كن غبيًّا مطيعًا تنل أعلى المراتب
***
***
في الهيئات الرّسميّة التي تتبنّى شعار " الانضباط ثم الانضباط " مهما كلّف الأمر ، كقاعدة متداولة بين مختلف الموظّفين الأكفاء وغير الأكفاء ، المطيعين وغير المطيعين ، بمختلف الرّتب والمناصب والأسلاك ،و تعدّ شرطًا أساسيًّا لنيل أعلى الدّرجات والمناصب. بمعنى " الولاء ثم الولاء " و " الطّاعة العمياء " ولو على حساب بقية الشّروط الأخرى ، كالكفاءة ، والنّزاهة والالتزام ، لكنّها تبقى مجرّد عبارات فضفاضة ، يتشدّق بها أصحاب سلطة القرار، ولذرّ الرّماد في العيون . وهو مثل فرنسيٌّ يحتدي به فرانكوفونيونا بقولهم : ( Etre bête et discipliné ) ، في كل المناسبات التي تجمعهم بالموظّفين الغلابة . ومعناها " كن غبيًّا مطيعًا إذا أردت تنال رضانا أيّها الموظّف المسكين " ، ولو كان ذلك على حساب ضميرك وكل المبادئ والأخلاق . وفي هذا كثير من الإهانة للشّغل الذي إنّما جاء ليرفع من قيمة الإنسان عن بقيّة الحيوانات حتى لا ينطبق عليه قوله تعالى : ( كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) ولا بهذه " البراغماتية " المُذلّة ؛ حيث لا مكان للأخلاق ، ولا للعاطفة الإنسانية النّبيلة .
لم أكن أتوقّع يومها أن المتآمرين عليّ سيزجّون بي في مستنقع المسؤوليّة لأغدو أنا الآخر شريكًا في الاعيبهم وبقية أفعالهم الشّنيعة ، حين ثم تعييني على رأس هيئة محترمة ، لا لأرعى حقوق النّاس،ولكن لأغمض عيني عن كلّ التّجاوزات التي ستقع ، ونحن مقبلون على انتخابات محليّة تمّ تزويرها مسبقًا . لم أكن حينها جريئًا بما يكفي لأردّ كيدهم ، أواعتراض مواقفهم ، أو أن أفرض على الأقل شروطًا بعينها ، أحصّن بها نفسي ،و أحافظ على سمعتي وشرف وكرامة أهلي ، فقد سبّبت لي ألاعيبهم متلازمة " الموت المهني والأخلاقي " . وكنت قد تعرّضت للتّهميش قبل ذلك ، بسبب تقارير تحدّثت فيها عن إهمال فاضح ، وسرقة موصوفة ، وتبديدٍ للمال العام ... كتبتها بماء العين ومن شدّة الأسف ، وختمتها بأدلّة دامغة . لكنّها لم تجد لها صدًى ، ولا آذان صاغية ،وكان مصيرها و مصيري ، أنا الموظّف الشّفيّ التّعيس ، اللاّمبالات و الإهمال. لم أكن أعلم حينها أن هناك مادّة اسمها " احفظ الميم تحفظك " ؛ بند من البنود تحت عنوان : " ما سمعت وما رأيت قط " ، يعمل الجميع وفقًا لشروطه وأحكامه ، ويتداوله بعض من لديهم طموح في نيل المراتب ، من بين أولئك الذين يحرصون على تقديم القرابين والولاءات دون تردّد ، وفي جميع المناسبات . من الطّبيعي أنّه عندما يكون لدى الإنسان قليل من الحياء ، فإنّه يفضّل الانتحار على أن ينصاع مذعنًا لكل الأوامر . وهناك من ضحّى بمستقبله بسبب مواقفه الجريئة ، ولم يعد يهمّه مرتّب كالذي كان يتقاضاه ، ولا امتيازات كالتي كان يحصل عليها مقابل خنوعه وصمته ، وأمّا الرّزق فبيد الله. وفي لحظة حاسمة تذكّرت الشّاعر ( بشّار بن برد ) وهو يقول :
لم أكن أتوقّع يومها أن المتآمرين عليّ سيزجّون بي في مستنقع المسؤوليّة لأغدو أنا الآخر شريكًا في الاعيبهم وبقية أفعالهم الشّنيعة ، حين ثم تعييني على رأس هيئة محترمة ، لا لأرعى حقوق النّاس،ولكن لأغمض عيني عن كلّ التّجاوزات التي ستقع ، ونحن مقبلون على انتخابات محليّة تمّ تزويرها مسبقًا . لم أكن حينها جريئًا بما يكفي لأردّ كيدهم ، أواعتراض مواقفهم ، أو أن أفرض على الأقل شروطًا بعينها ، أحصّن بها نفسي ،و أحافظ على سمعتي وشرف وكرامة أهلي ، فقد سبّبت لي ألاعيبهم متلازمة " الموت المهني والأخلاقي " . وكنت قد تعرّضت للتّهميش قبل ذلك ، بسبب تقارير تحدّثت فيها عن إهمال فاضح ، وسرقة موصوفة ، وتبديدٍ للمال العام ... كتبتها بماء العين ومن شدّة الأسف ، وختمتها بأدلّة دامغة . لكنّها لم تجد لها صدًى ، ولا آذان صاغية ،وكان مصيرها و مصيري ، أنا الموظّف الشّفيّ التّعيس ، اللاّمبالات و الإهمال. لم أكن أعلم حينها أن هناك مادّة اسمها " احفظ الميم تحفظك " ؛ بند من البنود تحت عنوان : " ما سمعت وما رأيت قط " ، يعمل الجميع وفقًا لشروطه وأحكامه ، ويتداوله بعض من لديهم طموح في نيل المراتب ، من بين أولئك الذين يحرصون على تقديم القرابين والولاءات دون تردّد ، وفي جميع المناسبات . من الطّبيعي أنّه عندما يكون لدى الإنسان قليل من الحياء ، فإنّه يفضّل الانتحار على أن ينصاع مذعنًا لكل الأوامر . وهناك من ضحّى بمستقبله بسبب مواقفه الجريئة ، ولم يعد يهمّه مرتّب كالذي كان يتقاضاه ، ولا امتيازات كالتي كان يحصل عليها مقابل خنوعه وصمته ، وأمّا الرّزق فبيد الله. وفي لحظة حاسمة تذكّرت الشّاعر ( بشّار بن برد ) وهو يقول :
أَبا مُسلمٍ ما طُولُ عَيْشٍ بِدَائمِ *** ولا سَالِمٌ عما قليلٍ بسالِم
فقرّرت أن أرفع التّحدي على أن أكون غبيًّا مطيعًا ، وقد كلّفني ذلك أشياءً كثيرة .
فقرّرت أن أرفع التّحدي على أن أكون غبيًّا مطيعًا ، وقد كلّفني ذلك أشياءً كثيرة .