خبر مبشر
مرت الايام، وظلت عائشة المؤنسة الوحيدة لامي هنية في وحدتها، لأنها بمثابة امها التي لم تلدها والتي حملتها من اول ولادتها وهي التي استأصلت حبلها السري ،الفتها مند الصغر وهي الآن في ينعان شبابها لا زالت تلازمها وبالأخص في هذه الفترة من غياب ابنها ، تبيت الليالي عندها ،تواسيها وتسبغ عليهامن ثنايا عطفها الانثوية الرقيقة وتعتني بها ايما اهتمام .
تركت عائشة المدرسة من مستواهاالابتدائي، لانها الوحيدة لابيها،و تكريسا للعادة المتعارف عليها في القرية عند بعض العائلات . حيث لا يسمح للفتاة ان تقرأ بعيدا عن الدوار، بحجة انها في سن الزواج، ولا يجدرلها الا تعلم امور البيت، قبل ان ياتي فارس احلامها.
مرت أيام واسابيع وبدأ شيطان القنوط يسيطر على المرأة ،يندلف الى نفسها ويكدرعليها رتابة غياب ابنها، يزيدها غما بغم ،انبرت تسأ ل وتتسا ئل ، تستجدي اخباره بين حين وبرهة، لعل خبرا عنه قد يوئد كربها، هذا بالاضافة الى الارض التي تركها زوجها المرحوم لم تثبت بعد ملكيتها له، تخشى أن يستولي أحد ما عليها ،ثقل آخر يحزفي دواخلها ويثير انشغالها . كانت قد اقترحت على ابنها ان يضع عليها ولو علامة تكون دليلا على انها ملك له. لكن القتى لم يعرها الاهتمام الذي توسمته ، يتعلل بأنها ارض بور ،لن يكترث لها احد، لكنها لم تأمن لتقلبات الزمن ولا تريد ان تستصغرمن الأ رض، وخاصة انها الشئ الوحيد الذي تركه زوجها.لا ينبغي لها التخلي عنها، تتوقع ان يأتي دور قرية ايت وحمان ويتكالب عليها منتهزوا الفرص كما وقع لقرية تجاورهم والتي بيعت كل اراضيها. اعتبرت من ذلك، ربما سيظهر احد أولئك التجار الكبار ويستغل العشوائية التي هي عليه اراضي الدوارولن يتوانى في الاستيلاء عليها. لأن من عادة اهل تلك المناطق اعتبار كل ارض وضع عليها احد ما يده على انها حقه ، نضرا لغياب الاوراق التي تثبت حجة ملكيةآخر بها ، ويثبت انه صاحبها ليثني عنها كل من يدعي العكس . كل من سبق الى قطعة تعتبرمن املاكه في انتظار أن يثبت ذلك بالاوراق، عندما تتيسر أموره، ولن ينازعه احد فيها ، وكل ذلك كان المبرر لخوف ينغص خاطر المرأة ، يشغل بالها وينضي قلبها المغموم. ولذلك نذرت نفسها بان لا يهدأ لها بال حتى تتأكد من تثبيت ملكيته، ولن تدع أي متطفل ينازعها في حقها .
مر شهران واصبحت لا تطيق التحمل اكثر، اللهم بعض التطمين من عائشة التي تحجج عليها بعذر الغائب معه ، مرت الأيام وعلى ما يبدو فقد نجحت الفتاة في أن تنسيها ما اعتادت عليه قبل غياب فلذة كبدها .
كان يصطبح عليها ، يقبل يداها ثم راسها ، وبعد الفطور تذهب الى الواحة ، في حال اضطراره للراحة أو عندما لا تدعو الضرورة ،وكثيرا ما يبدي لها تأففه من الوضع وعدم احتماله .
اما الآن وعائشة برفقتها فهي تخرج الى الواحة كل اربعة ايام في الأسبوع تتركها تهيء طعام الغداء ، وعند انزوائها بالبيت تؤنسها وتذهب عنها وحشة غيابه . بالاضافة الى جهاز التلفاز الذي تملأ به وقت فراغها ببعض الاحيان.
في أحد الامسيات جلست فوق الدرجة الثانية لباب منزلها تفكر وعكازها بين يديها كأنها تثبته لينغرس في الأرض ،تنتظر عائشة التي ذهبت ربما لتتقصى عن خبرما عند صاحب محل في الجوار اسمه سالم رجل يعيل عائلة مكونة من زوجته وطفلين في عمر الزهور ، له جهاز التلفون يستقبل منه مكالمات ابناء الدوار الذين سافروا بعيدا، يعتبر البقال الوحيد الذي يوجد وسط الدوار الذي لا يحتوي الا على محل وآخر في السوق،ارسلت الفتاة لأجل خبرا ما قد يعرفه من شخص أتى من الدار البيضاء، أومن مكالمة جدت من احدهم.
أطرقت تواسي نفسها باستجداء خبره.
- : فينك يا وليدي خليتيني وحدي ما رسلتي خبارك ولا عرفنا حوالك.)
ظلت تنظر حولها لعل احدا يأتي ليشاركها همومها أو يبشرها بخبر قد يخفف عنها ولو قليلا مما يشغلها،
شهرا ن ليسا بالامر الهين وانقطاع أخبارولدها أحزنها ،هل نسيها ام ان له عذره لم تعلم به؟ فهي حتى لم تعرف بعد بوصوله الى المدينة، ترى ما سبب انعدام خبره وكيف السبيل الى معرفة احواله .
تاهت مع هواجسها ولم ترعوي عن شرودها الا بعد ان سمعت مبارك الذي مر بالجوار يلقي عليها التحية ، ولم يخفى عليه سبب انشغالها وقلقها ، بدورها لم تشأ كتمان ما يعتمل في نفسيتها .
تتمنى أن تنفس عن كربها ولو بالحديث مع اي كان. اذ بادر يسألها عن اخبار ابنها.
- شي خبار على يامي هنية ما سمعتيهم. راه قريب نمشي.لعندو.
-ا يا وليدي ما شفت خبار علي ولا حسوا الله يرضى عليك غا نعطيك واحد البرا تديها ليه .
كان قرب سفر مبارك بالنسبة لها املا ولكن بدون ان يشفي غليلها في معرفة خبر ابنها ، تتمنى في نفسها لو سافر اليوم قبل غد، على الاقل سيكون المحفز على ان يرسل اليها ابنها ليطمئنها عن نفسه.
مبارك :لا ما نمشي غدا او لا بعده، غير صبري ، راه خبار علي دابا تشوفيهم ، .
-خايفة شهرين هذي هولنا ولا حتى برا من عنده يرسلها هده ماشي عادته،.
ردت عليه لتكشف عما يضني قلبها.
نظر اليها مليا ، وقد كان واقفا ثم انحنى يتكئ منثنيا لان المرأة المسكينة حركت سجيته وقال:
--علي دابا راجل ما يتخافش عليه غير مشا يدبر على راسو.
مي هنية: اوهنا ما فيهش الرزق خصوا غير ايصبر.
مبارك :ايوا خلاص أمي هنية اش غيعمل هنا خليه ابان بحال قرانوا
تخشى أن يداهمها الأجل مع أنها لا زالت في سن مبكرة ، ولكن الموت لا يميز كما قالت، فالانسان قد يأتي أوان رحيله في اي لحظة ،وذلك ما تخشاه قبل أن تراه.
- الله اطول فعمرك غادي يرجع ليك او معاه رزقوا ويهنيك حتى تشوفي ولادوا ان شاء الله.
فند ما تعتقده عله يغرس في داخلها السكينة والأمان وعدم فقدان الأمل. ا يعتبر الشاب احد اصدقاء ابنها يعمل بمدينة الرباط لديه محل بيع وشراء . ياتي للبلدة في ايام العيد واواخر الصيف ، حاد الطباع شكيم عمره في اواخر العشرين .
بينما كانا مسترسلين في الحديث مر شيخ الدواراسمه الحسين وبادر بعد السلام
- : واقيلا خبار علي باقي ما وصلوك عليها انت مضيومة.
- ما شفنا وما سمعنا والوا عليه.
كان قد سمع من احدهم عن اخبار ابنها وذلك سبب مجيئه ليبشرها بكلمة هي في أمس الحاجة اليها قد تسرها ولو قليلا.
: الله افرحك زولتي فيا بعدا شويا د لهم .
احست المرأة بالارتياح يغمر اوصالها واكتفت في الوقت الحاضر بذلك مع انها تتمنى ان يرسل لها يخبرها بنفسه عن احواله بالمدينة، لا ان تعرف من الآخرين، اليس هو الأجدر بأن يسال عنها ؟، أليست هي امه؟ على الأقل رسالة منه لن تكلفه شيئا في سبيل اراحتها؟ ،هل نسي ما علمه الفقيه من بر الوالدين؟ أو ربما سحرته المدينة ونسيها وبلدته .
طردت الافكار التي تجيش في خواطرها واقنعت نفسها بأنه ربما زلة نسيان، انه ولد بار، ربما أنساه عمله الجد يد انشغالها بغياب خبره . فالغائب له حجته حتى يحضر ويبين الاسباب، والفتى في أوائل العشرين من عمره لم يختبر الحياة جيدا ولا زال صغيرا في نظرها ، يتميز بعزة نفس مثلها وطيبوبة سريرة تثير خوفها ، تخشى أن يخدعه احد ، وينساق وراء المظاهر لينسى اصله وفصله، لكن الحمد لله فقد طمأنها الشيخ وذلك احسن من لا شيء.
تقلد الحسين منصب مشيخية القرية بعد وفاة ابيه، عمره في اواخر الاربعينات هادئ الطباع متكتم شيئاما، لايبدئ الرأي الا عند الضرورة وسطي السلوك لا يحبد فرض رأيه على احد ،يحسس بالارتياح ويختلف عن والده الصارم الطباع، ورث عنه بعض الاراضي تغنيه عن امتهان اي حرفة، وعلى سبيل الذكر،له واحة يرتزق منها رغم ضعف مردودها الضئيل
- الحمد لله الشيخ بعدا فوج عليك شويا. استطرد مبارك ليرفع من معنوياتها و بابتسامة غير مكتملة تختبئ من ورائها نفسية مكتئبة، استبدلت بها أسارير وجهها المتجهم ، وباقتناع منها بالمكتوب الذي لا تتمناه وتقبلته ظاهريا، جسدت ذلك في تعقيبها
: ييه الله اجازيه او لاش يصلح الشيخ ايلا مايفرح صحاب الدوار
تأثر مبارك بما تعانيه من مرارة اهمال ابنها ونسيانه ،ولتهدئة روعها من لوعتها أمر قائلا:
- : دخلي الدار الله يهنيك.خصك شي حاجة هاني موجود ما بقاش تخممي دابا تشوفي خبار علي.
مي هنية : الله يرضا عليك اوليدي .
عادت عائشة فوجدتها امام الباب تنتظرها ،فاعتذرت عن تأخرارغمت عليه جراء تساؤلات البقال التي لا تنتهي، وحشريته لمعرفة كل ما ليس من شأنه .
مي هنية: من قبيلة كنتسناك فين كنتي.
أخرها سالم صاحب محل مجاور منعزل عن محلات السوق كان يسال عن احوال ابيها وكثرة استفسارات لا جدوى منها ليست الا فضولا وسمت عادة الرجل .
مي هنية هداك فيه غير تبركيك مزيان نشم ريحة الهواء شويا ونفوج على راسي . .
عايشة : واقيلا باقي كتفكري في علي اجي ندخلوا .
بالاضافة الى سالم ومحله المنعزل عن بقية حوانيت الدوار التي أقفلت كلها بسبب الافلاس ،هناك عمر بقال آخر في السوق لا زال يستميت كي لا يلقى محله نفس المصير .
اتكات مي هنية على عكازها للوقوف وقالت لعائشة التي ساعدتها :
لا باس بعدا الشيخ سمع خباروا .
استطردت الأخيرة. : ايوا لاباس بعدا غا تنعسي مرتاحة ما تبقايش تخممي .
ا
شعرت عائشة بنوع من الارتياح تجاه المرأة، فربما ستنام اليوم ملأ جفنيها خلافا عن الليالي الماضية اذ لم تنعم بالراحة الا لماما ، وما زا د من قلقها على المرأة و نظرا لمشاركتها نفس السرير ، ديمومة ايجادها ساهرة تفكر في غشوة الغسق عندما تستيقظ من غفوة ما جراء حسيس تحركها ، ناهيك عن الأيام الأخرى، والحمدلله هذه الليلة ستنام المرأة قريرة العين حسب ما تتمناه .
اوشكتا على الد خول لكن سي الطيب الخماس العجوز استراث اندلاقهن الى البيت، لما مر بالجوار يتجه الى الواحة ممتطيا حماره، وكمن يبكي على الأطلال ، أطرق يسلي بشجوه.
ما بقات البلاد تشد ماليها ما فيها ما يفرح
، هجروها ولادها ما وقروها ماقادين على الصبر فيها.
البراري جفات لا ماء لا غلات الغيث الغيث القلوب ترجات
الشجر في شبابها دبلت والزهورحايلة للفتات
الأرض بالسهض قحلات لا مطار تجود وتسقي المرجات
سمعت الباكي صامت في العين الدموع ركدات
غير كثرة اللغا ولا افعال ترضي الهلفات
الهمة راحت وتنزعات والناس غير هات هات
- ايه ياسي الطيب فاتك الفوت . علقت عائشة
- مسكين ما بقاو صحاب الهمة بحالوا .تقاضى جهده.
اوصدن الباب والأسف على حاله يشوب كل واحدة منهما ، لكن مي هنية ليست احسن حالا منه، فهي بدورها تشاركه ما يهيض نفسه، بيد أن لها عائشة التي تحنو عليها ،اذ يستكين القلب الى قرينه ويشاركه همومه ويحنو عليه ،يفضيان الى بعضهما لتنجلي الغمة في عتمة الظلمة وتركن الجفون الى سكون الكرى ، لتهتدي الاحلام الى منشدها وتكون البلسم والسلوى للقلب المكلوم ..
سي الطيب كما ينادونه في الدوار رجل عجوز ومؤذن الدوار ، عمره ناصف الستينات ، لا يألي جهدا في تأكيد أهميته، يحثه على ذلك كبر سنه الذي لا يريد أن يقر به، رغم شيخوخته لا زالت حنجرته تصدح بحسن أداء وسحر صوت يتقن به الآدان ،
دأب على ذلك مند عشرين سنة ، خماس متمكن له ولد يقوم عنه بأعبائها، بيد أنه لا يريد ان يظهر على انه عاجز ،ما زال يرافق المعول يورد الماء الى الجداول المزروعة ويسقيها بنفسه في بعض الأحيان.
مر بوبكر وضيفه الحاج الحسن أمام منزل جارته ،و أسهب يخبرعنها .واحوالها التي ربما ستضطرها لبيع أ رضها مثل الأ راضي التي يعتزم الاخير شرائها،
ولتحمسه الشديد واصراره على حيازة كل اراضي البلدة ، كلف بوبكر ان يتوسط له عند اصحابها ليسهل له عملية الشراء ولو بثمن زهيد .والآخر بدوره لم يتوانى في أن يميع ياغرائه ، يوهمه ببساطة الأمر
نظرا للحاجة الملحة التي تقتضي أن لا يفوت احد فرصة تدر عليه ولو دخلا يسيرا.
- أرضها كثيرة فالدوار خلاها ليها راجلها قبل ما يموت . استطرد الأخير ليأ كد للرجل حسن الانطباع.
أسال كلامه لعاب صاحبه ،و أيقن أن مراده سيتحقق و أراضي المنطقة ستكون من نصيه، وبها سيتسنى له الحصول على القرض الذي يطمح ا ليه، ليستتمره في مشاريع تدر عليه الملايين واراضي الدوارهي السبيل والضمان الوحيد نحو تحقيق هدفه .
-خصك تشوفها او غير بالسياسة حتى ترطاب.
أومأ بوبكر برأسه يردعليه بسبابته مستدلا على ما وعده ، وبتقليب كفه الايسر، يلتمس منه امهالا يستوجبه الامر حتى تسنح الفرصة بدون تسرع.
رحب به في بيته و بعد ان قاده الى غرفة الضيوف، عاد ادراجه عند زوجته التي اعدت له شايا كان قد طلبه قبل أن يأتي بالرجل الى البيت.. قدمت له الأخيرة صينية أعدتها مع بعض الحلوى في انتظار الغداء الذي دعي اليه .
- هاد شي لي كا دير غا يقلب عليك أهل الدور. قالت له محذرة عندما أبسط كوعيه لأخد الصينية ::
- ديها فراسك ما تسولي على لي ما عرفتيه .طلقي الصينية .
- ايوا ها انا ها انت.
ثم أخذت تحدق به حتى توارى عن نظرها. استهولت ما ينويه ، تدعوا الله ان لا تنقلب عليه فعلته ، وتدفع هي الاخرى الثمن . معذورة في تخوفها مما يقوم به ، لها كل الحق في ان تخشى عليه، انه زوجها ولن تستثنى من تحمل وزر ما قد يستجد في حياتهما. فلا ضير اذا نبهته. مع أن لا حيلة لها لمنعه، ان عزم على شيء.
اخذا يحتسيان الشاي وكل مرة يدفع الى الحاج بالحلوى يحثه على تذوق المزيد لا شك انه في قرارة نفسه سعيد وان أظهرجد ية القانع المتواضع ،لا يطلب منه أي مسبق فوق الحساب كسلفة، او حسنة يستحوذ عليها ثمنا لجهده الذي تلزمه المصاريف كما ينص عليه عرف الوسطاء والسماسرة،
وما يمنعه من ذلك خشيته أن تضيع الفرصة التي اتت اليه بالمجان، عليه ان يتريث حتى ينال رضى الرجل
وبالأخص في ظروفه المزرية هذه ، وتواضع دخله اليومي الشبه المعدوم في حرفة الخرازة التي يمتهنها.
بالرغم من انه الوحيد في الدوار ولا منافس له، فانها لا تد رعليه ما يسد به رمق المتطلبات اليومية في بعض الاحيان يضطر للاشتغا ل بالبناء . اضافة الى زوجته التي تسعى هنا وهناك كغسل ثياب أسرة ميسورة و مساعدة الجيران في بعض الاعتيادات اليومية او العمل في بعض الواحات التي تصيب منها اليسير من الخضر مع احسان بعض من تساعدهم. .
فكت لفة الصمت التي تطفلت عليهما واخرستهما، عندما ببادربوبكر كأن السكوت لا يلزمه :
- على الله ما تطلب شي ثمن غالي على ارضها.
- شحال من متروا فيها .
- خمسمائة في الطول وثلاثمائة في العرض تقريبا .
- نزيد هديك الارض على ديال جيرانها نشوفوا مازال لي قريب ليهم .
طمأنه : غير تهنى أ سي الحاج كلشي غادي يبيع ليك .
- : ايوا بين ليا حنت ايديك دابا نخليك عندي شي شغل .
- انا خايف تخرج وتسولني عليك شكون نتا نتمنى ما تخرج و تشوفك .
اعقب يبدي تخوفه من جارته ،لم يشأ ان تعلم قبل الأوان ، مخافة ان يفشل فيما يخطط له ، لأنها فرصة عمره ولا يحب التفريط فيها ،والمرأة كما هي معروفة في البلدة فلسانها أفصح منها ، وان كانت تبدو في مظهرها وملامحها الانثوية الرقيقة بحسن معاملتها مع الناس وحنا نها الفياض امرأة مسالمة لا تلوي على شئ ، واضافة الى احترام الجميع لها في الدوار ، فانها لن تدخر جهدا في حشد الناس ضده، ولتفادي ذلك فعليه ان يحترس حتى يعرف من معه قبل أن يفصح عما يدبره ، وقد سألته ذات يوم عن الرجل الذي اتى الى البلدة يريد ان يشتري الأراضي ،فأنكر معرفته بالأمر، يظن انه قد أبعد ما يوسوس في نفسها، لكنها لم تصدقه ، وهي تعرف انه التزم الحذر لاتقاء تعنيفها، بيد أنه عزم على مواجهها،و لو لزم الامر، فانه سيميط عنه رداءالاستحياء ولن يدع لها فرصة لايقاف ما صمم عليه
ابتعد الحاج عن مرأى عينيها، وصادف وقوف صاحبه امام بيته ايماءة من باب بيتها ، وهي ترمق الأول الذي ابتعد بنظرات مريبة، ولما التفتت اليه تحاشى نظرها وأوصد با ب بيته هاربا ،
فيما عادت للداخل تشكو وتبد ي للفتاة تخوفها بأن يغفل الفتى عن أرض ابيه.
- خلاص امي هنيةالأرض ما غادي تهرب حتى يدير لاباس يصوب ليها رسومها.
- علاه غادي يخليوه عطى الله الطماعة لي ما يعرفوا الله ولا عبدوا . .
استفسرت الفتاة عن صحة خبر قدوم أحدهم للبلدة بغية شراء اراضيها. ربما ليتأكد ارتيابها من جارها المتواطئ. أكدت لها الأخرى صدق حد سها عندما سمعت ببعض الاخبار من احدى النساء ، بيد انها خيرتها بين البيع أو عدمه لان ذلك يخص أر ضها ،ولا أحد سيفرض عليها ما لا تريد. وعلى ما يبدو فان المراة لم تطمئن بعد .
- لابد يدير شي حيلة او يد يها فا بور ،غاندير ليها لوتاد باش ما يزاحمني حتى واحد من جيراني..
- وقت ما بغيتي راني نعاونك. .
لم تشأ مي هنية أن تشغل الفتاة بمشاكلها وبما يشبه الاعتذار لاستغنائها عن عرضها، اقترحت عليها أن تكتفي بما تقدمه لها من مواساة وملأ فراغ ابنها دون ان تثقل عليها .
لكن الفتاة ألحت عليها بضرور ة مساعدتها :
-انت بحال مي انت لي كبرتيني عمري ما ننسى خيرك ولا بد نعاونك .
- .الله يرضى عليك ابنيتي يا عمارة الخير غادي نشهد عليها الشيخ والناس دلقبيلة .
فبذلك لن يجرأ أحد على الاقتراب من ارضها . كما قالت الفتاة .
نبهت مي هنية: شي نهار غايجي القوا روسهم خدامين عند البراني فبلادهم..
- :الناس مساكن ما فحالهم حتى وا حد ما كره ايخدم ارضوامصاب الدولة تعاونهم ويتكاتفوابينا تهم.
هي على حق عندما اقترحت بالتلميح بأن على كل واحد أن يشد أزراخيه ويشهد لصالحه ويثبت كل منهم اهليته لارضه بالعمل اذ لن يتجاسر أحد ويطمع في الدوار.
مي هنية:الدولة ابنيتي قادا بشغلها الناس خصهم ايخدموا او يديروا ليد فليد باش افرحوا الدولة او تعاونهم .
اهل وقت سفر مبارك مزمعا على اخبار مي هنية بالامر، رحبت به و أمام الباب، تدعوه للد خول ورشف كاس شاي، لكنه اعرض بدافع الوقت الذ ي لم يسمح له بالتأخر .
هرولت المرأة الى داخل البيت واتت برسالة وصرة مليئة بالتمر تنوي ارسالها لابنها.
اطرقت ترغي لما يصيخ اليه سمع مبارك الذي أرم ينصت الى ما تفضي به من اشجان كينونتها وأهاجيس تقد مضجعها،
تستعيب على ابنها اهماله وتغافله في حقها ، تستحث فيه الجهد، لينصح صديقه بعدم تفريطه في امه ، فيما الآخر يجيبها بايماءات راسه علامة على تأييد كلما نبست به.
اعقبت في الاخير كمن تراجع عن امر لن يجدي نفعا .
- قول ل له يا وليدي راه مك راضية عليك ويرد بالوا راه المدينة واعرة وصيه مزيان.
- تهناي علي راجل. ما تخافي عليه الله يعاونك .
طريق السلامة يا وليدي. ردت عليه بعد ان قبل يدها وهي تدعو له بالتوفيق في سفره ثم اوصدت باب البيت عليها .
- هاني غا نمشي نشوفهم راهم جالسين بوحدهم فالبلاصة لي تافقنا عليها،عندك تخرج هدي وتسولك.
تنبيه بوبكر لصديقه لا بد منه لئلا يفضحه وينكشف للمرأة ما ينويه قبل الأوان .
ابتعد الحاج عن مرمى نظرمي هنية عملا بنصيحته ، فقد تباغته بخروج مفاجئ من بيتها وتلزمه اجابة قد لا تروقه الاجابة عنها ، اخد يجول بعيدا وعيناه لا تغفلان عن مسرى بوبكر. انبرى يجول بنظره، يحدث نفسه و بخطوات متئدة.
-: هاد البلاد زينة بهواها ما فيها لاتلوث ولا ريحة تخنق، الله يهدي هاد المراة العاصية تبيع لي، ولكن الدرهم كايغوي النفوس الهافتة والقلوب الهايمة ، الفلوس اسحر من السحر.
وبعد برهة من الانتظار ،وما ان رأى عودة سمساره ناحيا في اتجاهه حتى أحيل كالمتلهف السابر لغور ما اتى به ،
- : ايه أش قالوا.
- ضمنت ثلاثة باقين جوج ، زيد عليهم امي هنية ولكن خصنا نشوفوا الشيخ او المقدم والوالي ديال
الاراضي.
- هدوك ما يهموا خصنا غير اقبلوا اما الشيخ او المقدم عندي ليهم الحل.
بوبكر : الوالي ديال الأراضي راه صعيب شويا محال اسني ليك.
الحاج : لابد يوافق غير سير شوف هاد المرا .
احس بانه سينكشف امره امام المرأة التي لم تكن بعد على علم بما يحبكه،و قد تستغرب أو تفاجأ وبالاخص من جارها، لن يجول في خاطرها انه سيأتي يوم ويحاول استغلالها .
شعر بانه امام امتحان قد لا يعرف نتيجته مع جارته المسكينة .عليه ان يتأبط المناعة كي لا يرضخ لنصائحها. وتضيع منه تلك الفرصة حسب ما يخاله مع نفسه . لكن الامر في نظره يستحق المجازفة بعلاقته مع جارته . بعد أن ضمن بعض المؤيدين لفكرته.
خرجت المرأة بعد أن سمعت طرقا على الباب.
:-صباح الخير امي هنية كيبقيتي اوخبار علي لا باس عليه.
- لهلا يوريك باس سمعنا شي خبار عليه.
كان ينظر اليها بخلسة وهو يقاوم تلعثم لسانه ، ونظراتها تكاشف خباه تحدق فيه ملئ مقلتيها، كأنها تقرأافكاره وتنتظر انباس شفتيه بما سيصدر عنه، انعقد لسانه لا يلوي على شيء حتى يفكر بما سيتفوه، وبعد تردد تضاعت مدته ،عسى ان تقتنع المراة بما سيخبرها قال .
- جبت شي خبار فيهم لخير ليك لدوار كا مل .
-قل الله يسمعنا خير.
تجأش مردفا : واحد السيد جا بغا يشري كل الفدادن لي عند الناس اوغادي تشدي كثر منهم.
لم تفاجأ بما سمعت اذ كانت تتوقعه ولا مجال حتى للاستفسار تسمرت عيناها، كأنها تهيء ردا كالسهم. - - ماعندي لي بغيتي او ديها فشغلك بلا ما تد خل البلاء لدوارخلي الناس في حالهم. .
- ما ناوي غير الخير بغيت نهني الناس من تمارا .
ازداد انفعالها الذي عكسه تعقيبها :
- اسيدي لي بغا الخير اديروا غير فراسوا او يبعد على ديال الناس.
اراد ان تفصح له بصراحة مدعيا عدم فهمه :
اش كتقصدي امي هنية.
فهمت استغباءه الظاهر وارادت ان ترد عن ادعائه السذاجة،
: -قصدي عارفوا او المعنى فاهموا او طريق الهنا غير ايلا بغيتي تتلفوا ،الله يهنيك سير د يها فراسك.
ثم اوصدت الباب في وجهه وهو ينظر اليها بحنق كالمصعوق ببغتة، جاحظ العينين من سوء تصرفها وعدم اتاحة الفرصة له حتى ليرد ، عاد ادراجه الى حيث الحاج ،فخطا الأخير نحوه، وقد كان مختبئا ينتظر بما ستجيبه.
- اش قالت ليك.
- هاد المرا صعيبة شويا غير الكلام ديالها واعر خليها ايلا ما بغات غادي تبقى بوحدها..
- اشنوا المعمول كل شي غنضربوه فزيروا لا بد نسيفطوا ليها شي واحد آخر..
- كاين واحد غا نصيفتوا ليها ونتمنى عا الله يقبل غير تهنا
لم يتأكد من قوله وان ادلى به للحاج فلخشيته ان يتراجع عما اتى من أجله، وتضيع منه امنيته التي لا يجب التناول عنها ،لأن المقصود يعرفه تمام المعرفة، وعلى يقين بأنه لن يستجيب لطلبه ،
وانما ليما طل صاحبه هذا ويقنعه بكلامه. لئلا يضجر ويفل عنه. يريد ان يلمح له بأن المرأة لن تتشبث بمناعتها وستضطر للرضوخ له في الأخير.
الحاج : لو صيفتنا الشيخ غا يدير شي .
- لا الشيخ ما يدير والوا ولا المقدم هداك لي بغيت هو لي غا يخليها تبيع غا نشوف مع امتاك
- ما عرفت واش يبغي ولكن حتى هو قاصح شويا.
الحاج : وقيلا لابد من شويا دلمرقة بنينة .
بوبكر : بلا ما تعيي راسك دا ك شي ما ينفع وخا مزيان، نزيد عليه، واحد غا نشوفوه الى ما بغات هو يخليها تبيع.
الحاج : انا خايف غير هدوك لو شافوها ما باعت لينا يرجعوا فكلامهم .
بوبكر : الفلوس كا يديروا العجب بلا ما يعرفوا اش بيننا او بينها .
عرف كيف يقنع الرجل الذي أبدى نوعا من التراجع ، وان أبدى بعض الكرم تجاه تلك المرأة العاصية ،لكن الأخير بد ل ان يجاريه في تخوفه، حفزه بما سيسبغه من خير عليها فلربما سيغريها، واطرق يشجعه بأن النقود تفعل المستحيل ويصعب مقاومتها. ولكن مع تلك لا بد أن يفعل ما بجهده حتى تستسلم ليبعد ما قد يفقد امله في شراء الاراضي .
- نعطيوها شي ثمن مزيان اخليها تبيع ،ولكن لي كا نعرف ما عندها حتى وراق الثبوت .
اهتدى الحاج اخيرا الى ما يظنه الآخر بأنه المخرج الوحيد والذي سيمكنه من الضغط عليها للخنوع، فاطمئن بعد ان انتابه التحسر من جدوى قدومه اصلا لهذه القرية..
-ها نتا بديتي كا تفهمني يا ألحاج غير ما يشهدوا ليها الناس، انا نضمن ليك تبيع او يد يها فوق راسها . برده هذا أكد ما فكر به الآخر والسبيل الى تحقيق مأربه. .
- لله يهد يها اولا غا تخسر لينا كل ما عملناه.
بوبكر : دخل يا الحاج او تهنا كل مشكل عندو الحل بالعقل والحيلة.
ولجا للبيت بعد انجلاء ما يكدر الحاج، وقد ازداد اعتقاده بأن المرام على وشك المنال بفضل بوبكر الذي استيقن به . ووجده أهلا لتلك المهمة، خاصة بعد ان تمكن من اقناع اربعة من اهل الدوار بجدوى بيع اراضيهم البورية التي لا تنفعهم في شي..
عادت مي هنية ومعها عا ئشة الى البيت فاردفت الأولى
- : الحمد الله دابا علمنا ارضنا ما كاين فين ادخلوا ليها ولو غير بشبر خص كل واحد واحد يعرف ارضوا وما يتعدا على جاروا.
اندلفن الى البيت بعد أن قضين نصف اليوم في رسم حدود الأرض من كل جهاته، ليعرفه او يرتدع عنه كل من سولت له نفسه أن يترامى على اي شبر منه ،لم تغفل مي هنية على اشهاد بعض من جاوروها ثم الشيخ الذي أعلمته بالأمر، ازاحت عنها شيئا مما يشغلها وان كان غير ذا اهمية قياسا مع انقطا ع خبر ابنها . على الأقل ستنام الليلة وهي على امل في أن تسمع غدا ما يسر قلبها..
دقات الباب اعادتها الى واقعها ،استغربت من يا ترى سيطرق الباب في هذه العصرية.
لم يستسلم بعد ، قرر مرة أخرى أن يعود لاغرائها بما يعرضه الحاج.
لما أطلت من الباب وجدته: مالك ياك لا باس.يا بوبكر
- بغيت ندوي معاك بالمعقول سمعيني اش غا نقول، او ما نبزز عليك انتي جارتي ما بغيت ليك غير الخيروراه الحاج تاجر كبير غا يتهلا فيك..
- باقي ما بغيتي تدخل سوق راسك، قول لهذاك لي سيفطك راه ما يلقا عندي باش انقي سنانوا .
- لعني شيطان يا هاد المرا راه المثل كا يقول الطير لي في اليد حسن من عشرين ما فيهش .
- سمع ابوبكر هاد الكلام لي ساير تهرطق بيه ما ينفع معايا راه غيركا تضيع فالوقت .
- :سمعي راه لي ما رضى بخبزة يرضى بنصها فكري مزيان فهاد لكلام لي قلت .
- سير الله يخليك ما شي نتا لي غا توري لي او ما تسنى مني لي بغيتي.
انزوت الى داخل بيتها والباب يندفع للايصاد تاركة اياه يملأ الجوار جيئة وذهابا.
اخذ يفكر عن مخرج مع تلك المرأة المزواة العاصية ، فقد أحس بميوقه وأود مسعاه ، كالموج الأهوج الذي يصطدم بالصخور قصد تكسيرها، لكنه يصير اشلاء حين الارتطام بها لشدة صلابتها . هذه المرأه لن ينفع معها اي شيء سوى التهديد .ولكن كيف سيهددها؟ والناس يعرفون ارضها ،فلا احد سيتجرأ لقول شيء قد يسيء اليها بفضل سمعتها الطيبة بالقرية ..
ظل يفكر عن مخرج قد يودي به الى حل وسط ،يرضي اهل البلدة ويحوز تفهمهم لما يقوم به من اجلهم، مع أن الأحرى والأولى باظهار حسن النية هو صاحبه ، لمساعدة البلدة التي تعاني من الجفاف منذ اعوام ويعينهم لقلة حيلتهم ورزوحهم في الفقر المدقع .لا شك انهم عندما يلمسون تعاونه سيشكرون له صنيعه ، لانه سيحيل القرية الى جنة خضراء وتصلح الاراضي البورية وتحفر الآبار وتدخل التقنية العصرية اليها كما يدعي. ربما عندما تعرف مي هنية بذلك ستنكسر ممانعتها وتستكين لما يريد .
استوحى من راسه تلك الفكرة نظرا لحاجة اصحابه الملحة و الذين وعدوه بالبيع، والشهادة ضدها عندما يغريهم بالنقود، انها السحر الذي يحول الجبل الى سهل،. فعندما يفصح لهم لن يرفضوا والأمر يستحق المحاولة.
وجده الشيخ حين قصده لمنزل مي هنية لأمر في غاية الأهمية لما يدل عليه قدومه الغير المعتاد الى المكان، وحسب ما يستشف من مجيئه المتعجل، لما رآه اغتنم الفرصة، انه الشيخ ولا بد ان يحاول معه لعله يستجيب لطلبه وان استبعده لمعرفته الجيدة بالرجل ولكن لا ضير من ذلك.
بوبكر-أش خبارك يالشيخ .
- لا باس واش مي هنية فا لدار .
- يلاه دخلت راسها قاصح .
اضاف بعد ان جذ ب الشيخ بعيدا:
- علاش يا الشيخ ما تقنعها اوتبيع لينا اش كتسنى فديك الارض لي ما تساوي والو .
-خليني بعيد الله يخليك او ما تحرجني هداك شي ما شي شغلي .حتى نجتمعوا نشوفوا .
- هدي فرصة خصها ما تضيع من ايديك راه كا تجي غير مرا .
- خليني ابوبكر بعيد واخا تجي عشرا دلمرات ما نهز تقليد حد سير د خل لدارك او ديها فراسك..
كان قد اقتراح ان يجتمع الناس بعد ان طلب منه بعض اهل الدوار، وذلك ليتفق الناس على موقف واحد، لأن عرض الحاج الحسن أثار شريهة بعض المحتاجين اعتقادا منهم انه الحل الافضل لحالهم الهاجع في أتون البؤس.
كان رد الشيخ عليه مكدرا لصفوة مزاجه وما فكر فيه من تدبير للضغط على مي هنية ، وهو ما لم يكن في حسبانه، فالشيخ الحسين كما هو معروف بوسطيته وموقفه اللامتحيز الذي يتسم به لن يقبل ان يجاريه او يلمح حتى بما يدل على انه يؤيد ه ، لأن الأخير يعرف تمام المعرفة بأن بوبكر منساق وراء جشعه جراء عوزه الذي اعماه عن الحقيقية وواجبه تجاه الدوار وأهله .
ومع انه لم يطلب منه لزاما بأن يكف عما يخطط له لبيع اراضي البلدة ، الا انه ألمح له الى ذلك وحذره من ان ينقلب عليه صنيعه .
لكن أليس هو المسؤوال الاول عن الدوار ؟ اليس حريا به ان يمنع الرجل؟ باستطاعته أن ويكتفي بطرد االحاج الحسن من البلدة ، لأنه الملم بكل صغيرة وكبيرة ، وعلى دراية تامة بأحوال الناس الذين يعانون من شظف العيش . بيد أن مرد موقفه ذاك أنه لا يريد ان يكون سدا منيعا امام احتياجات الناس وتطلعاتهم حسب ما يعتقدون ، لكل واحد أرضه وفي امس الحاجة الى ما يغير حياته ، ولو بمشروع صغير يعيل بها اسرته ، والحاجة الملحة الى دخل قار تعيش منه. مبدأه نابع عن قناعته بمدى أهمية اعطاء الفرصة لكل واحد ، ليميز الصواب من الخطأ.
و له الحق في أن يقرر مصير ارضه بنفسه، ليبقى هو على الحياد تجنبا لأي اتهام بالانحياز.
اطلت من الباب بتأفف وانفعال، معتقدة بعودة بوبكرالذي لا يريد ان يكف عن محاولات اقناعها ، أوشكت ان تتهجم عليه،لكنها جحظت ملئ عينيها، لما رأت الشيخ الذي تقطبت حروف محياه . فتداركت نفسها لتخفي انزعاجها:
- اش خبارك يا الشيخ الله يجعل من قدامك مفتاح البشر.
لكنه أصر على معرفة سبب وجومها. :
-مالك امي هنية غضبانة ياك ما كاين باس. .
- يا لاه لقيتيني تصادعت مع هاد الجار الخبيث .
-هداك غا يلقاها من صحاب الدوار ديك تدلالت ديالوا غتقلب عليه.
. واضاف: راه جبت ليك هاد البرا سيفطها ولدك علي مع مندا فيها شويا دلفلوس .
لما سمعت الخبر بشت اسارير وجهها بعد أن وجمت، وسرت بعد ان غمت ،منسدمة الضمير عن سوء ما كانت تظنه في ابنها ،فأخباره وصلت اخيرا ، لأنه ولد بار، وطفقت تفضي لنفسها ، اليست هي أمه ؟ اليست هي التي ربته ؟ وغرست فيه الخلق الحسن ومعنى الحياة الكريمة ، الاحرى بها ان تعذره، ربما نسي لظروف ما فرضت عليه.
انزاح ما يحز في قلبها ويوكس بالها ، وهي الآن آمنة مطمئنة ، وعلى يقين ببر ابنها. عليها أن تجود برضاها والدعوات له بالتوفيق في مسعاه. .
أخذت الرسالة والشيخ ينظر اليها باشفاق، لا شك انه احس بما كابدته من حزن وأرق على ابنها،لما اردف قائلا
- : الحمد لله خبار ولدك وصلوك.
-ييه الله يفاجي عليك ، خبار ولدي شفتها خايفة نموت قبل ما نشوفوا.
-دابا تشوفيه وتفرحي به.
- لكن هاد المانضا ما يمكن تجيبها انت.
الشيخ :لا بد من سنية ديالك غدا غا نمشي معاك تجيبيهم.
- الله يستر عليك يا عمارة الدوار .
عقبت على عرضه تشكره، لأنه لا سبيل الى أخذ النقود الا بمساعدته، فهي لا تعرف شيئا، وعليه ان يأخد بيدها، حتى أن الحاج ابراهيم غير موجود او الفقيه مثلا، وهم الثلاثة الذين يمكن ان تعتمد عليهم ، وتطمئن اليهم ..
وانصرف تاركا اياها تنظر الى الرسالة كأنها تبحث عن شيء ما بها ، ثم ولجت للداخل بعد ايصاد الباب، انبرت في تقليب وتداول الرسالة بين يديها متلهفة لمعرفة ما يوجد داخل الظرف الاصفر الداكن ،
نادت تستعجل عائشة التي انسلت من المطبخ متسائلة :
- اش داك شي ، واقيلا شي خبار زينة هذي .
-حمدت الله خبار علي وصلت شهرين هذي وانا كنتسناها قراي اشنوا فيها..
أخذت عائشة تقراالرسالة ومي هنية تد نو بوجهها تارة الى الورقة ، وأخرى تعود لتستقيم في جلستها عندما تثير تضايق الفتاة ، التي ترجوها بأن تدعها حتى تتمكن من فهم ما كتب، المرأة تتحرق شوقا وفضولا لمعرفة محتوى الرسالة تتلهف لأخبار ابنها حتى انها لم تطق صبرا .
- يا بنيتي هذي غير ورقة ماشي كتاب .
- صبري شويا راه الخط ما واضحش مزيان .
- قولي غير اشنو مكتوب فالأول .
ردت عائشة ونظرها في الرسالة :
- غير صبري غادي نشرح ليك كل شيء .
اعرضت بوجهها عن الفتاة وهي تزم شفتيها وتعبرعن استيائها ،وبعد برهة تنفست الصعداء، لما رأتها
ترفع نظرها عن الرسالة وقالت :
-كيبلغ ليك سلاموا ويسارت حوالوا، راه خدام كيتخلص مزيان .وسمحي ليه ملي تعطلت خباروا.
- قولي ليه راني مسامحة ليك او راضية عليك اوليدي الله اعاونك .
فتحت عائشة الرسالة ودنت اليها ونادت:
- قالت ليك راها مسامحة ليك والله اعاونك.
قولي ليه مزال ايجيب الفران راه الناس كلهم داروه، بقينا غير حنا ، عيينا من الدخان او ما تنسا يش شي ثلاجة او شويا د لماعن للدار .
اعادت عائشة الكرة وصا حت بعد أن فتحت الرسالة وبأعلى صوتها تقول ما تمليه عليها مي هنية كأنها
تحدثه وهي تجاريها في غفلتها ولما انتهت قالت :
صافي راه سمعني
- كيفاش عرفتي .
- وأنت كيفاش عرفتي غيسمعني .
ادركت غفلتها بانتسامة عريضة :
- استغفر الله الفرحة نسا تنا اوما بقينا عارفين راسنا من رجلينا جيبي ستيلو والورقة .
جلسن في غرفة علي ليتسنا للمراة املاء ما تود ارساله لابنها من الكلمات المؤنبة على تأخيره والدعوات له بالتوفيق. حتى اذا انتهين من كتابة كل ما لزم، سألت مي هنية :
- واه سلم علي غير انا بوحدي ما يمكنش .
عائشة بتردد خجول :انا داك شي لي لقيت.
- لابد يسلم عليك او ما بغيتيش تقوليها .عطيني الورقة ما تلفيها .
وأضافت: الله يهديه كان ديما كا يوصيني عليك قبل ما يمشي.
- خلاص امي هنية ما نساه غير كثرة الشغل لي عندو.
نظرت بتحملق في وجهها لتستشف ردة فعلها، وقدلاحت حمرة الخجل في ثنايا المحيا الجميل ، ففهمت باستنتاج لأمر أسرها وقالت:
- عندك الحق ابنيتي كثرة الشغل لي خلاه ينسى لما خصوش ينساه.
عائشة :الله اكون فعونوا.
- الله يسهل عليه اويجيب معاه الخير والخمير غادي نختار ليه شي عروسة في بالي فاعلة تاركة .
ودت عائشة ارضاء فضول يعتريها لم تعرف كنهه ، تريد أن تعرف ، والا فالفضول سيقتلها :
- او شكون هي.
- ماغادي تعرفي دابا حتى نشوف البنت واش بغاتوا .
واضا فت لمعرفة رأيها : او ما عرفت واش والديها غادي يقبلوا به.
تئط أحاسيسها استوحاشا لغيابه، ينمو شعور في دواخلها ،بيد انها لم يسبق ان أكنت له اية عاطفة حميمية اللهم بعض الود المتبادل ، بحكم العلاقة التي تربط عائلتها بأبيه ، وهو مجرد خماس ابن خماس عند أبيها. ربما الاحساس بالشفقة والعطف الذي تستوجبه الانسانية ، لم يسبق لهما أن تبادلا أي حديث حميم يمكن ان يدل على أي تقارب بينهما وبالأخص في السنوات الأخيرة ، ما عدا ايام الطفولة لما كانا يلازمان بعضهما حين الذهاب الى المدرسة أو العودة منها، لكن عندما تركا الدراسة وبدأت ايانيع الشباب تدب عليهما وانقضاء ايام الطفولة البريئة ، تغير الود الى احترام وبرودة محضة ، كانت هي الاولى التي تركت المدرسة الابتدائية بعد ان نالت الشهادة ، اما هو فقد واصل مساره حتى الثالثة من الاعدادي ، واضطر للخروج بعد وفاة ابيه وأخذ مكانه في الخماسة ، لم يعر اي انتباه اليها ربما لطبيعته الخجولة او الاحساس منه بالفارق ، حتى انه يستحيي ولو في النظر اليها ، نفس الشعور متبادل بينهما في تلك الآونة.
ما عدا بعض العطف الدي تتميز به وتبديه تجاهه ،اما الآن فهي لا تعرف معنى الاحساس الذي جد عليها بعد غيابه ، هل تحول ودها العذري الى عاطفة وشوق ؟ شيء ما ينمو في اغوارها لم تستبنه ، انها مثل مي هنية تحن اليه ، تحس بفراغ يشوب حياتها الرتيبة.
سؤال مي هنية الاخير واستفسارها فيه استدراج لمعرفة مشاعرها وهو ما اكتشفته لتوها ، و لاحظت وقع كلامها بتورد وجنتيها ، فاستدركت الاخرى بدورها لتخفي شعورها الذي افتضح قائلة
باقرار غير معلن.:
: ويلا بغات البنت ما عند والديها ما يديروا اوما عندهم الحق ارفضوا .
- أبنيتي الوالدين كا يبغيوا غير الراحة لأولادهم ايلا ما شافوه قاد على راسوا ما غاديش يتيقوا به.
- ايلا بغاتوا او فضلاتوا على غيروا ما يمكنش ليهم ارفضوه اويفرقوهم على بعضياتهم .
- ويلا البنت تخدعات فيه اوما تحس حتى تلقا راسها مع بنادم آخر ملي يتزوجوا ، اويتفرجوا،
كم من امراة انخدعت في زوجها ووجدت نفسها بين القبول بوضعها المهين أو الضياع في متا هة الحياة بسسب لقب المطلقة. الذي يدني من قيمتها.
- هذي ما كذبت فيها او شحال خايب عندنا الى تطلقات البنت هي لي كا تدي اللومة.
- الله يرضى عليك ابنيتي عارفاك رزينة تبارك الله عليك او سعدات لي تكوني من حظوا ..
- ولكن شكون البنت لي فبالك .
- او علاه كا تسولي.
اخفظت الفتاة رأسها بتهرب ويديها تعبثان بأزرار قفطانها وقالت باحتشام .:
-غير كا نسول او صافي واه بنادم ما يسول .
مي هنية : ما فيها باس أبنيتي عندك الحق تسولي.
ابتسمت لأن فضول الفتاة معناه انها تفكر في ابنها ،فاستفسرتها الاخيرة عما يثير ضحكها.
- دابا يمكن لي نتهنا املي نموت الأمنية ديالي غا تحقق قبل ما يمشي ولدي وصاني عليك .
- ولكن ما قال لي والوا .
- غير كا يحشم أبنيتي او كا تعرفي ناس الدوا ر كيديروا من حبة قبة .
لن تعير أي اهمية لثرثرة الناس ما دامت مقتنعة ، ولا أحد سيشاركها فهي الاحق بان تبدي رأيها برفضه او قبوله ، أكدت لها أن الاهم هو التوافق بين الشريكين وغض النظر عما سيصدر من المحيطين بهما،
أكان سلبيا أم ايجابيا. ولا حق لأحد حتى في التدخل . .
اثنت عليها ومدحت خصالها الخلقية ثم احتضنتها تقبل جبينها، وأتت لها بخاتم كانت ادخرته ربما حتى تحين لحظة الحاجة اليه .وقد آن أوانه على ما يبدو وهذه الفتاة هي التي تستحقه.
- ها كي هاد الخاتم شحال هو عندي هذا وقتوا باش ابان فيديك
أعرضت الفتاة عن اخذه معللة ذلك بأنه استعجال قبل الاوان.
- ما قلتي عيب حتى يجي نشا الله تعالي ندخلوا بحالنا تحكي لي او نحكي ليك.
يالك من امرأة تستغلين خجلها وطيبتها لتفرضي عليها ابنك ، حدثت نفسها ، كيف ستفسر لوالدالفتاة في حالة لو سألها ، لكنها تعتبرها كابنة لها وان لم تلدها، وما العيب لو كانت من نصيب ابنها. على كل فهذاما ستكشف عنه الأيام والأقدار. ليس من المنطق ان تقترن الفتاة بمن هو ليس في مستواها ، لكن على ما يبدو فالفتاة ليست من ذلك النوع، فهي بسيطة الطباع وغير متطلبة بديهية السلوك ، لكنها جميلة وابنة غني، اما ابنها فهوابن خماس عند ابيها ، يالك من انتهازية. سخرت من نفسها .عزمت أن تغامر بعلاقتها مع الحاج براهيم في سبيل ابنها، ومن اجل الفتاة التي لا تريد أن تفارقها ، ربما عندما يسمع لها سيعنفها أو يطردها ، مع العلم أنه انسان ودود يحب الخير للجميع هادئ الطباع لا يعير للكلفة اي اهتمام، ولكن ذلك لن يحول دون اثارة غضبه الراكد اذا ما حاولت ، لم يسبق لها أن رأته يتعصب لرأي أو يبدي تعنيفا لأحد مدة عيشها تحت كنفه ، لكن لا مفر من ذلك سترابط جأشها وتتقبل ما يصدر منه برحابة صدر ، وأن اقتضى الأمر ستتوسله.
عاد بو بكر لبيته ينتظره صاحبه الذي توسد قاعدا منثنيا في غرفة الضيوف ، ليشكو اليه سوء تصرف مي هنية معه .
- هاد المرا راسها قاصح وعاصي ..
شاركه الحاج تخوفه وابدى خشيته من دنو فشله وعدم جدوى تجشمه مشقة السفر الى الدوار، كما عاب عليه ميوقه وأ ود صنعه ، متوقعا الأسوأ جراء عدم تيقنه من عزم الناس بيع اراضيهم، فربما استدرجه
دون معرفة مسبقة باستعداد الناس للبيع.
استمهله بوبكر وأوجب عليه ان لا يستبق الامور وأفضى اليه بأوان خطته التي تبادرت الى ذهنه كان قد اقترحها، أكد له انها الوسيلة الوحيدة لارغام المرأة على البيع . :
- شويا راه صحابي غادي يجيوا حتى نضمنوهم بعدا، و نشوفوا مع هاد المرأ .ملي يجتمعوا ناس الدوار .
داع صيت الخبر بالدوار، وشاب نوع من التنافر بين اهله الذين توزعوا لفئتين، معارض بدعوى عدم التفريط في الأرض وادخال الغرباء الى القرية ،ومؤيد فقير الحالة، يتخذ ذلك عذره الملزم امام متطلبات الحياة البائشة ،يمني نفسه بما سيأخده في ثمن ارضه البورية التي لا تصلح لشيء، اضافة الى وعد الحاج الحسن باصلاح اراضي الدوار وادخال الفلاحة العصرية التي ستوفر لهم الشغل،
كل ذلك حدى بالشيخ الحسين أن يقرر ويحدد موعدا للجمع، قصد الاتفاق على موقف واحد ، كلف المنادي اي مؤذن الدوار ان يعلنه على الملأ والافصاح عن وقت أوانه ومكانه.
امعانا في اقناع صاحبه بعدم الاستسلام حتى يوم الاجتماع ، الذي سيكون فرصة لحيازة الموافقة العامةعلى البيع. استطاع بوبكر أن يعيد اليه بعض الامل، قرر الحاج ان يكتفي بأراضي الذين ضمنهم ، اذا تأود الوضع مع تلك المرأة ،وأصرت على اكداء امله في ان تكون طوع امره،ربما عندما ترى بأم عينيها ستنأى بموقفها وترضخ في الأخير..
استأدنه بوبكر ليتقصى عن سبب تأخر اصحابه ،و قد اظلهم موعد غداء لا يحتمل التأخير ،
لمحهم ينا حون في اتجاهه ، أخد يلوح لهم بيد يه ، يستعجلهم للاندلاق بسرعة الى بيته، مخافة ان تباغتهم مي هنية التي قد تفتح باب بيتها في اي لحظة وتحيل الامر الى استجواب.
وتسارعت الخطى حتى وصل الكل دون اية جلبة ، فدلف للمنزل كل من بريك وهو فلاح اسمر البشرة متزوج في منتصف الثلاثين من عمره ، لم تعد ألارض التي يفلحها في الواحة تدر يسيرما اعتاد عليه ، بعد رزأ الأحوال بسبب الجفاف ، ما عدا القليل النادر مما يبيعه من التمر اليانع المبكر ، الذي يقطف فوق النخلة قبل اكتماله ، اضافة الى نصيبه عندما تجنى الثمار في موسمها وتقسم على خمس كميات، الثلاثة والنصف لصاحب الواحة والخامسة له اما النصف الباقي فنصيب التعشير يمنح للمعوز الفقير كما دأب على ذلك اهل المنطقة منذ امد بعيد..
اما الثاني فاسمه بوضاض شاعر نظام يدعونه بهذا الاسم لأن له اصبعا سادسا يشير به عندما يتحدث، اسمه الحقيقي اهياض وهو أسمر البشرة في الأربعينات من عمره يتبع سبل الرزق ،لا حرفة له ما عدا ما يأخذه في المناسبات اجرا لنظمه الشعري، منتهز للفرص اينما تبادرت له..
الثالث الذي اسمه بهوش هاو للنظم الشعري لم يبلغ بعد مرتبة الاول ودرايته شبه مبتدئ الا انه يقارع قي بعض المناسبات . يكتسب اليسير من هوايته، عامل بناء وتاجر متموسم في اول الثلاثين من عمره على وشك الزواج. .
اما الرابع فيدعى يوسف حطاب لا تدر عليه حرفته ما يغنيه عن توسل فرص الرزق . عمره دخل الثلاثين يتمنى بيع ارضه بثمن يمكنه من اصلاح وضعه المعيشي. .
بعد تحية الحاج ومصافحته ثم مجاملته، انبرى بوبكر يسح الشاي في الكؤوس ،وبعد أن ناول لكل واحد كأسه. وفي غمرة اعتوارها بينهم والتنكه بمذاقها رشفة برشفة، تابع يقول
- بغيت نزيد على لي تافقنا ، ملي تشهدوا بلي الارض ماشي ديال مي هنية باش تسدوا أوغا تخسر لينا كل شيء.
بهوش :. ولكن راه كاينين جوج ما حاضرين خصهم ما يشهدوا ليها
بوبكر:لا هدوك تهنينا منهم حيث مسافرين فدادنهم حدى فدانها .
ثم اضاف : راه لحاج غادي يعطيكم فوق الثمن.
بوضاض :بحالها بحالنا علاش ما تبيع حتى هي .
بريك :لا ما نخليوها تخسر لينا وتحرمنا من رزقنا.
يوسف :انا لي درتوها انا معكم ..
بهوش: غير تهنا حنا غا نوقفوا ليها ما نخليو ليها ما تقول.
بوبكر: راه الحاج غادي يوفي لكم في الثمن ، ولكن تبقوا في كلمتكم راه بعد العصر غا يجتامع الدوار.
وبعد مدة من، كيف، وأين، وثرثرة فرضت اجابة الحاج عن تساؤلاتهم وتخيل ما وعد به من مشاريع للبلدة ، استأذنوا للخروج. لكن بوبكر نب الانتباه في اصدقائه.
- ردوا البال مزيان ملي تخرجوا..
خطوا خارجين من البيت ، ابصارهم تتبصص هنا وهناك، خشية أن يكشفهم احدا ما ويزعجهم بالسؤال والاستفسار.
أخذ الحاج يربت على كتفه معربا عن راضاه
--: تبارك الله عليك عرفتي كيفاش تقنعهم د ابا يمكن لينا نقولوا بأن الأرض مضمونة.
- خلا ص اسي لحاج علاه حنا دراري لي صعيبة عليك خليها ليا او ما تشوف غير لي يفرحك
- خايف من هدوك لي ما حاضرين ايرفضوا او يتقلبوا علينا أو زيدهم على هاد
المرأة لي ما بغات تبيع .
- غير تهنا ما يجيو حتى يلقوا جيرانهم كلهم باعوا او بزز منهم ابيعوا حتى يتافقوا الناس.
يأمل أن لا يفقد صاحبه الأمل يتحجج بأصحابه كمن ضمن و تيقن بأن يجاروه فيما يمليه عليهم ، يتمنى أن يتيسر له الأمر وينال ما يريد ويتغير وضعه في الدوار .
- يالاه راه الناس غا يتجمعوا عند الشيخ.
نبه بوبكر صاحبه الذي استيقظ من غفوة القيلولة. وقد حان وقت اجتماع أهل الدوار.
دخلوا الى صالة ضيوف مفروشة بالحصير و بعض الزرابي المبسطة فوقها .والوسائد الموزعة في انحاء الغرفة يستند عليها البعض فيما الآخرون مقرفصون وأباريد الشاي تهرق ما تحتويه في الكؤوس مع رائحة النعناع التي تلفح الأنوف بنكهتها . انبرى الشيخ يعد الحاضرين ليرى ما اذا اكتمل الجمع،
اذ يوجد في المقدمة سي الطيب العجوز الهرم ، ثم مقدم الدوار واسمه ازكور، ومعناه هو الاول، لانه بكرابيه، عينه الناس بعدما استقال سلفه الذي كبر في السن ولا يحتمل الجهد، ازكور بسيط الطباع يستاثر الصمت على الجدال منغلق شيئا ما، بيد انه مأمون السريرة ،يحترف مهنة البناء ،عمره اوشك على لاربعين. فالفقيه باها الذي يبلغ أواسط الاربعين من عمره تقلد امره مند سنين عندما توفي ابوه يعرف في الدوار بأنه محب الولائم اي (الزرادي)ويعشقها ايما عشق.لا يفرض رايه على احد ولو كان صحيحا. قليلا ما يسدي النصيحة ،ما عدا للصغار فقط ، وعذره في ذلك أن الكبير يعرف الاصح من الخطأ.
رحب يوبكر بصاحبه الحاج الحسن نيابة عن الحاضرين، فيما الكل اكتفى بابتسامة مجاملة له، كما يتواجد النظام امتاك امين الاراضي عمره اواسط الاربعين ،ثم اكيدر الذي يقارب عمره الخمسين ،وهما من السكان الاصليين بالبلدة ، لهما اراضي يملكونها بحججها، وقد حاول بوبكر عبثا بان يستدرجهما دون أن يوفق في ارضاخهما، وبالاضافة اليهما هناك الحاج براهيم له اراضي يمتلكها بالمستندات . وهو غائب لكثرة اسفاره. كما يوجد ايضا يحيى الذي له محل في القرية عمره اواخر الثلاثين ضعفت الحال الشرائية عنده وشابها نوع من الكساد بسبب كثرة استدان الناس لديه والحالة المعيشية المتدهورة في الدوار التي أدت به الى اغلاق المحل، له ارض بورية مثل اقرانه ينوي بيعها لكنه متردد ويطلب فيها ثمنا باهضا ، يعتزم بيعها للحاج الحسن اذا دفع مقابلا مقنعا ، كما حضر أيضا لفيف من عامة الدوار، فيهم من أخد عربون السبق عند الحاج. ومنهم من ينتظر نحب انتظاره ليحضى بحصته . ويتوسطهم كل من المقدم وشيخ الدوار الذي حث يويكر على الا ستعجال بدعوة مي هنية التي ربما نسيت موعد الاجتماع.
- لا مي هنية واعرة لسانها بحال السواط حسن سير دق عليها انت.
مرت الايام، وظلت عائشة المؤنسة الوحيدة لامي هنية في وحدتها، لأنها بمثابة امها التي لم تلدها والتي حملتها من اول ولادتها وهي التي استأصلت حبلها السري ،الفتها مند الصغر وهي الآن في ينعان شبابها لا زالت تلازمها وبالأخص في هذه الفترة من غياب ابنها ، تبيت الليالي عندها ،تواسيها وتسبغ عليهامن ثنايا عطفها الانثوية الرقيقة وتعتني بها ايما اهتمام .
تركت عائشة المدرسة من مستواهاالابتدائي، لانها الوحيدة لابيها،و تكريسا للعادة المتعارف عليها في القرية عند بعض العائلات . حيث لا يسمح للفتاة ان تقرأ بعيدا عن الدوار، بحجة انها في سن الزواج، ولا يجدرلها الا تعلم امور البيت، قبل ان ياتي فارس احلامها.
مرت أيام واسابيع وبدأ شيطان القنوط يسيطر على المرأة ،يندلف الى نفسها ويكدرعليها رتابة غياب ابنها، يزيدها غما بغم ،انبرت تسأ ل وتتسا ئل ، تستجدي اخباره بين حين وبرهة، لعل خبرا عنه قد يوئد كربها، هذا بالاضافة الى الارض التي تركها زوجها المرحوم لم تثبت بعد ملكيتها له، تخشى أن يستولي أحد ما عليها ،ثقل آخر يحزفي دواخلها ويثير انشغالها . كانت قد اقترحت على ابنها ان يضع عليها ولو علامة تكون دليلا على انها ملك له. لكن القتى لم يعرها الاهتمام الذي توسمته ، يتعلل بأنها ارض بور ،لن يكترث لها احد، لكنها لم تأمن لتقلبات الزمن ولا تريد ان تستصغرمن الأ رض، وخاصة انها الشئ الوحيد الذي تركه زوجها.لا ينبغي لها التخلي عنها، تتوقع ان يأتي دور قرية ايت وحمان ويتكالب عليها منتهزوا الفرص كما وقع لقرية تجاورهم والتي بيعت كل اراضيها. اعتبرت من ذلك، ربما سيظهر احد أولئك التجار الكبار ويستغل العشوائية التي هي عليه اراضي الدوارولن يتوانى في الاستيلاء عليها. لأن من عادة اهل تلك المناطق اعتبار كل ارض وضع عليها احد ما يده على انها حقه ، نضرا لغياب الاوراق التي تثبت حجة ملكيةآخر بها ، ويثبت انه صاحبها ليثني عنها كل من يدعي العكس . كل من سبق الى قطعة تعتبرمن املاكه في انتظار أن يثبت ذلك بالاوراق، عندما تتيسر أموره، ولن ينازعه احد فيها ، وكل ذلك كان المبرر لخوف ينغص خاطر المرأة ، يشغل بالها وينضي قلبها المغموم. ولذلك نذرت نفسها بان لا يهدأ لها بال حتى تتأكد من تثبيت ملكيته، ولن تدع أي متطفل ينازعها في حقها .
مر شهران واصبحت لا تطيق التحمل اكثر، اللهم بعض التطمين من عائشة التي تحجج عليها بعذر الغائب معه ، مرت الأيام وعلى ما يبدو فقد نجحت الفتاة في أن تنسيها ما اعتادت عليه قبل غياب فلذة كبدها .
كان يصطبح عليها ، يقبل يداها ثم راسها ، وبعد الفطور تذهب الى الواحة ، في حال اضطراره للراحة أو عندما لا تدعو الضرورة ،وكثيرا ما يبدي لها تأففه من الوضع وعدم احتماله .
اما الآن وعائشة برفقتها فهي تخرج الى الواحة كل اربعة ايام في الأسبوع تتركها تهيء طعام الغداء ، وعند انزوائها بالبيت تؤنسها وتذهب عنها وحشة غيابه . بالاضافة الى جهاز التلفاز الذي تملأ به وقت فراغها ببعض الاحيان.
في أحد الامسيات جلست فوق الدرجة الثانية لباب منزلها تفكر وعكازها بين يديها كأنها تثبته لينغرس في الأرض ،تنتظر عائشة التي ذهبت ربما لتتقصى عن خبرما عند صاحب محل في الجوار اسمه سالم رجل يعيل عائلة مكونة من زوجته وطفلين في عمر الزهور ، له جهاز التلفون يستقبل منه مكالمات ابناء الدوار الذين سافروا بعيدا، يعتبر البقال الوحيد الذي يوجد وسط الدوار الذي لا يحتوي الا على محل وآخر في السوق،ارسلت الفتاة لأجل خبرا ما قد يعرفه من شخص أتى من الدار البيضاء، أومن مكالمة جدت من احدهم.
أطرقت تواسي نفسها باستجداء خبره.
- : فينك يا وليدي خليتيني وحدي ما رسلتي خبارك ولا عرفنا حوالك.)
ظلت تنظر حولها لعل احدا يأتي ليشاركها همومها أو يبشرها بخبر قد يخفف عنها ولو قليلا مما يشغلها،
شهرا ن ليسا بالامر الهين وانقطاع أخبارولدها أحزنها ،هل نسيها ام ان له عذره لم تعلم به؟ فهي حتى لم تعرف بعد بوصوله الى المدينة، ترى ما سبب انعدام خبره وكيف السبيل الى معرفة احواله .
تاهت مع هواجسها ولم ترعوي عن شرودها الا بعد ان سمعت مبارك الذي مر بالجوار يلقي عليها التحية ، ولم يخفى عليه سبب انشغالها وقلقها ، بدورها لم تشأ كتمان ما يعتمل في نفسيتها .
تتمنى أن تنفس عن كربها ولو بالحديث مع اي كان. اذ بادر يسألها عن اخبار ابنها.
- شي خبار على يامي هنية ما سمعتيهم. راه قريب نمشي.لعندو.
-ا يا وليدي ما شفت خبار علي ولا حسوا الله يرضى عليك غا نعطيك واحد البرا تديها ليه .
كان قرب سفر مبارك بالنسبة لها املا ولكن بدون ان يشفي غليلها في معرفة خبر ابنها ، تتمنى في نفسها لو سافر اليوم قبل غد، على الاقل سيكون المحفز على ان يرسل اليها ابنها ليطمئنها عن نفسه.
مبارك :لا ما نمشي غدا او لا بعده، غير صبري ، راه خبار علي دابا تشوفيهم ، .
-خايفة شهرين هذي هولنا ولا حتى برا من عنده يرسلها هده ماشي عادته،.
ردت عليه لتكشف عما يضني قلبها.
نظر اليها مليا ، وقد كان واقفا ثم انحنى يتكئ منثنيا لان المرأة المسكينة حركت سجيته وقال:
--علي دابا راجل ما يتخافش عليه غير مشا يدبر على راسو.
مي هنية: اوهنا ما فيهش الرزق خصوا غير ايصبر.
مبارك :ايوا خلاص أمي هنية اش غيعمل هنا خليه ابان بحال قرانوا
تخشى أن يداهمها الأجل مع أنها لا زالت في سن مبكرة ، ولكن الموت لا يميز كما قالت، فالانسان قد يأتي أوان رحيله في اي لحظة ،وذلك ما تخشاه قبل أن تراه.
- الله اطول فعمرك غادي يرجع ليك او معاه رزقوا ويهنيك حتى تشوفي ولادوا ان شاء الله.
فند ما تعتقده عله يغرس في داخلها السكينة والأمان وعدم فقدان الأمل. ا يعتبر الشاب احد اصدقاء ابنها يعمل بمدينة الرباط لديه محل بيع وشراء . ياتي للبلدة في ايام العيد واواخر الصيف ، حاد الطباع شكيم عمره في اواخر العشرين .
بينما كانا مسترسلين في الحديث مر شيخ الدواراسمه الحسين وبادر بعد السلام
- : واقيلا خبار علي باقي ما وصلوك عليها انت مضيومة.
- ما شفنا وما سمعنا والوا عليه.
كان قد سمع من احدهم عن اخبار ابنها وذلك سبب مجيئه ليبشرها بكلمة هي في أمس الحاجة اليها قد تسرها ولو قليلا.
: الله افرحك زولتي فيا بعدا شويا د لهم .
احست المرأة بالارتياح يغمر اوصالها واكتفت في الوقت الحاضر بذلك مع انها تتمنى ان يرسل لها يخبرها بنفسه عن احواله بالمدينة، لا ان تعرف من الآخرين، اليس هو الأجدر بأن يسال عنها ؟، أليست هي امه؟ على الأقل رسالة منه لن تكلفه شيئا في سبيل اراحتها؟ ،هل نسي ما علمه الفقيه من بر الوالدين؟ أو ربما سحرته المدينة ونسيها وبلدته .
طردت الافكار التي تجيش في خواطرها واقنعت نفسها بأنه ربما زلة نسيان، انه ولد بار، ربما أنساه عمله الجد يد انشغالها بغياب خبره . فالغائب له حجته حتى يحضر ويبين الاسباب، والفتى في أوائل العشرين من عمره لم يختبر الحياة جيدا ولا زال صغيرا في نظرها ، يتميز بعزة نفس مثلها وطيبوبة سريرة تثير خوفها ، تخشى أن يخدعه احد ، وينساق وراء المظاهر لينسى اصله وفصله، لكن الحمد لله فقد طمأنها الشيخ وذلك احسن من لا شيء.
تقلد الحسين منصب مشيخية القرية بعد وفاة ابيه، عمره في اواخر الاربعينات هادئ الطباع متكتم شيئاما، لايبدئ الرأي الا عند الضرورة وسطي السلوك لا يحبد فرض رأيه على احد ،يحسس بالارتياح ويختلف عن والده الصارم الطباع، ورث عنه بعض الاراضي تغنيه عن امتهان اي حرفة، وعلى سبيل الذكر،له واحة يرتزق منها رغم ضعف مردودها الضئيل
- الحمد لله الشيخ بعدا فوج عليك شويا. استطرد مبارك ليرفع من معنوياتها و بابتسامة غير مكتملة تختبئ من ورائها نفسية مكتئبة، استبدلت بها أسارير وجهها المتجهم ، وباقتناع منها بالمكتوب الذي لا تتمناه وتقبلته ظاهريا، جسدت ذلك في تعقيبها
: ييه الله اجازيه او لاش يصلح الشيخ ايلا مايفرح صحاب الدوار
تأثر مبارك بما تعانيه من مرارة اهمال ابنها ونسيانه ،ولتهدئة روعها من لوعتها أمر قائلا:
- : دخلي الدار الله يهنيك.خصك شي حاجة هاني موجود ما بقاش تخممي دابا تشوفي خبار علي.
مي هنية : الله يرضا عليك اوليدي .
عادت عائشة فوجدتها امام الباب تنتظرها ،فاعتذرت عن تأخرارغمت عليه جراء تساؤلات البقال التي لا تنتهي، وحشريته لمعرفة كل ما ليس من شأنه .
مي هنية: من قبيلة كنتسناك فين كنتي.
أخرها سالم صاحب محل مجاور منعزل عن محلات السوق كان يسال عن احوال ابيها وكثرة استفسارات لا جدوى منها ليست الا فضولا وسمت عادة الرجل .
مي هنية هداك فيه غير تبركيك مزيان نشم ريحة الهواء شويا ونفوج على راسي . .
عايشة : واقيلا باقي كتفكري في علي اجي ندخلوا .
بالاضافة الى سالم ومحله المنعزل عن بقية حوانيت الدوار التي أقفلت كلها بسبب الافلاس ،هناك عمر بقال آخر في السوق لا زال يستميت كي لا يلقى محله نفس المصير .
اتكات مي هنية على عكازها للوقوف وقالت لعائشة التي ساعدتها :
لا باس بعدا الشيخ سمع خباروا .
استطردت الأخيرة. : ايوا لاباس بعدا غا تنعسي مرتاحة ما تبقايش تخممي .
ا
شعرت عائشة بنوع من الارتياح تجاه المرأة، فربما ستنام اليوم ملأ جفنيها خلافا عن الليالي الماضية اذ لم تنعم بالراحة الا لماما ، وما زا د من قلقها على المرأة و نظرا لمشاركتها نفس السرير ، ديمومة ايجادها ساهرة تفكر في غشوة الغسق عندما تستيقظ من غفوة ما جراء حسيس تحركها ، ناهيك عن الأيام الأخرى، والحمدلله هذه الليلة ستنام المرأة قريرة العين حسب ما تتمناه .
اوشكتا على الد خول لكن سي الطيب الخماس العجوز استراث اندلاقهن الى البيت، لما مر بالجوار يتجه الى الواحة ممتطيا حماره، وكمن يبكي على الأطلال ، أطرق يسلي بشجوه.
ما بقات البلاد تشد ماليها ما فيها ما يفرح
، هجروها ولادها ما وقروها ماقادين على الصبر فيها.
البراري جفات لا ماء لا غلات الغيث الغيث القلوب ترجات
الشجر في شبابها دبلت والزهورحايلة للفتات
الأرض بالسهض قحلات لا مطار تجود وتسقي المرجات
سمعت الباكي صامت في العين الدموع ركدات
غير كثرة اللغا ولا افعال ترضي الهلفات
الهمة راحت وتنزعات والناس غير هات هات
- ايه ياسي الطيب فاتك الفوت . علقت عائشة
- مسكين ما بقاو صحاب الهمة بحالوا .تقاضى جهده.
اوصدن الباب والأسف على حاله يشوب كل واحدة منهما ، لكن مي هنية ليست احسن حالا منه، فهي بدورها تشاركه ما يهيض نفسه، بيد أن لها عائشة التي تحنو عليها ،اذ يستكين القلب الى قرينه ويشاركه همومه ويحنو عليه ،يفضيان الى بعضهما لتنجلي الغمة في عتمة الظلمة وتركن الجفون الى سكون الكرى ، لتهتدي الاحلام الى منشدها وتكون البلسم والسلوى للقلب المكلوم ..
سي الطيب كما ينادونه في الدوار رجل عجوز ومؤذن الدوار ، عمره ناصف الستينات ، لا يألي جهدا في تأكيد أهميته، يحثه على ذلك كبر سنه الذي لا يريد أن يقر به، رغم شيخوخته لا زالت حنجرته تصدح بحسن أداء وسحر صوت يتقن به الآدان ،
دأب على ذلك مند عشرين سنة ، خماس متمكن له ولد يقوم عنه بأعبائها، بيد أنه لا يريد ان يظهر على انه عاجز ،ما زال يرافق المعول يورد الماء الى الجداول المزروعة ويسقيها بنفسه في بعض الأحيان.
مر بوبكر وضيفه الحاج الحسن أمام منزل جارته ،و أسهب يخبرعنها .واحوالها التي ربما ستضطرها لبيع أ رضها مثل الأ راضي التي يعتزم الاخير شرائها،
ولتحمسه الشديد واصراره على حيازة كل اراضي البلدة ، كلف بوبكر ان يتوسط له عند اصحابها ليسهل له عملية الشراء ولو بثمن زهيد .والآخر بدوره لم يتوانى في أن يميع ياغرائه ، يوهمه ببساطة الأمر
نظرا للحاجة الملحة التي تقتضي أن لا يفوت احد فرصة تدر عليه ولو دخلا يسيرا.
- أرضها كثيرة فالدوار خلاها ليها راجلها قبل ما يموت . استطرد الأخير ليأ كد للرجل حسن الانطباع.
أسال كلامه لعاب صاحبه ،و أيقن أن مراده سيتحقق و أراضي المنطقة ستكون من نصيه، وبها سيتسنى له الحصول على القرض الذي يطمح ا ليه، ليستتمره في مشاريع تدر عليه الملايين واراضي الدوارهي السبيل والضمان الوحيد نحو تحقيق هدفه .
-خصك تشوفها او غير بالسياسة حتى ترطاب.
أومأ بوبكر برأسه يردعليه بسبابته مستدلا على ما وعده ، وبتقليب كفه الايسر، يلتمس منه امهالا يستوجبه الامر حتى تسنح الفرصة بدون تسرع.
رحب به في بيته و بعد ان قاده الى غرفة الضيوف، عاد ادراجه عند زوجته التي اعدت له شايا كان قد طلبه قبل أن يأتي بالرجل الى البيت.. قدمت له الأخيرة صينية أعدتها مع بعض الحلوى في انتظار الغداء الذي دعي اليه .
- هاد شي لي كا دير غا يقلب عليك أهل الدور. قالت له محذرة عندما أبسط كوعيه لأخد الصينية ::
- ديها فراسك ما تسولي على لي ما عرفتيه .طلقي الصينية .
- ايوا ها انا ها انت.
ثم أخذت تحدق به حتى توارى عن نظرها. استهولت ما ينويه ، تدعوا الله ان لا تنقلب عليه فعلته ، وتدفع هي الاخرى الثمن . معذورة في تخوفها مما يقوم به ، لها كل الحق في ان تخشى عليه، انه زوجها ولن تستثنى من تحمل وزر ما قد يستجد في حياتهما. فلا ضير اذا نبهته. مع أن لا حيلة لها لمنعه، ان عزم على شيء.
اخذا يحتسيان الشاي وكل مرة يدفع الى الحاج بالحلوى يحثه على تذوق المزيد لا شك انه في قرارة نفسه سعيد وان أظهرجد ية القانع المتواضع ،لا يطلب منه أي مسبق فوق الحساب كسلفة، او حسنة يستحوذ عليها ثمنا لجهده الذي تلزمه المصاريف كما ينص عليه عرف الوسطاء والسماسرة،
وما يمنعه من ذلك خشيته أن تضيع الفرصة التي اتت اليه بالمجان، عليه ان يتريث حتى ينال رضى الرجل
وبالأخص في ظروفه المزرية هذه ، وتواضع دخله اليومي الشبه المعدوم في حرفة الخرازة التي يمتهنها.
بالرغم من انه الوحيد في الدوار ولا منافس له، فانها لا تد رعليه ما يسد به رمق المتطلبات اليومية في بعض الاحيان يضطر للاشتغا ل بالبناء . اضافة الى زوجته التي تسعى هنا وهناك كغسل ثياب أسرة ميسورة و مساعدة الجيران في بعض الاعتيادات اليومية او العمل في بعض الواحات التي تصيب منها اليسير من الخضر مع احسان بعض من تساعدهم. .
فكت لفة الصمت التي تطفلت عليهما واخرستهما، عندما ببادربوبكر كأن السكوت لا يلزمه :
- على الله ما تطلب شي ثمن غالي على ارضها.
- شحال من متروا فيها .
- خمسمائة في الطول وثلاثمائة في العرض تقريبا .
- نزيد هديك الارض على ديال جيرانها نشوفوا مازال لي قريب ليهم .
طمأنه : غير تهنى أ سي الحاج كلشي غادي يبيع ليك .
- : ايوا بين ليا حنت ايديك دابا نخليك عندي شي شغل .
- انا خايف تخرج وتسولني عليك شكون نتا نتمنى ما تخرج و تشوفك .
اعقب يبدي تخوفه من جارته ،لم يشأ ان تعلم قبل الأوان ، مخافة ان يفشل فيما يخطط له ، لأنها فرصة عمره ولا يحب التفريط فيها ،والمرأة كما هي معروفة في البلدة فلسانها أفصح منها ، وان كانت تبدو في مظهرها وملامحها الانثوية الرقيقة بحسن معاملتها مع الناس وحنا نها الفياض امرأة مسالمة لا تلوي على شئ ، واضافة الى احترام الجميع لها في الدوار ، فانها لن تدخر جهدا في حشد الناس ضده، ولتفادي ذلك فعليه ان يحترس حتى يعرف من معه قبل أن يفصح عما يدبره ، وقد سألته ذات يوم عن الرجل الذي اتى الى البلدة يريد ان يشتري الأراضي ،فأنكر معرفته بالأمر، يظن انه قد أبعد ما يوسوس في نفسها، لكنها لم تصدقه ، وهي تعرف انه التزم الحذر لاتقاء تعنيفها، بيد أنه عزم على مواجهها،و لو لزم الامر، فانه سيميط عنه رداءالاستحياء ولن يدع لها فرصة لايقاف ما صمم عليه
ابتعد الحاج عن مرأى عينيها، وصادف وقوف صاحبه امام بيته ايماءة من باب بيتها ، وهي ترمق الأول الذي ابتعد بنظرات مريبة، ولما التفتت اليه تحاشى نظرها وأوصد با ب بيته هاربا ،
فيما عادت للداخل تشكو وتبد ي للفتاة تخوفها بأن يغفل الفتى عن أرض ابيه.
- خلاص امي هنيةالأرض ما غادي تهرب حتى يدير لاباس يصوب ليها رسومها.
- علاه غادي يخليوه عطى الله الطماعة لي ما يعرفوا الله ولا عبدوا . .
استفسرت الفتاة عن صحة خبر قدوم أحدهم للبلدة بغية شراء اراضيها. ربما ليتأكد ارتيابها من جارها المتواطئ. أكدت لها الأخرى صدق حد سها عندما سمعت ببعض الاخبار من احدى النساء ، بيد انها خيرتها بين البيع أو عدمه لان ذلك يخص أر ضها ،ولا أحد سيفرض عليها ما لا تريد. وعلى ما يبدو فان المراة لم تطمئن بعد .
- لابد يدير شي حيلة او يد يها فا بور ،غاندير ليها لوتاد باش ما يزاحمني حتى واحد من جيراني..
- وقت ما بغيتي راني نعاونك. .
لم تشأ مي هنية أن تشغل الفتاة بمشاكلها وبما يشبه الاعتذار لاستغنائها عن عرضها، اقترحت عليها أن تكتفي بما تقدمه لها من مواساة وملأ فراغ ابنها دون ان تثقل عليها .
لكن الفتاة ألحت عليها بضرور ة مساعدتها :
-انت بحال مي انت لي كبرتيني عمري ما ننسى خيرك ولا بد نعاونك .
- .الله يرضى عليك ابنيتي يا عمارة الخير غادي نشهد عليها الشيخ والناس دلقبيلة .
فبذلك لن يجرأ أحد على الاقتراب من ارضها . كما قالت الفتاة .
نبهت مي هنية: شي نهار غايجي القوا روسهم خدامين عند البراني فبلادهم..
- :الناس مساكن ما فحالهم حتى وا حد ما كره ايخدم ارضوامصاب الدولة تعاونهم ويتكاتفوابينا تهم.
هي على حق عندما اقترحت بالتلميح بأن على كل واحد أن يشد أزراخيه ويشهد لصالحه ويثبت كل منهم اهليته لارضه بالعمل اذ لن يتجاسر أحد ويطمع في الدوار.
مي هنية:الدولة ابنيتي قادا بشغلها الناس خصهم ايخدموا او يديروا ليد فليد باش افرحوا الدولة او تعاونهم .
اهل وقت سفر مبارك مزمعا على اخبار مي هنية بالامر، رحبت به و أمام الباب، تدعوه للد خول ورشف كاس شاي، لكنه اعرض بدافع الوقت الذ ي لم يسمح له بالتأخر .
هرولت المرأة الى داخل البيت واتت برسالة وصرة مليئة بالتمر تنوي ارسالها لابنها.
اطرقت ترغي لما يصيخ اليه سمع مبارك الذي أرم ينصت الى ما تفضي به من اشجان كينونتها وأهاجيس تقد مضجعها،
تستعيب على ابنها اهماله وتغافله في حقها ، تستحث فيه الجهد، لينصح صديقه بعدم تفريطه في امه ، فيما الآخر يجيبها بايماءات راسه علامة على تأييد كلما نبست به.
اعقبت في الاخير كمن تراجع عن امر لن يجدي نفعا .
- قول ل له يا وليدي راه مك راضية عليك ويرد بالوا راه المدينة واعرة وصيه مزيان.
- تهناي علي راجل. ما تخافي عليه الله يعاونك .
طريق السلامة يا وليدي. ردت عليه بعد ان قبل يدها وهي تدعو له بالتوفيق في سفره ثم اوصدت باب البيت عليها .
- هاني غا نمشي نشوفهم راهم جالسين بوحدهم فالبلاصة لي تافقنا عليها،عندك تخرج هدي وتسولك.
تنبيه بوبكر لصديقه لا بد منه لئلا يفضحه وينكشف للمرأة ما ينويه قبل الأوان .
ابتعد الحاج عن مرمى نظرمي هنية عملا بنصيحته ، فقد تباغته بخروج مفاجئ من بيتها وتلزمه اجابة قد لا تروقه الاجابة عنها ، اخد يجول بعيدا وعيناه لا تغفلان عن مسرى بوبكر. انبرى يجول بنظره، يحدث نفسه و بخطوات متئدة.
-: هاد البلاد زينة بهواها ما فيها لاتلوث ولا ريحة تخنق، الله يهدي هاد المراة العاصية تبيع لي، ولكن الدرهم كايغوي النفوس الهافتة والقلوب الهايمة ، الفلوس اسحر من السحر.
وبعد برهة من الانتظار ،وما ان رأى عودة سمساره ناحيا في اتجاهه حتى أحيل كالمتلهف السابر لغور ما اتى به ،
- : ايه أش قالوا.
- ضمنت ثلاثة باقين جوج ، زيد عليهم امي هنية ولكن خصنا نشوفوا الشيخ او المقدم والوالي ديال
الاراضي.
- هدوك ما يهموا خصنا غير اقبلوا اما الشيخ او المقدم عندي ليهم الحل.
بوبكر : الوالي ديال الأراضي راه صعيب شويا محال اسني ليك.
الحاج : لابد يوافق غير سير شوف هاد المرا .
احس بانه سينكشف امره امام المرأة التي لم تكن بعد على علم بما يحبكه،و قد تستغرب أو تفاجأ وبالاخص من جارها، لن يجول في خاطرها انه سيأتي يوم ويحاول استغلالها .
شعر بانه امام امتحان قد لا يعرف نتيجته مع جارته المسكينة .عليه ان يتأبط المناعة كي لا يرضخ لنصائحها. وتضيع منه تلك الفرصة حسب ما يخاله مع نفسه . لكن الامر في نظره يستحق المجازفة بعلاقته مع جارته . بعد أن ضمن بعض المؤيدين لفكرته.
خرجت المرأة بعد أن سمعت طرقا على الباب.
:-صباح الخير امي هنية كيبقيتي اوخبار علي لا باس عليه.
- لهلا يوريك باس سمعنا شي خبار عليه.
كان ينظر اليها بخلسة وهو يقاوم تلعثم لسانه ، ونظراتها تكاشف خباه تحدق فيه ملئ مقلتيها، كأنها تقرأافكاره وتنتظر انباس شفتيه بما سيصدر عنه، انعقد لسانه لا يلوي على شيء حتى يفكر بما سيتفوه، وبعد تردد تضاعت مدته ،عسى ان تقتنع المراة بما سيخبرها قال .
- جبت شي خبار فيهم لخير ليك لدوار كا مل .
-قل الله يسمعنا خير.
تجأش مردفا : واحد السيد جا بغا يشري كل الفدادن لي عند الناس اوغادي تشدي كثر منهم.
لم تفاجأ بما سمعت اذ كانت تتوقعه ولا مجال حتى للاستفسار تسمرت عيناها، كأنها تهيء ردا كالسهم. - - ماعندي لي بغيتي او ديها فشغلك بلا ما تد خل البلاء لدوارخلي الناس في حالهم. .
- ما ناوي غير الخير بغيت نهني الناس من تمارا .
ازداد انفعالها الذي عكسه تعقيبها :
- اسيدي لي بغا الخير اديروا غير فراسوا او يبعد على ديال الناس.
اراد ان تفصح له بصراحة مدعيا عدم فهمه :
اش كتقصدي امي هنية.
فهمت استغباءه الظاهر وارادت ان ترد عن ادعائه السذاجة،
: -قصدي عارفوا او المعنى فاهموا او طريق الهنا غير ايلا بغيتي تتلفوا ،الله يهنيك سير د يها فراسك.
ثم اوصدت الباب في وجهه وهو ينظر اليها بحنق كالمصعوق ببغتة، جاحظ العينين من سوء تصرفها وعدم اتاحة الفرصة له حتى ليرد ، عاد ادراجه الى حيث الحاج ،فخطا الأخير نحوه، وقد كان مختبئا ينتظر بما ستجيبه.
- اش قالت ليك.
- هاد المرا صعيبة شويا غير الكلام ديالها واعر خليها ايلا ما بغات غادي تبقى بوحدها..
- اشنوا المعمول كل شي غنضربوه فزيروا لا بد نسيفطوا ليها شي واحد آخر..
- كاين واحد غا نصيفتوا ليها ونتمنى عا الله يقبل غير تهنا
لم يتأكد من قوله وان ادلى به للحاج فلخشيته ان يتراجع عما اتى من أجله، وتضيع منه امنيته التي لا يجب التناول عنها ،لأن المقصود يعرفه تمام المعرفة، وعلى يقين بأنه لن يستجيب لطلبه ،
وانما ليما طل صاحبه هذا ويقنعه بكلامه. لئلا يضجر ويفل عنه. يريد ان يلمح له بأن المرأة لن تتشبث بمناعتها وستضطر للرضوخ له في الأخير.
الحاج : لو صيفتنا الشيخ غا يدير شي .
- لا الشيخ ما يدير والوا ولا المقدم هداك لي بغيت هو لي غا يخليها تبيع غا نشوف مع امتاك
- ما عرفت واش يبغي ولكن حتى هو قاصح شويا.
الحاج : وقيلا لابد من شويا دلمرقة بنينة .
بوبكر : بلا ما تعيي راسك دا ك شي ما ينفع وخا مزيان، نزيد عليه، واحد غا نشوفوه الى ما بغات هو يخليها تبيع.
الحاج : انا خايف غير هدوك لو شافوها ما باعت لينا يرجعوا فكلامهم .
بوبكر : الفلوس كا يديروا العجب بلا ما يعرفوا اش بيننا او بينها .
عرف كيف يقنع الرجل الذي أبدى نوعا من التراجع ، وان أبدى بعض الكرم تجاه تلك المرأة العاصية ،لكن الأخير بد ل ان يجاريه في تخوفه، حفزه بما سيسبغه من خير عليها فلربما سيغريها، واطرق يشجعه بأن النقود تفعل المستحيل ويصعب مقاومتها. ولكن مع تلك لا بد أن يفعل ما بجهده حتى تستسلم ليبعد ما قد يفقد امله في شراء الاراضي .
- نعطيوها شي ثمن مزيان اخليها تبيع ،ولكن لي كا نعرف ما عندها حتى وراق الثبوت .
اهتدى الحاج اخيرا الى ما يظنه الآخر بأنه المخرج الوحيد والذي سيمكنه من الضغط عليها للخنوع، فاطمئن بعد ان انتابه التحسر من جدوى قدومه اصلا لهذه القرية..
-ها نتا بديتي كا تفهمني يا ألحاج غير ما يشهدوا ليها الناس، انا نضمن ليك تبيع او يد يها فوق راسها . برده هذا أكد ما فكر به الآخر والسبيل الى تحقيق مأربه. .
- لله يهد يها اولا غا تخسر لينا كل ما عملناه.
بوبكر : دخل يا الحاج او تهنا كل مشكل عندو الحل بالعقل والحيلة.
ولجا للبيت بعد انجلاء ما يكدر الحاج، وقد ازداد اعتقاده بأن المرام على وشك المنال بفضل بوبكر الذي استيقن به . ووجده أهلا لتلك المهمة، خاصة بعد ان تمكن من اقناع اربعة من اهل الدوار بجدوى بيع اراضيهم البورية التي لا تنفعهم في شي..
عادت مي هنية ومعها عا ئشة الى البيت فاردفت الأولى
- : الحمد الله دابا علمنا ارضنا ما كاين فين ادخلوا ليها ولو غير بشبر خص كل واحد واحد يعرف ارضوا وما يتعدا على جاروا.
اندلفن الى البيت بعد أن قضين نصف اليوم في رسم حدود الأرض من كل جهاته، ليعرفه او يرتدع عنه كل من سولت له نفسه أن يترامى على اي شبر منه ،لم تغفل مي هنية على اشهاد بعض من جاوروها ثم الشيخ الذي أعلمته بالأمر، ازاحت عنها شيئا مما يشغلها وان كان غير ذا اهمية قياسا مع انقطا ع خبر ابنها . على الأقل ستنام الليلة وهي على امل في أن تسمع غدا ما يسر قلبها..
دقات الباب اعادتها الى واقعها ،استغربت من يا ترى سيطرق الباب في هذه العصرية.
لم يستسلم بعد ، قرر مرة أخرى أن يعود لاغرائها بما يعرضه الحاج.
لما أطلت من الباب وجدته: مالك ياك لا باس.يا بوبكر
- بغيت ندوي معاك بالمعقول سمعيني اش غا نقول، او ما نبزز عليك انتي جارتي ما بغيت ليك غير الخيروراه الحاج تاجر كبير غا يتهلا فيك..
- باقي ما بغيتي تدخل سوق راسك، قول لهذاك لي سيفطك راه ما يلقا عندي باش انقي سنانوا .
- لعني شيطان يا هاد المرا راه المثل كا يقول الطير لي في اليد حسن من عشرين ما فيهش .
- سمع ابوبكر هاد الكلام لي ساير تهرطق بيه ما ينفع معايا راه غيركا تضيع فالوقت .
- :سمعي راه لي ما رضى بخبزة يرضى بنصها فكري مزيان فهاد لكلام لي قلت .
- سير الله يخليك ما شي نتا لي غا توري لي او ما تسنى مني لي بغيتي.
انزوت الى داخل بيتها والباب يندفع للايصاد تاركة اياه يملأ الجوار جيئة وذهابا.
اخذ يفكر عن مخرج مع تلك المرأة المزواة العاصية ، فقد أحس بميوقه وأود مسعاه ، كالموج الأهوج الذي يصطدم بالصخور قصد تكسيرها، لكنه يصير اشلاء حين الارتطام بها لشدة صلابتها . هذه المرأه لن ينفع معها اي شيء سوى التهديد .ولكن كيف سيهددها؟ والناس يعرفون ارضها ،فلا احد سيتجرأ لقول شيء قد يسيء اليها بفضل سمعتها الطيبة بالقرية ..
ظل يفكر عن مخرج قد يودي به الى حل وسط ،يرضي اهل البلدة ويحوز تفهمهم لما يقوم به من اجلهم، مع أن الأحرى والأولى باظهار حسن النية هو صاحبه ، لمساعدة البلدة التي تعاني من الجفاف منذ اعوام ويعينهم لقلة حيلتهم ورزوحهم في الفقر المدقع .لا شك انهم عندما يلمسون تعاونه سيشكرون له صنيعه ، لانه سيحيل القرية الى جنة خضراء وتصلح الاراضي البورية وتحفر الآبار وتدخل التقنية العصرية اليها كما يدعي. ربما عندما تعرف مي هنية بذلك ستنكسر ممانعتها وتستكين لما يريد .
استوحى من راسه تلك الفكرة نظرا لحاجة اصحابه الملحة و الذين وعدوه بالبيع، والشهادة ضدها عندما يغريهم بالنقود، انها السحر الذي يحول الجبل الى سهل،. فعندما يفصح لهم لن يرفضوا والأمر يستحق المحاولة.
وجده الشيخ حين قصده لمنزل مي هنية لأمر في غاية الأهمية لما يدل عليه قدومه الغير المعتاد الى المكان، وحسب ما يستشف من مجيئه المتعجل، لما رآه اغتنم الفرصة، انه الشيخ ولا بد ان يحاول معه لعله يستجيب لطلبه وان استبعده لمعرفته الجيدة بالرجل ولكن لا ضير من ذلك.
بوبكر-أش خبارك يالشيخ .
- لا باس واش مي هنية فا لدار .
- يلاه دخلت راسها قاصح .
اضاف بعد ان جذ ب الشيخ بعيدا:
- علاش يا الشيخ ما تقنعها اوتبيع لينا اش كتسنى فديك الارض لي ما تساوي والو .
-خليني بعيد الله يخليك او ما تحرجني هداك شي ما شي شغلي .حتى نجتمعوا نشوفوا .
- هدي فرصة خصها ما تضيع من ايديك راه كا تجي غير مرا .
- خليني ابوبكر بعيد واخا تجي عشرا دلمرات ما نهز تقليد حد سير د خل لدارك او ديها فراسك..
كان قد اقتراح ان يجتمع الناس بعد ان طلب منه بعض اهل الدوار، وذلك ليتفق الناس على موقف واحد، لأن عرض الحاج الحسن أثار شريهة بعض المحتاجين اعتقادا منهم انه الحل الافضل لحالهم الهاجع في أتون البؤس.
كان رد الشيخ عليه مكدرا لصفوة مزاجه وما فكر فيه من تدبير للضغط على مي هنية ، وهو ما لم يكن في حسبانه، فالشيخ الحسين كما هو معروف بوسطيته وموقفه اللامتحيز الذي يتسم به لن يقبل ان يجاريه او يلمح حتى بما يدل على انه يؤيد ه ، لأن الأخير يعرف تمام المعرفة بأن بوبكر منساق وراء جشعه جراء عوزه الذي اعماه عن الحقيقية وواجبه تجاه الدوار وأهله .
ومع انه لم يطلب منه لزاما بأن يكف عما يخطط له لبيع اراضي البلدة ، الا انه ألمح له الى ذلك وحذره من ان ينقلب عليه صنيعه .
لكن أليس هو المسؤوال الاول عن الدوار ؟ اليس حريا به ان يمنع الرجل؟ باستطاعته أن ويكتفي بطرد االحاج الحسن من البلدة ، لأنه الملم بكل صغيرة وكبيرة ، وعلى دراية تامة بأحوال الناس الذين يعانون من شظف العيش . بيد أن مرد موقفه ذاك أنه لا يريد ان يكون سدا منيعا امام احتياجات الناس وتطلعاتهم حسب ما يعتقدون ، لكل واحد أرضه وفي امس الحاجة الى ما يغير حياته ، ولو بمشروع صغير يعيل بها اسرته ، والحاجة الملحة الى دخل قار تعيش منه. مبدأه نابع عن قناعته بمدى أهمية اعطاء الفرصة لكل واحد ، ليميز الصواب من الخطأ.
و له الحق في أن يقرر مصير ارضه بنفسه، ليبقى هو على الحياد تجنبا لأي اتهام بالانحياز.
اطلت من الباب بتأفف وانفعال، معتقدة بعودة بوبكرالذي لا يريد ان يكف عن محاولات اقناعها ، أوشكت ان تتهجم عليه،لكنها جحظت ملئ عينيها، لما رأت الشيخ الذي تقطبت حروف محياه . فتداركت نفسها لتخفي انزعاجها:
- اش خبارك يا الشيخ الله يجعل من قدامك مفتاح البشر.
لكنه أصر على معرفة سبب وجومها. :
-مالك امي هنية غضبانة ياك ما كاين باس. .
- يا لاه لقيتيني تصادعت مع هاد الجار الخبيث .
-هداك غا يلقاها من صحاب الدوار ديك تدلالت ديالوا غتقلب عليه.
. واضاف: راه جبت ليك هاد البرا سيفطها ولدك علي مع مندا فيها شويا دلفلوس .
لما سمعت الخبر بشت اسارير وجهها بعد أن وجمت، وسرت بعد ان غمت ،منسدمة الضمير عن سوء ما كانت تظنه في ابنها ،فأخباره وصلت اخيرا ، لأنه ولد بار، وطفقت تفضي لنفسها ، اليست هي أمه ؟ اليست هي التي ربته ؟ وغرست فيه الخلق الحسن ومعنى الحياة الكريمة ، الاحرى بها ان تعذره، ربما نسي لظروف ما فرضت عليه.
انزاح ما يحز في قلبها ويوكس بالها ، وهي الآن آمنة مطمئنة ، وعلى يقين ببر ابنها. عليها أن تجود برضاها والدعوات له بالتوفيق في مسعاه. .
أخذت الرسالة والشيخ ينظر اليها باشفاق، لا شك انه احس بما كابدته من حزن وأرق على ابنها،لما اردف قائلا
- : الحمد لله خبار ولدك وصلوك.
-ييه الله يفاجي عليك ، خبار ولدي شفتها خايفة نموت قبل ما نشوفوا.
-دابا تشوفيه وتفرحي به.
- لكن هاد المانضا ما يمكن تجيبها انت.
الشيخ :لا بد من سنية ديالك غدا غا نمشي معاك تجيبيهم.
- الله يستر عليك يا عمارة الدوار .
عقبت على عرضه تشكره، لأنه لا سبيل الى أخذ النقود الا بمساعدته، فهي لا تعرف شيئا، وعليه ان يأخد بيدها، حتى أن الحاج ابراهيم غير موجود او الفقيه مثلا، وهم الثلاثة الذين يمكن ان تعتمد عليهم ، وتطمئن اليهم ..
وانصرف تاركا اياها تنظر الى الرسالة كأنها تبحث عن شيء ما بها ، ثم ولجت للداخل بعد ايصاد الباب، انبرت في تقليب وتداول الرسالة بين يديها متلهفة لمعرفة ما يوجد داخل الظرف الاصفر الداكن ،
نادت تستعجل عائشة التي انسلت من المطبخ متسائلة :
- اش داك شي ، واقيلا شي خبار زينة هذي .
-حمدت الله خبار علي وصلت شهرين هذي وانا كنتسناها قراي اشنوا فيها..
أخذت عائشة تقراالرسالة ومي هنية تد نو بوجهها تارة الى الورقة ، وأخرى تعود لتستقيم في جلستها عندما تثير تضايق الفتاة ، التي ترجوها بأن تدعها حتى تتمكن من فهم ما كتب، المرأة تتحرق شوقا وفضولا لمعرفة محتوى الرسالة تتلهف لأخبار ابنها حتى انها لم تطق صبرا .
- يا بنيتي هذي غير ورقة ماشي كتاب .
- صبري شويا راه الخط ما واضحش مزيان .
- قولي غير اشنو مكتوب فالأول .
ردت عائشة ونظرها في الرسالة :
- غير صبري غادي نشرح ليك كل شيء .
اعرضت بوجهها عن الفتاة وهي تزم شفتيها وتعبرعن استيائها ،وبعد برهة تنفست الصعداء، لما رأتها
ترفع نظرها عن الرسالة وقالت :
-كيبلغ ليك سلاموا ويسارت حوالوا، راه خدام كيتخلص مزيان .وسمحي ليه ملي تعطلت خباروا.
- قولي ليه راني مسامحة ليك او راضية عليك اوليدي الله اعاونك .
فتحت عائشة الرسالة ودنت اليها ونادت:
- قالت ليك راها مسامحة ليك والله اعاونك.
قولي ليه مزال ايجيب الفران راه الناس كلهم داروه، بقينا غير حنا ، عيينا من الدخان او ما تنسا يش شي ثلاجة او شويا د لماعن للدار .
اعادت عائشة الكرة وصا حت بعد أن فتحت الرسالة وبأعلى صوتها تقول ما تمليه عليها مي هنية كأنها
تحدثه وهي تجاريها في غفلتها ولما انتهت قالت :
صافي راه سمعني
- كيفاش عرفتي .
- وأنت كيفاش عرفتي غيسمعني .
ادركت غفلتها بانتسامة عريضة :
- استغفر الله الفرحة نسا تنا اوما بقينا عارفين راسنا من رجلينا جيبي ستيلو والورقة .
جلسن في غرفة علي ليتسنا للمراة املاء ما تود ارساله لابنها من الكلمات المؤنبة على تأخيره والدعوات له بالتوفيق. حتى اذا انتهين من كتابة كل ما لزم، سألت مي هنية :
- واه سلم علي غير انا بوحدي ما يمكنش .
عائشة بتردد خجول :انا داك شي لي لقيت.
- لابد يسلم عليك او ما بغيتيش تقوليها .عطيني الورقة ما تلفيها .
وأضافت: الله يهديه كان ديما كا يوصيني عليك قبل ما يمشي.
- خلاص امي هنية ما نساه غير كثرة الشغل لي عندو.
نظرت بتحملق في وجهها لتستشف ردة فعلها، وقدلاحت حمرة الخجل في ثنايا المحيا الجميل ، ففهمت باستنتاج لأمر أسرها وقالت:
- عندك الحق ابنيتي كثرة الشغل لي خلاه ينسى لما خصوش ينساه.
عائشة :الله اكون فعونوا.
- الله يسهل عليه اويجيب معاه الخير والخمير غادي نختار ليه شي عروسة في بالي فاعلة تاركة .
ودت عائشة ارضاء فضول يعتريها لم تعرف كنهه ، تريد أن تعرف ، والا فالفضول سيقتلها :
- او شكون هي.
- ماغادي تعرفي دابا حتى نشوف البنت واش بغاتوا .
واضا فت لمعرفة رأيها : او ما عرفت واش والديها غادي يقبلوا به.
تئط أحاسيسها استوحاشا لغيابه، ينمو شعور في دواخلها ،بيد انها لم يسبق ان أكنت له اية عاطفة حميمية اللهم بعض الود المتبادل ، بحكم العلاقة التي تربط عائلتها بأبيه ، وهو مجرد خماس ابن خماس عند أبيها. ربما الاحساس بالشفقة والعطف الذي تستوجبه الانسانية ، لم يسبق لهما أن تبادلا أي حديث حميم يمكن ان يدل على أي تقارب بينهما وبالأخص في السنوات الأخيرة ، ما عدا ايام الطفولة لما كانا يلازمان بعضهما حين الذهاب الى المدرسة أو العودة منها، لكن عندما تركا الدراسة وبدأت ايانيع الشباب تدب عليهما وانقضاء ايام الطفولة البريئة ، تغير الود الى احترام وبرودة محضة ، كانت هي الاولى التي تركت المدرسة الابتدائية بعد ان نالت الشهادة ، اما هو فقد واصل مساره حتى الثالثة من الاعدادي ، واضطر للخروج بعد وفاة ابيه وأخذ مكانه في الخماسة ، لم يعر اي انتباه اليها ربما لطبيعته الخجولة او الاحساس منه بالفارق ، حتى انه يستحيي ولو في النظر اليها ، نفس الشعور متبادل بينهما في تلك الآونة.
ما عدا بعض العطف الدي تتميز به وتبديه تجاهه ،اما الآن فهي لا تعرف معنى الاحساس الذي جد عليها بعد غيابه ، هل تحول ودها العذري الى عاطفة وشوق ؟ شيء ما ينمو في اغوارها لم تستبنه ، انها مثل مي هنية تحن اليه ، تحس بفراغ يشوب حياتها الرتيبة.
سؤال مي هنية الاخير واستفسارها فيه استدراج لمعرفة مشاعرها وهو ما اكتشفته لتوها ، و لاحظت وقع كلامها بتورد وجنتيها ، فاستدركت الاخرى بدورها لتخفي شعورها الذي افتضح قائلة
باقرار غير معلن.:
: ويلا بغات البنت ما عند والديها ما يديروا اوما عندهم الحق ارفضوا .
- أبنيتي الوالدين كا يبغيوا غير الراحة لأولادهم ايلا ما شافوه قاد على راسوا ما غاديش يتيقوا به.
- ايلا بغاتوا او فضلاتوا على غيروا ما يمكنش ليهم ارفضوه اويفرقوهم على بعضياتهم .
- ويلا البنت تخدعات فيه اوما تحس حتى تلقا راسها مع بنادم آخر ملي يتزوجوا ، اويتفرجوا،
كم من امراة انخدعت في زوجها ووجدت نفسها بين القبول بوضعها المهين أو الضياع في متا هة الحياة بسسب لقب المطلقة. الذي يدني من قيمتها.
- هذي ما كذبت فيها او شحال خايب عندنا الى تطلقات البنت هي لي كا تدي اللومة.
- الله يرضى عليك ابنيتي عارفاك رزينة تبارك الله عليك او سعدات لي تكوني من حظوا ..
- ولكن شكون البنت لي فبالك .
- او علاه كا تسولي.
اخفظت الفتاة رأسها بتهرب ويديها تعبثان بأزرار قفطانها وقالت باحتشام .:
-غير كا نسول او صافي واه بنادم ما يسول .
مي هنية : ما فيها باس أبنيتي عندك الحق تسولي.
ابتسمت لأن فضول الفتاة معناه انها تفكر في ابنها ،فاستفسرتها الاخيرة عما يثير ضحكها.
- دابا يمكن لي نتهنا املي نموت الأمنية ديالي غا تحقق قبل ما يمشي ولدي وصاني عليك .
- ولكن ما قال لي والوا .
- غير كا يحشم أبنيتي او كا تعرفي ناس الدوا ر كيديروا من حبة قبة .
لن تعير أي اهمية لثرثرة الناس ما دامت مقتنعة ، ولا أحد سيشاركها فهي الاحق بان تبدي رأيها برفضه او قبوله ، أكدت لها أن الاهم هو التوافق بين الشريكين وغض النظر عما سيصدر من المحيطين بهما،
أكان سلبيا أم ايجابيا. ولا حق لأحد حتى في التدخل . .
اثنت عليها ومدحت خصالها الخلقية ثم احتضنتها تقبل جبينها، وأتت لها بخاتم كانت ادخرته ربما حتى تحين لحظة الحاجة اليه .وقد آن أوانه على ما يبدو وهذه الفتاة هي التي تستحقه.
- ها كي هاد الخاتم شحال هو عندي هذا وقتوا باش ابان فيديك
أعرضت الفتاة عن اخذه معللة ذلك بأنه استعجال قبل الاوان.
- ما قلتي عيب حتى يجي نشا الله تعالي ندخلوا بحالنا تحكي لي او نحكي ليك.
يالك من امرأة تستغلين خجلها وطيبتها لتفرضي عليها ابنك ، حدثت نفسها ، كيف ستفسر لوالدالفتاة في حالة لو سألها ، لكنها تعتبرها كابنة لها وان لم تلدها، وما العيب لو كانت من نصيب ابنها. على كل فهذاما ستكشف عنه الأيام والأقدار. ليس من المنطق ان تقترن الفتاة بمن هو ليس في مستواها ، لكن على ما يبدو فالفتاة ليست من ذلك النوع، فهي بسيطة الطباع وغير متطلبة بديهية السلوك ، لكنها جميلة وابنة غني، اما ابنها فهوابن خماس عند ابيها ، يالك من انتهازية. سخرت من نفسها .عزمت أن تغامر بعلاقتها مع الحاج براهيم في سبيل ابنها، ومن اجل الفتاة التي لا تريد أن تفارقها ، ربما عندما يسمع لها سيعنفها أو يطردها ، مع العلم أنه انسان ودود يحب الخير للجميع هادئ الطباع لا يعير للكلفة اي اهتمام، ولكن ذلك لن يحول دون اثارة غضبه الراكد اذا ما حاولت ، لم يسبق لها أن رأته يتعصب لرأي أو يبدي تعنيفا لأحد مدة عيشها تحت كنفه ، لكن لا مفر من ذلك سترابط جأشها وتتقبل ما يصدر منه برحابة صدر ، وأن اقتضى الأمر ستتوسله.
عاد بو بكر لبيته ينتظره صاحبه الذي توسد قاعدا منثنيا في غرفة الضيوف ، ليشكو اليه سوء تصرف مي هنية معه .
- هاد المرا راسها قاصح وعاصي ..
شاركه الحاج تخوفه وابدى خشيته من دنو فشله وعدم جدوى تجشمه مشقة السفر الى الدوار، كما عاب عليه ميوقه وأ ود صنعه ، متوقعا الأسوأ جراء عدم تيقنه من عزم الناس بيع اراضيهم، فربما استدرجه
دون معرفة مسبقة باستعداد الناس للبيع.
استمهله بوبكر وأوجب عليه ان لا يستبق الامور وأفضى اليه بأوان خطته التي تبادرت الى ذهنه كان قد اقترحها، أكد له انها الوسيلة الوحيدة لارغام المرأة على البيع . :
- شويا راه صحابي غادي يجيوا حتى نضمنوهم بعدا، و نشوفوا مع هاد المرأ .ملي يجتمعوا ناس الدوار .
داع صيت الخبر بالدوار، وشاب نوع من التنافر بين اهله الذين توزعوا لفئتين، معارض بدعوى عدم التفريط في الأرض وادخال الغرباء الى القرية ،ومؤيد فقير الحالة، يتخذ ذلك عذره الملزم امام متطلبات الحياة البائشة ،يمني نفسه بما سيأخده في ثمن ارضه البورية التي لا تصلح لشيء، اضافة الى وعد الحاج الحسن باصلاح اراضي الدوار وادخال الفلاحة العصرية التي ستوفر لهم الشغل،
كل ذلك حدى بالشيخ الحسين أن يقرر ويحدد موعدا للجمع، قصد الاتفاق على موقف واحد ، كلف المنادي اي مؤذن الدوار ان يعلنه على الملأ والافصاح عن وقت أوانه ومكانه.
امعانا في اقناع صاحبه بعدم الاستسلام حتى يوم الاجتماع ، الذي سيكون فرصة لحيازة الموافقة العامةعلى البيع. استطاع بوبكر أن يعيد اليه بعض الامل، قرر الحاج ان يكتفي بأراضي الذين ضمنهم ، اذا تأود الوضع مع تلك المرأة ،وأصرت على اكداء امله في ان تكون طوع امره،ربما عندما ترى بأم عينيها ستنأى بموقفها وترضخ في الأخير..
استأدنه بوبكر ليتقصى عن سبب تأخر اصحابه ،و قد اظلهم موعد غداء لا يحتمل التأخير ،
لمحهم ينا حون في اتجاهه ، أخد يلوح لهم بيد يه ، يستعجلهم للاندلاق بسرعة الى بيته، مخافة ان تباغتهم مي هنية التي قد تفتح باب بيتها في اي لحظة وتحيل الامر الى استجواب.
وتسارعت الخطى حتى وصل الكل دون اية جلبة ، فدلف للمنزل كل من بريك وهو فلاح اسمر البشرة متزوج في منتصف الثلاثين من عمره ، لم تعد ألارض التي يفلحها في الواحة تدر يسيرما اعتاد عليه ، بعد رزأ الأحوال بسبب الجفاف ، ما عدا القليل النادر مما يبيعه من التمر اليانع المبكر ، الذي يقطف فوق النخلة قبل اكتماله ، اضافة الى نصيبه عندما تجنى الثمار في موسمها وتقسم على خمس كميات، الثلاثة والنصف لصاحب الواحة والخامسة له اما النصف الباقي فنصيب التعشير يمنح للمعوز الفقير كما دأب على ذلك اهل المنطقة منذ امد بعيد..
اما الثاني فاسمه بوضاض شاعر نظام يدعونه بهذا الاسم لأن له اصبعا سادسا يشير به عندما يتحدث، اسمه الحقيقي اهياض وهو أسمر البشرة في الأربعينات من عمره يتبع سبل الرزق ،لا حرفة له ما عدا ما يأخذه في المناسبات اجرا لنظمه الشعري، منتهز للفرص اينما تبادرت له..
الثالث الذي اسمه بهوش هاو للنظم الشعري لم يبلغ بعد مرتبة الاول ودرايته شبه مبتدئ الا انه يقارع قي بعض المناسبات . يكتسب اليسير من هوايته، عامل بناء وتاجر متموسم في اول الثلاثين من عمره على وشك الزواج. .
اما الرابع فيدعى يوسف حطاب لا تدر عليه حرفته ما يغنيه عن توسل فرص الرزق . عمره دخل الثلاثين يتمنى بيع ارضه بثمن يمكنه من اصلاح وضعه المعيشي. .
بعد تحية الحاج ومصافحته ثم مجاملته، انبرى بوبكر يسح الشاي في الكؤوس ،وبعد أن ناول لكل واحد كأسه. وفي غمرة اعتوارها بينهم والتنكه بمذاقها رشفة برشفة، تابع يقول
- بغيت نزيد على لي تافقنا ، ملي تشهدوا بلي الارض ماشي ديال مي هنية باش تسدوا أوغا تخسر لينا كل شيء.
بهوش :. ولكن راه كاينين جوج ما حاضرين خصهم ما يشهدوا ليها
بوبكر:لا هدوك تهنينا منهم حيث مسافرين فدادنهم حدى فدانها .
ثم اضاف : راه لحاج غادي يعطيكم فوق الثمن.
بوضاض :بحالها بحالنا علاش ما تبيع حتى هي .
بريك :لا ما نخليوها تخسر لينا وتحرمنا من رزقنا.
يوسف :انا لي درتوها انا معكم ..
بهوش: غير تهنا حنا غا نوقفوا ليها ما نخليو ليها ما تقول.
بوبكر: راه الحاج غادي يوفي لكم في الثمن ، ولكن تبقوا في كلمتكم راه بعد العصر غا يجتامع الدوار.
وبعد مدة من، كيف، وأين، وثرثرة فرضت اجابة الحاج عن تساؤلاتهم وتخيل ما وعد به من مشاريع للبلدة ، استأذنوا للخروج. لكن بوبكر نب الانتباه في اصدقائه.
- ردوا البال مزيان ملي تخرجوا..
خطوا خارجين من البيت ، ابصارهم تتبصص هنا وهناك، خشية أن يكشفهم احدا ما ويزعجهم بالسؤال والاستفسار.
أخذ الحاج يربت على كتفه معربا عن راضاه
--: تبارك الله عليك عرفتي كيفاش تقنعهم د ابا يمكن لينا نقولوا بأن الأرض مضمونة.
- خلا ص اسي لحاج علاه حنا دراري لي صعيبة عليك خليها ليا او ما تشوف غير لي يفرحك
- خايف من هدوك لي ما حاضرين ايرفضوا او يتقلبوا علينا أو زيدهم على هاد
المرأة لي ما بغات تبيع .
- غير تهنا ما يجيو حتى يلقوا جيرانهم كلهم باعوا او بزز منهم ابيعوا حتى يتافقوا الناس.
يأمل أن لا يفقد صاحبه الأمل يتحجج بأصحابه كمن ضمن و تيقن بأن يجاروه فيما يمليه عليهم ، يتمنى أن يتيسر له الأمر وينال ما يريد ويتغير وضعه في الدوار .
- يالاه راه الناس غا يتجمعوا عند الشيخ.
نبه بوبكر صاحبه الذي استيقظ من غفوة القيلولة. وقد حان وقت اجتماع أهل الدوار.
دخلوا الى صالة ضيوف مفروشة بالحصير و بعض الزرابي المبسطة فوقها .والوسائد الموزعة في انحاء الغرفة يستند عليها البعض فيما الآخرون مقرفصون وأباريد الشاي تهرق ما تحتويه في الكؤوس مع رائحة النعناع التي تلفح الأنوف بنكهتها . انبرى الشيخ يعد الحاضرين ليرى ما اذا اكتمل الجمع،
اذ يوجد في المقدمة سي الطيب العجوز الهرم ، ثم مقدم الدوار واسمه ازكور، ومعناه هو الاول، لانه بكرابيه، عينه الناس بعدما استقال سلفه الذي كبر في السن ولا يحتمل الجهد، ازكور بسيط الطباع يستاثر الصمت على الجدال منغلق شيئا ما، بيد انه مأمون السريرة ،يحترف مهنة البناء ،عمره اوشك على لاربعين. فالفقيه باها الذي يبلغ أواسط الاربعين من عمره تقلد امره مند سنين عندما توفي ابوه يعرف في الدوار بأنه محب الولائم اي (الزرادي)ويعشقها ايما عشق.لا يفرض رايه على احد ولو كان صحيحا. قليلا ما يسدي النصيحة ،ما عدا للصغار فقط ، وعذره في ذلك أن الكبير يعرف الاصح من الخطأ.
رحب يوبكر بصاحبه الحاج الحسن نيابة عن الحاضرين، فيما الكل اكتفى بابتسامة مجاملة له، كما يتواجد النظام امتاك امين الاراضي عمره اواسط الاربعين ،ثم اكيدر الذي يقارب عمره الخمسين ،وهما من السكان الاصليين بالبلدة ، لهما اراضي يملكونها بحججها، وقد حاول بوبكر عبثا بان يستدرجهما دون أن يوفق في ارضاخهما، وبالاضافة اليهما هناك الحاج براهيم له اراضي يمتلكها بالمستندات . وهو غائب لكثرة اسفاره. كما يوجد ايضا يحيى الذي له محل في القرية عمره اواخر الثلاثين ضعفت الحال الشرائية عنده وشابها نوع من الكساد بسبب كثرة استدان الناس لديه والحالة المعيشية المتدهورة في الدوار التي أدت به الى اغلاق المحل، له ارض بورية مثل اقرانه ينوي بيعها لكنه متردد ويطلب فيها ثمنا باهضا ، يعتزم بيعها للحاج الحسن اذا دفع مقابلا مقنعا ، كما حضر أيضا لفيف من عامة الدوار، فيهم من أخد عربون السبق عند الحاج. ومنهم من ينتظر نحب انتظاره ليحضى بحصته . ويتوسطهم كل من المقدم وشيخ الدوار الذي حث يويكر على الا ستعجال بدعوة مي هنية التي ربما نسيت موعد الاجتماع.
- لا مي هنية واعرة لسانها بحال السواط حسن سير دق عليها انت.