تبان جدي / سمية البو غافرية

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • صادق حمزة منذر
    الأخطل الأخير
    مدير لجنة التنظيم والإدارة
    • 12-11-2009
    • 2944

    تبان جدي / سمية البو غافرية



    تبان جدي / سمية البو غافرية

    كم أحن إليك سميتي!...
    سميتي ابنة عمي.. وديعة جميلة .. نسمة عذبة.. اختارها قلبي من ضمن جل بنات أعمامي الأربعة.. نقطن معا في الطابق الثالث وفي شقتين متقابلتين من بيتنا الكبير..أقبلها كل صباح وأحيانا أقبلها بالليل حينما نفترق في السلم ليأوي كل واحد منا إلى فراشه.. كانت تخجل وتمانع حينما أقبلها من فمها.. لكني أذكر أني استرقت منها ثلاث قبل.. طعمها ما يزال يسري في شراييني ويذيب كياني شوقا إليها.. فألعن في كل لحظة، غفلتي التي ضيعت مني سميتي وألعن الزمن الذي خطف منا عصفور السلام...
    رحل عصفور السلام ورحلت معه كثير من أحلامي..
    أعرف جدي، أن اسمك عبد السلام.. لكن اسمك ذاب على لساني من يوم ما سمعت جدتي تقول: "عصفور السلام ليس على ما يرام".. فقفزت إليك من وسط حلقة أحفادك وقطعت علينا حبل حكاياتها لتسندك حتى توصلك إلى فراشك..
    حدثتني جدتي كثيرا عن جناحيك.. ورغم أني لم أرهما قط فكنت أتخيلهما كبيرين واستشعر بالأمان تحت ظليهما.. لا صوت يعلو على صوتك في بيتك الكبير الذي بنيته بيدك.. وإذا صدح صوت ليقطع بيننا وبين شقاوتنا كسرته بصوتك الأجش الصارم: دعوا المصابيح تنشر ضياءها في القلوب وتبث الحياة في أرجاء البيت.. وإذا امتدت أياد لتخطف أحدنا من حلقة أحفادك الكبيرة الملتفة بك حول طبقك نهرته قائلا بأنك لا تشبع إلا وأنت وسط أحفادك. فتضحك لنا وتحدق في وجوهنا وتدير عينيك بحلقتنا الكبيرة حولك وتمد يدك لتحشو أفواهنا الشرهة حتى آخر لقمة في طبقك ثم تمتص أصابعك وتحمد ربك..فأتساءل كيف شبعتَ ونحن من تخاطف على طعامك؟.. لعل يدا خفية كانت تطعمك جدي؟!..
    كم أتخيلك جدي جائعا الآن؟!..
    منذ مدة وأنت ممدد في فراشك الأبيض مثل لحيتك الكثة المسدلة على صدرك.. لا نسمع لك غير الأنين.. بينما احتدت حولنا أصوات الزجر تلجم فينا كل حركة.. انتظرت طويلا أن تتحرر من مرضك لتحررنا ونطلق مرحنا لعينيك المبتهجتين.. ولما يئست من الانتظار وضقت حد الاختناق من الجو الكئيب ضغطت على أبي بأن نصعد إلى شقتنا.. ونقفل علينا هناك لكن ما أن رد علي:" جدك يحب أن يرانا دائما مجتمعين.. " حتى صار فراشي جنب سريرك.. أحرصك طيلة الليل كما كانت تفعل جدتي من قبل..
    سألتك ذات ليلة:
    ـ لماذا تقوم الليل تصلي وتكثر من الدعاء؟؟
    أجبتني بأنك تستدعي في صلاتك عصفور السلام ليحوم حول بيتنا الكبير ويدرأ عنا الشرور. فأدركت حينها أن عصفور السلام يبرح البيت في الليل حينما يطمئن علينا وأن علينا أن نستدعيه بالصلوات والأدعية حتى يظل وفيا لنا.. فكنت أحفظ كثيرا من أدعيتك وأصلي سرا ذات صلواتك ثم أحضن إلي طيف سميتي وأنام.....

    في المدة الأخيرة كنت تنام أكثر مما تفيق.. ما تفتح عينيك حتى تغمضهما..أولادك وزوجاتهم كانوا هلعين ويتحدثون كثيرا على رحيلك الوشيك ويتفقدون أحوالك باستمرار.. ما يخرج أحدهم حتى يدخل الآخر.. يضع رأسه على صدرك ينصت إلى همس قلبك ثم يمضي.. وأحيانا يحفظون بصماتك على الورق كما فعلت أنا أيضا في دفتر ذكرياتي ذات صباح.. سألت أبي عن سر تلك البصمات التي يحتفظ بكثير منها فنصحني بألا أفشي سرها لأحد وأن الطبيب نصحه بأن يفعل.. فخمنت أنهم يسعون إلى تمديد عمرك جدي بعد دراسة بصماتك؟؟.. فاطمأن قلبي.. ما أشد ما يرعبني مجرد التفكير في رحيلك.. أتخيل أن بيتك سيضحى مرفأ لكل الأهوال إذا رحلت عنه...
    فمن يستدعي لنا عصفور السلام غيرك جدي؟؟..

    يوم خمد نفسك ورأيت جسدك كلوح ممدود فوق السرير، اندفعت متحرقا ألطم جسدي بيدي وأصرخ بأعلى صوتي في بيتك الكبير: عصفور السلام رحل! .. عصفور السلام رحل !..
    اجتمعنا حول جثمانك وانضم إلينا الجيران والأقارب.. بيتك الكبير صار سوقا كبيرة من شدة الازدحام.. بناتك يصرخن طول الوقت.. وأبناؤك يطأطئون رؤوسهم في الأرض يحولقون ويخمنون.. يخمنون كثيرا حتى كدت أرشدهم إلى الاستعانة بغوغل أو بآلة حاسبة.. تبدو لي عقولهم منشغلة بمعادلات حسابية صعبة مثل التي تورطنا فيها في امتحاناتنا الأخيرة والتي كادت أن تدحرجني إلى أسفل الدرجات في قسمنا لولا دعاؤك لي.. وحدي، ظللت أحوم حول جثمانك أبحث عن جناحي عصفور السلام.. طفت في كل الغرف والأماكن التي كنت تزورها.. فتشت في رفوف دولابك، في جارور أدويتك.. في علب الأدوية لكني جدي لم أعثر عليهما. وأذكر أني عثرت على تبانك الجديد في دولابك لكن لغفلتي لم أعره اهتماما.. لم أكن أعلم أن تبانك ثمين وستتقاتل عليه الأرواح يوما للفوز به.. أنت جدي لم تكن نجما من نجوم يومنا حتى أتخيل أن تبانك بهذه القيمة..لو كنت أعرف لسرقته ودفعته لعمي الكبير صداقا لسميتي يوم أتزوج بها...
    قمت بالليل وصليت ذات صلاتك وجهرت بذات دعائك لكن جدي لم يحضر عصفور السلام.. يبدو أنه خاصمنا إلى الأبد.. فلو هبت كل الأيادي في بيتك الكبير تحوم في فضائه يوم صرخت بوفاتك لقبضوا عليه ولظل وفيا لهم... اليوم، أشعر أن بيتك يتحرك من تحت أقدامنا.. كل واحد منا منغلق على نفسه في غرفته أو بيته ولا يدخل بيتك في السفلي غير أبناءك الخمس.. يدخلونه مجتمعين ويخرجون منه مجتمعين ثم يقفلون الباب وراءهم.. يتفاوضون لساعات وأحيانا يمتد بهم النقاش حتى ساعات متأخرة من الليل.. لعلهم يرتلون تراتيلهم لاستدراج عصفور السلام إلى بيتك من جديد، أو لعلهم يستحضرون روحك العزيزة؟!.. يبدو أن أحيانا يخفقون في مسعاهم فيغضبون ويصرخون.. بلغ صراخهم حد الجيران فتدخلوا بينهم وترجوهم أن يبتلعوا مرارة حرقتهم ريثما تهدأ روحك في قبرك...
    لكن لم أستوعب اليوم بالذات، صراخهم الذي تجاوز الحد المألوف..أعلم فقط أن بيتك الكبير قد باعوه وأنت نائم في فراشك.. كم أنت غالي جدي!! .. كان أبناؤك يعلمون أنهم لن يستحملوا البقاء في بيت أنت بانيه وأنت غائب عنه.. فاستعدوا لمغادرته بمجرد ما غادرتك روحك لولا إصرار بناتك على أن يظل بيتك مضيئا حتى أربعينيتك..
    اليوم، سنرحل إلى شقق جديدة مطلة على البحر بعيدا عن بيتك الكبير.. لكن لماذا هذا الصراخ وهذا الضجيج الذي يشق جدران غرفتي وأيقظني قبل أن يرن منبه المدرسة وقبل أن ترشقني الشمس بأشعتها ؟؟ يبدو أن أعمامي بعدما قسموا كل شيء في بيتك بالتساوي بينهم تاهوا في عملية تقسيم مسبحتك المرجانية ذات الثلاث والثلاثين خرزة.. سمعتهم بالأمس يتناقشون حول أمر الشاهود والخيط .. فقال أحدهم بأن الشهود بمعدل ثلاث خرزات وقال الثاني بمعدل خرزتين وقال الآخر سنكسر الشاهود ونحتكم إلى الميزان.. يبدو أن كل واحد منهم يحب أن يحتفظ له بكثير من ذكرياتك عن غيره...
    هزني الصراخ مرة أخرى.. كان حادا وقويا هذه المرة.. زعزعني في فراشي وملأ قلبي هلعا وروعا.. فهرعت للتو أجري إلى بيتك في السفلي لأقف على حقيقة ما يجري.. وتدفق بقية أحفادك وأبناء أحفادك نهرول في الدرج كالسيل.. أمسكت بيد سميتي وتوقفنا في الباب.. منظر رهيب لن يبرح يوما، ذاكرتي.. في البداية ضحكت للمشهد وسمية أيضا ضحكت وكل أحفادك ضحكوا.. لم يسبق لنا أن رأينا عمنا الكبير وأبي يتباريان.. يتجاذبان تبانك بكل ما أوتوا من قوة.. كل واحد يشد من ناحيته ويبذل قصارى جهده كي يفوز به دون الآخر.. يتناطحان في الهواء برأسيهما الأصلعين ويتراكلان.. وحينما تمزق بينهما وصار لكل واحد منهما طرف في يده.. صفقنا نحن أحفادك وأبناء أحفادك.. صفقنا بحرارة نعلن عن انتهاء المباراة بالتعادل وانتظرنا منهما أن يتصافحا.. لكن فوجئنا بأنهما لم يتقبلا النتيجة بروح رياضية مثلنا. بصق أحدهما على الآخر ثم افترقا يمسح كل واحد منهما وجهه بقطعة من تبانك لتمتد يد عمي فانتزعت سميتي من تحت ذراعي فأحسست بجزء من كياني قد انتزع مني وما أزال.. مضيت في أثرها لأمسح دمعتها ففاجأتني يد أبي تجذبني إليه بقوة.. عانقت دمعتي دمعتها وارتعش قلبي يبكي حبي ويبكي عصفور السلام.........

    --------------------

    إن صاحب البيت هو من يفرض قانونه السائد تحت سقف بيته .. وعلى كل من ارتضى أن يعيش في كنفه أن يحترم قانونه ..
    لقد حظيت السلطة والملكية بالكثير من الدراسات وكانت دائما تميل لصالح المالك فالمالك هو من يحكم غالبا .. ويحتفظ بمعظم السلطات .. فكيف إذا كان هو الباني .. ؟؟

    هنا نجد أنموذجا حقيقيا للأسرة العربية الكلاسيكية الكبيرة العدد نسبيا والمتعددة الأزواج والزوجات والأولاد .. وعلى كبر حجمها تعيش تحت سقف واحد و تجتمع حول مائدة واحدة ..
    ويثير هذا الوضع العديد من القضايا والتناقضات في جيلنا المعاصر ..


    1- إن هذا الازدحام العددي يزيد من الألفة حيث كل فرد من العائلة الكبيرة المتعددة الأسر يتمتع بذات الرعاية والاهتمام والمتابعة والعلاقات من الجميع .. وبالمقابل هذا يزيل الخصوصية لكل أسرة ويذيب كيانها الخاص ..

    2- إن العدد الكبير والازدحام والفوضى والضجيج الذي يسعد الجد .. قد يمثل إزعاجا لكثيرين
    ينشدون الراحة والخصوصية ولا يجدونها في منزل العائلة الكبير


    3- إن من أهم عناصر الراحة هو هامش الحرية الواسع في التحرك والسلوك وهذا ما لا يمكن أن يتوفر في بيت العائلة الكبير الذي يحكمه ديكتاتور واحد وعلى الكل أن يطيع ..

    4- إن الملكية الجماعية المشاع وغير المحددة كثيرا ما تثير الجشع لدى الأفراد الشركاء ليحاول كل منهم الفوز بنصيب الأسد من الكعكة وهذا طبيعي خصوصا بعد زمن طويل من الخضوع لرغبة رجل واحد أبقى جميع أولاده الراشدين والمتزوجين بلا خصوصية ولا ملكية خاصة يتوقون للحصول عليها والتمتع بإدارتها ..

    لقد حقق الجد حلمه وحصل على ما عاش لأجله .. أسرة كبيرة تعيش في منزل كبير بناه لها ..

    ولكن ماذا عن أحلام الأبناء .. ؟؟
    هل عليهم البقاء ( كومبارسات ) في تمثيلية حلم الجد الراحل ..؟؟


    إن معاني الحب والألفة والتواصل وتعزيز أواصر الرابطة العائلية جميلة جدا ومطلوبة ولكنها لن تنافس مطالب الحرية الشخصية والخصوصية الأسرية لكل ابن .. كما لن تنافس المصالح الفردية المتصارعة والمتعارضة لدى الجميع .. وهذا أمر يفرض نفسه على الأحداث وعلى الأشخاص .. جيلا بعد جيل وبلا توقف ..

    ولنتساءل الآن .. هذا الجد .. أين عائلته ..؟؟
    أهو مقطوع من شجرة ..؟؟
    أين أخواته وإخوته ..؟؟

    إذن هو شق طريقة بنفسه وبنى بيته بنفسه وشاهد حلمه يتحقق لبنة لبنة ولم يكن ذلك تحت وصاية طويلة الأجل من ذويه .. تلك الوصاية التي بقي يفرضها على أبنائه طيلة حياته ..

    وماذا بعد .. ؟؟
    لا شيء سوى أنهم بالكاد انتظروا مرور أربعينيته حتى باعوا حلمه وبدؤوا تحقيق أحلامهم الخاصة .. ؟؟

    لأن الحرية تبقى أثمن من كل شيء .. والخضوع قسرا لتنفيذ حلم الآخرين حتى وإن كانوا ذويك وحتى وإن كان الهدف نبيلا .. سوف لن يثمر خيرا أبدا ..

    ففردية الإنسان وتميزه هو دافعه المحرك في الحياة ولا يمكن اعتقال هذه الفردية تحت أي ذريعة كانت ..

    ولهذا رأينا شخصية الراوي في القصة مع أنه كان يتحدث بميل شديد وتعاطف أشد مع حلم جده
    وبتأييد وانحياز واضح لشخصية الجد الباني للعائلة والمحافظ عليها .. إلا أنه انقاد وانحاز في أول بادرة اختبار باتجاه مصلحته الشخصية .. ضاربا عرض الحائط مصالح الجميع وكل مفاهيم العائلة الواحدة .. وعصفور السلااام .. والصلاة .. وكل ما كان ينادي به من أفكار جميلة بدت كلها فارغة حين أبدى استعداده لسرقة تبان الجد وتقديمه مهرا للعم للحصول على سمية ولو كان ذلك على أنقاض الجميع ..

    ....

    الكاتبة سمية البوغافرية :
    ( كم أحن لك سميتي ) كان عنوانا ثانويا مثل القصة تمثيلا صادقا وقد وضع الأمور في نصابها رغم كل ما حاول السرد إظهاره من تعاطف البطل نحو مفاهيم العائلة والترابط العائلي وبيت العائلة الكبير .. فقد ظل الحلم الضائع ( سمية ) هو الخسارة الشخصية التي كان يرثيها بطل القصة .. رغم ما تقنع به من حنين وعواطف يبثها وفقا لهواه ومصلحته تارة باتجاه الجد وإخرى باتجاه البيت الذي ضمه بحبيبته سمية التي ضيّعها مع ضياع بيت العائلة .. ومن الجدير الإشادة بمحاولتك ككاتبة السرد بلسان رجل .. وقد نجحت إلى حد ..

    قصة جميلة سلطت الضوء على قضية قيمية وأخلاقية كبيرة قد لا يكفي لتوصيفها مشهد النهاية الجميل والباكي لكل من عصفوري الغرام وعصفور السلام ..!!


    تحيتي وتقديري لك




  • محمد يوب
    أديب وكاتب
    • 30-05-2010
    • 296

    #2
    قراءة وصفية لقصة غاية في الجمال وفي السرد أبدعتما

    تعليق

    يعمل...
    X