الإجراءات الإسرائيليـّة وردّة الفعل الفلسطينيـّة
ركاد حسن خليل
المتابع لمجريات الأحداث، وللتصريحات التي تصدر هنا وهناك من مسؤولي الكيان الصـّهيوني، يلحظ الفرق بين ما يعتمدون من سياسة وخطوات على الأرض لتحقيق وتنفيذ كل ما رسموا من مخططات تنال من الأرض والإنسان الفلسطيني، وبين ما نعتمده نحن من إجراءات وخطوات للوقوف في وجه هذه الهجمة الإسرائيلية الشرسة، لضرب الحلم الفلسطيني في إقامة كيانه الوطني وتحقيق مصيره وكينونته الإنسانيـّة، كباقي أهل الأرض.
الإسرائيليون، يسعون حثيثـًا على قدمٍ وساق لتهويد القدس، ولم تتوقف "سلطة تطوير القدس" و"سلطة الآثار الإسرائيلية"، عن العبث بالمعالم والآثار الإسلامية، بحجة التطوير والترميم. وتجري عمليات تجريف في مناطق متعددة على أجزاء طويلة من السور الشمالي، متزامنـًا مع عمليات تغيير في مناطق واسعة من السور في الجهة الغربية وأقصى الجهة الجنوبية الغربية لأسوار البلدة القديمة. وأقدمت هذه السلطات على تغيير معالم كثيرة من باب النــّبي داوود في الأشهر القليلة الماضية. ولا يزال هذا المخطط مستمرًّا ليطال باب الخليل وباب الساهرة وتغيير مسالك السير والمحيط المجاور لأبواب القدس.
وفي نفس الوقت، وعلى مدار الســّاعة تقوم بلديـّة القدس الصهيونيـّة بالإستيلاء، على عقارات ومباني للفلسطينيين، في البلدة القديمة، بحجة البناء الغير مرخـّص. ومن أبرز هذه العقارات تلك الواقعة في حارة الشرف، وأقصى غرب حي المغاربة، وبعض العقارات في أقصى شارع الواد، وأخرى قرب مسجد النبي داود ووقف آل الدّجاني في الموقع نفسه. وهناك مخطط جاهز يجري تنفيذه على الأرض لهدم مئات المنازل والعمارات السـّكنية، وتهجير الآلاف من السـّكان الفلسطينيين. بينما يقومون هم ببناء وحدات سكنيـّة، واستقدام آلاف اليهود للسكن هناك بإغراءات، وتسهيلات تقدّم للمستوطنين. فلا غرابة إذن، حين تسمع نتنياهو رئيس وزراء الكيان الغاصب يدعو سكان تل أبيب للذهاب إلى القدس والاستيطان فيها. ومن ضمن الإجراءات المتـّخذة تغيير أسماء الشـّوارع والأماكن من الأسماء العربيــّة إلى العبريــّة.
وفي باقي أراضي الضـّفة الغربيـّة، يتم قضم الأراضي الفلسطينيـّة، بحججٍ شتـّى، فإضافة لحجة البناء الغير مرخص، هناك أراضٍ تقتطع لبناء الطـّرق الإلتفافيـّة، أو لبناء الجدار العازل، وأراضٍ تعزل بحجة إقامة مناطق أمنيـّة أو بناء المستوطنات الجديدة.
كل هذه الإجراءات تتم، على مرأى ومسمع من العالم المتحضـّر الذي يطالبنا بالسـّعي نحو السّلام مع هذا الكيان الغاصب، ويتـّهموننا بالعنف والإرهاب إذا دافعنا عن أنفسنا، وقاومنا الإجراءات التي ينفّذها الإحتلال. بينما لا يطالب الكيان الإسرائيلي، بأي شيء. وها هو "ليبرمان"، يتحدّى حتـّى القرارات الأمميــّة ويقول، لا عودة لحدود 67، بينما يطالبنا "نتنياهو"، بالإعتراف بيهودية أرضنا، مقابل حكم ذاتي هزيل على أجزاءٍ متناثرة من الضـّفة وغزّة تكون كل مرافق الحياة فيها تحت رحمة هذا الكيان المتغطرس.
وعلى صعيدٍ آخر، اقترح حزب"إسرائيل بيتنا" الصـهيوني المتطرّف، والذي يقوده الإرهابي "افيغدور ليبرمان"، تشريعـًا جديدًا، جرى التـّصويت عليه، يطالب فلسطينيو 48 بقسم الولاء "للدّولة اليهوديـّة"، ويربط ليبرمان المواطنة بقسم الولاء لهذه الدّولة. أمــّا "اللجنة الإسرائيلية في الكنيست لشؤون سن القوانين" تطالب بسن قانون، يجري التـّصويت عليه قريبًا، يمنع إحياء ذكرى النــّكبة داخل الخط الأخضر، ومعاقبة المخالفين بالسجن لمدة أقلـّها ثلاث سنوات إذا أبدى أحدهم حزنـًا بهذه المناسبة، يترافق هذا مع دعوات من سياسيين إسرائيليين بترحيل العرب إلى أوطانٍ بديلة. وقد يتطوّر قانون الولاء هذا ليصل إلى حظر استخدام اللغة العربيــّة.
وهكذا نرى، أنّ الموقف الصهيوني يتطوّر نحو:
1- الأوّل تهويد القدس بالكامل وطمس كل المعالم العربيـّة والعمل على طرد العرب منها، والإستمرار باعتبارها العاصمة الأبديـّة لهذا الكيان الغاصب. والتشدد في أن لا تكون عرضة لأي مفاوضات تحدث مع الفلسطينيين.
2- الإستمرار في سياسة قضم الأراضي في الضـّفة الغربية بدواعي أمنيـّة، أو لبناء مستوطنات جديدة أو توسيع القائم منها، أو لإكمال بناء الجدار العازل. وهنا نفهم معنى تصريح "ليبرمان" بأن لا عودة لما قبل 1967.
3- الإستمرار بالضرب في عرض الحائط، بكل القرارات الدّوليـّة المختصـّة بالقضيـّة الفلسطينيـّة، وعلى رأس هذه القرارات، القرار 194، الذي ينصُّ على عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى أراضيهم، وتعويضهم. ويقول الإسرائيليون أنـّهم لن يقبلوا في أيِّ حالٍ من الأحوال بعودة اللاجئين إلى أراضيهم، ناهيك عن بحث قضيــّتهم في المفاوضات مع الفلسطينيين.
4- سياسة الترانسفير التي يلوّح بها الإسرائيليون بين الفينة والأخرى، هي سياسة يعمل الإسرائيليون على تكريسها لتصبح واقعـًا بشكل قوانين وتشريعات تطال كل فلسطيني لا يزال يتشبث في أرضه، وبفلسطينيـّته داخل الخطِّ الأخضر.
في المقابل، إذا ألقينا نظرة على الموقف الفلسطيني وأدواته لمقاومة كل الإجراءات الإسرائيلية الآنفة الذكر، ماذا نرى؟
نرى أنّ منظـّمة التـّحرير الفلسطينيــّة، الممثـّل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، والمعوّل عليها وطنيـًّا كحاضن لآمال الشعب الفلسطيني أصبحت هيكلاً مهلهلاً آيلاً للسقوط في أي لحظة ما لم تجرى عمليـّات التـّرميم والإنقاذ اللاّزمة، وشحذ كل وسائل المقاومة لاستدراك ما يمكن استدراكه في مواجهة غاصبٍ لئيم لم يَألُ جهدًا إلاً واتـّخذه للقضاء على كل حلمٍ فلسطيني في التـّحرير والعودة وتقرير المصير.
المسؤول عن هذا التـّرهـّل الذي طال مؤسـّسات المنظمة، جميع المنظـّمات الفلسطينيـّة على حد سواء، لا أبرِّئ أحد، وإن كانت مسؤولية حركة فتح عن هذا المآل يعتبر الأكبر كون الحركة لعبت دور الأم لكل الحركات الفلسطينيـّة المقاومة على مر العقود الماضية.
ولفتح، حكاية أخرى، وقد أصبحت كينونة الحركة بأسرها على شفا الانهيار والإنشقاق. المتابع لما يحدث داخل هذه الحركة من تجاذبات بين أصحاب الخط الإنهزامي الإستسلامي، الذين لا يؤمنون بنجاعة المقاومة المسلـّحة، ويعتقدون أنّ المفاوضات هي الحل الوحيد للوصول إلى سلام مع الكيان الغاصب. وأيّ سلام الذي ينشده هؤلاء، إنـّه الإستسلام، كيف لا وقد وضعوا كل بيضهم في السلــّة الأمريكيـّة حامية "إسرائيل" وراعية وجودها واستمراريـّة غطرستها. وآخرون لا يركنون للمفاوضات وسيلة لتحقيق آمال وطموحات شعبنا. وهؤلاء ضعاف تمّ تحجيمهم بيد من لديه سلطة المال وآمـَن للأمريكي مخلــّصًا، وخضع لرغبات ما يسمـّى بالمجتمع الدّولي. وبين هؤلاء وهؤلاء نجد المتملـّقون والمتسلـّقون والمتزلـّفون الذين يميلون حيث يميل المال، السـّاعون وراء المنصب والكرسي، وملءِ الجيوب.وإنّ الإدّعاء الذي يقول بأنّ الخلاف قائم بين الجيل القديم والجيل الجديد هو حرفٌ لحقيقة ما يجري داخل مؤسسات الحركة. وهذا هو المؤتمر الســّادس للحركة الذي لم يعقد منذ عقود قد أصبح في مهبٍّ تذروه الرّياح قد يعصف بفتح ويقســّمها إلى حركات، بعد أن كانت هي العاصفة وشعلة الكفاح المسلــّح. ولا أظن هذا الإنهيار لحركة فتح إن تم إلاّ مطلبـًا إسرائيليـًا يجني على أثره عشــّاق السلام ما يبقيهم فوق كراسيهم أسيادًا لهذا الشعب المقهور.
أمـّا المأساة الكبرى التي حصلت بعد سيطرة حماس على قطاع غزّة وأدّت، بانقساماتٍ حادّة بين أبناء شعبنا الفلسطيني، ما بين موالٍ لفتح ومُوالٍ لحماس. وقد أتى هذا الانقسام على مقدّرات شعبنا ومقوّمات صموده، وسقطنا في لجـّةِ بحرٍ من الشـّكوك، وأصبح النّاس العقلاء والمدركين لبواطن الأمور يتساءلون فيما إذا كانت كلتا الحركتين حماس وفتح، تعملان فعلاً لأجل دحر الاحتلال واستعادة الحق المسلوب، أم أنّ الأمر، الكرسي والسلطة، وهذا كلُّ همـِّهما. وها نحن نرى، وبعد جولاتٍ طويلة من الحوار المفروض على الحركتين للتـَّوافق وإعادة اللـُّحمة لشعبنا، أنّ الأمر لا يزال يراوح مكانه، ولا ضوء في الأفق يشير إلى قرب نهاية هذه المأساة. حتـّى وإن بدا ذلك الأمر قريبـًا فما أراه خلافـًا على السلطة والقيادة كهدفٍ للحركتين، لن يفضي اتفاقـًا بينهما على هذا الأمر إلى إعادة عجلة الثورة والمقاومة المسلـّحة على سكـّتها، فمن أراد السـّلطة سوف يُطلـّق البندقيـّة ثلاثـًا.
وإذا ما قارنـّا ما بين الإجراءات الإسرائيليـّة لتهويد الأرض وتشريد الشـَّعب، و بين المآلات التي أوصلنا إليها المتصارعون على كرسي السـّلطة، والحالة التي يرثى لها ويرزح تحت نيرها شعبنا الفلسطيني المكلوم، نعلم إلى أي مسارٍ نحن متـّجهون، وسوف نجد أنفسنا يومـًا في خبر كان.
من هنا فأنا أدعو شعبنا الفلسطيني العظيم، لأن يقف في وجه من يحطـّمون آماله، ويدمـّرون طموحاته في التـّحرر واستعادة الأرض. على شعبنا أن يقول كلمته، وأن يضع الأمور في نصابها، وأن لا يبقي من تسـَلـّقوا على نضالاته، ويعملون على مهادنة أعدائه.
عدوّنا ماضٍ فيما رسم، وما علينا إلاّ أن نعيق مخطـّطاته، ونعيد لحمتنا ومقاومتنا إلى أوجها، وأن نطرد من صفوفنا من يعمل على تصفيـّة القضيـّة الفلسطينيـّة على الطريقة الأمريكيّة، التي تحقق الرّغبات والغايات الإسرائيليـّة، حتـّى يعلم العالم، كلُّ العالم، أن لا صلح ولا استسلام ولا تنازل عن أرضنا مهما كلـّفنا ذلك من ثمن.
أنا على يقين أنّ شعبنا قادرٌ على تحقيق ذلك، مهما غلت التـّضحيات.
الإسرائيليون، يسعون حثيثـًا على قدمٍ وساق لتهويد القدس، ولم تتوقف "سلطة تطوير القدس" و"سلطة الآثار الإسرائيلية"، عن العبث بالمعالم والآثار الإسلامية، بحجة التطوير والترميم. وتجري عمليات تجريف في مناطق متعددة على أجزاء طويلة من السور الشمالي، متزامنـًا مع عمليات تغيير في مناطق واسعة من السور في الجهة الغربية وأقصى الجهة الجنوبية الغربية لأسوار البلدة القديمة. وأقدمت هذه السلطات على تغيير معالم كثيرة من باب النــّبي داوود في الأشهر القليلة الماضية. ولا يزال هذا المخطط مستمرًّا ليطال باب الخليل وباب الساهرة وتغيير مسالك السير والمحيط المجاور لأبواب القدس.
وفي نفس الوقت، وعلى مدار الســّاعة تقوم بلديـّة القدس الصهيونيـّة بالإستيلاء، على عقارات ومباني للفلسطينيين، في البلدة القديمة، بحجة البناء الغير مرخـّص. ومن أبرز هذه العقارات تلك الواقعة في حارة الشرف، وأقصى غرب حي المغاربة، وبعض العقارات في أقصى شارع الواد، وأخرى قرب مسجد النبي داود ووقف آل الدّجاني في الموقع نفسه. وهناك مخطط جاهز يجري تنفيذه على الأرض لهدم مئات المنازل والعمارات السـّكنية، وتهجير الآلاف من السـّكان الفلسطينيين. بينما يقومون هم ببناء وحدات سكنيـّة، واستقدام آلاف اليهود للسكن هناك بإغراءات، وتسهيلات تقدّم للمستوطنين. فلا غرابة إذن، حين تسمع نتنياهو رئيس وزراء الكيان الغاصب يدعو سكان تل أبيب للذهاب إلى القدس والاستيطان فيها. ومن ضمن الإجراءات المتـّخذة تغيير أسماء الشـّوارع والأماكن من الأسماء العربيــّة إلى العبريــّة.
وفي باقي أراضي الضـّفة الغربيـّة، يتم قضم الأراضي الفلسطينيـّة، بحججٍ شتـّى، فإضافة لحجة البناء الغير مرخص، هناك أراضٍ تقتطع لبناء الطـّرق الإلتفافيـّة، أو لبناء الجدار العازل، وأراضٍ تعزل بحجة إقامة مناطق أمنيـّة أو بناء المستوطنات الجديدة.
كل هذه الإجراءات تتم، على مرأى ومسمع من العالم المتحضـّر الذي يطالبنا بالسـّعي نحو السّلام مع هذا الكيان الغاصب، ويتـّهموننا بالعنف والإرهاب إذا دافعنا عن أنفسنا، وقاومنا الإجراءات التي ينفّذها الإحتلال. بينما لا يطالب الكيان الإسرائيلي، بأي شيء. وها هو "ليبرمان"، يتحدّى حتـّى القرارات الأمميــّة ويقول، لا عودة لحدود 67، بينما يطالبنا "نتنياهو"، بالإعتراف بيهودية أرضنا، مقابل حكم ذاتي هزيل على أجزاءٍ متناثرة من الضـّفة وغزّة تكون كل مرافق الحياة فيها تحت رحمة هذا الكيان المتغطرس.
وعلى صعيدٍ آخر، اقترح حزب"إسرائيل بيتنا" الصـهيوني المتطرّف، والذي يقوده الإرهابي "افيغدور ليبرمان"، تشريعـًا جديدًا، جرى التـّصويت عليه، يطالب فلسطينيو 48 بقسم الولاء "للدّولة اليهوديـّة"، ويربط ليبرمان المواطنة بقسم الولاء لهذه الدّولة. أمــّا "اللجنة الإسرائيلية في الكنيست لشؤون سن القوانين" تطالب بسن قانون، يجري التـّصويت عليه قريبًا، يمنع إحياء ذكرى النــّكبة داخل الخط الأخضر، ومعاقبة المخالفين بالسجن لمدة أقلـّها ثلاث سنوات إذا أبدى أحدهم حزنـًا بهذه المناسبة، يترافق هذا مع دعوات من سياسيين إسرائيليين بترحيل العرب إلى أوطانٍ بديلة. وقد يتطوّر قانون الولاء هذا ليصل إلى حظر استخدام اللغة العربيــّة.
وهكذا نرى، أنّ الموقف الصهيوني يتطوّر نحو:
1- الأوّل تهويد القدس بالكامل وطمس كل المعالم العربيـّة والعمل على طرد العرب منها، والإستمرار باعتبارها العاصمة الأبديـّة لهذا الكيان الغاصب. والتشدد في أن لا تكون عرضة لأي مفاوضات تحدث مع الفلسطينيين.
2- الإستمرار في سياسة قضم الأراضي في الضـّفة الغربية بدواعي أمنيـّة، أو لبناء مستوطنات جديدة أو توسيع القائم منها، أو لإكمال بناء الجدار العازل. وهنا نفهم معنى تصريح "ليبرمان" بأن لا عودة لما قبل 1967.
3- الإستمرار بالضرب في عرض الحائط، بكل القرارات الدّوليـّة المختصـّة بالقضيـّة الفلسطينيـّة، وعلى رأس هذه القرارات، القرار 194، الذي ينصُّ على عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى أراضيهم، وتعويضهم. ويقول الإسرائيليون أنـّهم لن يقبلوا في أيِّ حالٍ من الأحوال بعودة اللاجئين إلى أراضيهم، ناهيك عن بحث قضيــّتهم في المفاوضات مع الفلسطينيين.
4- سياسة الترانسفير التي يلوّح بها الإسرائيليون بين الفينة والأخرى، هي سياسة يعمل الإسرائيليون على تكريسها لتصبح واقعـًا بشكل قوانين وتشريعات تطال كل فلسطيني لا يزال يتشبث في أرضه، وبفلسطينيـّته داخل الخطِّ الأخضر.
في المقابل، إذا ألقينا نظرة على الموقف الفلسطيني وأدواته لمقاومة كل الإجراءات الإسرائيلية الآنفة الذكر، ماذا نرى؟
نرى أنّ منظـّمة التـّحرير الفلسطينيــّة، الممثـّل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، والمعوّل عليها وطنيـًّا كحاضن لآمال الشعب الفلسطيني أصبحت هيكلاً مهلهلاً آيلاً للسقوط في أي لحظة ما لم تجرى عمليـّات التـّرميم والإنقاذ اللاّزمة، وشحذ كل وسائل المقاومة لاستدراك ما يمكن استدراكه في مواجهة غاصبٍ لئيم لم يَألُ جهدًا إلاً واتـّخذه للقضاء على كل حلمٍ فلسطيني في التـّحرير والعودة وتقرير المصير.
المسؤول عن هذا التـّرهـّل الذي طال مؤسـّسات المنظمة، جميع المنظـّمات الفلسطينيـّة على حد سواء، لا أبرِّئ أحد، وإن كانت مسؤولية حركة فتح عن هذا المآل يعتبر الأكبر كون الحركة لعبت دور الأم لكل الحركات الفلسطينيـّة المقاومة على مر العقود الماضية.
ولفتح، حكاية أخرى، وقد أصبحت كينونة الحركة بأسرها على شفا الانهيار والإنشقاق. المتابع لما يحدث داخل هذه الحركة من تجاذبات بين أصحاب الخط الإنهزامي الإستسلامي، الذين لا يؤمنون بنجاعة المقاومة المسلـّحة، ويعتقدون أنّ المفاوضات هي الحل الوحيد للوصول إلى سلام مع الكيان الغاصب. وأيّ سلام الذي ينشده هؤلاء، إنـّه الإستسلام، كيف لا وقد وضعوا كل بيضهم في السلــّة الأمريكيـّة حامية "إسرائيل" وراعية وجودها واستمراريـّة غطرستها. وآخرون لا يركنون للمفاوضات وسيلة لتحقيق آمال وطموحات شعبنا. وهؤلاء ضعاف تمّ تحجيمهم بيد من لديه سلطة المال وآمـَن للأمريكي مخلــّصًا، وخضع لرغبات ما يسمـّى بالمجتمع الدّولي. وبين هؤلاء وهؤلاء نجد المتملـّقون والمتسلـّقون والمتزلـّفون الذين يميلون حيث يميل المال، السـّاعون وراء المنصب والكرسي، وملءِ الجيوب.وإنّ الإدّعاء الذي يقول بأنّ الخلاف قائم بين الجيل القديم والجيل الجديد هو حرفٌ لحقيقة ما يجري داخل مؤسسات الحركة. وهذا هو المؤتمر الســّادس للحركة الذي لم يعقد منذ عقود قد أصبح في مهبٍّ تذروه الرّياح قد يعصف بفتح ويقســّمها إلى حركات، بعد أن كانت هي العاصفة وشعلة الكفاح المسلــّح. ولا أظن هذا الإنهيار لحركة فتح إن تم إلاّ مطلبـًا إسرائيليـًا يجني على أثره عشــّاق السلام ما يبقيهم فوق كراسيهم أسيادًا لهذا الشعب المقهور.
أمـّا المأساة الكبرى التي حصلت بعد سيطرة حماس على قطاع غزّة وأدّت، بانقساماتٍ حادّة بين أبناء شعبنا الفلسطيني، ما بين موالٍ لفتح ومُوالٍ لحماس. وقد أتى هذا الانقسام على مقدّرات شعبنا ومقوّمات صموده، وسقطنا في لجـّةِ بحرٍ من الشـّكوك، وأصبح النّاس العقلاء والمدركين لبواطن الأمور يتساءلون فيما إذا كانت كلتا الحركتين حماس وفتح، تعملان فعلاً لأجل دحر الاحتلال واستعادة الحق المسلوب، أم أنّ الأمر، الكرسي والسلطة، وهذا كلُّ همـِّهما. وها نحن نرى، وبعد جولاتٍ طويلة من الحوار المفروض على الحركتين للتـَّوافق وإعادة اللـُّحمة لشعبنا، أنّ الأمر لا يزال يراوح مكانه، ولا ضوء في الأفق يشير إلى قرب نهاية هذه المأساة. حتـّى وإن بدا ذلك الأمر قريبـًا فما أراه خلافـًا على السلطة والقيادة كهدفٍ للحركتين، لن يفضي اتفاقـًا بينهما على هذا الأمر إلى إعادة عجلة الثورة والمقاومة المسلـّحة على سكـّتها، فمن أراد السـّلطة سوف يُطلـّق البندقيـّة ثلاثـًا.
وإذا ما قارنـّا ما بين الإجراءات الإسرائيليـّة لتهويد الأرض وتشريد الشـَّعب، و بين المآلات التي أوصلنا إليها المتصارعون على كرسي السـّلطة، والحالة التي يرثى لها ويرزح تحت نيرها شعبنا الفلسطيني المكلوم، نعلم إلى أي مسارٍ نحن متـّجهون، وسوف نجد أنفسنا يومـًا في خبر كان.
من هنا فأنا أدعو شعبنا الفلسطيني العظيم، لأن يقف في وجه من يحطـّمون آماله، ويدمـّرون طموحاته في التـّحرر واستعادة الأرض. على شعبنا أن يقول كلمته، وأن يضع الأمور في نصابها، وأن لا يبقي من تسـَلـّقوا على نضالاته، ويعملون على مهادنة أعدائه.
عدوّنا ماضٍ فيما رسم، وما علينا إلاّ أن نعيق مخطـّطاته، ونعيد لحمتنا ومقاومتنا إلى أوجها، وأن نطرد من صفوفنا من يعمل على تصفيـّة القضيـّة الفلسطينيـّة على الطريقة الأمريكيّة، التي تحقق الرّغبات والغايات الإسرائيليـّة، حتـّى يعلم العالم، كلُّ العالم، أن لا صلح ولا استسلام ولا تنازل عن أرضنا مهما كلـّفنا ذلك من ثمن.
أنا على يقين أنّ شعبنا قادرٌ على تحقيق ذلك، مهما غلت التـّضحيات.