ليس حلما
فرحتُ حين سمعتُ خبرَ موتِها ..وشاركتُ مراسم دفنها عن بعد ..وعدتُ ليلاً كي أنبش قبرها
***
أحبها ، وما زلت أحبها ، منعني الفقر من خطبتها ، ولم يُسمح لي حضور عرسها ، واسترقت النظر إلى جسدها وصدرها الناصع البياض المكسو بجواهر نفسية من زاوية البيت، وهي تركب السيارة بثوب الزفاف .كانت سعيدة بزوجها الغني والجميل ، وكنت حزيناً بتجاهلها لي ..ومتفائلاً بأنها ستكون لي آجلا أم عاجلا..
حلمتُ بموت بعلها ، أو طلاقها منه، فأكون البديل .إلا أن بعلها لم يمت ، ولم تطلّق ، وعاشت معه عقدين من الزمن، في بلد أخر ، أنعشه النفط ..
قبل أسبوع، عادت مريضة، ولكنها لم تكن شاحبة ولا هزيلة، بل جميلة كما أعرفها، واصطنعت أكثر من خطة للقاء بها، و فشلت . حين ماتت، قلت لنفسي جاءت الفرصة، ستبقى الآن وحيدة وغريبة عن زوجها، الذي لم يعد زوجها بموتها ، ومثل القرنفل الميتة التي تضاف إلى الشاي، سيكون لها مذاقا طيبا ومخدرا .
المقبرة التي احتضنتها لم تكن بعيدة، فهي في الجهة الشرقية من القرية، ولا يوجد حارس للمقبرة.
ولا أحد يجرؤ في الليل الاقتراب من المقبرة، وخاصة أن الطقس باردٌ ومعتمُ ينذر بالصقيع .
قلت لنفسي ، برودة الطقس سيمنحني الاجتماع معها فترة أطول ..
تأبطت الفأس وخرجت، بعد انطفاء أخر سراج في القرية . سرت نحو المقبرة، لا أشعر بالبرد، مثل من شرب زجاجة نبيذ معتق ، وأسرعت الخطى فلم أعد أشعر ببرودة الأطراف، اهتديت إلى قبرها بنور ولاعة ليزرية ، وضعت يدي على التراب، وقلت لها :
- الليلة ستكونين لي .
باشرت النبش ، كان التراب طرياً ، فلم أتعب في النبش ، ودهشت للسرعة التي عملت بها فلم أصدق بأني وصلت إلى الحجارة التي تغطي القبر ، رفعت الحجارة ومددت يدي الى الجثة اسحبها من لحدها ..كانت أخف مما ظننته ، كنت أظن أن الميت ثقيلٌ بعد أن يغادر روحه ، كأني أرفعها عن سريرها مع لحافها وهي نائمة ..
وضعت الجثة الملفوفة بالكفن الأبيض على كتفي، وأسرعت نحو داري فرحا بالخطيفة، متعجبا من جرأتي . أركض كالفهد ، وحسب ما قال مدرس الفيزياء يوما، أن السرعة تتناسب عكساً مع الكتلة، فكلما أسرعت أكثر خف وزنك أكثر ..ولعل هذا ما جعلني أصدق خفة الجثة على كتفي وحاولت أسرع أكثر ، فشعرت بالهواء يرفعني مثلما يرفع الطائرة كما قال أستاذ الفيزياء أيضا ..
دهشت ، حين نظرت إلى قدماي متعجبا من سرعتي وخفتي ، الدهشة كانت حين لم أرى الأرض وحين نظرت إلى خلفي لم ألمح المقبرة، فقلت لعلها بسبب العتمة، وفكرت بالتوقف قليلاً، والتأكد من طريق البيت ، فشعرت كأني أهوي في وادي سحيق..
حين فتحت عيني ، لم أجد جسدي كما ظننت على الأرض وقد سقطت من السرير مثلما كان يحدث معي حين كنت جنديا يؤدي خدمة العلم ، لأني أنام على الأرض وعلى فراش جدي الذي ورثته ، ولم أبسط رجلي لأنها لم تكن على شكل ثمانية هندي،حين استيقظت، لأني كنت متكوّما على نفسي من شدة البرد وقد ابتعد عني الغطاء .
جررت الغطاء البعيد برجلي، محاولا النوم مجدداً، راغباً في متابعة الحلم لحظة السقوط، لولا صوت زوجتي وقد دخلت غرفتي :
- انهض ..جثة علياء طارت من القبر.
فززت من سريري ، وأسرعت نحو المقبرة لا أصدق ما اسمع ، وأقول لنفسي ما زلت أحلم ، وحين وصلت المقبرة، رأيت القبر مفتوحاً والحجارة منزوعة، ولا جثة ..وحين التفت حولي، رأيت أهل القرية انشغلوا بي أكثر من الجثة، فعرفت أني هرولت حافي القدمين ، بسروالي القطني الأبيض، وكنزه الصوف التي شغلتها زوجتي.
خلع إمام المسجد جبته ودثرني، وعادت القرية تتحدث عن الظاهرة الخارقة للعادة، مواسية أهل الفقيدة بمصبية فقدان الجثة. وعدت إلى بيتي بعد أن أسعفني ولدي الصغير بحذائي وفروتي، التي لبسها الإمام كي لا يتكرر منظري مرة أخرى، وأنا أردد في سرّي أنه حلم ، لا شك بأنه حلم ..
علاء الدين حسو
قاص سوري
فرحتُ حين سمعتُ خبرَ موتِها ..وشاركتُ مراسم دفنها عن بعد ..وعدتُ ليلاً كي أنبش قبرها
***
أحبها ، وما زلت أحبها ، منعني الفقر من خطبتها ، ولم يُسمح لي حضور عرسها ، واسترقت النظر إلى جسدها وصدرها الناصع البياض المكسو بجواهر نفسية من زاوية البيت، وهي تركب السيارة بثوب الزفاف .كانت سعيدة بزوجها الغني والجميل ، وكنت حزيناً بتجاهلها لي ..ومتفائلاً بأنها ستكون لي آجلا أم عاجلا..
حلمتُ بموت بعلها ، أو طلاقها منه، فأكون البديل .إلا أن بعلها لم يمت ، ولم تطلّق ، وعاشت معه عقدين من الزمن، في بلد أخر ، أنعشه النفط ..
قبل أسبوع، عادت مريضة، ولكنها لم تكن شاحبة ولا هزيلة، بل جميلة كما أعرفها، واصطنعت أكثر من خطة للقاء بها، و فشلت . حين ماتت، قلت لنفسي جاءت الفرصة، ستبقى الآن وحيدة وغريبة عن زوجها، الذي لم يعد زوجها بموتها ، ومثل القرنفل الميتة التي تضاف إلى الشاي، سيكون لها مذاقا طيبا ومخدرا .
المقبرة التي احتضنتها لم تكن بعيدة، فهي في الجهة الشرقية من القرية، ولا يوجد حارس للمقبرة.
ولا أحد يجرؤ في الليل الاقتراب من المقبرة، وخاصة أن الطقس باردٌ ومعتمُ ينذر بالصقيع .
قلت لنفسي ، برودة الطقس سيمنحني الاجتماع معها فترة أطول ..
تأبطت الفأس وخرجت، بعد انطفاء أخر سراج في القرية . سرت نحو المقبرة، لا أشعر بالبرد، مثل من شرب زجاجة نبيذ معتق ، وأسرعت الخطى فلم أعد أشعر ببرودة الأطراف، اهتديت إلى قبرها بنور ولاعة ليزرية ، وضعت يدي على التراب، وقلت لها :
- الليلة ستكونين لي .
باشرت النبش ، كان التراب طرياً ، فلم أتعب في النبش ، ودهشت للسرعة التي عملت بها فلم أصدق بأني وصلت إلى الحجارة التي تغطي القبر ، رفعت الحجارة ومددت يدي الى الجثة اسحبها من لحدها ..كانت أخف مما ظننته ، كنت أظن أن الميت ثقيلٌ بعد أن يغادر روحه ، كأني أرفعها عن سريرها مع لحافها وهي نائمة ..
وضعت الجثة الملفوفة بالكفن الأبيض على كتفي، وأسرعت نحو داري فرحا بالخطيفة، متعجبا من جرأتي . أركض كالفهد ، وحسب ما قال مدرس الفيزياء يوما، أن السرعة تتناسب عكساً مع الكتلة، فكلما أسرعت أكثر خف وزنك أكثر ..ولعل هذا ما جعلني أصدق خفة الجثة على كتفي وحاولت أسرع أكثر ، فشعرت بالهواء يرفعني مثلما يرفع الطائرة كما قال أستاذ الفيزياء أيضا ..
دهشت ، حين نظرت إلى قدماي متعجبا من سرعتي وخفتي ، الدهشة كانت حين لم أرى الأرض وحين نظرت إلى خلفي لم ألمح المقبرة، فقلت لعلها بسبب العتمة، وفكرت بالتوقف قليلاً، والتأكد من طريق البيت ، فشعرت كأني أهوي في وادي سحيق..
حين فتحت عيني ، لم أجد جسدي كما ظننت على الأرض وقد سقطت من السرير مثلما كان يحدث معي حين كنت جنديا يؤدي خدمة العلم ، لأني أنام على الأرض وعلى فراش جدي الذي ورثته ، ولم أبسط رجلي لأنها لم تكن على شكل ثمانية هندي،حين استيقظت، لأني كنت متكوّما على نفسي من شدة البرد وقد ابتعد عني الغطاء .
جررت الغطاء البعيد برجلي، محاولا النوم مجدداً، راغباً في متابعة الحلم لحظة السقوط، لولا صوت زوجتي وقد دخلت غرفتي :
- انهض ..جثة علياء طارت من القبر.
فززت من سريري ، وأسرعت نحو المقبرة لا أصدق ما اسمع ، وأقول لنفسي ما زلت أحلم ، وحين وصلت المقبرة، رأيت القبر مفتوحاً والحجارة منزوعة، ولا جثة ..وحين التفت حولي، رأيت أهل القرية انشغلوا بي أكثر من الجثة، فعرفت أني هرولت حافي القدمين ، بسروالي القطني الأبيض، وكنزه الصوف التي شغلتها زوجتي.
خلع إمام المسجد جبته ودثرني، وعادت القرية تتحدث عن الظاهرة الخارقة للعادة، مواسية أهل الفقيدة بمصبية فقدان الجثة. وعدت إلى بيتي بعد أن أسعفني ولدي الصغير بحذائي وفروتي، التي لبسها الإمام كي لا يتكرر منظري مرة أخرى، وأنا أردد في سرّي أنه حلم ، لا شك بأنه حلم ..
علاء الدين حسو
قاص سوري