عالمًا عراقيًا مشهورًا في مجال البيولوجيا الجزيئية، يعمل في معهد بحوث متقدم في دبي. مهتم بدراسة آلية التمثيل الضوئي التي تستخدمها النباتات وبعض الكائنات الحية الأخرى، لتحويل ضوء الشمس إلى طاقة كيميائية، وحلمه أن يجد طريقة لنقل هذه الآلية إلى الخلايا البشرية، وبذلك يمكّن الإنسان من العيش من الضوء فقط، دون حاجة إلى الطعام، فيقضي على الاستغلال والصراع والحروب على الموارد. ولا يبقي جائع على وجه الأرض.
عمل د. محمد سنوات طويلة، بجد وإخلاص على تحقيق هذا الحلم. أجرى العديد من التجارِب والتحاليل على خلايا نباتية وحيوانية، وحاول تعديلها جينيًا بإضافة جزيئات الكلوروفيل، التي أدّت دورًا رئيسيًا في التمثيل الضوئي. لكنه لم ينجح في ذلك.
فقد واجه مشكلات كثيرة تعترض طريقه، مثل عدم توافق الخلايا المعدلة مع الخلايا الطبيعية، أو انخفاض كفاءة التمثيل الضوئي في ظروف مختلفة من الضوء والحرارة والرطوبة؛ لكنه لم يستسلم، بل كان مصرًا على إثبات فكرته، وإظهار فوائدها للبشرية. وهو يعتقد أن هذه التقنية ستحل مشكلة الجوع والفقر في العالم، وستخفض من استهلاك الموارد الطبيعية والطاقة، وتحسن من صحة وسعادة الناس.
أثناء بحثه المستمر، حصل على اكتشاف عظيم؛ وجد نوعًا نادرًا من الطحالب يسمى سبيرولينا، يحتوي على كلوروفيل بكمية كبيرة، ويتمكن من التمثيل الضوئي بشكل فعال. زرع هذه الطحالب في المختبر ثم أخذ عينات منها وزرعها في خلايا بشرية، باستخدام تقنية التغذية الخلوية التي تسمح بنقل المواد الغذائية والجزيئات بين الخلايا المختلفة.
لم يصدق عينيه عندما رأى النتيجة. فقد تمكنت الخلايا البشرية من استيعاب الكلوروفيل من الخلايا الطحلبية، وبدأت في التمثيل الضوئي بشكل مذهل، زرعها في فئران المختبر وكانت تنتج طاقة كافية لتلبية احتياجاتها، بالإضافة إلى أنها تطلق أوكسجين نقي يعمل على تنقية الجو من التلوث. شعر بأنه حقق إنجازًا علميًا تاريخيًا، بالرغم من معارضة الأطباء من معاونيه لخطورة ما يقوم به من تجارب على الجنس البشري.
حقق الدكتور حلمه اخيراً وفرح بشدة. سارع بتسجيل نتائجه ونشرها في مجلة علمية مرموقة، وحصل على اهتمام وإعجاب العالم العلمي والإعلامي، والجمهور العراقي والعربي والعالمي. تلقى العديد من الجوائز والتكريمات، وأصبح مشهورًا عالميًا؛ عدّ بطلا ومخلصًا للبشرية.
بعد مدّة من استخدام هذه التقنية، اكتشف الأطباء آثارها الجانبية الخطيرة والمدمرة بعد أن فقدت الخلايا خصائصها البشرية وتحولت تدريجيًا إلى خلايا نباتية، وبدأت الخلايا المعدلة في التغير والتطور بشكل غير متوقع، وإنتاج مواد سامة تؤثر على وظائف الأعضاء الحيوية، ثم تحولت إلى خلايا سرطانية، تنمو بشكل مضاعف وتهاجم الخلايا السليمة.
كان هذا كابوسًا مروعًا، فأنه قد خلق وحوشًا غريبة مشوهة بدلًا من بشر نباتي، وتسبب بمأساة قد تنهي حياة البشرية على الأرض، بدلًا من العمل على اسعادها؛ فقد ارتكب خطأ فادحًا لا يمكن تصحيحه!
وهو نائم في شقته، استيقظ على صوت طرق على الباب. فتحه، ووجد على مدخلها مجموعة من رجال مسلحين من الشرطة برفقة أطباء يرتدون زيًا رسميًا. قال الضابط: أنت د. محمد، صحيح؟ قال: نعم، ماذا تريدون؟ قال الضابط: جئنا برفقة اعضاء من وزارة الصحة والبيئة، لدينا أمر باعتقالك ومصادرة كل اجهزتك وبحوثك. لقد ارتكبت جرائم ضد الإنسانية، وخالفت قوانين الأخلاق والسلامة العلمية، وتسببت بإصابة الآلاف الناس بأمراض خطيرة وغريبة ومميتة، بسبب تجاربك الفاشلة على الخلايا البشرية. لقد خدعت الناس بوعود كاذبة، واستغللت ثقتهم، وعرضت العالم للخطر، بإنشاء كائنات متحولة غير مستقرة وغير معروفة. لقدة انتهكت حقوق حياة الإنسان وكرامته وارتكبت جناية لا تغتفر. أنت مطلوب للمحاكمة، وسوف يحكم عليك بالإعدام؛ لأنك مجرم لا يستحق أن تعيش. أنت رهن الاعتقال؛ تعال معنا بسرعة.
ثم أمسك الرجل الدكتور بقوة، وسحبه إلى سيارة سوداء كانت تنتظر خارج المنزل. أدخله إلى السيارة عنوة، محاطًا بالرجال المسلحين. انطلقت السيارة بسرعة، متجهة إلى مكان مجهول. في طريقهم، شعر الدكتور بالذعر والندم. فهو لم يكن يتوقع هذه النهاية المهينة؛ كان يسعى لأن يفعل شيئًا جيدًا للبشرية، ينفع الناس ويخلصهم من آفة الجوع، ويساهم في تطور العلم والمجتمع.
كان يحب عمله ويفخر به، ويحلم بأن يصبح بطلا ومخلًصًا. ولكن، كل ذلك كان خطأً شنيعًا. فلم يكن يدرك المخاطر والآثار الجانبية لتجاربه، ولم يحترم حدود الطبيعة والإنسانية؛ لأنه رجل مغرور وعنيد وأناني، لم يستمع لآراء معاونيه من الأطباء، فقد كل شيء الآن، عائلته وأصدقائه وزملاءه وجمهوره، وخسر سمعته وشرفه وكرامته، وضيع حياته.
في ذلك الحين، نظر من نافذة السيارة وشاهد اشياًء غريبة؛ لقد تغير لون السماء إلى أخضر، وقرص الشمس إلى هلال، ورأى أشجار الحديقة العامة صُفر ذابلة. تحول الناس إلى كائنات خضر مشوهة "بشرنباتية" تمتد أوراقها وسيقانها وجذورها في كل اتجاه، مستمتعين بالضوء والهواء، دون حاجتهم لطعام يأكلوه. لكن جذورهم توغلت في التربة ومنعتهم من الحركة!
ثم لاحظ كيف بدء شكله يتغير من بشر إلى نبات، وتحول إلى كائن أخضر، يمتلك كلوروفيل في خلاياه. شعر بالطاقة والحيوية والسعادة بشكل غريب، قال في نفسه "لقد حققت حلمي ولن أشعر بالحزن على ما فعلت، ولا الخوف مما سوف يحصل، ولن أندم؛ لقد خلصت العالم من جشعهم، وصراعاتهم وحروبهم." ابتسم ثم أغمض عينيه بصمت.
فراس عبد الحسين
عمل د. محمد سنوات طويلة، بجد وإخلاص على تحقيق هذا الحلم. أجرى العديد من التجارِب والتحاليل على خلايا نباتية وحيوانية، وحاول تعديلها جينيًا بإضافة جزيئات الكلوروفيل، التي أدّت دورًا رئيسيًا في التمثيل الضوئي. لكنه لم ينجح في ذلك.
فقد واجه مشكلات كثيرة تعترض طريقه، مثل عدم توافق الخلايا المعدلة مع الخلايا الطبيعية، أو انخفاض كفاءة التمثيل الضوئي في ظروف مختلفة من الضوء والحرارة والرطوبة؛ لكنه لم يستسلم، بل كان مصرًا على إثبات فكرته، وإظهار فوائدها للبشرية. وهو يعتقد أن هذه التقنية ستحل مشكلة الجوع والفقر في العالم، وستخفض من استهلاك الموارد الطبيعية والطاقة، وتحسن من صحة وسعادة الناس.
أثناء بحثه المستمر، حصل على اكتشاف عظيم؛ وجد نوعًا نادرًا من الطحالب يسمى سبيرولينا، يحتوي على كلوروفيل بكمية كبيرة، ويتمكن من التمثيل الضوئي بشكل فعال. زرع هذه الطحالب في المختبر ثم أخذ عينات منها وزرعها في خلايا بشرية، باستخدام تقنية التغذية الخلوية التي تسمح بنقل المواد الغذائية والجزيئات بين الخلايا المختلفة.
لم يصدق عينيه عندما رأى النتيجة. فقد تمكنت الخلايا البشرية من استيعاب الكلوروفيل من الخلايا الطحلبية، وبدأت في التمثيل الضوئي بشكل مذهل، زرعها في فئران المختبر وكانت تنتج طاقة كافية لتلبية احتياجاتها، بالإضافة إلى أنها تطلق أوكسجين نقي يعمل على تنقية الجو من التلوث. شعر بأنه حقق إنجازًا علميًا تاريخيًا، بالرغم من معارضة الأطباء من معاونيه لخطورة ما يقوم به من تجارب على الجنس البشري.
حقق الدكتور حلمه اخيراً وفرح بشدة. سارع بتسجيل نتائجه ونشرها في مجلة علمية مرموقة، وحصل على اهتمام وإعجاب العالم العلمي والإعلامي، والجمهور العراقي والعربي والعالمي. تلقى العديد من الجوائز والتكريمات، وأصبح مشهورًا عالميًا؛ عدّ بطلا ومخلصًا للبشرية.
بعد مدّة من استخدام هذه التقنية، اكتشف الأطباء آثارها الجانبية الخطيرة والمدمرة بعد أن فقدت الخلايا خصائصها البشرية وتحولت تدريجيًا إلى خلايا نباتية، وبدأت الخلايا المعدلة في التغير والتطور بشكل غير متوقع، وإنتاج مواد سامة تؤثر على وظائف الأعضاء الحيوية، ثم تحولت إلى خلايا سرطانية، تنمو بشكل مضاعف وتهاجم الخلايا السليمة.
كان هذا كابوسًا مروعًا، فأنه قد خلق وحوشًا غريبة مشوهة بدلًا من بشر نباتي، وتسبب بمأساة قد تنهي حياة البشرية على الأرض، بدلًا من العمل على اسعادها؛ فقد ارتكب خطأ فادحًا لا يمكن تصحيحه!
وهو نائم في شقته، استيقظ على صوت طرق على الباب. فتحه، ووجد على مدخلها مجموعة من رجال مسلحين من الشرطة برفقة أطباء يرتدون زيًا رسميًا. قال الضابط: أنت د. محمد، صحيح؟ قال: نعم، ماذا تريدون؟ قال الضابط: جئنا برفقة اعضاء من وزارة الصحة والبيئة، لدينا أمر باعتقالك ومصادرة كل اجهزتك وبحوثك. لقد ارتكبت جرائم ضد الإنسانية، وخالفت قوانين الأخلاق والسلامة العلمية، وتسببت بإصابة الآلاف الناس بأمراض خطيرة وغريبة ومميتة، بسبب تجاربك الفاشلة على الخلايا البشرية. لقد خدعت الناس بوعود كاذبة، واستغللت ثقتهم، وعرضت العالم للخطر، بإنشاء كائنات متحولة غير مستقرة وغير معروفة. لقدة انتهكت حقوق حياة الإنسان وكرامته وارتكبت جناية لا تغتفر. أنت مطلوب للمحاكمة، وسوف يحكم عليك بالإعدام؛ لأنك مجرم لا يستحق أن تعيش. أنت رهن الاعتقال؛ تعال معنا بسرعة.
ثم أمسك الرجل الدكتور بقوة، وسحبه إلى سيارة سوداء كانت تنتظر خارج المنزل. أدخله إلى السيارة عنوة، محاطًا بالرجال المسلحين. انطلقت السيارة بسرعة، متجهة إلى مكان مجهول. في طريقهم، شعر الدكتور بالذعر والندم. فهو لم يكن يتوقع هذه النهاية المهينة؛ كان يسعى لأن يفعل شيئًا جيدًا للبشرية، ينفع الناس ويخلصهم من آفة الجوع، ويساهم في تطور العلم والمجتمع.
كان يحب عمله ويفخر به، ويحلم بأن يصبح بطلا ومخلًصًا. ولكن، كل ذلك كان خطأً شنيعًا. فلم يكن يدرك المخاطر والآثار الجانبية لتجاربه، ولم يحترم حدود الطبيعة والإنسانية؛ لأنه رجل مغرور وعنيد وأناني، لم يستمع لآراء معاونيه من الأطباء، فقد كل شيء الآن، عائلته وأصدقائه وزملاءه وجمهوره، وخسر سمعته وشرفه وكرامته، وضيع حياته.
في ذلك الحين، نظر من نافذة السيارة وشاهد اشياًء غريبة؛ لقد تغير لون السماء إلى أخضر، وقرص الشمس إلى هلال، ورأى أشجار الحديقة العامة صُفر ذابلة. تحول الناس إلى كائنات خضر مشوهة "بشرنباتية" تمتد أوراقها وسيقانها وجذورها في كل اتجاه، مستمتعين بالضوء والهواء، دون حاجتهم لطعام يأكلوه. لكن جذورهم توغلت في التربة ومنعتهم من الحركة!
ثم لاحظ كيف بدء شكله يتغير من بشر إلى نبات، وتحول إلى كائن أخضر، يمتلك كلوروفيل في خلاياه. شعر بالطاقة والحيوية والسعادة بشكل غريب، قال في نفسه "لقد حققت حلمي ولن أشعر بالحزن على ما فعلت، ولا الخوف مما سوف يحصل، ولن أندم؛ لقد خلصت العالم من جشعهم، وصراعاتهم وحروبهم." ابتسم ثم أغمض عينيه بصمت.
فراس عبد الحسين