
أما الأول فقد حصل لي الشرف معه .
وأما الثاني فيبدو لي أنّه في الطّريق .
في مجتمع تجرّع الحريّة فلما بدأ يستطعمها قام يبحث عن الحياة . لم تكن هناك سلطة دينيّة ، ولا " ضبطية " أخلاقيّة ، ولأن فرنسا لم تترك من ورائها سوى العبث ، و لائكية مدنيّة خبثة .
لم نكن نعرف من الدين يومها سوى الصلاة والصيام .
نشأتُ في جو ذاك العبث . وأبي الذي انشغل عنّي ، كان متلهّفا للوظيفة يحبّها أكثر من أيّ أحد .
وأمي التي لم تكن لها تجربة كبيرة في الحياة ، كنتُ أنا " ممّو عينِها " ، كما كانت دائما تحب أن تقول . سامحها الله ، كانت لا تسمح لأي أحد أن يعبث ولو بشعرة واحدة من شعرات رأسي . مهما كنت على خطأ أو صواب . فكانت بالنسبة لي هي الحصن الحصين الذي الجأ إليه حين يشتاط أبي . وكذلك كانت جدّتي المسكينة التي لطالما وقفت جنبي تمنعه ، رغم عجرها ومرضها الخطير .
بمرور الأيام والأعوام ، اكتسبت " خبرة كبيرة " في العبث ، و صارت لدي تجربة معه ، فغدونا متلازمين " كالمحاشم " - أجلّكم الله ورفع من قدركم - . وأين ما حل العبث قال لي " خذني يا حبيبي معك " .
كانت أمي تحب أن ترسلني إلى حانوت العم ( أحمد ) ؛ نعم العم ونعم الرّجل ذاك العم ( أحمد ) . كان خفيف الظل حاذقا يحب التنكيت والمزح . اقترض منه بعض الخضر والفواكه على أن يسدّد أبي ما علينا من مستحقّات عند نهاية كل شهر . كنت ، بعدما تعوّدت على كثر ة المُضيّ إليه ، اقترض منه أحيانا بعض الفاكهة دون علم أمي ، ثم أحملها إلى الرّفاق ، رفقاء السّوء من ذوي القربى والأصدقاء.
وتماديت في غيّي هذا ، فانقطعت حتى عن مزاولة الدراسة في الكُتّاب ، أو بالأحرى ( الجامع ) كما يُسمّى عندنا ، وهجرت اللوحة التي كانت سببا في حملي لبعض الأجزاء من السوّر . فلم أعد أرغب في حملها ومحوها من جديد .
علم أبي بحالي ، و كان على الدّوام متغيّبا ، بسبب سرّ ذاك العشق الذي بينه وبين الوظيفة . فلم يكن لديه من الوقت كالعادة ، لكي يحدّثني ويؤدّبني ، فيحسن تأديبي . ويبدو أنّه سلّم أمري لعمّي ، الوصي الأكبر ، على العائلة برمّتها والمزرعة وما فيها بعد وفاة المرحوم جدّي . وكان صعب المراس غليظ " الحاشية " ، فجاء من أقصى البادية يسعى ، وأخذ بيدي يجرني ، وأنهال علي بالضرب ، وأوسعني... إلى أن أدخلني على ( الطّالب ) ، شيخي ومعلّمي الذي أحفظ على يديه القرآن ، ووجدته في انتظاري .
وجدته كالعادة ، يهش بعصاه على زملائي الصبيان من" القدادشة " حفظة القرآن ، وغصن الزيتون يتمايح بين يديه .
استقبلني بابتسامة صفراء تخفي المكر من ورائها ، فعلمت أن موعدي مع " الفلقة " قد حان .