رقيم تحت برج بابل

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • فراس عبد الحسين
    أديب وكاتب
    • 18-08-2013
    • 180

    رقيم تحت برج بابل

    رقيم تحت برج بابل
    د. عصام عالم عراقي يعمل في مجال الآثار والتاريخ، مهتم بالحضارة البابلية، ويحلم بكشف أسرارها وألغازها، ويعرف ما حدث لبرجها أحد عجائب الدنيا السبع، وكيف اختفى أعظم بناء في عصره من الوجود والتاريخ.
    تلقى د. عصام دعوة من صديقه محمد، الذي كان يعمل في موقع أثري قرب مدينة الحلة. أخبره بأنه اكتشف شيئا مدهشًا تحت الأرض، وأنه يحتاج إلى رأيه. ذهب إلى الموقع، وجده قد حفر نفقا طويلًا تحت الأنقاض، ووصل إلى غرفة كبيرة، وجد في وسطها رقيم طيني غريب.
    أخذه الدكتور معه إلى مختبره لفحصة والتمكن من قراءة كتابته. بعد تنظيفه بعناية في المختبر، وجده سليمًا وكاملًا، مزخرفًا بالكتابات والرسوم، بدأ في قراءتها، كانت باللغة الأكدية التي يجيدها قراءتها. وجدها تحكي قصة مذهلة. تروي أن برج بابل لم يكن مجرد بناء عظيم، بل كان مشروعًا سريًا للملك نمرود، الذي يسعى إلى الخلود. بعد سماعه وجود شجرة الحياة في جنة عدن، كان يريد أن يأكل من ثمارها، وأن يحصل على الحياة الأبدية. لكنه لم يعرف مكانها، فقرر أن يبني برجًا عاليًا يصل إلى السماء؛ ليبحث عنها هناك.
    بنى نمرود برجًا ضخمًا من الطوب والزفت والخشب، وزخرفه بالذهب والفضة والأحجار الكريمة، وأجبر شعبه على العمل فيه دون رحمة. كان يخطط لإتمام بناء البرج، والصعود إلى قمته، والوصول إلى حديقة عدن. لكن لخلل ما في البناء؛ انهار البرج على نفسه، وقتل وأصاب الاف العمال الذين يعملون فيه، وقتل النمرود نفسه، عندما كان جالسًا أسفله يراقب ارتفاع مشروعه الضخم.
    مات نمرود مدفونًا تحت الأنقاض، وتشتت شعبه في كل مكان؛ اختلطت بعدها لغات شعب نمرود، ولم يفهموا بعضهم بعضًا. فأصبحوا يتحدثون بأصوات غريبة وغير مفهومة. انقطع التواصل بينهم، وزاد الخلاف والنزاع. تفرقوا في أرجاء المعمورة، وأصبحوا شعوبًا مختلفة، تتحارب وتتصارع فيمَا بينها. وانتهى بذلك مشروع برج بابل، وانتشرت الفوضى في الأرض وازداد الفساد وعمت الحروب.
    هذا هو رقيم برج بابل، الذي ضاع منذ آلاف السنين. أنه اكتشاف تاريخي هائل، يمكن أن يغير كل ما نعرفه عن الحضارة البابلية، بعد أن بقى هذا السر مخفيًا لآلاف السنين، حتى اكتشفه د. عصام.
    عندما قرأ القصة الموجودة على الرقيم، شعر بالفضول والإثارة. كان يريد أن يعرف ما هو سر الخلود، وكيف يمكن الحصول عليه. ففحصه بمكبرة كبيرة بعناية، ووجد شيئًا غريبًا.
    في إحدى جوانب الرقيم، كان هناك زر صغير، مخفي بين الزخارف، مصنوع من المعدن، ومحفور عليه رمز على شكل دائرة مقسمة إلى أربعة أقسام، تمثل الأرض والهواء والنار والماء. وهو رمز الحياة، والتوازن، والخلود.
    ضغط على الزر ولم يتردد؛ فحدث شيء لا يصدق. انبعث من الرقيم ضوء أزرق قوي، وغطاه بالكامل. شعر باندفاع من الطاقة، يملأ جسده وروحه. شعر معه بأنه يتغير، يتجدد، يُخلد. بعد أن اكتسبت خلايا جسده طاقة غريبة؛ تمنحها حياة دائمة، باقية إلى الأبد.
    فجأة، توقف الضوء، وساد الهدوء. نظر عصام إلى نفسه، ولاحظ أنه لم يتغير شكله أو مظهره. لكنه شعر بأنه لم يعد نفسه. شعر بأنه أصبح أقوى وأذكى وأشجع، وبات أكثر حكمة وإبداعًا وسعادة. شعر بأنه أصبح خالدًا. كان هذا هو سر الخلود، الذي يبحث عنه نمرود.
    كان سرًا ليس في شجرة أو ثمرة، بل في رقيم وزر؛ يعتمد على تفعيل جين معين في الجسم، يمنع الشيخوخة والموت. كان سرًا خطيرًا ومحظورًا، لا يجوز لاحد استخدامه.
    أدرك عصام ذلك، وندم على ما فعله. لكنه لم يستطع التراجع أو التغيير؛ فقد أصبح خالدًا، ولم تكن هناك طريقة لإلغاء ذلك. فقرر أن يستخدم هذه النعمة بشكل جيد، وأن يفيد البشرية بعلمه وخبرته، لكنه لم يشعر بالرضى. فأخبر صديقه محمد بالحقيقة، وطلب منه المساعدة.
    اندهش د. محمد بعد سماعة قصة صديقه، ووافق على مساعدته، وأخذه إلى مكان آمن. هناك، بدأ في دراسة الرقيم بالتفصيل، وفي تسجيل ما اكتشفه. كان يأمل أن يجد طريقة لإصلاح ما أفسده الرقيم بصاحبه، لكن كل المحاولات بائت فشلت.
    وهكذا بدأت حياة د. عصام الجديدة، حياة الخلود. عاش الاف السنين وواكب أجيال وأجيال، شاهد تغيرات كثيرة في التاريخ والحضارة. شارك في العديد من الأحداث والمغامرات والانقلابات والثورات، تعرف على العديد من الشخصيات والثقافات. عمل في الكثير من المجالات والمهن، ساهم في انجازات وابتكارات مختلفة. عاش حياة متنوعة وغنية، لكنه لم يجد الرضا أو الهدوء؛ فقد كانت حياته بلا معنى.
    شعر بالوحدة والحزن، لأنه فقد كل من أحبه وعرفه. وبالذنب والضجر والملل، لأنه جرب كل شيء ولم يبقَ شيء ذو معنى في حياته. لم يكن يسعى لشيء؛ لأن وقته مفتوح ومستمر دون حساب أيام العمر.
    شعر باليأس والندم، لأنه لم يجد طريقة لإنهاء حياته، التي أصبحت مملة ورتيبة ولا تطاق.

    فراس عبد الحسين
    فراس العراقي
يعمل...
X