اللسانيات البنبوية /د. فؤاد بوعلي

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • فؤاد بوعلي
    أديب وكاتب
    • 16-05-2007
    • 213

    اللسانيات البنبوية /د. فؤاد بوعلي

    اللسانيات البنبوية
    مقدمة:
    لم تكن البنبوية وليدة الصدفة في عالم الدراسات اللغوية، ولا أنها انبثقت من فراغ، بل كانت مرحلة من مراحل تطور الدرس اللغوي، فكانت مسبوقة بتيارات ومدارس، لعل أبرزها: -النحو العام الذي اتخذ من المنطق وسيلة ومن التقويم اللساني غاية
    - فقه اللغة الذي اعتمد اللغة المكتوبة موضوعا، ومحاولة الوصول إلى السلالات اللغوية القديمة غاية.
    - النحو المقارن والذي ابتدأ باكتشاف السنسكريتة، وامتدى من فراتريوب إلى أن تكون العلاقات المشتركة بين اللغات ذوات الأصل الواحد موضوعا لعلم اللغة.
    وقد أراد سوسير بعمله هذا أن يكون علما قائم الذات، مستقلا عمن سواه، فاعتمد هذا المنهج الذي صاغه في النبوية جاعلا من موضوع الدراسات اللسانية دراسة اللغة من أجل اللغة، وإن كان تصوره لم يخل من اعتراض وانتقاد، فهو في منهجه اللغوي هذا كان متأثرا بمناهج عملية أخرى في حقول معرفية أخرى " فاستفاد كثيرا في وضع تصوره العام عن اللغة وعن أساليب بحثها من علم الاجتماع الدوركايمي، ومن التحليل النفسي الفرويدي، ومن علم الاقتصاد السياسي السويسري...، وتوجد إرهاصات متعددة لأساليب سوسير النظرية عند بعض اللغويين ممن سبقوه، أو عاصروه من أمثال الأوربيين بريال Breal، وبودران دوكرتني de courteney Boudouin وأنطوان مارتي A.Marty والأمريكي ويتني، ولكن لم يستطيع أحد من هؤلاء أن يصل إلى ما وصل إليه سوسير من النظرة الشمولية المتكاملة .
    وقد كان لسيطرة نظرية الأنواع على العصر أثر في توجيه الفكر السويسري، حيث إنه اعتبر اللغة ظاهرة اجتماعية يمكن ملاحظة أماراتها في كلام الأفراد وبذلك ميز سوسيرين اللغة والكلام،... واللساني يصف اللغة لا الكلام، على أنها شكل أو هيئة fokme، وليس باعتبارها مادة Substence، أي أن بحثه ينحصر في بنية اللغة وليس في مادة المكونة من الأصوات في الكلام المنطوق أو الحروف المطبوعة في الكلام المكتوب، بمعنى أن اللغة مستقلة عن القالب الفيزيائي الذي تصاغ فيه.
    وإن اللسانيات بما فيها البنيوية لم تسلم من التأثير الفلسفي، كما يقرر أحد الدارسين، وذلك في ثلاث مستويات: إيديولوجيا وايستمولوجيا وتنظيريا، وما يخص الجانب الأيديولوجي، خصوصا في أوربا حيث انصب الصراع بين الكنيسة والعلم بشقيه العقلاني والتجريبي، وقد كان عمل سوسير ضدا على معيارة اللغة ودمج المنطق فيها، وهو بهذا يتصف ضمن المنهج التجريبي اللغوي.
    كما أن سوسير يقف في دراسته اللغوية مع الكفايتين الملاحظة والوصف، ولا يتعدى إلى الكفاية التفسيرية، فهل مرد هذا إلى موقفه من الدلالة التي يجعلها خارج الاشتغال اللساني، ويكتفي فقط بشكلانية اللغة؟ وقد اعتبر التفسير أحد خصائص الخطاب اللساني- والخطاب العملي بصفة عامة- حيث يربط يبن ظواهر لغوية ومجموعة من المفاهيم يصوغها الواصف لتفسير تلك الظواهر.
    اللسانيات البنيوية
    يمكن أن نحدد معنى اللسانيات البنيوية انطلاقا مما خالف فيه سوسير من قبله من اللغويين، وبما تجاوزهم به، وذلك من حيث الموضوع والمنهج والغاية أولا: الموضوع:
    فاللسانيات هي العلم الذي يدرس اللغات الطبيعية الإنسانية في ذاتها، مكتوبة ومنطوقة كانت أو منطوقة فقط، مع إعطاء الأسبقية لهذه الأخيرة، لأنها مادة خام تساعد أكثر على التحقق من مدى فعالية أدوات بحث اللساني المعاصر... ويهدف هذا العلم أساسا إلى وصف وتفسير أبنية هذه اللغات واستخراج القواعد العامة المشتركة بينها، والقواعد الخاصة التي تضبط العلاقات بين العناصر المؤلفة لكل لغة على حدة.
    وقد كانت التيارات اللسانية السابقة تشغل على اللغة، لكن ليس بالكيفية التي تشتغل بها البنيوية، فكان النحو اليوناني مشتغلا بالمعيارية والمنطق ولم يتسن له أن يعير ملاحظة الظاهرة اللغوية اهتماما، وما يخص فقه اللغة، فإنها ارتبطت باللغات المكتوبة القديمة وكان الهدف هو الوصول إلى النسخ الأصلية، مع اهتمام بالغ بالتعاليق والشروح، وهذا قد أساء إلى اللغة من حيث هي شكل، والاتجاه التاريخي اعتبر قاصرا لكونه لم يتقيد إلا باللغات ذات القرابة السلالية، كما أن المقارنة عندهم اهتمت فقط بالخصائص المشتركة، ولم تتعد إلى الاختلافات، كما أنها كانت مختلفة منهجيا من حيث تحديد العينات المدروسة متفاوتة في الزمان والمكان.
    أما ما يخص الموضوع بالنسبة لسوسير، فيمكن القول بأنه اهتم بما توصل إليه فرانزيوب، من كون العلاقات المشتركة بين اللغات المتحدة الأصل يمكن أن تصير موضوعا للغة. فطور هذا وبنى عليه نظريته في الموضوع.
    وأول إجراء قام به سوسير هو فصله اللغة إلى ما هو لسان، وما هو كلام وفي هذا الإجراء قام بالتمييز بين مادة العلم اللغوي Matièu وموضوعه objet فمادة اللسانيات تتشكل أولا من مجموع تمظهرات اللسان البشري، سواء تعلق الأمر بالشعوب البدائية أم المقصرة، القديمة أم الراهنة، آخذة بعين الاعتبار في كل حقيقة مجموع أشكال التعبير، وليس اللغة المستقيمة واللغة الجميلة، هذه المادة اللغوية سمحت لعدد من العلوم أن تناول اللغة، كل حسب اختصاصاته، تنوغرافيا وأنتروبولوجيا وعلم نفس وعلم اجتماع... هذه المادة تصلح أن تكون موضوعا للعلم لأن العلم يسعى لأن يحصر، ولأن يبتعد عن المعطى المحسوس الذي ننطلق منه بالملاحظة إلى تغييره والزيادة عليه، وتنظيم المعطيات وترتيبها، وإقامة علاقة بين عناصرها بغية تحويلها إلى شيء قابل لأن يكون موضوع علم، إن المادة شيء والموضوع شيء آخر من هنا قسم سوسير اللغة الملكة الطبيعية، إلى لسان ملكة اجتماعية، وإلى كلام ملكة فردية، وجعل من اللسان الملكة الاجتماعية موضوع علم اللغة، لأنه كل في ذاته، أي أنه فضاء منسجم داخلي لا ينخرط في العالم الخارجي، وللسان شكل واحد، ويستحيل أن يتوزع على حقول معرفية مختلفة، ووحدته ظاهرة لأنه النتاج المشترك الاجتماعي، ولأنه يتسم بالخاصية الاصطلاحية.
    إن سوسير يعمق النظرة أكثر بالاستفادة من دورة الكلام، ليجعل من اللسان الثورة المختزنة بواسطة ممارسة الكلام،وهي ثروة موزعة بشكل غير متكافئ، إنها ثورة باطنة وخفية، يفصح عنها الكلام، وهو أيضا نسق نحوي أي نظام من القواعد هذه الأوصاف المتعددة لسان تجعل منه نسقا محايثا مثوليا lmmensité.
    هذا التقسيم الثنائي للغة ولد نوعين من اللسانيات: لسانيات اللسان ولسانيات الكلام، وبه يكون سوسير قد تجاوز عائقا منهجيا يقول: " كان هذا هو أول تقسيم متشعب صادفناه عندما حاولنا أن نبحث عن نظرية لغوية، وتحتم أن نختار بين طريقتين يستحيل السير فيهما معا في ذات الوقت، فتعين أن نسلكها مفترقتين. ومن هنا قسم اللسانيات إلى قسمين: قسم جوهري موضوعه اللسان، وقسم ثانوي يخص ما يتعلق باللسان من ظواهر لغوية تصويتية وفيزيائية وفيزيولوجية، مما له تعلق بأعضاء النطق، وهو تابع للقسم الأول، ومثل اللسان هنا يسنفوتية موسيقية.
    ثانيا: المنهج
    ما يخص المنهج، فإن سوسير جاء بمنهجه النسقي البنيوي، الذي يعتبر اللغة نظاما، وهو بهذا يسجل قطيعة مع التيارات اللغوية قبله، التي كانت تعتمد منهجا معياريا لا يقوم على الوصف كما في النحو اليوناني، أو منهجا مقارنا تاريخيا، ولكنه لم يكن عمليا بالأساس، :ولم يكن سوسير معارضا للمنهج التاريخي في دراسته اللغة، بل إن تاريخه يشهد بأنه أمضى كل حياته تقريبا في دراسة اللغات وتطورها معتمدا على هذا المنهج، ولكنه رأى أن اللغويين كثيرا ما يخلطون بين دراسة بنية اللغة في مرحلة زمانية معينة، ودراسة تاريخ تلك اللغة. فقد كان منهج سوسير قائما على اعتبار اللغة "نظاما من العلامات قوامه اتحاد المعنى بالمبنى" وهي أي اللغة " في كل لحظة تقتضي أمرين مثلا زمين نسقا أو نظاما، قارا ثابتا ومتطورا معا، وفي كل وقت وحين تكون اللغة متولدة ناشئة في الزمن الحاضر، وإنتاجا للزمن الماضي، وبديا يظهر أنه من اليسير علينا أن نميز بين هذا النسق وبين تاريخه، أي بين ما يوجد عليه الآن، وبين ما كان عليه، وفي الحقيقة، إن ما يربط هذين الأمرين، ويوجد بينهما، لهو أمرمتين الصلة، بحيث كاديوكون من المتعذر الفصل بينهما.
    وجدير بالذكر لم يتحدث عن البنية، وإنما تحدث عن النسق، ولكن تلامذته من بعده أدخلوا هذا المصطلح، فماذا تعني البنية؟ يعرفها رواد المدرسة البنيوية بأنها "النظام الذي يعمل وفقا لقوانين، وهذا النظام يتطور بناء على وظيفة هذه القوانين الداخلية، دون الرجوع إلى عناصر خارجية" وتتميز البنية بالخصائص الثلاث الآتية:
    -الشمولية transformation: ومفادها أن البنية مكتفية بذاتها لا تحتاج إلى وسيط خارجي
    - التحويل autorégluge: وهو الذي يخول للبنية طابع المحافظة والانغلاق، فرغم وجود التغيير فإنها تحافظ على طابعها الحافظ المغلق.
    فاللغة وفق هذا النظام كيان مستقل، مكون من العناصر التي بينها استقلال داخلي، فوحدات اللغة تتحدد من خلال العلائق الداخلية التي تجمعها، إذن إن وجود أي عنصر فونيم أو مونيم، يخضع على مستوى الشكل لمجموع العلاقات التي تجمعه بالعناصر الأخرى، ويتضح من هذا أن مفهوم أو معرفة البنية لا يمكن أن تنتج عن تحليل كل جزء على حدة، من هنا كان علينا القوا –ولد مبدئيا- بأن العناصر لا يمكن أن تسبق وجود الكل، فالعناصر لا تؤخذ منفردة، بل من خلال المجموع، أي وظيفتها داخل الكل، وهنا يقال بأن المنهج هو الذي يحدد الموضوع.
    هذه الطريقة التي تعمل بها البنية صيغ لها مصطلح المحايثة lmmensité ومفاده أن اللغة مجموعة من العلاقات الداخلية ينبغي رصدها بصرف النظر عن مختلف العوامل الخارجية المرتبطة بها (المتعلم، المستمع، المقام، التاريخ) إن اللغة من منظور هذا المبدأ لا تقبل التحليل أولا من خلال خاصياتها الداخلية التي تجعل منها بنية مغلقة ومنعزلة عن كل الشروط الخارجية المحيطة بها.
    ورغم أن المظاهر الخارجية عن البنية تبقى معزولة فإن البنية تبقى مستعدة لتقبل عدد لا نهائي من الأشكال والتعالقات، وهذا ما يدفعنا إلى الحديث عن النسق الذي تحدث عنه سوسير وشبه فيه اللغة برقعة الشطرنج، حيث حدده بأنه "المجموع الذي جمع كلماته مرتبطة، وهو توازن معقد للكلمات التي تتحدد بالتبادل، وينتج عن هذا أن أي تغيير للكلمة من مكان لآخر، يسبب تغييرا تاما في جميع النسق، لأن النسق اللغوي هو سلسلة تيانيات الأصوات أو اختلاف الأصوات مرتبة مع سلسلة تبانيات أو اختلافات الأفكار، فإذا كانت العناصر فالبنية خاضعة لمجموع قوانين النسق، ولها علاقة بالنسق، بحيث لا يمكن الحديث عن بنية في ذاتها، فعندما نتكلم عن بنية، نتكلم عن بنية الإنساق يقول، اللغة نسق لا يخضع إلا لنظامه الخاص"، " واللغة نسق من الدلائل الاعتباطية".
    وكإجراء تطبيقي لعمل النسق على اللغة اقترح البنيويون مفهوم المتى –النص- العينة corpuce وانطلاقا منه، تحدد النظام اللغوي المتمثل في مستويات التي تقوم عليها العينة اللغوية، بل والتي يجب على كل باحث لغوي القيام بها".
    ويذكر المستويات الثلاث الفونولوجي والموفو تركيبي والمعجمي، ويقول في مكان آخر: " ويختلف الأمريكيون مع الأوربيين حول قضية العينة اللغوية التي تقوم كأساس منهجي لكل الاتجاهات البنيوية، فالأمريكيون يعتبرون أن النص منته يوصف لذاته، بينها الأوربيون وخاصة ملمسلف، يعتقدون أن النص غير منته، لأن بنية يمكن أن تعمم على باقي النصوص غير الجاهزة، أو التي هي في متناول الدارس الذي يقوم يجمعها، ولذلك تعمم عليها النتائج رغم غيابها من صلبة الدرس وهكذا يعتقد H.Fvei أن دراسة النص اللغوي ليست لذاته ولكن دراسة النص اللغوي كله من خلال هذه العينة".
    هذا النص أو المتن حتى يكون منسجما مع مفهوم النسق المحايث، يشترط فيه البنيويون أن يكون: - متجانسا homogèine: فلا يخلط فيه بين وقائع لسانية متجاورة أو متغايرة زمانا ومكانا.
    - ممثلا représentatif: بمعنى أن يشمل جميع الوقائع المتجانسية فلا يلغى أية واحدة منها.
    - مسنجها وذلك بأن يكون صادرا عن فرد طبيعي يتلافي كل ما من شأنه أن يكون تصنعا أو إضافة كاذبة، والمعطيات الواردة فيه يفهمها جميع الأفراد الذين يتكلمون تلك اللغة.
    ثالثا: الغاية
    واللسانيات البنيوية تختلف عن الدراسات اللغوية قبلها من حيث الغاية، فهي تدرس اللغة لأجل اللغة، وذلك عن طريق تصنيف عناصرها واستقراء العلاقات القائمة فيها بينها، فاللسانيات تعالج القضايا اللسانية انطلاقا من المبادئ الواحدة، وتسعى إلى تفسير هذه القضايا بصورة متكاملة، فتعتمد المعايير ذاتها في تحليل التنظيم اللغوي وهذا النهج ناتج بصورة أساسية عن النظرة إلى اللغة على أنها وحدة قائمة بذاتها، متماسكة في شكل ذاتي، لهذا السبب يجدد سوسير موضوع اللسانيات ويحصر مهمتها في: -البحث عن القوانين التي تعمل بطريقة ثابتة وكونية بالنسبة لجميع اللغات، وكذلك استخراج القوانين العامة التي من خلالها يمكننا أن نرجع جميع الظواهر الخاصة بالتاريخ.
    -وصف الألسنة والتاريخ لها وهو ما يعني القيام بتاريخ للعائلات اللسانية وإعادة بناء الألسنة الأصول لكل عائلة.
    - تمييز اللسانيات عن باقي العلوم، وفيه تم الفصل بين مادة اللغة وموضوعها.
    كيف تعمل البنيوية:
    إن اللسانيات البنيوية لسانيات وصفية، معناه أنها لا تعدو الوصف إلى التفسير، ومن هنا فهي لا تولي المستوى الدلالي كبيرة فائدة، فيبقى عندها هامشيا، وقد مر أن النظام يسبق العناصر، أي أن الكل يسبق الجزء. وان المنهج هو الذي يحدد موضوعه، من هذه المنطلقات تعمل البنيوية على تفكيك المتن اللغوي إلى جزيئياته، ثم تقوم بإعادة تشكيلية وفق مقولاتها، " إن وصف تركيب لغة معينة معناه أساسا بالنسبة للغوي البنيوي تجزيئي العينة اللغوية وتحديد العلائق التي تجعل العناصر تلتقي ببعضها داخلها، وهذا التجزيئي يكون إلى المكونات المباشرة للجمل غير مدخل الدلالة في الاعتبار لأن التركيب البنيوي يهتم فقط بالتجزئة والتركيب بين العناصر المكونة للنص، وبذلك يبقى مخلصا لمبدأ المثولية، وغير مختلف مع القضايا التي يطرحها الإبداع اللغوي، رغم أنه يعالج فقط قضايا الشكل الذي تقوم عليه العينة بعيدا عن الدلالة.
    وكتعديل لإقصاء المستوى الدلالي من التحليل البنيوي تأتي بديهية بلومفيلد التي يسلم بها، وهي: "لكي نحدد دلالة الأشكال اللغوية يجب أن تكون لدينا معرفة كاملة بملابسات المتكلم، ولما كان ذلك صعبا نظرا لإنعدام الوسائل التي توصلنا إلى ذلك فإننا نكتفي بالشكل وهنا ينحصر موضوع الدراسة اللغوية.
    وتعمل البنيوية انطلاقا من مفهوم الترابية Hiérachié الذي مفادة أن اللغة مكونة من مجموعة من المستويات التي تندرج فيها، من المستوى البسيط المستوى الفونولوجي إلى المستوى المعقد المستوى التركيبي، حيث تتحدد عناصر كل مستوى في علاقتها بالمستوى الأعلى أو الأسفل، فالفونيم باعتباره الوحدة اصوتية التمييزية الدنيا، في الجملة يتحدد داخل مستوى أعلى يشكل ضمنه جزء هو المستوى المورفولوجي، كما أن الموفيمات باعتبارها وحدات للمستوى المورفولوجي تشكل مكونات للمستوى التركيبي الذي يتكون من الجمل وتقوم بين هذه العناصر علاقات ترابية تمكن من ضبط القوانين الداخلية لكل مستوى على حدة.
    إذن تعمل البنيوية انطلاقا من هذا المفهوم على تفكيك المتن إلى مستويات، وهذه العملية لها ضرورة منهجية تتيح لنا تلافي التعقيد الذي يميز الظاهرة اللسانية عموما، وإحالتها إلى نسق مبنى وفق ترابية مضبوطة، كما يعتبر هذا أسلوبا إجرائيا نعمد من خلاله إلى تقنين الوحدات اللسانية ضمن المستوى المحدد الذي تندرج تحته، فالوحدات الصوتية الفونيمات يتكفل بدراستها المستوى الفونولوجي، والوحدات الصرفية المورفيمات يتكفل بدراستها المستوى المورفولوجي، والبنيات الجميلة يتكفل بدراستها المستوى التركيبي.
    والمنهج البنيوي يرى في اللغة جانبها البنيوي أي أنه يفهمها على أنها مجموعة من البنيات المتناسقة بناء على مجموعة من القوانين المحكمة، وهو لا يركز على البنية في حد ذاتها في بداية الأمر، بل ينطلق أولا من بحث العلاقة بين عناصر البنية ثم يتدرج صعدا إلى أن تكمل بنية اللغة ويعود إلى تجزيئها من جديد، وهذا المنهج يعزل النص عن صاحبه، وعن الظروف التي أملته فيطبق بذلك مبدأ المثولية، والطريقة المشهورة في هذا المنهج هي القيم الخلافية والتوزيع فاللغة إذن يفترض أنها ساكنة في مرحلة ثابتة بعيدة عن التأثير الزمني عليها، رغم أن هذا لا يوجد إلا في زمن الدارس، يفترضه منهجيا لكي تسهل عليه عملية الدرس، ومعنى هذا أن الزمن غائب عن سطحية الدراسة اللسانية إبان إجراء عملية التحليل اللساني على نص معين.
    لكن الجدة عند سوسير تكمن في منطق الثنائيات الذي جاء به، "ويمكن تجسيد هذه النظرة الشمولية في التقابلات الثنائية التي تمكن الإحاطة بها في دقائقها من معرفة جوهر أسس اللسانيات البنيوية... ويمكن تقسيم هذه الثنائيات إلى صنفين: الأول إجرائي، الغرض منه هو الجواب عن السؤال التالي ما هو موضوع اللسانيات؟ والثاني منهجي، يتعلق بطبيعتها وطبيعة العناصر المؤلفة لها ويمكن حصر هذه الثنائيات فيما يلي:
    -المؤسسات الاجتماعية/ المؤسسات الترميزية
    - اللسان / الكلام
    - اللسان / اللغة
    - دراسة اللغة من الداخل/ دراستها من الخارج
    - السانكرونية / الدياكرونية
    - المستوى الجرذي الترابطي/ المستوى التركيبي
    - الحال / المدلول
    وحتى تستجيب الدراسة البنيوية لتغطية جميع اللغات، فإنها تتجه إلى تحديد الفروع اللسانية، بدء من اللسانيات الوصفية التي تعنى باللغة الخاصة، حيث تتمكن من جميع كل القوانين المتحكمة في كل لغة على حدة إلى أن تخرج بقوانين كلية، هذه القوانين الكلية هي من طرح وصنع اللسانيات العامة أي هي التي تتمكن من تقديم المفاهيم والمقولات التي تحلل بها اللغة المعنية، وبين اللسانيات الوصفية العامة تداخل وتكامل وجدلية.
    وهنا سوف نتقدم بالحديث عن بعض الثنائيات، وقد مضى الحديث من ثنائية اللسان والكلام، وثنائية المادة والموضوع التعليقين باللغة كليها
    • ثنائية الدال والمدلول:
    لا يريد سوسير أن يستبدل مصطلح الدلالة لأنه لم يجد بها يستبدله، ثم هو يجعله تعبيرا عن ثنائية الدال والمدلول، وهو يقصد بالدال الصور السمعية lmage acoustique التي يحدثها التصويت الفيزيائي، بمعنى أن الدال ليس لفظا أو صوتا، وإنما هو صورة سمعية تنتج عن الإنطباع النفسي الذي يتركه الأثر التلفظي، والمدلول عنده هو التصور concepte القائم في النفس أو الزمن، وليس هو الصورة الخارجية للشيء، فالدلالة عبارة عن ترابط وثيق بين التصور والصور السمعية، هذا يقوله سوسير، ليثبت مثولية اللغة ومحايثتها، وانفكاكها التام عن الواقع الخارجي، وهو بهذا يعلن رخصة التام، للتصور القائل بأسبقية الفكر على اللغة وأن الأفكار جاهزة وسابقة للكلمات، ثم إن هذا الاتجاه المنتقد، لا يستطيع أن يفصل في طبيعة الأسماء هل هي صوتية أو نفسية.
    والعلاقة الثابتة بين الدال والمدلول علاقة اعتباطية، وعليها يفسر تعدد اللغات واختلاف الدلالات بين الشعوب ولا يعني الاعتباطية هنا الفوضية، بل قد سبق في موضوع اللسان وأنه فعل جماعي يعلو قدرة الأفراد الاتباطية تعني عدم التعليل لهذه العلاقة ولا يعترض على هذه الدعوى بأصوات المحاكاة وأساليب التعجب والاستغاثة، إن هذه صورة العدد في اللغة، وبين هذه الأساليب اختلاف بين اللغات.
    وللدليل خاصية أخرى وهي خاصية الخطية ومعناه أن الدليل يمتد في الزمن طوليا، وهذا الامتداد هو المسافة الزمنية التي يقطعها الدال وهو تأكيد على الجانب الترابي للغة، وهو إجراء منهجي يعمل عليه التحليل البنيوي للغة، فالتتابع الخطي يعني أن الأشكال اللغوية تأتي متتابعة في شكل تسلسل، وأن الواحد منها يأخذ بالآخر في علاقة متحتمة، وهنا تدرس العلاقات البنيوية، ولا يقف الأمر في خطية الدال مع الكلمات أو المقاطع بل يتعدى ذلك إلى الجمل والنصوص، ومن هنا يأتي الدور التجزيئي التفكيكي للغة الذي يعقبه ضم وتجميع، وهذه الخاصية الخطية تنفتح بنا على ثنائية أخرى.
    • الوصف المركبي والوصف الترابطي الاستبدالي:
    المركب الترتيبي كما ينعته سوسير فانطلاقا من الخاصية الخطية للدال، فإن الامتداد التسلسلي يسمح ببناء نماذج معينة من المتواليات، وهي وإن كانت تخضع لحرية المتكلم فإنها لا غنى لها عن المرجعية اللسانية، وهذا المركب الترتيبي يخضع لعلاقة حضور فعلي، فقولك مثلا الولد، هذا المركب يكتسي قيمته بالعلاقة القائمة بين طرفيه أو أطرافه، تلك العلاقة القائمة على التعارض، فأل: لا تكتسي قيمتها إلا بتعلقها بما بعدها وهو جدر ولد، وولد لا يكتسي قيمته إلا بالتعلق بما قبله وهو أل.
    هذه العلاقة المركبة علاقة حضورية خطية قولا أو رسما، وترتبط بهذا المركب علاقة أخرى ترابطية أو استبدالية، وهي علاقة ذهنية غير حضورية، والمتكلم ينتقي مما يتداعي في ذهننا ما لا يحصى من الوحدات اللغوية كقولنا: الولد يقرأ أو يكتب أو منشرح، ومن هنا نقول إن العلاقة الترتيبية لأنها خاضعة للترتيب الخطي للدال، وسميت الأخرى بالترابطية أو الاستبدالية فيما حسب ما يقتضيه المركب الترتيبي لذا فقولنا الولد يستدعي ذهننا وحدات متعددة، نحن الذين نختر ونستبدل منها حسب ما يناسب المركب الترتيبي الذي هو الولد فلا يصبح أن نقول الولد الجدار أو الولد يشتغل.
    • السانكرونية والدياكرونية
    السانكرونية أو التزامنية حالة آنية تدرس خلالها اللغة في اقتطاعها من الزمن، واللسانيات السانكرونية تعني بالعلاقات المنطقية والسيكولوجية، التي تربط بين العناصر المتزامنة والمكونة للنسق، مثلما هي مدركة من قبل نفس الوعي الجماعي، بخلاف اللسانيات الدياكرونية، فهي تدرس اللغة في تعاقب زمني وتطور تاريخي، وهي على العكس من الأولى، تهتم برصد العلاقات التي تربط بين العناصر المتعاقبة غير المدركة من قبل نفس الوعي الجماعي، والتي تعوض بعضها بعضا، دون أن تكون فيما بينها نسقا، وهي لا تكون مدركة أولا عند اللساني، ولا يتأخر سوسير أن يضرب المثل بذلك برقعة الشطرنج، وأن كل حالة يقع فيها تحريك أحد قطع اللعب، تمثل نسقا يمكننا وصفه ودراسته دون أن نهتم بالحالة التي كانت قبل، ولا إلا ما تؤول إليه بعد.
    ولقد تم مراجعة هذه الإجرائية خصوصا من طرف ياكسبون الذي اقترح مفهوم السانكونية الدينامية، و مفادها أن كل حالة سانكرونية تحمل في طياتها إرهاصات للتغيير المرتقب، وشوائب من التغير السابق، كذلك الحال بالنسبة لأندري مارتيني الذي رأى أنه " من الصعب تجنب الاستعانة بالدياكرونية خصوصا عندما نريد أن تتعرض لوصف سانكروني ما ببعض العمق، لا بأس في هذه الاستعانة شريطة أن يتعلق الأمر في موضوعها بأشياء محدودة ومحددة، وأن نعرف في كل لحظة من لحظات تقديم نتائج دراستنا المستوى المعنى هل هو سانكروني أو دياكروني." وكما مر فإن سوسير لم ينكر الجانب التاريخي، وإنما أنكر الخلط بين المستويين.

    خاتمة
    وكما مر في هذا العرض فإن المدرسة البنيوية كانت امتدادا مر حليا للدراسة اللغوية استفادت مما كان قبلها من حيث المناهج، وإن كانت قد دشنت علميتها بتسجيلها القطعية المعرفية معها وذلك، من حيث تحرير الموضوع والمنهج وتحديث الغاية وكانت جدة سوسير في ابتكار الثنائيات التي خولت له الجو المناسب لدراسة اللغة دون أن تعترضه عوائق منهجية.
    يبقى السؤال المطروح، هل استطاع سوسير أن يسد العوز الموجود في الدراسات اللغوية؟ هل استطاع أن يصحح مسار هذه الدراسات؟ هل كان الجواب عن موضوع الدلالة بتعذر تحقيقه مع بلومفيلد مقبولا؟ وهل كانت المدارس اللسانية التي بعد البنيوية ضرورة حتمية لا غنى عنها ويكون منهج سوسير قد اعتراه ما اعترى غيره من المدارس والمناهج التي انتقدها؟.
    إعداد : ماستر الدراسات اللغوية بالغرب الإسلامي
    جــســــــــــور
    المجلة الدولية لعلوم الترجمة واللغة
    المراسلة :
    traductionmagazine@gmail.com​
  • د. م. عبد الحميد مظهر
    ملّاح
    • 11-10-2008
    • 2318

    #2
    الأخ الكريم د. فؤاد

    تحية طيبة

    كقارىء عادى يحاول ان يتابع ما يجرى فى هذا الملتقى اعتقد ان هذا الموضوع طويل وبه العديد من المصطلحات المترجمة ، والتى يصعب استيعابها لغير المتخصص ، وعادة يقل عدد من يتابع ما يقال عن البنيوية من المثقفين العرب على الشبكة العنكبوتيه.

    لذلك اعتقد انه من الصعب للكثير من القراء متابعة الموضوع والاستفادة منه دون تعديلات تجذب القارىء العادى فى هذا الملتقى، ليتعرف اولا على علم اللسانيات عند الغرب :ما هو ومفاهيمة ومناهجه ؟ و علم اللسانيات عند العرب ثانياً مقارناً بما يحدث فى الغرب.

    و ربما كان من المهم ان نعرف ايضا مدى دقة تطبيق مناهج اللسانيات الغربية عندما تطبق على اللغة العربية وهناك فروق كثيرة بين اللغات الإندو أوربية ومنا الإنجليزية والفرنسية والألمانية ، وبين اللغات السامية ومنها العربية والعبرية.

    لذلك اقترح ، من أجل الاستفادة لأكبر عدد من القراء ، ان يقسم الموضوع إلى عدة حلقات و يكتب بلغة يمكن متابعتها دون التوهان فى المصطلحات.

    وتحياتى

    تعليق

    • أحمد أنيس الحسون
      أديب وكاتب
      • 14-04-2009
      • 477

      #3
      د. فؤاد
      أشكرك من القلب أخي لهذا الدرس اللغوي المهم
      لا أستطيع أن أضيف شيئاً ، إلا أن سوسير يعد بحق أب الدرس اللساني.
      أما أن المدارس مابعد البنيوية كضرورة حتمية فذاك عين الصواب بعدما انغلقت البنيوية على نفسها زمناً.

      قد أحتاج المرور أكثر للربط بين تلك المراحل ابتداءاً من سوسير وثنائيته إلى بلومفيلد وتناوله الدرس اللغوي فلسفياً.
      وحقيقة الدرس اللغوي شاق ويحتاج متابعة مستمرة ، وأبارك فيك هذا الروح اللغوية القيّمة، وأشكرك من قلبي لجهدك في هذه المقدمة النظرية للسانيات البنيوية.

      دمت بخير ومزيد قيّم أخي.
      sigpicأيها المارون عبر الكلمات العابرة ..

      اجمعوا أسماءكم وانصرفوا
      آن أن تنصرفوا
      آن أن تنصرفوا

      تعليق

      يعمل...
      X