البناء الفنّي في رواية (المنعطف السابع) لــ جمال باشا

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عبد الله لالي
    أديب وكاتب
    • 07-05-2011
    • 74

    البناء الفنّي في رواية (المنعطف السابع) لــ جمال باشا

    البناء الفنّي في رواية (المنعطف السابع)
    لــ جمال باشا
    بقلم: عبد الله لالي
    68.jpg
    هذه رواية تزخر بالحياة وتتدفق بالثقافة والفكر وتطرح أسئلة جوهريّة، عن كثير من أسرار مرحلة تاريخية حيوية ومفصليّة في تاريخ الجزائر، ومن الصّعب تفكيك كلّ عناصرها الفنيّة والإلمام بها من كلّ جوانبها، لكن حسبنا أن نتتبّع أهمها وأبرز المعالم الإبداعيّة فيها، والأمر الأكيد أنّ الإبداع الفنّي الحق ينبعث من روح صاحبه عفوا لا يتكلّف له تكلفا ولا يتصنّع، ولا يكون عمله بعد ذلك إلا التشذيب والتحسين، كما يُلقى الذهبُ في النّار لتنفيَ ما يغطي جوهره..
    !
    لغة قويّة وأسلوب فريد:
    وقد سبّقت بالحديث عن ذلك حين قلت أنّه من الصّعب تصنيف هذا الرواية، هل هي كلاسيكية أو عصريّة، وخلصت بعد جهد وتدبّر إلى أنّ صاحبها سلك في التعبير عن أفكاره ومجريات أحداث روايته أسلوبا وسطا، فتجنّب الأسلوب القديم في حكايات القدامى على نمط (كان يا مكان)، وقالت الجدّة وحدّث الراوية: "يا سادة يا كرام"، كما أنّه في الوقت نفسه لم يقع في مطبّ (الحداثة)، بكل بهرجها الزائف وأساليبها الخدّاعة التي ترى في الغموض المطبق، والأسلوب المستغلق؛ قمّة الإبداع وإرباك القارئ، حتى ولو كان المحتوى فارغا..!
    لقد جاء أسلوب الكاتب جمال باشا وسطا بين الحداثة والكلاسيكية، إنّها لغة واضحة وبسيطة، يفهمها كلّ من يقرأها ويتشرّب كلّ معانيها بكل سهولة ويسر، وهي في الوقت نفسه تستعمل المعجم اللفظي الحديث المأخوذ من بيئة الكاتب ومحيطه الاجتماعي الواسع، الذي يدخل ضمن (القرية الإنسانية الصّغيرة)، ولذلك نجده يستدلّ بأقوال العلماء والحكماء والفلاسفة من مختلف بلدان العالم، كما يستدل بالقرآن الكريم والحديث الشريف وعيون التراث العربي الإسلامي.
    ولذلك نجد في قاموسه اللّفظي هذه النماذج التراثية من اللغة العالية نسبيا:(السّفلة، الفجار، أجهش، يأبى أن يحجب محتواه، قامته الفارعة، حنكته/ استقاها/ أضحى/ المنهكة/بدا/ الوهلة..)
    هذه اللغة عادة يطعم بها الأدباء الكبار أسلوبهم بشكل تلقائي، ليغني قاموس القارئ اللّغوي وليعبروا عن المعاني بأدقّ التعبيرات العربية الفصيحة، التي تحمي العربية من الذوبان في موجة اللغة المستهلكة والمائعة في خضم العامي والدارج المستعمل بكثرة، في لغة الخطاب الإعلامي والأدبي السّطحي.
    ومن عينات الألفاظ والتعبيرات الحديثة التي يستخدمها الكاتب بشكل كبير يمكن أن نختار هذه العينات الدّالة: (الهبوط المفاجئ لأسعار النفط الخام/ معطيات مبنية على منهجيّة علمية/ في ظلّ ظروف وطنية وإقليمية/ ملخص مباريات كأس العالم دورة 2014/ هاتفه النقال لا يتوقف عن الرّنين/ يقيمون في منتجعات راقية..)
    تقنية الأسئلة:
    الأسئلة داخل الرواية معالم ترشد إلى الأفكار التي يريد الكاتب اكتشافها مع القارئ، هو يطرح السؤال بشكل مباشر أو على لسان أبطاله لكنّه في الحقيقة هو يستفز القارئ لطرح مثل هذه الأسئلة، فعندما دفع شخص مجهول ثمن مشروبات الضبّاط التسعة في (مقهى صوت الشعب)؛ ظلّ السؤال قلقا في أذهانهم: (من دفع ثمن المشروبات ؟ وما غايته من ذلك ؟؟) يقول الكاتب مثلا في ص45:
    "ترى من يكون هذا الشخص الذي تكرّم علينا خفية؛ وكأنّها صدقة لا يريد الجهر بها حفاظا على مشاعرنا؛ رغم أنّ مجمل المستحقات التي دفعها قد يرفضه متسولو هذا الزمن؟ وهل هو من زملائنا في القطاع؛ أو من قطاع آخر؟ وإذا كان من القطاع نفسه؛ هل كان حينها بالزي العسكري أو المدني؟ ومن الذين يعرفهم في المجموعة – وبعضنا لا يدري – ليتكرّم بهذا الشكل المثير؟ ولماذا من تحت الطاولة وليس فوقها إن لم تكن له نوايا خفية؟ وهل كان متواجدا في المقهى قبل مجيئنا؛ أم بعد مجيئنا؛ أم كان عابر سبيل؛ أو متربصا بنا مع سبق الإصرار والتّرصّد كما يقول رجال القانون الجنائي؟...." ويستمر في طرح الأسئلة بكل تفاصيلها التي تبحث عن أجوبة مقنعة إلى أن يبلغ بها ثلاثة عشر سؤالا..! ولا عجب في ذلك عندما يصدر من رجل عسكري يخطط هو زملاؤه؛ إلى القيام بحركة تغيير كبرى تحدّد مصير شعب ووطن بكامله..!
    وقد جاءت الأسئلة بأشكال متعدّدة ، فمنها أسئلة يطرحها السارد ويمكن اعتبارها تساؤلات خارج النّصّ (يطرحها الرّاوي) لتنبيه القارئ وقيادته أثناء القراءة، ومنها أسئلة ذاتية (بين البطل ونفسه)، وهناك أسئلة تكون بين فردين أو أكثر من شخصيات النّص، ضمن الحوار، هذا من حيث الشكل أما من حيث المحتوى فهناك أسئلة عادية تلقائية وهناك أسئلة فلسفية مفصلية داخل النّص الروائي، ومنها هذا النموذج الهام ص 121:
    "المهم أنّ الطريق مظلم وحالك فإذا لم تحترق أنت وأنا فمن ينير الطريق يا ترى؟".
    وفي ص185 يقول: "هل كان لقاؤنا في مقهى صوت الشعب مخططا له من قبل جماعة تعمل في الظّل ونحن لا ندري؟ هل نحن التسعة أصدقاء بالصّدفة أو بفعل فاعل كان يجمعنا ويقرّبنا لبعضنا البعض؛ ثم يوجّهنا وقت ما شاء؛ وكيفما شاء؛ وأينما شاء؛ ونحن لا ندري؟ هل الأفكار التي كنّا ندلي بها في جميع مجالات الحياة ونعمل على إثرائها؛ ونسعى لنشرها هي أفكارنا الطبيعية المستمدّة من ثقافتنا وقناعتنا؛ أم هي أفكار غيرنا صبّوها صبًّا في أذهاننا لنعمل بها ونروّجها وندافع عنها من حيث لا ندري...؟"
    هذه تساؤلات جوهريّة ومفصلية فعلا، تطفو على السّطح بإلحاح كبير إذا وقع الإنسان في أزمة شديدة، أو وقف بين مفترق طرق متشابهة يظل فيها الحليم حيران.. ولا تجد لها إجابة شافية إلا في أحداث الرواية التالية..!
    والفائدة الفنية من هذه الأسئلة أنّ الكاتب يستوقف القارئ عند هذا المشهد، ويدفعه إلى طرح كل الاحتمالات، وهذا ما يمكن أن نطلق عليه (مساءلة القارئ للمتن الإبداعي..)، فهي عملية تفاعل إيجابية تعمق وعي الملتقي وتوسع مداركه بأفكارها وأحداثها المتشابكة، وفي الوقت نفسه تعدّ الأسئلة أحد التقنيات الأدبية لكسر السّرد النمطي الذي قد يُملّ القارئ ويدخله في الرتابة القاتلة للنّصّ..!
    الأسلوب الرمزي المشفّر:
    استخدم الكاتب الأسلوب الرمزي بشكل شامل، ولعلّ ذلك ليضفي على الرواية نكهة (إدخال القارئ في المجهول المحبّب)، والذي يسعى كلّ قارئ إلى حلّ شيفرته بشغف، وقد رمز للأسماء الحقيقية بأسماء بديلة، سواء كانت أسماء أمكان أو أسماء أشخاص، ومن ذلك نذكر الشخصيات والأماكن التالية في الرواية:
    خبّول البهلول: وهو أحد شخصيّات الرواية من عامة النّاس، وهو في الوقت نفسه رغم طرافة الاسم يبدو عاقلا حكيما، بخلاف ما يبدو من مظهره أو اسمه، فخبّول من الخبل، وهي قلّة العقل، والبهلول لها الدلالة ذاتها تقريبا، مع نوع من التفكه في الاسم الذي يحمل بعض السّخرية في مبناه.
    ويدلّ كذلك على أنّ هذا الشعب البسيط قد يظلم ويستغفل ويؤخذ حقّه وتسلب حريّته، بسبب طيبته ونقاء قلبه، لكنّ ذلك لا يعني أنّه غبي ولا يدرك حقيقة الأمر الواقع الذي يعيشه، وله ثورة عارمة حين يبلغ الأمر مداه، ونقول الشيء نفسه عن شخصيّة (صابر لمدربل). فهو صابر على الفقر وضنك الحياة، و(لمدربل) في اللهجة الجزائريّة الذي يلبس الثياب القديمة الرثة التي تظهره في هيئة مزرية.
    شطشاط لمفرعن: وعنى به الكاتب الرّئيس الراحل عبد العزيز بتفليقة، وقد تميز بنوع من الطغيان والاستبداد بالرأي، يحيل على صفة الفرعونية التي تميز بها كثير من الحكام العرب في زمننا المعاصر، حتى بعض من كان منهم مخلصا وصادقا، لشهوة في النفس، أو لغلبة ظنّ – خاطئ – أنّ الشعوب العربية ينبغي أن تساس بالعصا.
    ومن رمزية الأمكنة تسمية العاصمة الجزائريّة (سلسبيل)، وفيها دلالة على بساطتها وتميزها بالأمن والأمان، ولعلها جاءت من دلالة الصّفة التي عرفت بها العاصمة (الجزائر البيضاء)، وفي دلالة البياض معنى من تلك المعاني المشار إليها.
    وفي هذه التسميات نجد طابعا من السّخرية المرّة (المضحكة المبكية)، التي تميز بها الكاتب في مؤلفاته الأخرى: (الوجه الآخر للتربية والتعليم/ الصّريح/ بلا حدود)، وهي هنا في هذه الرواية قليلة إلى حدّ ما؛ بسبب الطابع الجدّي لموضوع الرواية، لكنّ ذلك لم يمنعه من استعمالها بقدر يسير، وفي نطاق (السّخرية المرّة)، التي تقرص الحبيب لتنبّهه إلى الخطر القريب، أو هي نصيحة القريب المشفق الذي يبكيك وهو يصدقك ولا يريد أن يضحكك ليضحك عليك..!
    مقهى صوت الشعب: وهو المكان الذي التقى فيه الضباط التسعة الذين شاركوا في التخطيط للتغيير الشامل والجذري في دولة البشائر، ودلالة التسمية ذات معنيين متضادّين، فهي من جهة يلتقي فيها بعض الأحرار من أجل الحديث، عن أوضاع وطنهم وما آل إليه حالهم في دولة البشائر، ومن جهة أخرى كانت مكانا لاصطياد هؤلاء الأحرار والتجسّس عليهم من قبل الدّولة (العميقة)، فرمزية الدلالة معقدة بعض التعقيد الذي يحتاج إلى تأمل من القارئ ليدرك كلّ أبعاده.
    رمز هاتف أم دلالة تاريخية: عندما التقى الضباط التسعة بالشيخ خبّول البهلول أخبرهم أنّ أحد الشهداء اتصل به على رقم هاتفه الذي هو 05/ 07 / 1962، ولا يخفى على أي جزائري أو مطلع على تاريخ الجزائر الحديث أنّ هذا الرقم هو تاريخ استقلال الجزائر، وأن يكون تاريخ الجزائر في رقم هاتف قديم ومهشم فيه إشارة قويّة على أنّ هناك انحرافا كبيرا وقع في دولة البشائر (الجزائر)، حاد به عن هذا التاريخ العظيم الذي كان يفترض أن يجعلها دولة عظيمة لها مكان الرّيادة في ركب الحضارة..!
    متن من زخرف:
    حفل هذا المتن الروائي بعشرات من النّصوص القرآنية والأحاديث النبوية، فضلا عن الأمثال والحكم قديمها وحديثها، من التراث العربي الإسلامي، ومن تراث الثقافة الغربية، وفي دلالة قويّة على ثقافة الكاتب الغنية، ولا يبدو أنّه تكلّف في إيرادها أو شحن نصّه بها، وإنما جاءت عفو الخاطر، وحفلت بها الرواية بشكل كبير ذكرنا بالأدباء الموسوعيين الكبار، الذين حين نقرأ لهم، نخرج بثقافة أدبية ومعرفية وموسوعيّة شاملة.
    ومن تلك النّصوص نسوق الأمثلة التالية:
    في مجال القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف: ويمكن أنّ نعدّ عشرات النّصوص، بحيث لا يسهل تتبعها كلّها أو عدّها جميعا، ومنها قول الله تعالى:" يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ" الآية 32 من سورة التوبة.

    ومنها أيضا قول الحق جلّ جلاله:"وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ۚ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ الآية 91 من سورة النحل.

    ومن الحديث قوله ص 139:"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه"رواه البخاري.

    وفي ص 141 ذكر حديث:" إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا" رواه البخاري وأحمد.
    وفي الصفحة نفسها قول الرّسول صلى الله عليه وسلّم: ما أكلَ أحدٌ طعامًا قطُّ، خيرًا من أنْ يأكلَ من عمَلِ يدِهِ وإنَّ نبيَّ اللهِ داودَ كان يأكلُ من عمَلِ يدِهِ" أخرجه البخاري.
    وكلّ هذه النصوص يستظهر بها الكاتب بلسان أبطال روايته عند استدعاء الضرورة للاستشهاد بها، وهي تعدّ نوعا من التناص الأدبي العميق الذي يقوّي المتون الفنيّة ويعطي لها بعدا عميقا لاسيما في مجتمع مسلم يتداول مثل هذه النصوص ويعيش مختلف معانيها الرائعة.
    وهناك اتجاه نقدي طاغ في السّاحة الأدبيّة؛ صنع حساسية مفرطة وتحفظا كبيرا من توظيف القرآن الكريم أو النّصوص الدينية عموما في المتن الإبداعي سواء كان رواية أو قصّة أو حتى شعرا، ويَعتبر ذلك جنوحا إلى الموعظة والخطابة الدينية المباشرة، وانحرافا عن السّرد الفنّي الذي يقوم على أسس إبداعية صارمة. ولقد لقي هذا الرأي رواجا كبيرا وتسليما في الوسط الإبداعي والأدبي عموما لاسيما من ذوي التوجّه العلماني أو اليساري، وصار كأنّه مسلّمة غير قابلة للنقاش، وكنت أرى في ذلك هجوما غير مباشر وتقويضا مقصودا لكلّ نصّ يُشَم فيه رائحة الالتزام أو الحفاظ على القيم، وجاءت رواية الكاتب المبدع جمال باشا لتقوّض هذا الرأي من أساسه، وشُحنت بشكل ملفت بالآيات والأحاديث النبوية، دون أن تخرج عن السمت الروائي (السّردي)، بل هي عبّرت فعلا عن الشخصيّة الجزائرية العربية المسلمة، بكامل شخصيّتها وخصائصها الأخلاقية والفكرية دون شعور بعقدة النقص أو بالدونية التي يريد القوم أن يلبسونا ثوبها الفاضح.
    ومن الطبيعي أن يقوم بطل في رواية تجري أحداثها في بلد عربي مسلم متشبّع بثقافة آبائه وأجداده، ومنحاز إلى أهله وعشيرته الأقربين، أن يجري على لسانه ذكر آية أو التمثل بحديث نبوي، سواء كان رجلا ملتزما بشكل مثالي أو كان إنسانا من الخطائين يقع في الإثم لكنّ قلبه يتغير وروحه تستوحش، وسرعان ما يأرز إلى قلعة إيمانه ودينه، ولا غرابة في ذلك ولا مذّمة.
    في مجال الحكم والأمثال:
    أهم ميزة يلحظها القارئ في هذا المجال هو قدرة الكاتب على الاستدعاء الفوري والغزير لهذه الأمثال والحكم وشحن النّص بها بطريقة رائعة، ثم قدرته الكبيرة على الأخذ من المخزون العربي الإسلامي والمخزون الغربي بشكل متوازن محققا المقولة الشائعة في عصرنا الحديث من جانبها الإيجابي وهي أنّ "العالم صار قرية صغيرة"، ونقتطف من تلك الأمثال والحكم مجموعة من النماذج من هنا وهناك:
    حكم وأمثال من التراث العربي الإسلامي:
    يقول الكاتب ص 42"اللبيب بالإشارة يفهم"وفي ص 48 قوله"خالف تعرف"وفي ص 53"ربّ ضارة نافعة)، وفي ص 66 (لما يعرف السبب يبطل العجب)، وفي ص 80 (لا دخان بدون نار).
    ومن ذلك أيضا في ص109 "رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصّواب"، وهو كلام من ذهب ينسب للإمام الشافعي رحمه الله تعالى.
    حكم وأمثال من التراث العالمي :
    ومن ذلك قولهم: "عند العاصفة يتعرّف البحارة على بعضهم بعضا.. "وفي ص 52 اقتبس قولهم: "احترس من الباب الذي له مفاتيح كثيرة "وفي ص 102 : "إنّ أكبر قدر من النجاح يأتي بأقلّ قدر من الكلام" وقوله على لسان أحد أبطال الرواية ص 104:"ويبقى الذئب ذئبا ولو لم يأكل غنمك" وأيضا قولهم ص105:"لكي تقفز جيّدا تراجع قليلا" وفي ص 125 (كل ظلام الدنيا لا يستطيع إخفاء ضوء شمعة واحدة).
    وهذه المجموعة من الحكم والأمثال هي قدر مشترك من التجربة الإنسانية، يستفيد منه كلّ الناس مهما اختلفت مشاربهم وطبائعهم وعاداتهم وتقاليدهم.
    من عيون الشعر العربي:
    كما تخلل المتن الإبداعيّ (رواية المنعطف السابع) مختارات رائعة من عيون الشعر العربي، نسوق منها هذه الأمثلة للاستدلال فقط وليس للتتبع والحصر:
    قول زهير ابن أبي سلمى:
    ومن يجعل المعروف في غير أهلهِ * * يكن حمده ذمّاً عليه ويندمِ
    وقول ابن نباتة السعدي:
    ومن لم يمت بالسيف مات بغيره * * تعددت الأسباب والموت واحد
    وقول مفدي زكريا:
    واقضِ يا موتُ فيَّ ما أنت قاضٍ* * أنا راضٍ، إن عاش شعبي سعيدا
    وجاء في ص 106 بيت للشاعر الشريف قتادة:
    بلادي وإن جارت علي عزيزة ** وأهلي وإن ضنوا كرام
    ونلحظ أنّ استدلال الكاتب بالشعر أيضا كان منوّعا بشكل مدهش، بحيث أخذ من القديم والحديث، وذلك مؤشر كبير على تنوّع ثقافة الكاتب وتعدّدها ما جعله يستدعي أي متن إبداعي من القديم أو الحديث ويوظفّه في سياقه المناسب له.
    الصور الفنيّة:
    التنوّع الفنّي مسّ أغلب جوانب الرواية ومن بينها المراوحة بين السّرد والحوار والتصوير الفنّي، فلا يكاد يشعر القارئ 'المتلقّي) بالملل أبدا، رغم حجم الرواية الكبير، وفي جانب التصوير الفنّي يمكننا أن نأخذ عيّنات مختارة ونقف عندها مليا، لنحلل عناصرها الأساسيّة ونبحث عن مكامن الجمال فيها جهد استطاعتنا، يقول الكاتب في ص 61 عندما تحدّث عن مكان لقاء عدد من الضباط التسعة بمزرعة الحاج إبراهيم بقرية (أم المساكين) في إطار مواصلة التخطيط لعملية التغيير الكبرى:
    "تقع دشرة أم المساكين شمال شرق العصمة سلسبيل؛ وتبعد عنها بحوالي واحد وثلاثين كلم؛ لتتربّع على سفح جبل شامخ تكسوه أشجار الصّنوبر البريّ وبلوط الفلّين؛ وتطلّ باستحياء على خليج الياقوت والمرجان؛ أين يشدّك من بعيد ازرقاق الأثير وهو يعانق بلطف ازرقاق البحر الجميل.."
    الجميل في هذا المشهد الفنّي البديع أنّ الكاتب لا يكتفي بالوصف الطبيعي للمكان، بل يضفي عليه من روحه ومشاعره ما يجعله ناطقا بالحياة صاخبا بالحركة يتدفّق جمالا وبهاء، وانظر حيث يقول:"وتطلّ باستحياء.. " وكأنها كائن حيّ يحسّ ويشعر وتعلو وجهه حمرة الحياء، ثم وانظر إليه حين يقول في موضع ثانٍ من هذا المشهد "ازرقاق الأثير يعانق بلطف ازرقاق البحر" زرقة هوائية تعانق الزرقة المائية، تنسيق بديع ولمسة فنية ساحرة..
    المشهد الثاني:
    وفي ص140 يريد أن يصف فاطمة ابنة الحاج إبراهيم فيقول:" .. فإنّ تحيتها كانت توحي بأنّها عشرينية متحضّرة وفطنة للغاية؛ وقبل أن تنصرف سألها أبوها عما فعلت بالعجل المريض؛ فاستدارت نحوه بحركة غاية في الرّشاقة؛ وأجابته بصوت ملائكي؛ بأنّه تحسّن عما كان عليه؛ ونحن في انتظار ما تأمرنا به؛ ثم انصرف وكأنّ شيئا ما أكثر أهميّة ينتظرهما".
    هذا مشهد يختلف عن سابقه بعض الاختلاف، إذ يمتاز عنه بالتصوير السريع والخاطف، وذلك عندما يريد الكاتب أن يصف لنا فاطمة ابنة الحاج إبراهيم المجاهد الحكيم المحنّك، حيث يوزع أوصافها بين الأحداث فتكون مثل لمعات الضوء الخاطف (فلاشات)، فهو يستنتج من تحيتها أنّها (عشرينية)، ومتحضرة فطنة، ثم يواصل السّرد وبعده يضيف "فاستدارت نحوه بحركة غاية في الرشاقة، وأجابته بصوت ملائكي.."، وهذا كلّه بدل أن يقول أنها رشيقة وصوتها ملائكي..!
    وهذا الوصف السريع الخاطف له وقعه وتأثيره الخاطف في نفس القارئ، يرسم له صورة عن الشخص المراد وصفه بطريقة غير مباشرة، فيها لباقة وحسن تأتي كما يقول الأقدمون.
    المشهد الثالث:
    يقول الكاتب من ص208"وما إن عمّ الهدوء المشوب بالحذر حتى صاح عمار: والآن نستقبل صديقنا وعزيزنا البار أطال الله في عمره اللّواء.. ثم سكت ليقول بصوت مرعد؛ إنّه اللّواء أنور !! فدخل أنور تحت التصفيق والصّراخ والتعجّب والاستغراب والضجيج؛ فنهض أصدقاؤه جماعة مقهى صوت الشعب بصفة خاصّة من أماكنهم، وهرولوا نحوه مسلمين ومحتضنين في جوّ اختلطت فيه دموع الفرح بدموع الأسى؛ وتزاحمت على وجوههم المندهشة علامات التعجب والاستفهام؛ ولم يعودوا إلى وعيهم؛ ثم إلى أماكنهم إلا بعد مرور ساعة إلا ربعا تقريبا".
    هذا المشهد يصور مفاجأة جماعة الضباط التسعة ومن معهم بظهور صديقهم أنور الذي ظنوه قد مات في حادثة سقوط الطائر، وقد استخدم الكاتب لرسم المشهد بريشة فنان، مجموعة من الأدوات التعبيرية هي ألوان رسم الحدث: (صوت مرعد/ التصفيق والصراخ والاستغراب والضجيج/ هرولوا نحوه/ محتضنين/ دموع الفرح / دموع الأسى/ علامات التعجب والاستفهام"
    وهذه كلّها كلمات وعبارات مفتاحية صاخبة مفعمة بالحركية، لتفكيك التركيبة السّحرية للمشهد المؤثر.
    ولو تتبعنا كلّ العناصر الفنية والأساليب الإبداعية التي شكلت هذا النّص الروائي؛ لأعيانا ذلك ولكن كما قلنا في بداية هذه القراءة أننا سنعمد إلى أهم الخصائص الإبداعية فيها، ونحاول تفكيك شيفراتها، ويبقى المتن مفتوحا لكل دارس أو قارئ مهتم ليكتشف مزيدا من عناصر الجمال والإبداع فيه.
يعمل...
X