نحن مدينون بالديك لأسكبيلوس

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد شهيد
    أديب وكاتب
    • 24-01-2015
    • 4295

    نحن مدينون بالديك لأسكبيلوس

    حتى و هو على فراش الموت لم يفقد (سقراط) روحه التهكمية التي ربما كانت سبباً كافياً لاعتباره persona non grata من قبل statu quo أثينا زمان. يدل على ذلك كلماته الأخيرة و هو يتلفظ أنفاسه و تتقطع أحشاؤه بسبب شراب الشوكران ذي الرائحة النتنة مثل رائحة الفئران و المفعول القاتل كالسيانيد: "نحن مدينون بالديك لأسكبيلوس - إله الطب في الميثولوجيا الإغريقية".

    لم يُلْقِ المختصون للكلمات بالاً مقارنة مع تعاملهم مع فلسفات سقراط كما نقل معظمها تلميذه الأكبر (أفلاطون). لذلك لم يتوقف عندها الكثيرون لمحاولة استخراج معنى اللغز القابع خلف المفردات. لكن اهتمام الفيلسوف "نيتشه" بها في أواخر حياته (قبل أن يدخل هو الآخر في صراع مع الجنون دام قرابة عقد من الزمن انتهى بأن فارق به الحياة) تسبب ولو بشكل غير مباشر في إزالة الغبار عن اللغز المحير بعباراته ناهيك عن غرابة الظرفية الأليمة التي ذكرت فيه.
    الحقيقة، لن أتوقف بدوري على عتبة الكلمات الأخيرة لأب الفلسفة الإغريقي، و لن أكرر ما كتبه صاحب كلمات (زرديشت) في تحليله الذي لا يخلو بدوره من "شجاعة" نقدية لاذعة؛ فقد سالت أودية من مداد حول العبارة و دلالاتها المتشعبة أدعو القاريء المهتم أن يقلب دفاتر الأروقة الفلسفية الفكرية ليجد فيها ما يروي - وزيادة - ظمأه المعرفي بهذا الخصوص.

    ما يهمني هنا و الذي يشكل السبب الرئيس لطرح الموضوع في قسم الساخر، هو روح السخرية نفسه الذي يخيم على كلمات سقراط الأخيرة. ربما يكون لدى البعض حظ أوفر مما هو عندي ليروا في كلمات سقراط تعبيراً راقياً لسلوك أخلاقي بحيث تكون اللحظة الأخيرة من حياة الفيلسوف فرصة يكفر فيها عن "ذنوبه" و يوصي Criton بعدم نسيان او إهمال تقديم القربان (الديك) كعربون شكر لإله الطب تطبيقاً للأعراف الإغريقية التي تستوجب على كل متماثل بالشفاء أن يتقدم بقربان إلى (من بيده عقدة الداء و نعمة الدواء). قراءة قد يكون لديها حظ من المعقول خاصة إذا ماصدقنا قول (نيتشه) في حكمه على سقراط بكونه "بوليشينيل" زمانه تعاملوا معه بجدية و أعطوه قدراً أكبر مما يستحق. رأي يحترم. لكنني لا أرى في العبارة سوى تعبيرا تهكميا ساخرا بامتياز، بما أنني متشبع - وا أسفاه! - بروح الشك و نزعة التهكم قد أعافى منهما قبل أن تجر علي المتاعب فأتجرع بدوري شراب الشوركان من أيدي قد توهمني أنها تمد إلي شراب الشكولا المفضل.

    السخرية من ماذا، قد يسألني سائل؟

    - زمان سقراط، كانت سخريته تارة من غباء العامة المتجذر قابله بالمنطق و البرهان عوض الخرافة و السفسطة، و تارة من استعلاء النخبة و غطرسة الحكام : علمنا فيما بعد أنها آفات نالت من نور العقل و عدل السلطة حتى شكلت أسبابا كافية لانهيار الحضارة الإغريقية برمتها.

    - زمان جوفينال، كانت سخرية من تدني الأخلاق و تفشي الفساد: كانا سببين في سقوط حصون روما المنيعة.

    - زمان فراعنة عصرنا، أراها سخرية من كل مظاهر الاستغباء و أشكال الاستعلاء في شتى بقاع الدنيا! و ألوف المجلدات لا تسعني لأحصيها.

    و في انتظار المعافاة بالسلامة، لن أنسى أن أقدم الديك قرباناً (ليس لإسكبيلوسات زماننا ممن نصبوا أنفسهم آلهات التطبيب و التمريض فظننا - لوهلة - أن بأيديهم عقدة الداء و نعمة الدواء)؛ لا لن أضحي بالديك المسكين لأقدمه قرباناً لهؤلاء على كثرتهم، لكن سأرجو المعافاة من الشافي وحده و أتقدم بالديك لجياع الأرض!

    م.ش.
    التعديل الأخير تم بواسطة محمد شهيد; الساعة 14-04-2019, 15:08.
يعمل...
X