منذ ثلاثة أيام و هي تمطر مطرا رتيبا ، مساح زجاج السيارة في حركة دائبة متسقة مع انزلاق حبات المطر المنهمر في سكون .
مطر جميل يسمونه في العربية القديمة " الديمة " . يقولون : " أمطرتهم السماء بديمة " .
شرح ذلك بإسهاب لتلاميذه حين وقف معهم عند قول المتنبي :
ليت الغمام الذي عندي صواعقه ~~~ يزيلهن إلى من عنده الديم
و اجتهد في تعليل التسمية باشتقاق لغوي أثار فيهم لذة الاكتشاف ، و أثار فيه المتعة و السعادة .
مشوار طويل قطعه ينثر الكلام ، يبشر بالخير و الحب . و في الأعوام الأخيرة بدأ يعروه شعور محبط ، بات يشعر كأنه ينبح في الظلام ، كأنه يرقم على الماء .
وحين تمطر على هذا النحو يحلو له أن يخرج إلى البراري و السهول ليغتسل من وضر الأيام .
حين جعل المدينة وراء ظهره و تأهب ليضاعف سرعته لمح عن بعد سيدة ملتفة في ملاءة سوداء تستوقفه من تحت مطريتها . تردد في الوقوف لها ، قد يكون إرهابيا متنكرا ، طالما لعبوا هذه اللعبة ، لا سيما أن المنطقة أحراش و منحدرات و سكنات فوضوية .
حينما حاذاها متمهلا غدا ظنه لوهلة شبه يقين إذ لاحظ أنها تخفي وجهها تحت النقاب ، ثم وهو يراقبها في المرآة رآها تكشف عن ساقها فيلوح من تحت السواد عمود البياض في إيماض خاطف كالبرق .
ابتسم لنفسه : قدم الإرهابي مفلطحة لا يستوعبها حذاء الكعب العالي .
وتراجع إلى حدها .
ـ إلى أين ؟
ـ إلى شرشال إن كانت وجهتك ، أو إلى أية محطة في اتجاه شرشال .
لم يشأ أن يفتح الباب ، ترك لها حرية أن تجلس جنبه أو خلفه .
تروت قليلا ثم فتحت الباب الخلفي و جلست ، و لكن في الجهة التي تعكسها المرآة .
انطلقت السيارة ، و رآها تسوي مطريتها و تنفض ما تناثر عليها من حب المطر .
صعب عليه تقدير سنها ، لكن صوتها يشي بالنعومة و الامتلاء الأنثوي.
و حدث نفسه : قد يوصلها إلى شرشال .
ساد صمت لا يسمع فيه إلا هسيس العجلات تمزق الماء و حركة مساح الزجاج ذاهبا آيبا .
في الخارج بدت السهول منبسطة عند السفح طافحة بالماء الذي تشكل بركا على مساحات شاسعة تمدها الشعاب بسيول و شلالات دافقة . ولا شيء في الأفق يوحي بأن السماء ستكف .
شعر بتوتر خفي ، عليه أن يحسم أمره ، أيوصلها أم ينزلها في أية محطة قادمة ويعود الهوينى يكمل جولته في الضواحي ؟
- ذاهبة أم عائدة إلى شرشال ؟
سألها يمد جسرا للحديث
ـ بل ذاهبة أزور خالتي ، مرضت وليس لها أحد .
أثاره الدافع الإنساني للزيارة ، و قال متطلعا إلى عينيها في المرآة يسبر ما وراءهما :
ـ كان عليك أن تبكري و تأخذي تاكسي أو حافلة .
عيناها نافذتان مشرعتان على العتمة .
ـ الظروف لا تنتظر حتى نخطط .
ثم أضافت ملمحة إلى مقصده
ـ وأحباب الله كثير .
هز رأسه ، و شرع يحسب في ذهنه : ساعة و نصف إلى شرشال ومثلها من شرشال ، الساعة الآن الرابعة و ...
ـ و هل طريقك إلى شرشال ؟
قطعت عليه حسابه قبل أن يحسم أمره ، لكنه قال :
ـ نعم .
*** *** *** *** *** *** *** *** *** ***
اعتدل في جلسته و أخذت السيارة تسابق ليل الشتاء الزاحف ، قطعان السحب المثقلة بالماء تسد الأفق بظلال قاتمة تخفي "*قبر الرومية" و التلال المجاورة، وطريق سيدي راشد يمتد طويلا كالأمل يعبر الجزء الغربي من سهل متيجة الخصيب .
كلما احتضنه هذا الطريق ثار فيه الحنين إلى أشياء مبهمة ، أشياء لا يستطيع لها حصرا ، أشياء كانت في يده ثم تسربت إلى الأبد ، أو كان يتمنى تحققها ثم أثبت له الدهر استحالتها ، من غير أن يعرف ما هي، و حده عقله الباطن يدرك كنهها . لذا لم يستطع مقاومة رغبته في سماع الموسيقى فعلق بصره في المرآة مستأذنا :
ـ ألا يزعجك أن أسمع شيئا من الموسيقى ؟
ـ مطلقا ، الموسيقى غذاء الروح .
بدا له أنها تتهكم ، و حين صدحت أم كلثوم برباعيات الخيام رآها تهز رأسها خفيفا ، و كأنها تمتمت :
ـ أنت كما أنت .
ـ نعم ؟
ـ غدا بظهر الغيب و اليوم لي ... وكم يخيب الظن في المقبل
اتسعت عيناه عجبا وهو يتطلع إليها في المرآة يتفرس في عينيها المشرعتين على العتمة ، في عتمة الملاءة ، على عتمة النقاب . ود لو تزيحه عن وجهها فيقرأ أية روح ترتسم عليه؟
من هذه التي تحفظ القصيد وتنشده بصوت عذب كالينابيع ؟ الينابيع التي نضبت منذ سنين
و انطمس معها داخل منطقة الخواء وتراجع العمر أمام قوة الأشياء ، كأنه يحس دبيب الفناء في معالم جسده ، في مجاهل نفسه، كأنه ينحدر مع سيزيف إلى قرار السفح من غير أن يشاركه مرة أخرى دفع الصخرة إلى القمة . ترى أية حقيقة تجلت لأبي حيان التوحيدي حين قرر حرق كتبه في آخر العمر ؟ ؟ ؟
ـ أمامك أمامك ...
انحرفت السيارة مخترقة بركة تطاير ماؤها الموحل غامرا الزجاج الأمامي مندفعة نحو شجرة مالت عنها في آخر لحظة إلى أقصى اليسار مترنحة إلى أقصى اليمين ، ثم عادت إلى الجادة لتنساب من جديد .
تنفس الصعداء ، و غرق في الصمت منقادا للموسيقى و الطريق يعبر به بساتين التفاح و الخوخ و الكرم موحشة جرداء ، انتصبت فروعها كأيدي الشياطين و اربد لونها حتى كأنها لن تورق غدا .
وهنالك في السهول البعيدة بدت الحقول المحروثة كالحة تحول بعضها إلى مسطحات مائية مترامية الأطراف . و أمامه اشتد نشيج المطر حتى غدا الماء يقع على الماء فلا يكاد يتبين الطريق ، فاضطر إلى تخفيف السرعة و تشغيل فوانيس الضباب .
تسلل إليه شعور بأنه مقبل على مغامرة لا يعرف عواقبها ، لكنه يجد رغبة جامحة في خوضها .
وعاد يخطف إليها النظر في المرآة : تجلس مستوية كتحفة ثمينة ، تنصت باهتمام إلى كلمات الخيام غير مبالية بالنحو الذي صارت إليه السماء ، و لا بالظلام الذي أخذ يخيم في الأرجاء .
لو تزيح النقاب عن وجهها !!! فيم تواريها خلفه ؟ ، من تكون؟ فضول بدأ يتحول إلى رغبة حارقة في أ ن يعرف من هي ؟
تذكر كشفها عن ساقها في بداية الرحلة ، و البياض الخاطف الذي انبعث من عمود الساق ، أي ضياء سينبثق لو سقط هذا السواد كله !؟
انتبه إلى أن السيارة قد تراجعت سرعتها إلى أدنى حد لكثافة التساقط ، و أنه يسير وحده في الطريق .
عند وادي بو يسغان توقف أمام هول السيول : كان النهر في أقسى جبروته يسوق أشجارا ضخمة مقتلعة من الجذور يدفع بعضها تحت الجسر ، و يركن بعضها إلى الأطراف سادا المسالك .
وراعه ارتفاع منسوب المياه : أقل من متر و يطغى على الجسر ، إن لم يدمره .
وحين رأت تردده أشارت عليه :
ـ إن شئت عد إلى حجوط ، أو أعبر قبل أن يتقوض الجسر .
ـ تسلل إليه صوتها عذبا ، أو هكذا خيل إليه خلال صخب الفيضان ووحشة المساء الشتوي ، فاستدار إليها بنصفه الأعلى و قال مبتسما :
ـ بل نعبر .
كأنها بادلته الابتسام من تحت النقاب فقوي عزمه على مواصلة الرحلة ، و إن اضطرته الأنواء إلى العودة على جهة الساحل .
استأنفت السيارة حركتها مثبطة تشق الماء ، ثم تحررت أكثر و هي تعانق مرتفع الناظور ، فراح يضاعف السرعة لعله يستدرك ما فاته من وقت و يصحح حسابه الزمني الذي سقط هو الآخر في الماء و الظلام.
علق بصره يبحث عنها في المرآة ، تلاشت تماما في العتمة مسيجة بالصمت ، كأنه وحده يحمل نفسه في هذا الطريق الوعر إلى وجهة ليست وجهته .
في أسفل المنحدر عند آخر منعرج سقطت أضواء السيارة على كائن مرعب من الأمواه و الظلام ابتلع الطريق و الجسر الذي لم يعد يظهر منه إلا جزء من الدرابزين يلوح كيد الغريق .
طرح جبهته على المقود .
ـ لا سبيل إلى شرشال .
ـ و ما العمل ؟
ـ لست أدري
ـ عد إلى حجوط و اقض الليلة هناك .
أحنقه أن تخاطبه على هذا النحو ، ألم تفهم بعد أن مصيرهما بات مشتركا ؟ وما جدوى هذا النقاب في هذه الظلمة في هذه الورطة ؟
أورثته جملتها الباردة شعورا قاسيا بالإحباط و العزلة ، ففتح المذياع يصل نفسه بالعالم ، جاءه صوت قائد الدرك الوطني لأمن الطرقات يعلم السائقين بالطرق المقطوعة عبر الوطن ، وعند حديثه عن طريق شرشال ذكر أنه مقطوع على مستوى وادي الهاشم وواد بو يسغان .
فعلقت بلا اكتراث :
ـ ولا سبيل إلى العودة إلى حجوط أيضا .
لم يعلق ، تراجع إلى حيث لا تطاله المياه ، ركن السيارة في أقصى اليمين ، ثم أطفأ الأنوار.
ـ نقضي الليلة هنا .
ـ لا مفر من ذلك .
مالها تتكلم على هذا النحو ، لاتجزع ، لا تفزع ، كأنما بيتت الأمر لتجره إلى هذا المأزق ، أو لعلها تثق فيه ثقة مفرطة .
و أضافت مواسية :
ـ وغدا تصحو السماء و ينفتح الطريق .
نظر حوله ، سقط في العتم الكلي في حين كان المطر يسفع سطح السيارة و وجهها بلا هوادة .
بسط مقعده حتى لامس حافة المقعد الخلفي ، وتمدد شابكا أصابعه خلف رأسه وتمتم :
أي طريق ؟ و أي غد ؟
ارجع إلى سكن تعيش به ... ذهب الزمان و أنت منفرد
ترجو غدا وغدا كحاملة ... في الحي لا يدرون ما تلد
أمازالت تحتفظ بنقابها ؟ هل يدعوها إلى الانتقال للمقعد الأمامي و تبسطه مثله ؟
ما أحوجه في هذه الساعة إلى أن تكون جنبه !أن يتلمس تقاسيم وجهها !!!
ـ متزوجة ؟
فلت لسانه بالسؤال في العتمة ، سقط السؤال في هاوية سحيقة من غير أن يرتطم بالقرار
ولما طال ترقبه هومت يده وحامت حول وجهها تتحسسه إذا ما يزال على نقابه ، لكن حركة رشيقة اعترضت أنامله المنزلقة على حرير الملاءة ووضعتها في رفق على المقعد .
ـ أدر شريط رباعيات الخيام .
انكمشت أصابعه استحياء من طيشها و عادت تنام تحت رأسه .
ـ كأننا في بطن الحوت ، أحس أننا ننمحي في العدم .
ـ نم ، سيسهل عليك النوم عبور الليل .
تريد سد السبيل إليها فلاذ بالصمت متعاليا ، لكنه بقي يتقلب على الكرسي كالمضطجع على الأشواك ، إلى كم سيطول هذا الليل ، ليل الحيارى و الحزانى و الضحايا و المروعين يشعر الآن أنه يعيش لحظة لحظة في هذا البهيم المدلهم.
وكالمخدر يسري في أوصاله تسللت إليه السكينة حين لامست أصابعها شعر رأسه و أخذت تفركه ناعمة ، تفك خيوط الثواني ، تهدهده في أرجوحة الزمان وتسربه على مهل إلى عالم النوم .
في الغيبوبة المفضية إلى العالم الفسيح رأى نفسه يسيح وحيدا كالنهر في درب مسنن موغل في الحسرة و الألم ، تتقرح قدماه لدى كل خطوة ، تتخلع أظافره وهو يتشبث بالنتوءات عند المزالق ، يتبضع لحمه مما ينسلت بين المخانق ، تتشقق شفتاه بالملح و الظمأ ، وعلى الصخور البركانية تئن أجساد بشرية تنهش أكبادها نسور شرهة ، حتى إذا لاحت له بحيرة لازوردية تشف عن حصاها وركع ليعب منها ويكرع صيح فيه : هذه دموع الإنسان ملح أجاج .
حين أفاق من أخلاط نومه كانت السماء قد كفت و صفت ، وعصافير الشجر فوقه في شوق تستقبل إشراقة الصباح .
وحين تلفت يفتش عنها متلهفا ألفى مقعدها فارغا فاغرا ... !
نظر إلى الجسر قد تكون عبرته ، كان الماء انخفض مخلفا غثاءه عالقا بالدرابزين و النهر يجري بسيطا وديعا .
فتش نفسه ، قد تكون سرقته ، وثائقه نقوده كما هي ، لكنه وجد في نفسه حسرة و أسى على أن تفارقه على هذا النحو .
وهو يهم بإدارة المحرك وقع بصره على نقابها ملقى على لوح القيادة ، تناوله بأصابع ذاهلة ، ومن غير وعي راح يضعه على وجهه ويحدق في المرآة .
حاشية:
*قبر الرومية
معلم تاريخي يقع على رأس ربوة بالساحل الغربي يعلو على سطح البحر بمقدار 260 م ، يظهر للناظر من سهل متيجة ، ومن مرتفعات بوزريعة بأعالي العاصمة ، ويراه الصيادون و الملاحون من البحر و يهتدون به في تنقلاتهم البحرية .
خليف محفوظ
مطر جميل يسمونه في العربية القديمة " الديمة " . يقولون : " أمطرتهم السماء بديمة " .
شرح ذلك بإسهاب لتلاميذه حين وقف معهم عند قول المتنبي :
ليت الغمام الذي عندي صواعقه ~~~ يزيلهن إلى من عنده الديم
و اجتهد في تعليل التسمية باشتقاق لغوي أثار فيهم لذة الاكتشاف ، و أثار فيه المتعة و السعادة .
مشوار طويل قطعه ينثر الكلام ، يبشر بالخير و الحب . و في الأعوام الأخيرة بدأ يعروه شعور محبط ، بات يشعر كأنه ينبح في الظلام ، كأنه يرقم على الماء .
وحين تمطر على هذا النحو يحلو له أن يخرج إلى البراري و السهول ليغتسل من وضر الأيام .
حين جعل المدينة وراء ظهره و تأهب ليضاعف سرعته لمح عن بعد سيدة ملتفة في ملاءة سوداء تستوقفه من تحت مطريتها . تردد في الوقوف لها ، قد يكون إرهابيا متنكرا ، طالما لعبوا هذه اللعبة ، لا سيما أن المنطقة أحراش و منحدرات و سكنات فوضوية .
حينما حاذاها متمهلا غدا ظنه لوهلة شبه يقين إذ لاحظ أنها تخفي وجهها تحت النقاب ، ثم وهو يراقبها في المرآة رآها تكشف عن ساقها فيلوح من تحت السواد عمود البياض في إيماض خاطف كالبرق .
ابتسم لنفسه : قدم الإرهابي مفلطحة لا يستوعبها حذاء الكعب العالي .
وتراجع إلى حدها .
ـ إلى أين ؟
ـ إلى شرشال إن كانت وجهتك ، أو إلى أية محطة في اتجاه شرشال .
لم يشأ أن يفتح الباب ، ترك لها حرية أن تجلس جنبه أو خلفه .
تروت قليلا ثم فتحت الباب الخلفي و جلست ، و لكن في الجهة التي تعكسها المرآة .
انطلقت السيارة ، و رآها تسوي مطريتها و تنفض ما تناثر عليها من حب المطر .
صعب عليه تقدير سنها ، لكن صوتها يشي بالنعومة و الامتلاء الأنثوي.
و حدث نفسه : قد يوصلها إلى شرشال .
ساد صمت لا يسمع فيه إلا هسيس العجلات تمزق الماء و حركة مساح الزجاج ذاهبا آيبا .
في الخارج بدت السهول منبسطة عند السفح طافحة بالماء الذي تشكل بركا على مساحات شاسعة تمدها الشعاب بسيول و شلالات دافقة . ولا شيء في الأفق يوحي بأن السماء ستكف .
شعر بتوتر خفي ، عليه أن يحسم أمره ، أيوصلها أم ينزلها في أية محطة قادمة ويعود الهوينى يكمل جولته في الضواحي ؟
- ذاهبة أم عائدة إلى شرشال ؟
سألها يمد جسرا للحديث
ـ بل ذاهبة أزور خالتي ، مرضت وليس لها أحد .
أثاره الدافع الإنساني للزيارة ، و قال متطلعا إلى عينيها في المرآة يسبر ما وراءهما :
ـ كان عليك أن تبكري و تأخذي تاكسي أو حافلة .
عيناها نافذتان مشرعتان على العتمة .
ـ الظروف لا تنتظر حتى نخطط .
ثم أضافت ملمحة إلى مقصده
ـ وأحباب الله كثير .
هز رأسه ، و شرع يحسب في ذهنه : ساعة و نصف إلى شرشال ومثلها من شرشال ، الساعة الآن الرابعة و ...
ـ و هل طريقك إلى شرشال ؟
قطعت عليه حسابه قبل أن يحسم أمره ، لكنه قال :
ـ نعم .
*** *** *** *** *** *** *** *** *** ***
اعتدل في جلسته و أخذت السيارة تسابق ليل الشتاء الزاحف ، قطعان السحب المثقلة بالماء تسد الأفق بظلال قاتمة تخفي "*قبر الرومية" و التلال المجاورة، وطريق سيدي راشد يمتد طويلا كالأمل يعبر الجزء الغربي من سهل متيجة الخصيب .
كلما احتضنه هذا الطريق ثار فيه الحنين إلى أشياء مبهمة ، أشياء لا يستطيع لها حصرا ، أشياء كانت في يده ثم تسربت إلى الأبد ، أو كان يتمنى تحققها ثم أثبت له الدهر استحالتها ، من غير أن يعرف ما هي، و حده عقله الباطن يدرك كنهها . لذا لم يستطع مقاومة رغبته في سماع الموسيقى فعلق بصره في المرآة مستأذنا :
ـ ألا يزعجك أن أسمع شيئا من الموسيقى ؟
ـ مطلقا ، الموسيقى غذاء الروح .
بدا له أنها تتهكم ، و حين صدحت أم كلثوم برباعيات الخيام رآها تهز رأسها خفيفا ، و كأنها تمتمت :
ـ أنت كما أنت .
ـ نعم ؟
ـ غدا بظهر الغيب و اليوم لي ... وكم يخيب الظن في المقبل
اتسعت عيناه عجبا وهو يتطلع إليها في المرآة يتفرس في عينيها المشرعتين على العتمة ، في عتمة الملاءة ، على عتمة النقاب . ود لو تزيحه عن وجهها فيقرأ أية روح ترتسم عليه؟
من هذه التي تحفظ القصيد وتنشده بصوت عذب كالينابيع ؟ الينابيع التي نضبت منذ سنين
و انطمس معها داخل منطقة الخواء وتراجع العمر أمام قوة الأشياء ، كأنه يحس دبيب الفناء في معالم جسده ، في مجاهل نفسه، كأنه ينحدر مع سيزيف إلى قرار السفح من غير أن يشاركه مرة أخرى دفع الصخرة إلى القمة . ترى أية حقيقة تجلت لأبي حيان التوحيدي حين قرر حرق كتبه في آخر العمر ؟ ؟ ؟
ـ أمامك أمامك ...
انحرفت السيارة مخترقة بركة تطاير ماؤها الموحل غامرا الزجاج الأمامي مندفعة نحو شجرة مالت عنها في آخر لحظة إلى أقصى اليسار مترنحة إلى أقصى اليمين ، ثم عادت إلى الجادة لتنساب من جديد .
تنفس الصعداء ، و غرق في الصمت منقادا للموسيقى و الطريق يعبر به بساتين التفاح و الخوخ و الكرم موحشة جرداء ، انتصبت فروعها كأيدي الشياطين و اربد لونها حتى كأنها لن تورق غدا .
وهنالك في السهول البعيدة بدت الحقول المحروثة كالحة تحول بعضها إلى مسطحات مائية مترامية الأطراف . و أمامه اشتد نشيج المطر حتى غدا الماء يقع على الماء فلا يكاد يتبين الطريق ، فاضطر إلى تخفيف السرعة و تشغيل فوانيس الضباب .
تسلل إليه شعور بأنه مقبل على مغامرة لا يعرف عواقبها ، لكنه يجد رغبة جامحة في خوضها .
وعاد يخطف إليها النظر في المرآة : تجلس مستوية كتحفة ثمينة ، تنصت باهتمام إلى كلمات الخيام غير مبالية بالنحو الذي صارت إليه السماء ، و لا بالظلام الذي أخذ يخيم في الأرجاء .
لو تزيح النقاب عن وجهها !!! فيم تواريها خلفه ؟ ، من تكون؟ فضول بدأ يتحول إلى رغبة حارقة في أ ن يعرف من هي ؟
تذكر كشفها عن ساقها في بداية الرحلة ، و البياض الخاطف الذي انبعث من عمود الساق ، أي ضياء سينبثق لو سقط هذا السواد كله !؟
انتبه إلى أن السيارة قد تراجعت سرعتها إلى أدنى حد لكثافة التساقط ، و أنه يسير وحده في الطريق .
عند وادي بو يسغان توقف أمام هول السيول : كان النهر في أقسى جبروته يسوق أشجارا ضخمة مقتلعة من الجذور يدفع بعضها تحت الجسر ، و يركن بعضها إلى الأطراف سادا المسالك .
وراعه ارتفاع منسوب المياه : أقل من متر و يطغى على الجسر ، إن لم يدمره .
وحين رأت تردده أشارت عليه :
ـ إن شئت عد إلى حجوط ، أو أعبر قبل أن يتقوض الجسر .
ـ تسلل إليه صوتها عذبا ، أو هكذا خيل إليه خلال صخب الفيضان ووحشة المساء الشتوي ، فاستدار إليها بنصفه الأعلى و قال مبتسما :
ـ بل نعبر .
كأنها بادلته الابتسام من تحت النقاب فقوي عزمه على مواصلة الرحلة ، و إن اضطرته الأنواء إلى العودة على جهة الساحل .
استأنفت السيارة حركتها مثبطة تشق الماء ، ثم تحررت أكثر و هي تعانق مرتفع الناظور ، فراح يضاعف السرعة لعله يستدرك ما فاته من وقت و يصحح حسابه الزمني الذي سقط هو الآخر في الماء و الظلام.
علق بصره يبحث عنها في المرآة ، تلاشت تماما في العتمة مسيجة بالصمت ، كأنه وحده يحمل نفسه في هذا الطريق الوعر إلى وجهة ليست وجهته .
في أسفل المنحدر عند آخر منعرج سقطت أضواء السيارة على كائن مرعب من الأمواه و الظلام ابتلع الطريق و الجسر الذي لم يعد يظهر منه إلا جزء من الدرابزين يلوح كيد الغريق .
طرح جبهته على المقود .
ـ لا سبيل إلى شرشال .
ـ و ما العمل ؟
ـ لست أدري
ـ عد إلى حجوط و اقض الليلة هناك .
أحنقه أن تخاطبه على هذا النحو ، ألم تفهم بعد أن مصيرهما بات مشتركا ؟ وما جدوى هذا النقاب في هذه الظلمة في هذه الورطة ؟
أورثته جملتها الباردة شعورا قاسيا بالإحباط و العزلة ، ففتح المذياع يصل نفسه بالعالم ، جاءه صوت قائد الدرك الوطني لأمن الطرقات يعلم السائقين بالطرق المقطوعة عبر الوطن ، وعند حديثه عن طريق شرشال ذكر أنه مقطوع على مستوى وادي الهاشم وواد بو يسغان .
فعلقت بلا اكتراث :
ـ ولا سبيل إلى العودة إلى حجوط أيضا .
لم يعلق ، تراجع إلى حيث لا تطاله المياه ، ركن السيارة في أقصى اليمين ، ثم أطفأ الأنوار.
ـ نقضي الليلة هنا .
ـ لا مفر من ذلك .
مالها تتكلم على هذا النحو ، لاتجزع ، لا تفزع ، كأنما بيتت الأمر لتجره إلى هذا المأزق ، أو لعلها تثق فيه ثقة مفرطة .
و أضافت مواسية :
ـ وغدا تصحو السماء و ينفتح الطريق .
نظر حوله ، سقط في العتم الكلي في حين كان المطر يسفع سطح السيارة و وجهها بلا هوادة .
بسط مقعده حتى لامس حافة المقعد الخلفي ، وتمدد شابكا أصابعه خلف رأسه وتمتم :
أي طريق ؟ و أي غد ؟
ارجع إلى سكن تعيش به ... ذهب الزمان و أنت منفرد
ترجو غدا وغدا كحاملة ... في الحي لا يدرون ما تلد
أمازالت تحتفظ بنقابها ؟ هل يدعوها إلى الانتقال للمقعد الأمامي و تبسطه مثله ؟
ما أحوجه في هذه الساعة إلى أن تكون جنبه !أن يتلمس تقاسيم وجهها !!!
ـ متزوجة ؟
فلت لسانه بالسؤال في العتمة ، سقط السؤال في هاوية سحيقة من غير أن يرتطم بالقرار
ولما طال ترقبه هومت يده وحامت حول وجهها تتحسسه إذا ما يزال على نقابه ، لكن حركة رشيقة اعترضت أنامله المنزلقة على حرير الملاءة ووضعتها في رفق على المقعد .
ـ أدر شريط رباعيات الخيام .
انكمشت أصابعه استحياء من طيشها و عادت تنام تحت رأسه .
ـ كأننا في بطن الحوت ، أحس أننا ننمحي في العدم .
ـ نم ، سيسهل عليك النوم عبور الليل .
تريد سد السبيل إليها فلاذ بالصمت متعاليا ، لكنه بقي يتقلب على الكرسي كالمضطجع على الأشواك ، إلى كم سيطول هذا الليل ، ليل الحيارى و الحزانى و الضحايا و المروعين يشعر الآن أنه يعيش لحظة لحظة في هذا البهيم المدلهم.
وكالمخدر يسري في أوصاله تسللت إليه السكينة حين لامست أصابعها شعر رأسه و أخذت تفركه ناعمة ، تفك خيوط الثواني ، تهدهده في أرجوحة الزمان وتسربه على مهل إلى عالم النوم .
في الغيبوبة المفضية إلى العالم الفسيح رأى نفسه يسيح وحيدا كالنهر في درب مسنن موغل في الحسرة و الألم ، تتقرح قدماه لدى كل خطوة ، تتخلع أظافره وهو يتشبث بالنتوءات عند المزالق ، يتبضع لحمه مما ينسلت بين المخانق ، تتشقق شفتاه بالملح و الظمأ ، وعلى الصخور البركانية تئن أجساد بشرية تنهش أكبادها نسور شرهة ، حتى إذا لاحت له بحيرة لازوردية تشف عن حصاها وركع ليعب منها ويكرع صيح فيه : هذه دموع الإنسان ملح أجاج .
حين أفاق من أخلاط نومه كانت السماء قد كفت و صفت ، وعصافير الشجر فوقه في شوق تستقبل إشراقة الصباح .
وحين تلفت يفتش عنها متلهفا ألفى مقعدها فارغا فاغرا ... !
نظر إلى الجسر قد تكون عبرته ، كان الماء انخفض مخلفا غثاءه عالقا بالدرابزين و النهر يجري بسيطا وديعا .
فتش نفسه ، قد تكون سرقته ، وثائقه نقوده كما هي ، لكنه وجد في نفسه حسرة و أسى على أن تفارقه على هذا النحو .
وهو يهم بإدارة المحرك وقع بصره على نقابها ملقى على لوح القيادة ، تناوله بأصابع ذاهلة ، ومن غير وعي راح يضعه على وجهه ويحدق في المرآة .
حاشية:
*قبر الرومية
معلم تاريخي يقع على رأس ربوة بالساحل الغربي يعلو على سطح البحر بمقدار 260 م ، يظهر للناظر من سهل متيجة ، ومن مرتفعات بوزريعة بأعالي العاصمة ، ويراه الصيادون و الملاحون من البحر و يهتدون به في تنقلاتهم البحرية .
خليف محفوظ
تعليق