النّص : يا أيها الملأ : أفتوني في رؤياى
النّاص : جلال داود
القراءة : جهاد بدران
...................
النّص :
يا أيها الملأ : أفتوني في رؤياى
باديء ذي بدء :
هي مملكتي ومليكتي وأنا كل الرعية.
ثم :
و من حيث أدر ولا أدري ألْفيْتُ نفسي كمن فقد الإسم والعنوان .. والهوية
راودتْني ما بين اليقظة وأحلامها أضغاثا من تلكم الأزمنة الهنية ...
رأيتُ فيما يرى الرائي سبْع صحائف سُود تُظلّل سبع صحائف مترعة بقصائدي الملتاعة.
وقبل أن أفيق من هولها :
عاجلتني أخرى وكأنها تعزز مكانة الأولى : فرأيتُ سبعاً من مهاجع لقيانا الحميمة يغْرقْنَ في غَيَابة سبعٍ من أودية سحيقة.
فيا أيها الملأ : أفتوني في رؤياي...
القراءة :
عنوان مثير حقاً .. مقلق فيه من الألم قمته.. يستدعي التأمل طويلاً لما يحمل بين ثناياه ألف فكر وألف قصيدة.. يستحضر الكاتب في خاطرته من وحي سورة قرآنية وقصة امتلأت بالدروس والعبر.. ألا وهي قصة سيدنا يوسف عليه السلام..
تناص غاية في الإبداع.. ومتقن الرسم على قراءات عديدة سنحاول فك شيفرتها ببصيرة ربما تكون قاصرة عن الوصول للهدف.. ولكن سنرسم أبعادها وفق ما يمليه التأمل والفكر في حدود هذه الأحرف الفاخرة..
العنوان .. تمخض من معاناة كبيرة وصورة عميقة استدعت الكاتب أن يثيرها على الملأ من شدتها وما تحمل بين ظلالها.. وعملية الإستجداء ب../ أفتوني في رؤياي/.. هي عملية انبثقت من نافذة الكاتب لعالم يريده أن يشترك في التعايش معه وبما يفكر..
الرؤيا هنا لها دلالات عميقة تستدعي التأمل كثيراً في زواياها المترعة بالجمال والإبداع..
قول الكاتب أفتوني في رؤياي.. توجه الملأ لرصد تلك الرؤيا وليست حلماً.. والرؤيا ليست أضغاث أحلام بل هي عملية ستتحقق على أرض الواقع.. يريد الكاتب فتوى من البشر ممن ذاق وعرف فنون القراءة في الفكر والقلب.. لأن من ظاهر قول الكاتب نرى بصيص من اختلاجات النفس عنده وعلاقاته بمن هو خارج مملكته وخارج سيطرته عليه.. ويدل على ذلك قوله..هي مملكتي ومليكتي وانا كل الرعية.. فإما تكون مملكته بلاده أو هي حبيبته..
وصف رائع متين بليغ جداً يدل على قدرة الكاتب واستحضار الصور البارعة الكبيرة بمعانيها وعمقها..
وأما الصورة المبهرة جداً في وصف أعماقه وما وصلت إليه مشاعره حين قال.. و من حيث أدر ولا أدري ألْفيْتُ نفسي كمن فقد الإسم والعنوان .. والهوية..
وهنا قمة الذوبان بالآخر الذي يستحضره الكاتب..والذي يصل لفقدان الإسم والعنوان والهوية.. أكيد يكون في عملية انغماس ذاتي بعوامل خارجية جعلته فاقد التفكر .. ومن هول ما أصابه يجعل فقدان هذه الأمور بسهولة.. وهنا كناية عن شدة الحيرة والهول والعذاب الذي يكمن في عمق الكاتب والدليل أنه يريد مساعدة ممن يفقهون بالفتوى في رؤياه..
فتأويل رؤياه لها عدة دلالات مختلفة سأعرض بعض منها..
هنا نرى عملية الربط بين الحلم والحقيقة في الرؤيا.. وبين قصة سيدنا يوسف عليه السلام...حيث عجز المفسرون للرؤيا حتى كان مفتاحها بيد سيدنا يوسف عليه السلام.. وهنا كناية عن العجز في تفسير ما يخالج الكاتب من رؤى وأحلام يقظة يحتاج من يعينه عليها..
وتفسيرها يعني أنها في موضع جلل وعظيم..
رؤيا أولى..
أن الكاتب أراد من ذلك ليأخذنا إلى عالم هذه الأمة وما جرى فيها من أحداث والهول والجرائم التي تربطها وتستكين بين أفراد الشعب الواحد وخطورة ما وصلت إليه هذه الأمة من ضياع تاريخها وهدم حضارتها بين أيدي لا تراعي الله فيها..
حيث يقول الكاتب..
/راودتْني ما بين اليقظة وأحلامها أضغاثا من تلكم الأزمنة الهنية.. رأيتُ فيما يرى الرائي سبْع صحائف سُود تُظلّل سبع صحائف مترعة بقصائدي الملتاعة./
هنا يفسر الرؤيا بتلك الأزمنة الهنية وتلك الحضارة والعصر الذي عاشتها الأمة بالنصر والأمن والعدل ويوم أن كان الأفراد يحملون كتاب الله في صدورهم.. سنين أو سبع منها كانت في أمان ولا يهتكون مقدساتهم أو ينتهكون حرمة دم مسلم في ظلم..
لكن قابلته سبع صحائف كتبت بماء قصائده الممتلئة بالحزن والأسى.. على حال نزف هذه الأمة وما يتمركز بها من ضياع... وسبع صحائف سود كتبها من واقعه المرير المؤلم.. ولكنه يكمل بقوله..
/وقبل أن أفيق من هولها :
عاجلتني أخرى وكأنها تعزز مكانة الأولى : فرأيتُ سبعاً من مهاجع لقيانا الحميمة يغْرقْنَ في غَيَابة سبعٍ من أودية سحيقة.
فيا أيها الملأ : أفتوني في رؤياي/
هنا تكملة للرؤيا كما حدث في قصة الرؤيا لسبع بقرات.. في سورة يوسف .. يعني الرؤيا كانت على مرحلتين هناك في السورة وأيضاً هنا حدثت على مرحلتين.. والسبع الثانية من الرؤيا كانت تعزيز للرؤيا كلها.. في غرق الأماكن السبع التي كانت بؤرة اللقاءات الجميلة والتواصل الحميمي
لكنها غرقت في سبع أودية سحيقة...
كناية عن الوجع والآلام في حقيبة الكاتب الزمنية والمكانية..
أما التأويل الثاني..
والذي أرجح أنه ما أراده الكاتب..
وهو رؤياه بمن يحب ويعشق وبلوغه ذروة الحزن .. حيث يدلنا على ذلك قوله..هي مليكتي ومملكتي وانا الرعية.. وهي درجة عالية من العشق .. ويضيف لذلك المعنى قوة.. قوله ألفيت نفسي كمن فقد الإسم والعنوان والهوية..لفقدانه من كانت سبب سعادته.. وبقوله:
/راودتْني ما بين اليقظة وأحلامها أضغاثا من تلكم الأزمنة الهنية ...
رأيتُ فيما يرى الرائي سبْع صحائف سُود تُظلّل سبع صحائف مترعة بقصائدي الملتاعة./
والأزمنة الهنية التي يقصدها تلك التي عاشها في ظل السعادة بقربها..لكن بعد ذلك تقع الرؤيا بالبعد عنها ليكتب فيها سبع قصائد وصفها أنها ملتاعة كتبت على صحائف سود يرثيها بها.. ولم تنتهي الرؤيا التي كانت تقع أحداثها ما بين اليقظة والحلم..ثم يقول..ليأكد على صحة الرؤيا..
/ وقبل أن أفيق من هولها :
عاجلتني أخرى وكأنها تعزز مكانة الأولى : فرأيتُ سبعاً من مهاجع لقيانا الحميمة يغْرقْنَ في غَيَابة سبعٍ من أودية سحيقة.../
هنا قمة الحدث وهو في غرق تلك الذكرى والأماكن التي كانت تجمعهما
في مهاجع لقياهم.. لتغرق في أودية سحيقة كناية عن انتهاء تلك العلاقة بهذه الرؤيا...
الأستاذ الكبير والأديب المبدع جلال داود..
لحرفكم عدة قراءات موحية بفكركم ودقة حرفكم.. وقدرتكم على ثني الحرف بطريقة إبداعية غاية في الجمال والرسم والعزف على أوتار الحروف..
هذا الفكر الذي طرحتموه إنما يدل على مكانتكم من الأدب الراقي ومنزلتكم الكبيرة في نقش ونظم كلماتكم وفق سلسلة متقنة مميزة ..
شكراً لكم أن فتحتم للمتلقي آفاق التأمل بين ثنايا حرفكم المبدع
وفقكم الله وزادكم بسطة من العلم والنور والهدى..
.
.
.
.
.
جهاد بدران
فلسطينية
النّاص : جلال داود
القراءة : جهاد بدران
...................
النّص :
يا أيها الملأ : أفتوني في رؤياى
باديء ذي بدء :
هي مملكتي ومليكتي وأنا كل الرعية.
ثم :
و من حيث أدر ولا أدري ألْفيْتُ نفسي كمن فقد الإسم والعنوان .. والهوية
راودتْني ما بين اليقظة وأحلامها أضغاثا من تلكم الأزمنة الهنية ...
رأيتُ فيما يرى الرائي سبْع صحائف سُود تُظلّل سبع صحائف مترعة بقصائدي الملتاعة.
وقبل أن أفيق من هولها :
عاجلتني أخرى وكأنها تعزز مكانة الأولى : فرأيتُ سبعاً من مهاجع لقيانا الحميمة يغْرقْنَ في غَيَابة سبعٍ من أودية سحيقة.
فيا أيها الملأ : أفتوني في رؤياي...
القراءة :
عنوان مثير حقاً .. مقلق فيه من الألم قمته.. يستدعي التأمل طويلاً لما يحمل بين ثناياه ألف فكر وألف قصيدة.. يستحضر الكاتب في خاطرته من وحي سورة قرآنية وقصة امتلأت بالدروس والعبر.. ألا وهي قصة سيدنا يوسف عليه السلام..
تناص غاية في الإبداع.. ومتقن الرسم على قراءات عديدة سنحاول فك شيفرتها ببصيرة ربما تكون قاصرة عن الوصول للهدف.. ولكن سنرسم أبعادها وفق ما يمليه التأمل والفكر في حدود هذه الأحرف الفاخرة..
العنوان .. تمخض من معاناة كبيرة وصورة عميقة استدعت الكاتب أن يثيرها على الملأ من شدتها وما تحمل بين ظلالها.. وعملية الإستجداء ب../ أفتوني في رؤياي/.. هي عملية انبثقت من نافذة الكاتب لعالم يريده أن يشترك في التعايش معه وبما يفكر..
الرؤيا هنا لها دلالات عميقة تستدعي التأمل كثيراً في زواياها المترعة بالجمال والإبداع..
قول الكاتب أفتوني في رؤياي.. توجه الملأ لرصد تلك الرؤيا وليست حلماً.. والرؤيا ليست أضغاث أحلام بل هي عملية ستتحقق على أرض الواقع.. يريد الكاتب فتوى من البشر ممن ذاق وعرف فنون القراءة في الفكر والقلب.. لأن من ظاهر قول الكاتب نرى بصيص من اختلاجات النفس عنده وعلاقاته بمن هو خارج مملكته وخارج سيطرته عليه.. ويدل على ذلك قوله..هي مملكتي ومليكتي وانا كل الرعية.. فإما تكون مملكته بلاده أو هي حبيبته..
وصف رائع متين بليغ جداً يدل على قدرة الكاتب واستحضار الصور البارعة الكبيرة بمعانيها وعمقها..
وأما الصورة المبهرة جداً في وصف أعماقه وما وصلت إليه مشاعره حين قال.. و من حيث أدر ولا أدري ألْفيْتُ نفسي كمن فقد الإسم والعنوان .. والهوية..
وهنا قمة الذوبان بالآخر الذي يستحضره الكاتب..والذي يصل لفقدان الإسم والعنوان والهوية.. أكيد يكون في عملية انغماس ذاتي بعوامل خارجية جعلته فاقد التفكر .. ومن هول ما أصابه يجعل فقدان هذه الأمور بسهولة.. وهنا كناية عن شدة الحيرة والهول والعذاب الذي يكمن في عمق الكاتب والدليل أنه يريد مساعدة ممن يفقهون بالفتوى في رؤياه..
فتأويل رؤياه لها عدة دلالات مختلفة سأعرض بعض منها..
هنا نرى عملية الربط بين الحلم والحقيقة في الرؤيا.. وبين قصة سيدنا يوسف عليه السلام...حيث عجز المفسرون للرؤيا حتى كان مفتاحها بيد سيدنا يوسف عليه السلام.. وهنا كناية عن العجز في تفسير ما يخالج الكاتب من رؤى وأحلام يقظة يحتاج من يعينه عليها..
وتفسيرها يعني أنها في موضع جلل وعظيم..
رؤيا أولى..
أن الكاتب أراد من ذلك ليأخذنا إلى عالم هذه الأمة وما جرى فيها من أحداث والهول والجرائم التي تربطها وتستكين بين أفراد الشعب الواحد وخطورة ما وصلت إليه هذه الأمة من ضياع تاريخها وهدم حضارتها بين أيدي لا تراعي الله فيها..
حيث يقول الكاتب..
/راودتْني ما بين اليقظة وأحلامها أضغاثا من تلكم الأزمنة الهنية.. رأيتُ فيما يرى الرائي سبْع صحائف سُود تُظلّل سبع صحائف مترعة بقصائدي الملتاعة./
هنا يفسر الرؤيا بتلك الأزمنة الهنية وتلك الحضارة والعصر الذي عاشتها الأمة بالنصر والأمن والعدل ويوم أن كان الأفراد يحملون كتاب الله في صدورهم.. سنين أو سبع منها كانت في أمان ولا يهتكون مقدساتهم أو ينتهكون حرمة دم مسلم في ظلم..
لكن قابلته سبع صحائف كتبت بماء قصائده الممتلئة بالحزن والأسى.. على حال نزف هذه الأمة وما يتمركز بها من ضياع... وسبع صحائف سود كتبها من واقعه المرير المؤلم.. ولكنه يكمل بقوله..
/وقبل أن أفيق من هولها :
عاجلتني أخرى وكأنها تعزز مكانة الأولى : فرأيتُ سبعاً من مهاجع لقيانا الحميمة يغْرقْنَ في غَيَابة سبعٍ من أودية سحيقة.
فيا أيها الملأ : أفتوني في رؤياي/
هنا تكملة للرؤيا كما حدث في قصة الرؤيا لسبع بقرات.. في سورة يوسف .. يعني الرؤيا كانت على مرحلتين هناك في السورة وأيضاً هنا حدثت على مرحلتين.. والسبع الثانية من الرؤيا كانت تعزيز للرؤيا كلها.. في غرق الأماكن السبع التي كانت بؤرة اللقاءات الجميلة والتواصل الحميمي
لكنها غرقت في سبع أودية سحيقة...
كناية عن الوجع والآلام في حقيبة الكاتب الزمنية والمكانية..
أما التأويل الثاني..
والذي أرجح أنه ما أراده الكاتب..
وهو رؤياه بمن يحب ويعشق وبلوغه ذروة الحزن .. حيث يدلنا على ذلك قوله..هي مليكتي ومملكتي وانا الرعية.. وهي درجة عالية من العشق .. ويضيف لذلك المعنى قوة.. قوله ألفيت نفسي كمن فقد الإسم والعنوان والهوية..لفقدانه من كانت سبب سعادته.. وبقوله:
/راودتْني ما بين اليقظة وأحلامها أضغاثا من تلكم الأزمنة الهنية ...
رأيتُ فيما يرى الرائي سبْع صحائف سُود تُظلّل سبع صحائف مترعة بقصائدي الملتاعة./
والأزمنة الهنية التي يقصدها تلك التي عاشها في ظل السعادة بقربها..لكن بعد ذلك تقع الرؤيا بالبعد عنها ليكتب فيها سبع قصائد وصفها أنها ملتاعة كتبت على صحائف سود يرثيها بها.. ولم تنتهي الرؤيا التي كانت تقع أحداثها ما بين اليقظة والحلم..ثم يقول..ليأكد على صحة الرؤيا..
/ وقبل أن أفيق من هولها :
عاجلتني أخرى وكأنها تعزز مكانة الأولى : فرأيتُ سبعاً من مهاجع لقيانا الحميمة يغْرقْنَ في غَيَابة سبعٍ من أودية سحيقة.../
هنا قمة الحدث وهو في غرق تلك الذكرى والأماكن التي كانت تجمعهما
في مهاجع لقياهم.. لتغرق في أودية سحيقة كناية عن انتهاء تلك العلاقة بهذه الرؤيا...
الأستاذ الكبير والأديب المبدع جلال داود..
لحرفكم عدة قراءات موحية بفكركم ودقة حرفكم.. وقدرتكم على ثني الحرف بطريقة إبداعية غاية في الجمال والرسم والعزف على أوتار الحروف..
هذا الفكر الذي طرحتموه إنما يدل على مكانتكم من الأدب الراقي ومنزلتكم الكبيرة في نقش ونظم كلماتكم وفق سلسلة متقنة مميزة ..
شكراً لكم أن فتحتم للمتلقي آفاق التأمل بين ثنايا حرفكم المبدع
وفقكم الله وزادكم بسطة من العلم والنور والهدى..
.
.
.
.
.
جهاد بدران
فلسطينية