حرقة وحرقة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • فتحي العابد
    محظور
    • 07-05-2009
    • 52

    حرقة وحرقة

    بسم الله الرحمان الرحيم
    حرْقةٍ وحُرْقةٍ

    كنت شابا أحلم كثيرا.. وأظن أن الحياة مال وفير.. وفراش وثير.. ومسكن كبير..وكان يوم جمعة حين جلست مع مجموعة من رفقائي وأندادي غافلون هم كذلك، على الشاطئ الصخري في مدنيتي الساحلية نتطلع إلى ماوراء البحر، ونخطط للعبور إلى الضفة الأخرى، الجهة الأوروبية.
    سمعت النداء حي على الصلاة.. حي على الفلاح..ولكني لم أفقه يوما معنى كلمة فلاح..رغم سماعي الآذان خمس مرات كل يوم. طبع الشيطان على فلبي.. حتى صارت كلمات الآذان كأنها تقال بلغة لاأفهمها. كان الناس ينهضون للصلاة، ونحن مشتغلون بتجهيز أنفسنا للعبور. ألم دفاتري وأجمع أوراقي، وأرتب صورا في مخيلتي، فاليوم مشمس ولا يهمني إن أصبح غدا ممطرا، استعدادا لرحلة لاندري إن نعود بعدها أم لا؟.. دون تحضير نفسي ودون تسلح ببعض الأدعية المرغوبة والمطلوبة في مثل هاته المناسبات. فكنت شاردا، مطبق علي صمت رهيب، مصحوب بقشعريرة لامست جوانب ضلوعي..
    ركبنا سفينة الموت.. ودخلنا البحر.. باطن البحر.. الرحلة جميلة، القمر متلألأ وكان كل شيء على مايرام.. وفجأة بدأ يدخل الماء وسط المركب.. إنها تغرق..بدأت أتخبط مثل طفل صغير في الأيام الأولى من تعلمه السباحة، رغم أنني أتقن الغوص. دخلت قطرات الماء المالح إلى جوفي.. لتغلق المجرى التنفسي.. أشهق.. وأشرق بالماء المالح.. وبدأت أموت..البحر مظلم، وأصحابي وصلت أجسادهم قاع البحر.. مر شريط حياتي أمام عيني مرور البرق.. مع أول شهقة أراني الله أنه هو القوي الجبار، مع بضع تلك القطرات من الماء المالح التي سلطها علي، عرفت كم أنا ضعيف.. وآمنت أنه لاملجأ منه إلا إليه، ليست المشكلة أن أموت!.. المشكلة كيف سألقى الله؟ إذا سألني عن عملي .. عن الصلاة التي ضيعتها.. ماذا سأقول؟ اقترب ذكر سمكة القرش من أنثاه حيث رقدت الجثامين، يغازلها ويخيرها في أي صيد ساقه الله لهما تريد.. وبينما هو يغريها بهذا وذاك، سمعا صراخا وأنينا وعويل.. أنصتا.. ياالله أما يوجد من ينقذنا من هذا المصير.. يالله يامخرج يونس من بطن الحوت!!!
    أحاطت بي ظلمة غريبة وبدأت أفقد الشعور بكل شيء، تذكرت الشهادتين، فأردت أن يختم لي بهما.. حاولت جاهدا.. أشهـ... أشهـ... ولكن هيهات، هذا آخر ماأتذكر.. لكن رحمة ربي كانت أوسع.. في تلك اللحظة بدأتا سمكتي القرش تقذفانا فوق سطح الماء وهما يذرفان الدمع على حالنا مردادن: إلعنوا أناس تركوكم لهذا المصير.. إلعنوا من أضاع حياتكم بالإهمال.. ولا تلوموننا فما أنتم بالنسبة لنا إلا طعاما.. وادعوا الله أن يحمي أهاليكم من الفساد.. ويرزقهم الصبر.. يالله أثأر لهم...
    فتحت عيني.. رأيت منه ابتسامة على محياه.. فهمت أنني بخير.. عندها صاح قلبي .. ولساني.. وكل خلية في جسدي.. الحمد لله أشهد أن لاإله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله.. فعلمت أني أعالج في أحد المستشفيات في الدولة المقصودة، بعد أن لفظ البحر أجسادنا وكانوا قد وجدوني فوق أجساد ثلاثة ممن هم حاولوا العبور مثلي، بطريقة وكأني قابض عليهم الثلاثة من جهة بأيدي ومن الجهة الأخرى بأرجلي حتي لايفترقوا وأقع في اليم..
    خرحت من المستشفى وأنا شخص آخر.. تغيرت نظرتي للحياة.. أدركت سر وجودي في الحياة.. أصبحت الأيام تزيدني من الله قربا.. رسخت في ذهني أن التقوى دليل للخيرات، وطريق للجنات.. رجعت في أولى الرحلات إلى بلادي.. رجعت إلى حضن أمي، يسقيني حبا وحنانا.. صدر أمي الذي ضمني في الصغر فانضممت، غنى فأطربت، حكى فأرهفت، سهر ونمت، تربيت في حضنه، عشت في عش حبه، ذاك الصدر الضعيف.. آهاته وزفيره بركان جامد. مرت أيام.. وأنا لم ولن أنسى تلك الحادثة.. ركبت مركبا آخر من نفس النقطة توجهت إلى ناحية المكان نفسه في بطن البحر، ثم أقبلت إلى الماء وسجدت سجدة ماأذكر أني سجدت مثلها.. أكثرت فيها الدعاء، هذه العبادة العظيمة التي تتحقق بها الأمنيات وتحلو بها الحياة.. هذا المكان يشهد علي يوم القيامة، فيرحمني الله بسجدتي فيه.. فرغم تحرك المركب وكثرة الأمواج إلا أني أبيت إلا أن أتم صلاتي. فما أعظم أن يخشع العبد بين يدي الله سبحانه وتعالى يناجيه بوجل ورجاء، ورغبة قوية لنيل رضاه سبحانه وتعالى.
    مايهمني الآن في حياتي أن أتذكر نعمة الخالق علي، وأن أحاول إرضاء والدتي، وأن أمحو من مخيلتها قصتي، وأعطيها صورة أخرى بديلة أو شبيهة بما كانت عليه هي بالنسبة لي ولا تشبهها، وأن أستضل بها قريب لها، مذكرا إياها أن التجربة حصن للرشد.
يعمل...
X