذ محمد عبدالغفار صيام
                      مناف بن مسلم

                      بارك الله فيكم أستاذنا / مناف بن مسلم
                      و أعتذر من تاخير الرد...فقد غيبتنا الأقدار و ها قد عدنا إلى بهاء براحكم و كرم أخلاقكم و رصين أدبكم
                      جزاكم الله خيرا
                      "قُلْ آمَنْتُ باللهِ ثُمَّ استَقِمْ"

                      تعليق

                      • محمد عبد الغفار صيام
                        مؤدب صبيان
                        • 30-11-2010
                        • 533

                        #12
                        المشاركة الأصلية بواسطة عائده محمد نادر مشاهدة المشاركة
                        الزميل القدير
                        محمد صيام عبد الغفار
                        نص رائع بحجم الكرة الأرضية
                        نص يستحق أن يأخذ أعلى جائزة في الأدب والفكر
                        هذا النص قد أعتبره مرجعية كلما قرأته لأن فيه فكر نير وروح حرة ابية
                        أشكرك على هذا الفكر الراقي وأحمد الله أني استطعت أن أقرأ لك
                        كل الود لك
                        الأستاذة الأديبة / عائدة محمد نادر
                        كتبت هذه القصة تحت وطئة تجربة ( نفسية ) تناسب الموضوع و العنوان ، فخرجت بهذا الشكل ــ و لله الحمد و المنة ــ ، كما سآلت نفسى : ما الأفكار التى تمور فى
                        خاطر معتقل مقهور بين فكى زنزانة صلدة الجدران ، و هل يمكن إنجاز قصة من خلال حوار جاد بين شخص و ذاته ؟؟ دون أن يتخللها ملل ، أو يعتريها فتور ينفر القارىْ ؟ و كيف يقدم صاحب المبدأ نفسه فى لحظات العمر الفارقة ؟ هذه و غيرها من أسئلة كانت نبراسى لكتابة ما وفقنى الله لكتابته ، لأننا أحيانا ننجز بالتوفيق ما نعجز عن عشر معشاره بالتلفيق !
                        لك خالص شكرى ...
                        "قُلْ آمَنْتُ باللهِ ثُمَّ استَقِمْ"

                        تعليق

                        يعمل...
                        X