الأرملة والراقي

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عبدالعزيز التميمي
    أديب وكاتب
    • 06-08-2008
    • 186

    الأرملة والراقي

    لاتتسع الوحدة إلا لشخص واحد .. ولايمكن قسمة الألم فيها على اثنين ،فالوحدة قامة طويلة هامتها الحزن وأقدامها الفرح لها يدين كالقضبان تقاوم أي شيء إلا الزلازل .. وفي منطقة مثل منطقتي لايمكن أن تحدث الزلازل.. فالغصن الذي تعشقه عصافير الروح قد أنكسر وتساقط الريش ،وليس هناك مايغري الجسد على الطيران .. بقيت هذه الروح التي لاتُحتمل من خفتها كيف استطيع حبسها حتى لا تطير ..؟ في كل يوم تطير وتطيرني معها إلى أحضان المرحوم زوجي .. كيف أقنع هذه الأرض العطشى بأن المطر لن يعود ..؟
    سألجأ إلى أشياء غير اشيائي .. سأتصرف كأني لست أنا .. سأقتنع بقناع السذاجة وأجرب حياة البقـر ..! نعم سأثور وأعلن الانقلاب وأسمع كلام أمي وأذهب إلى الراقي على الأقل سأضمن سكوت أمي وألبي خوار نفسي.
    ***
    في الصباح نهضتُ وبسرعة اتجهتُ إلى غرفة الجلوس مستعجلةً رؤية أمي لأن اليوم ليس ككل يوم ،فهو يوم الثورة والانقلاب على مبادئي .. استغربتْ أمي وجودي وفي مثل هذا الوقت أمامها .. لم أنتظرها حتى تسألني لأن تواريخ الثوار تقول أنهم اعتمدوا على عنصر المفاجأة في تنفيذ الانقلابات .. قلت لها: أنا مستعدة ،سأذهب معك إلى الراقي ..
    بعد تلك العبارة حدث كل شيء بسرعة .. لم أستطع حتى تحديد قدر المسافة بين بيتنا وبيت الراقي .. يبدو أني كنت مشغولة بإثارة الشغب وحرب العصابات وقتل العسكر.
    عاد لي وعيي بعد أن وصلنا بيت الراقي ،فدرجة الوعي تزداد مع مصافحة الأماكن الغريبة.. جلسنا في غرفة بها ثلاثة نساء وشيء ــ هذا الشيء أنا ــ الغرفة لها بابين باب دخلنا منه والباب الآخر مغلق .. فُتح الباب المغلق فدخلت إحدى الجالسات ثم أُغلق .. اسمع أمي تتكلم والنساء يرددن أمين .. فُتح الباب ودخلت المرأة الأخرى .. وعادت أمي للكلام والمرأة المتبقية تردد أمين .. فُتح الباب ودخلت المرأة الأخيرة .. عادت أمي للكلام وليس هناك من يردد أمين ..!!
    كان الباب يُفتح للدخول فقط أما الخروج لا أعلم من أي باب سيكون ..؟ فُتح الباب فضغطت أمي بإصبعها على رجلي وهي تهم بالقيام .. دخلنا مع الباب وكانت الغرفة شبه مظلمة بلا نوافذ سوى فتحة صغيرة فوق باب أخر يقسمها قضيب وعش عنكبوت ،وفي الزاوية المقابلة يوجد رجل اختفت ملامح وجهه خلف لحية كثيفة وغترة تنزل إلى منتصف عينيه .. جلسنا أمامه مباشرة وكان عن يمينه قوارير ماء وعن يساره أكياس صغيرة وهاتف وبقايا خبز .. بدأت أمي تتكلم وأنا أراقب المسباح في يد الراقي كيف استطاع جمع كل هذه الألوان به..؟ لم أنتبه إلا على صوت أمي وهي تقول اكشفي وجهك للراقي فعلى يديه ستتبدل حياتك .. كنت لحظتها في قمة التمرد ،والفوضى عمت كل مناطق عقلي وراية النصر ترفرف فوق معسكرات الروح ،فرميت حجابي على حجري مكملةً مابدأته من انقلابات .. اقترب الراقي وبدأ يقرأ أو يتمتم لا اعلم ماذا كان يقول ،لكن الشيء الوحيد الذي أعرفه أن يد رجلٍ غريب تقع الآن على رأسي ،وأنا التي لم تقع يدُ رجلٍ على رأسي منذ يد المرحوم ،وكأني أحس بيدهِ تمتص كل بقايا الحروب ومخلفات الثوار. أغمضت عينّي في غفوةٍ أتذكرها جيداً وأتلذذ لها ..
    ابتعدت يد الراقي عن رأسي ،ففتحت عينّي أحتج على هذا الحرمان .. فقال وعينه تلتصق بعيني : يمكنني أن أرقيكِ بالهاتف ،فالوقت الآن ضيق وهناك نساء غيرك بحاجة هذا الوقت.
    خرجنا مع الباب الأخر من تحت عش العنكبوت وكان الباب يقع في أول ممرٍ طويل يفضي إلى باب آخر يخرج إلى الشارع الخلفي لمبنى الراقي.
    ***
    في غرفتي وصندوق أحزاني جلست بقية ذاك النهار ..جلستُ مدينة محطمة تحجبها عن السماء أدخنة الحروب ،فالدمار تطاول على حزني وكسر هامته ،فصار الفرح قاعاً بعد أن خلته سماء وحجب الدخان الرؤيا بين عقلي وقلبي ،فانقطعت كل وسائل الاتصال وسادت الأحكام العرفية في جسدٍ مزقته الحروب ..!!
    مع ظهور أول نجمات المساء أمسكتُ هاتفي واتصلت بالراقي باحثةً عن تلك اللحظة اللذيذة التي عشتها عنده في أول ساعات النهار .. حملني صوته إلى مزيدٍ من الدمار .. شكيت له كل مافي نفسي وصفت له ليلي الذابل ونهاري الكريه .. تجملتُ له بحزني حتى صرت أجمل أرملةٍ تمثل الحزن لتستأنس عصافير الفرح ..!!
    سألني: هل تعرفين أن هناك علم اسمه تحضير الأرواح ..؟
    قلت وأنا اختمر كالعجين: سمعت عن شيء كهذا
    قال: هل تريدين أن احضر لكِ روح المرحوم ..؟
    أكتمل الخراب الآن .. أصبحتُ جسداً يحمل عقلاً مدمراً ،والغربان تنعق على كل الحصون ،وعلى كرسي الرئاسة تجلس بقرة !!
    قلت : نعم وأين ومتى ..؟
    قال : الآن ولكن تعالي وحدكِ فالأرواح لاتحب الغرباء ،وادخلي مع الباب الخلفي الذي خرجتِ منه
    أتذكر أني خرجت من بيتنا وصوت أمي يقرع خلفي كأنها كانت تقول لأبي : الحمد لله بدأت بنتنا تتعافى بعد زيارة الراقي اليوم.
    ***
    وصلتُ باب الراقي ،وكان الباب مغلق طرقت عليه طرقة لا تكاد تسمع .. فُتح الباب ،فدخلت وكان الظلام سيداً في الممر ،والنور ينبعث من الباب الأخر في أخر الممر .. اتجهت إلى الباب المؤدي لغرفة الراقي ،فانغلق الباب الخارجي والتفت لأعرف من فتح الباب ومن أغلقه فلم أرى أحداً ..! ليس مهماً أن أعرف أشياء ليس مطلوباً مني أن اعرفها فالهدف من وجودي أسمى من أن أضيع وقتي في معرفة من فتح الباب ومن أغلقه .
    دخلتُ غرفة الراقي وكان جالساً في نفس المكان ،وبسرعة جلستُ أمامه في نفس المكان ونزعتُ حجابي لأنه يعتبر من المدن التي سقطتْ وقضي أمرها .. اقترب مني ووضع يده على رأسي فأغمضت عينّيي بسرعة باحثةً عن تلك النشوة اللذيذة التي عشتها اليوم .. وكأي شيء يحمل روحاً مدمرة استسلمت..! لايشبهني إلا شجرة وقفت في وجه الشتاء ليعريها ورقةً ورقة ،فتبقى مفضوحة فصلاً كاملاً أمام عيون العابرين.. سقطتْ مدني مدينةً مدينة .. طارت عصافير حزني عن غصنها المكسور وحلت وطاويط الفرح محلها..!
    كمدينةٍ محتلة اتجهتُ إلى الباب الذي دخلت منه تسيل في دجلتي دماءُ عصافيري وروح زوجي وابتسامات أبي و إخوتي .. الشيء الوحيد الذي عرفته فيما بعد أني دخلت مع الباب شيئاً واحداً وخرجت معه وأنا شيئين ..!!
    عبدالعزيز التميمي
  • ريمه الخاني
    مستشار أدبي
    • 16-05-2007
    • 4807

    #2
    لاتتسع الوحدة إلا لشخص واحد .. ولايمكن قسمة الألم فيها على اثنين
    لدايه قويه جدا ابداعيه وراقيه
    ونهايه اكثر قوة
    لله در هذا القلم كل التقدير

    تعليق

    • عائده محمد نادر
      عضو الملتقى
      • 18-10-2008
      • 12843

      #3

      المبدع عبد العزيز التميمي

      ماذا أكتب وقد سطرت بقصتك كل الحروف فلم تبقى منها شيء ..قصة أكثر من عميقة المغزى ومؤثرة للغايه ..كنت أقرء بنهم وعيناي تلتهم السطور .
      أبدعت أيها المبدع.
      الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

      تعليق

      • عبدالعزيز التميمي
        أديب وكاتب
        • 06-08-2008
        • 186

        #4
        المشاركة الأصلية بواسطة ريمه الخاني مشاهدة المشاركة
        لدايه قويه جدا ابداعيه وراقيه
        ونهايه اكثر قوة
        لله در هذا القلم كل التقدير
        الأستاذة ريمه الخاني
        تعليقك يعطيني دعماً وتشجيعاً إضافياً
        وأنا بدوري اشكر القصة التي أرضت ذوقك ووصلت لعقلك
        كوني بخير
        عبدالعزيز التميمي

        تعليق

        • عبدالعزيز التميمي
          أديب وكاتب
          • 06-08-2008
          • 186

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة عائده محمد نادر مشاهدة المشاركة

          المبدع عبد العزيز التميمي

          ماذا أكتب وقد سطرت بقصتك كل الحروف فلم تبقى منها شيء ..قصة أكثر من عميقة المغزى ومؤثرة للغايه ..كنت أقرء بنهم وعيناي تلتهم السطور .
          أبدعت أيها المبدع.

          الأخت عائده نادر
          مرورك البهي أمطر بالسعادة على نفسي
          أتمنى أن اقدم دائماً مايحوز الرضى
          شكرا لك
          عبدالعزيز التميمي

          تعليق

          • رشا عبادة
            عضـو الملتقى
            • 08-03-2009
            • 3346

            #6
            [align=center]كان الباب يُفتح للدخول فقط أما الخروج لا أعلم من أي باب سيكون ..؟
            أتعلم يا سيدي
            تلك الصورة التي حملتها هذه العبارة
            كانت أشبه بهذا السقوط فى متاهة هذا العالم الجاهل من الدجل وشعوذة الدخان واللفائف والهمهات الغريبة.. .. كان سقوط بلا عودة
            كدخول بلا خروج!!

            كانت بطلتكِ هنا تخطو الخطوة الثانية .. فى هذا العالم
            حينما كانت "ضحية الإمام "بقصتى قد خطت ا خطوتها الأولي
            كلتهما كانت أضعف من الأخرى
            وكلا الدجاليين كان أقذر وأقبح
            لكن تلك هنا هزمتها الوحده وعانقتها رغبة محمومة مغلفة بالدهشة الجميلة وربما ببعض الثقة الزائفة!
            وتلك هناك بغرفة الإمام
            هزمها إستسلامها لعادات بالية ولأفكار تضاجع الجهل
            فعانقت خوفها واستسلمت له!

            نعم يا سيدي
            أحببت استعمالك لكلمة"شىء" ثم شيئان"
            ربما حملت النهاية هذا الإنقسام والتناقض الذى تولد داخلها خين اكتشفت انها مجموعة من المدن المهزومة نتيجة الإستسلام
            وربما كانت هناك بذرة شر زرعت بملء إرادتها المسلوبة داخل رحم وحدتها

            كان نصفها يريد هذا يا سيدي
            للأسف ارادت او تمنت وتركت الباقي على عاتق قذارته لتكتمل لظة الجنون والعبث...
            زمن عجيب
            لمن نأمن إذن يا سيدي ان كنا سنحاذر ممن يحملون كتاب الله ويدرسون كلماته

            بقصتك كان المكان مختلف.. ربما يحمل نوع من الشك والريبة
            لكن بالمسجد يا سيدي ترى اى ريبة وشك يمكن ان يتطرق لنفس خائفة تحتمي بذكر الله لتطمئن!
            لاحول ولاقوة الا بالله
            الحذر مطلوب
            ودواء الجهول لابد من سكبه على الأرض حتى لو كانت إحتمالات الشفاء به مرتفعة
            تحياتي لجمال قصتك وقوة فكرتها يا سيدي
            أشكرك على الدعوة الكريمة
            صدقا شعرت براحة وكأنك بسردك الطويل"فشيت خلقي" على قولتنا
            دمت راقيا بكتابتك وبحضورك يا طيب[/align]
            " أعترف بأني لا أمتلك كل الجمال، ولكني أكره كل القبح"
            كلــنــا مــيـــدان التــحــريـــر

            تعليق

            • مها راجح
              حرف عميق من فم الصمت
              • 22-10-2008
              • 10970

              #7
              الاستاذ القديرعبد العزيز التميمي

              قصة تقشعر لها الأبدان
              حسبنا الله وكفى

              تحية للسرد واللغة الماتعة
              دام قلمك ذخرا

              دمت بود
              رحمك الله يا أمي الغالية

              تعليق

              • أبو القاسم علوي
                أديب وكاتب
                • 12-05-2009
                • 43

                #8
                الفاضل عبد العزيز التميمي
                لقد قدمت عملا أدبيا رائعا .. قرأته بتأنٍ واستوقفتني دقة السرد لديك والصور الرائعة واللغة العذبة ، عمل يقابل بكل الاحترام وهو جدير بالتثبيت .
                كي ينال حظه من القراءة ..
                تقبل أخي الكريم فائق التقدير .
                دمت بكل ود

                تعليق

                • عبدالعزيز التميمي
                  أديب وكاتب
                  • 06-08-2008
                  • 186

                  #9
                  الرائعة رشا

                  المجتمع الملائكي او المجتمع الذي لايخطئ حلم أو خيال لايمكن أن يوجد إلا في بطن كتاب أو على ضفاف رواية .. وكل هذه الاخطاء التي تتجشمنا قام بها ويقوم بها من كنا نعتقد أنهم أهل الصلاح وياليت الصلاح سلم منهم ..!

                  المهم دائماً ألا تنطلي علينا حفلاتهم التنكرية ، ونواجههم بوعي أكبر ..
                  كوني بخير أخت رشا ،،
                  عبدالعزيز التميمي

                  تعليق

                  • عبدالعزيز التميمي
                    أديب وكاتب
                    • 06-08-2008
                    • 186

                    #10
                    الأدبية الرائعة مها راجح
                    الألم الذي تعثرتي به هنا أتمنى أن تجتازيه
                    فهناك على الضفة الأخرى يوجد من يصنعون الحب والصدق والسلام

                    كوني بخير يارائعة ،،
                    عبدالعزيز التميمي

                    تعليق

                    • عبدالعزيز التميمي
                      أديب وكاتب
                      • 06-08-2008
                      • 186

                      #11
                      الأخ أبو القاسم علوي

                      أخجلني اطراؤك اللذيذ الممتع
                      والجميل فعلا هو وجودك هنا للقراءة وإبداء الرأي
                      فلاحرمنا منك يا أستاذ ..

                      كن بخير أستاذي ،،
                      عبدالعزيز التميمي

                      تعليق

                      • محمد سلطان
                        أديب وكاتب
                        • 18-01-2009
                        • 4442

                        #12
                        الله الله الله

                        قصة من سطور ذهبية .. مدهشة
                        خيال و واقع غير منفصلين
                        استمتعت بحق .. و كانت تتجرع عيناي السطور بنهم و شراهة
                        قصة تستحق الوقوف عندها لفترات .
                        أرشحها لمسابقة القصة الذهبية
                        تحياتي لكم
                        صفحتي على فيس بوك
                        https://www.facebook.com/profile.php?id=100080678197757

                        تعليق

                        • سمية البوغافرية
                          أديب وكاتب
                          • 26-12-2007
                          • 652

                          #13
                          قصة نسجتها ببراعة أحييك عليها أستاذ عبد العزيز التميمي
                          أثبت بجدارة بأن القص ليس فكرة ولا حكاية
                          وإنما كيف نوصل هذه الفكرة وكيف نروي هذه الحكاية
                          أضم صوتي إلى أصوات مرشحيها للقصة الذهبية
                          تحياتي وتقديري

                          تعليق

                          • عبدالعزيز التميمي
                            أديب وكاتب
                            • 06-08-2008
                            • 186

                            #14
                            الأخ العزيز محمد سلطان
                            كالعادة في حضورك تحفيز مختلف يبعث الأمل داخل النفس
                            كن بخير ياغالي ،،
                            عبدالعزيز التميمي

                            تعليق

                            • عبدالعزيز التميمي
                              أديب وكاتب
                              • 06-08-2008
                              • 186

                              #15
                              المشاركة الأصلية بواسطة سمية البوغافرية مشاهدة المشاركة
                              قصة نسجتها ببراعة أحييك عليها أستاذ عبد العزيز التميمي
                              أثبت بجدارة بأن القص ليس فكرة ولا حكاية
                              وإنما كيف نوصل هذه الفكرة وكيف نروي هذه الحكاية
                              أضم صوتي إلى أصوات مرشحيها للقصة الذهبية
                              تحياتي وتقديري

                              الرائعة سمية

                              لمرورك وكلماتك وقع يختلف .. كما التفاح له رائحة وطعم تختلف ..!
                              وأقدر ترشيحك وهو أكبر تحفيز
                              كوني بخير ،،
                              عبدالعزيز التميمي

                              تعليق

                              يعمل...
                              X