في الأسابيع القليلة الماضية شاهدت شيئا صدفة أثار دهشتي وحرك ذكرياتي فجرفني إلى سنين بعيدة وفرحت أنني مازلت أحتفظ بجزء من نفسي للدهشة، فكثير من الناس من كثرة ماشاهدوا في الحياة وكثرة تجاربهم يفقدون الشعور بالدهشة وبالتالي يفقدون الاستمتاع بغرابة الحياة كانت دهشتي عندما كنت أتجول (بالرموت كنترول) بين قنوات التلفزيون لأفاجأ بإعادة لبرنامج (مواهب بريطانيا) التلفزيوني وهو برنامج اكتشاف للنجوم ابتدعه (سايمون كاول) وهو أحد قضاة البرنامج وأصعبهم استرضاء وكيف أن (سيمون كاول) استخف ومنذ اللحظة الأولى بالمظهر الخارجي للعانس الأسكتلندية العاطلة عن العمل والأقرب إلى الدمامة ذات الثمانية والأربعين (سوزان بويل) والتي فاجأت بصوتها الملائكي وأدائها الساحر الذي خلبت به لب المشاركين والقضاة وذلك عندما غنت (أي دريمن أدريم)، كنت أراقب اتساع عين (سيمون كاول) وانكماشه كعصفور واندفاع الدماء إلى وجنتيه وذكريات تهطل علي..
تذكرت ذلك اليوم الذي شكل علامة فارقة في حياتي، كنت أعمل كأي مراهق في الإجازات كان ذلك منطق الحياة المكاوية وقانون البيت الذي تربيت فيه ..
توفر لي في تلك الإجازة عمل في مصلحة البرق والبريد والهاتف والتي أعتقد أنه كان اسمها كذلك في ذلك الحين، وكانت وظيفتي تنحصر في تجهيز المكالمات الهاتفية وتوصيل صاحب المكالمة بمن يريد التحدث معه واحتساب مدة المكالمة لمقابلة المتحدث بقيمة المكالمة.. كان يوم غريب مررت به حيث كنت وحدي لأن زميلي في العمل كان مريضا في ذلك اليوم، فدخل علي رجل بدائي المظهر ثوبه متسخ ويداه متشققتان كأنه خارج للتو من مزارع للملح، باهت اللون كأنه غريق طفا بعد جهاد عنيف حتى وصل إلى شاطئ الكربون، شعر رأسه نافر مثل ظهر قنفذ، طلب مني تحضير مكالمة يرغب التحدث فيها إلى شخص أوروبي في
(الظهران) كان له هدوء بائن رغم مظهره الذي يبدو فيه مثل ورق أصفر مهترىء على غصن يابس، وفي محاولة (صبي) في ممارسة صلاحية لايملكها أنهلت على الرجل بإرشادات وتعليمات حول قيمة الدقيقة (للظهران) وأهمية أن يجيد التحدث بلغة الطرف الآخر وأنه في حالة عدم القدرة على التخاطب مع الطرف المتحدث إليه سأحتسب عليه قيمة أول خمس دقائق من المكالمة وأخذت أردد عليه ذلك مثل شخص أبكم مضطر إلى تكرار كل كلمة وما أن يفرغ حتى يشرح من جديد، كان ذلك كلاما عبثيا كأغلب كلامي في تلك المرحلة !!. تبسم لي الرجل ابتسامة رقيقة كانت بسمته كقطعة موسيقى كلاسيكية عندما تتناول عشاء في مطعم وما أن رن جرس التلفون إعلانا ببدء المكالمة حتى تدفقت الكلمات بلغة إنجليزية رصينة على لسانه وانزلقت ككرات بلورية في كل صوب على رخام أربكني إدراكي المتأخر أن الرجل يجيد الإنجليزية بطلاقة كان الموقف بمثابة لكمة قوية لي وكانت نظرته لي وهو يستكمل حديثه كأنها لطشة الهواء التي تسبب شلل الوجه كنت أحاول أن أتمسك بثباتي وأبتسم له ابتسامة مرتبكة كانت أطرافي تسيل وتتبخر وكنت أنكمش على نفسي كأرنب، وما أن انتهى الرجل من المكالمة حتى قدم إلي لتسديد قيمة المكالمة كانت ابتسامته ناعمة مثل ورق تبغ طري ترتسم على فمه، كان يعد الأوراق النقدية ليسلمها لي وما أن انتهى من ذلك حتى صافحني قائلا: يا ابني (لاتحاول أن تجعل ملابسك أغلى شيء فيك حتى لاتجد نفسك يوما أرخص مما ترتديه)، وكأنه رمى فوق رأسي بكيس رمل من فوق عمارة .. لكم أدين بالكثير من ثقافتي في عدم الحكم المسبق على الآخرين حسب مظهرهم الخارجي لذلك الرجل فهلا فعلتم !!.
الكاتب / فؤاد مصطفى عزب
تحليل ونقد وتعليق :
**********
قصة قصيرة سردية بناها كاتبها على أساس قلة الشخوص وتسلسل الأحداث .
ووضوح الفكرة والحل أو الهدف منها .
أسلوب القصة يميل إلى الواقعية , وجمال الأخيلة والصور القليلة .
بلغة عربية سليمة المبنى والمعنى .
اشتملت القصة على عنصري المكان والزمان المحددين لمتابعة الحدث .
بناء الأحداث متماسك يشد بعضه بعضا إلى النهاية .
الراوى هو بطل القصة . وليته جعل حل عقدة القصة متروك للقاريء
يستنتج من تصرفات البطل الحقيقي وهو الشخص المتحدث في الهاتف
ما يوحي نهايات متنوعة يتصورها القاريء بنفسه . بدلا من هذه العبارة
التي اختتم بها قصته قائلا : ( هلا فعلتم ؟) !!
وجاء الاستطراد عن المشاهدة التلفازية لبرنامج (اكتشاف المواهب )
مقحما فيه نهاية القصة قبل أن تنتهي مليئا بأسماء أجنبية فبدت القصة
وكأنها مترجمة , وليست من تأليف الكاتب .
ثم إن القصة تضع للقاريء مقارنة بين منهج الغربي والشرقي في التصرف
والتعامل مع الآخرين فتراه يجعل العربي الشرقي ثرثارا بينما الآخر
جادا قليل الكلام يتصرف بالفعل ليترك الحكم على الأفعال لا الأقوال
وهذا إجحاف في الحكم وتعميمه , فهناك من يفوق الغربي في هذه الصفة
وفي النهاية فقد شدنا الكاتب بأسلوبه المبدع حتى أتممنا قراءة القصة .
وبالطبع فلكل قاريء وجهة نظر وتعليق
فهل يمكن أن نقرأ تحليلاتكم للقصة ؟.
تذكرت ذلك اليوم الذي شكل علامة فارقة في حياتي، كنت أعمل كأي مراهق في الإجازات كان ذلك منطق الحياة المكاوية وقانون البيت الذي تربيت فيه ..
توفر لي في تلك الإجازة عمل في مصلحة البرق والبريد والهاتف والتي أعتقد أنه كان اسمها كذلك في ذلك الحين، وكانت وظيفتي تنحصر في تجهيز المكالمات الهاتفية وتوصيل صاحب المكالمة بمن يريد التحدث معه واحتساب مدة المكالمة لمقابلة المتحدث بقيمة المكالمة.. كان يوم غريب مررت به حيث كنت وحدي لأن زميلي في العمل كان مريضا في ذلك اليوم، فدخل علي رجل بدائي المظهر ثوبه متسخ ويداه متشققتان كأنه خارج للتو من مزارع للملح، باهت اللون كأنه غريق طفا بعد جهاد عنيف حتى وصل إلى شاطئ الكربون، شعر رأسه نافر مثل ظهر قنفذ، طلب مني تحضير مكالمة يرغب التحدث فيها إلى شخص أوروبي في
(الظهران) كان له هدوء بائن رغم مظهره الذي يبدو فيه مثل ورق أصفر مهترىء على غصن يابس، وفي محاولة (صبي) في ممارسة صلاحية لايملكها أنهلت على الرجل بإرشادات وتعليمات حول قيمة الدقيقة (للظهران) وأهمية أن يجيد التحدث بلغة الطرف الآخر وأنه في حالة عدم القدرة على التخاطب مع الطرف المتحدث إليه سأحتسب عليه قيمة أول خمس دقائق من المكالمة وأخذت أردد عليه ذلك مثل شخص أبكم مضطر إلى تكرار كل كلمة وما أن يفرغ حتى يشرح من جديد، كان ذلك كلاما عبثيا كأغلب كلامي في تلك المرحلة !!. تبسم لي الرجل ابتسامة رقيقة كانت بسمته كقطعة موسيقى كلاسيكية عندما تتناول عشاء في مطعم وما أن رن جرس التلفون إعلانا ببدء المكالمة حتى تدفقت الكلمات بلغة إنجليزية رصينة على لسانه وانزلقت ككرات بلورية في كل صوب على رخام أربكني إدراكي المتأخر أن الرجل يجيد الإنجليزية بطلاقة كان الموقف بمثابة لكمة قوية لي وكانت نظرته لي وهو يستكمل حديثه كأنها لطشة الهواء التي تسبب شلل الوجه كنت أحاول أن أتمسك بثباتي وأبتسم له ابتسامة مرتبكة كانت أطرافي تسيل وتتبخر وكنت أنكمش على نفسي كأرنب، وما أن انتهى الرجل من المكالمة حتى قدم إلي لتسديد قيمة المكالمة كانت ابتسامته ناعمة مثل ورق تبغ طري ترتسم على فمه، كان يعد الأوراق النقدية ليسلمها لي وما أن انتهى من ذلك حتى صافحني قائلا: يا ابني (لاتحاول أن تجعل ملابسك أغلى شيء فيك حتى لاتجد نفسك يوما أرخص مما ترتديه)، وكأنه رمى فوق رأسي بكيس رمل من فوق عمارة .. لكم أدين بالكثير من ثقافتي في عدم الحكم المسبق على الآخرين حسب مظهرهم الخارجي لذلك الرجل فهلا فعلتم !!.
الكاتب / فؤاد مصطفى عزب
تحليل ونقد وتعليق :
**********
قصة قصيرة سردية بناها كاتبها على أساس قلة الشخوص وتسلسل الأحداث .
ووضوح الفكرة والحل أو الهدف منها .
أسلوب القصة يميل إلى الواقعية , وجمال الأخيلة والصور القليلة .
بلغة عربية سليمة المبنى والمعنى .
اشتملت القصة على عنصري المكان والزمان المحددين لمتابعة الحدث .
بناء الأحداث متماسك يشد بعضه بعضا إلى النهاية .
الراوى هو بطل القصة . وليته جعل حل عقدة القصة متروك للقاريء
يستنتج من تصرفات البطل الحقيقي وهو الشخص المتحدث في الهاتف
ما يوحي نهايات متنوعة يتصورها القاريء بنفسه . بدلا من هذه العبارة
التي اختتم بها قصته قائلا : ( هلا فعلتم ؟) !!
وجاء الاستطراد عن المشاهدة التلفازية لبرنامج (اكتشاف المواهب )
مقحما فيه نهاية القصة قبل أن تنتهي مليئا بأسماء أجنبية فبدت القصة
وكأنها مترجمة , وليست من تأليف الكاتب .
ثم إن القصة تضع للقاريء مقارنة بين منهج الغربي والشرقي في التصرف
والتعامل مع الآخرين فتراه يجعل العربي الشرقي ثرثارا بينما الآخر
جادا قليل الكلام يتصرف بالفعل ليترك الحكم على الأفعال لا الأقوال
وهذا إجحاف في الحكم وتعميمه , فهناك من يفوق الغربي في هذه الصفة
وفي النهاية فقد شدنا الكاتب بأسلوبه المبدع حتى أتممنا قراءة القصة .
وبالطبع فلكل قاريء وجهة نظر وتعليق
فهل يمكن أن نقرأ تحليلاتكم للقصة ؟.