ألوان غامقة ( أول قصة لمحمد إبراهيم سلطان )

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • إيهاب فاروق حسني
    أديب ومفكر
    عضو اتحاد كتاب مصر
    • 23-06-2009
    • 946

    ألوان غامقة ( أول قصة لمحمد إبراهيم سلطان )

    كانت أول مشاركة لي مع فن القصة :

    قصة قصيرة

    بعنوان

    ألوان غامقة

    بتاريخ
    18/4/2007,



    أليس من الغــريب أن تطــرأ علـــى وجوههـــم علامـــات التهكم و الانزعــاج ؟ فجأة وجدوهـــا ترتدي ثوبهـا الأسود و تزين ملامحها و لكن بألوان غاية في القتامة و الدكنة....الكـل يقـف مشرئبا , فان قرارها لن يكون في مصلـحة البعض لدرجة أن أحدهم مال على الآخر في استياء :

    ـ تفتكر إنها هتـ..

    لكن أحد المجاورين له ألكمه فأسمعني طقطقة أسنانه :

    ـ فال الله ولا فالك

    حقا فهي منذ لحظات كانت كفتاة لم تتعـد الخامسة عشرة, غايـــة في الهدوء والصفاء.. تشارك الكل أحوالهم المتقلبة.. بسيطـة جداً مع عبـده الفران و الأسطى محروس الحـلاق ..مضيئة في عينـي الشيـخ قدري الكفيــف شيـخ كتاب القريـة, أينما وجد أمامـه صينيـة الفتة المعمـرة باللحم والزبيب, ومتى ســاقتـه قدماه ناحيـة سرادق أو شـادر لمناسبات الولائم والذبائح, حيث لا يفوته عزاء أو تهنئة متشبثا بحجة "الواجب".

    أمـا أنا.. فكثيرا ما أجلس أتأملهـا في صمت, و أتهجـى في ملامحهـا ملامح قريتنا الغبية.. لقد انطفأت الوجنات المضيئة و تحولت إلى وجوم وكدر, لا أبصر فيها سوى الشقوق المنحوتة في كفى والدي, والشقاء المرسوم على جبهته منذ خمسين عاما..
    قرارها أصاب القرية بشلل نصفى في أطرافها البحرية ,أجلس أهلها البؤساء على المداخل يسألون العفو و الرضا, وجعلنى أتقهقر بذهني تجاه جدي المسن.. راقداً على ركبتيه النحيلتين في انكماش من شدة البرد القارص,بجوار كومة النار الواهجة يداعبنى :

    ـ أصبحنا في آذار و سيقع الجدار.

    ولأنني لا أجيد ارتداء الكلاسيك من الثياب, أو حتى إحكام ما يسمونه "رابطة العنق" تلك المدلاة من الرقبـة, كنت أخشى أن أخلع جلبابي أو أنسى مهارتي الفذة في إحكـام "الكوفية الوبر" حول عنقي.. ولأن ما بيني وبين كأس "الفودكا" مقدار عمر يحـاكى عمر قريتنـا الشقية, لم أقلع مرة عن إدمانى لكوب الشـاي "التقيل "..أتأبط حذائي و أجول بحثا عن الشيخ الكفيف ــ مهون عزائي الوحيد في القرية ــ و ما أكاد أجده حتى تنفرج أساريري المظلمة :

    ـ الولد ابن قنديل الكلب قنديل الجزار أعطاني رطليـن عضم وقاللى اعمل شوربة تسند رجليك ويدوب وصلت الدار وقلت لأم شعبـان اعملي لي شويـــة شوربـة محبشـة إلا ولقيت رطليـن العضم في ظهـري وشقايقـى خشبة خشبة.. أتارى ابن الملعونة مشيلنى طريحة خشب.

    وما ينتهي الكفيف من أقصوصته حتى أرتكز على الأرض غير مقاوم الضحـك.

    ثم ألمحهم.. يرقبونها.. هـم مزيج من الفـؤوس والشبـاك !.. بعضهم يحمـل المنـاجـل المسنونـة, والآخـرون يستنـدون إلى قوارب قد نفذ منها ضــوء الشمس.. أطــــراف القريـــة البحرية تلاطمها أمواج البحيرة في شبة مضمار يحف به سياج من غيطان القمح والفول ــ الباهت خضارها ــ فالترع والقنوات صارت يابسة ,وأضحت عامرة
    بالقــوارض, ولو بقيت على هذا التوالد لاستعمرت القريــة .. يالحسرة الريس سليـم, حينما يجد أن ما يصــارعه على البقاء "فأر"من فئران البرارى .. ترى بـأي نظــرات سيشيعه ولده "الهايف"؟! و بأي لــونِ ستنقلب سحنتـه المغمــــورة بتوجــع التعساء؟!!

    "ولم كل هذا الاهتمام بهم؟"ـــ"عند ك حق"

    فهم أيضا يستحقون ما أصابهم من هم وغم , ولا عزاء لهم إلا في هذا التجمع الذي يطرحونه بعد كل وجبة للتهامز والتنابز بخلق الله, فثق أنهم لـن يتركـوا أهداب الحديث عنك إلا عندما يرتطم جسدي النحيل بأحداقهم, ونصبح من العشرة المبشرين بالفتنة .

    الآن.. أظنها فرغت من التجمل بالعبوس والتحلي بالسواد , واختفت شمسها.. تدلت منها الأشـعة كأهداب مكتحلة.. لحظـات وعلا صراخـها الرعــدي في غضب وجهامة, وبدأت ترسل أمطارها

    ـ خلاص مطرت يا رجالة

    فانطلق بعضهم حاملين فؤوسهم ينظفون فتحات المياه والشقوق الموجودة بالأرض كأطباء يتمنون للجرح أن يندمل ، أما الآخرون فانتحوا بشباكهم منزوعي الظـل كل إلى بيته بتبلد واستياء .

    لقد فرجت السماء باكية عليـهم, وخلت الساحة تماما من البشر.. غيــر أنى ألمــح الشيــخ الكفيف متحفظـا على ابن قنديـل الجزار..علقه من ساقيه على أحد القوارب , وتالِ عليه ما يتيسر له من آيات الذكرالحكيم, ويمـطره هو أيضاً وابلاً من الضربات القاسية بواحدة من سعف النخيل.....
    إيهاب فاروق حسني
يعمل...
X