قراءة نقدية جمالية لقصيدة ( حَتَّـى عيُـونُكِ أَصْبَحَتْ بـَغْدَادِي) شعر ثروت سليم

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عبدالله حسين كراز
    أديب وكاتب
    • 24-05-2007
    • 584

    قراءة نقدية جمالية لقصيدة ( حَتَّـى عيُـونُكِ أَصْبَحَتْ بـَغْدَادِي) شعر ثروت سليم

    القصيدة

    [frame="1 80"]حَتَّـى عيُـونُكِ أَصْبَحَتْ بـَغْدَادِي

    شعر : ثروت سليم

    عُصفُورَةٌ حَطَّتْ بغُصنِ فـؤادي وبكُحلِ عينيهـا مَسَـاءُ بـلادي
    حَطَّتْ على قلبي وزَقْزَقَ صَوْتُها
    طربا فَحـنَّ لصَوْتِهـا إنشَـادي
    نَثرتْ على وجهي عَبِيرَ حُروفِهَا
    والحرفُ أصبحَ عُدَّتي وعتَـادي
    الليلُ يحملُنـي لكُحـلِ عيونِهـا
    ويُعيدُني فجـراً إلـى أمجـادي
    والنَهرُ من عطشي أراهُ بثغرِهـا
    والشَّوقُ زادي والحنينُ جَـوادي
    فأرَى بَها( بغدادَ ) حينَ أضُمُهَـا
    شَوْقَاً و(هارونُ الرشيدِ) يُنَـادي
    وأرَى بها( الحَدْبَاءَ) تحكي قصتي
    و(الأعظميَّةَ ) مُلْتَقَـى أَجـدادي
    وأرى بها نَهرَ الفُـرَات مُعانِقـاً
    دِجلاهُ في شطِ العروبـةِ شـادي
    وأرَى عيُونـاً للمهَـا ورُصَافـةً
    والجِسرَ والرُكنَ البديعَ الهـادي
    كم ليلةٍ أَرْخَـتْ علَّـيَ ظِلَالهَـا
    وسَمِعْتُ منهـا جَـارةً للـوادي
    يا مَنْ سَمَوْتِ عَنِ النِسَاءِ بشاعرٍ
    حَمَلَ الربيـعَ وفَرْحَـةَ الأعيـادِ
    وسَمَا بها عن كُل قَـوْلٍ فَاحِـشٍ
    وتَصَّـورٍ فـي جُعْبَـةِ الحُسَّـادِ
    أَعْلَنتُهَـا أنـي أُحبُـكِ دونَـمـا
    خَجَلٍ وفَـوقَ مَسَامِـعِ الأَشْهَـادِ
    أنتِ( السَمَا )وبكُلِ حَرْفٍ قد نَمَا
    حُبٌ بهذي الـروحِ لا الأجسـادِ
    دَافَعتِ عن قَلَمي الجَريء بعِـزةٍ
    ووَقَفْـتِ للبَاغِيـن بالمـرصَـادِ
    وَوَسَمْتِِني شَرفَاً فكُنْـتِ حبيبتـي
    لَمَّا تَحَوَّلَ مـن أُحِـبُ لعـادي
    وأَعَدْتِنِي العشرينَ حتَّى أصبحتْ
    رُوحي مـع العُشَّـاقِ والزُهَّـادِ
    ولقد نَسِيتُ الحُبَ مِنْ قيْسٍ ومِـنْ
    ليْلىَ فعادتْ ثوْرتـي وجهـادي
    وتَبَغْدَدَتْ كُلُ الحُروفِ بدَاخلـي
    حَتَّى عيُونُكِ أَصْبَحَـتْ بَغْـدَادِي

    [/frame]

    قراءة جمالية أسلوبية للقصيدة

    كنت على يقين بأن يراع شاعريتك تسمو وتألق على عادتها، تعلمنا كيف يكون الحرف سلاحاً تعبيرياً وثورياً ضد كل أشكال النسيان والضياع والفقدان وضد حالة التشتت الوطني والقومي والتاريخي والحضاري لأمة العرب والمسلمين وتراثهم وعظمة شاوهم. هكذا نهضت القصيدة الأكثر تألقاً وحميميةً وتأثيراً على المتلقين من كل أصقاع العالم العربي - وأنا فرد منهم - ما جعلني أستوقف عند لحظات شعرية وشاعرية تحمل جماليات النص وتضاريسها من مجاز ورمزية وتصوير خلاّق وذي دلالات وإحالات وإشارات تعكس فكرة النص وتفاصيل تجربة الشاعر التي دججتها الأحاسيس الوطنية والدينية والتراثية والانتماء للمكان الذي أصبح في النص يتزيا بتضاريس أسطورية تأخذنا نحو عميق المعالم والدلالات الأكثر عروبيةً وولاءً وتحمساً وثوريةً والتي رسمها النص بطريقة متمكنة للحرف المموسق والكلمة المعبرة والتعبيرات ذات الدلالة التأثيرية معبقةً بأمكنة استحضرها الشاعر بتقنية فائقة وفنية سامقة لتكون خير دليل على التوحد مع المكان الذي تعرض للكارثة والتدمير والنسيان.

    بدأ النص بعصفورة كونية سكنت قلب الشاعر منذ ولادتها، وكان توقها أن ترى الحرية في شخص الشاعر تبحث عن مكان أكثر استقراراً وحميميةً وحريةً، صوره الشاعر أسطورةً تحمل في طي جناحيها كل تفاصيل القصيدة وبؤرها الشاعرية والجمالية تحيكي تجربة الشاعر الصادقة والمدججة بسلاح الحرف وقوته ومنعته. ثم تتداعى كل صورة تتوالد من رحم الخبرة والتجربة مجسدة مشاعر الوطنية الصادقة والمخلصة التي تعتمل في الذات الشاعرة.

    فأرَى بَها( بغدادَ ) حينَ أضُمُهَـا شَوْقَاً و(هارونُ الرشيدِ) يُنَـادي
    وأرَى بها( الحَدْبَاءَ) تحكي قصتي و(الأعظميَّةَ ) مُلْتَقَـى أَجـدادي
    وأرى بها نَهرَ الفُـرَات مُعانِقـاً دِجلاهُ في شطِ العروبـةِ شـادي

    أسطرة للمكان وتشخيص جمالي مؤثر للأسماء على دلالاتها وأبعاد استحضارها في قصيدة ما زالت تروي تفاصيل الفكرة والتجربة بلغة جزلة وحبكة شعرية وشعورية مبنية على اساس متين من حركية اللغة والألفاظ وبطريقة تتألق شاعريةً وفنيةً وتأثيراً....

    الليلُ يحملُنـي لكُحـلِ عيونِهـا ويُعيدُني فجـراً إلـى أمجـادي
    كم ليلةٍ أَرْخَـتْ علَّـيَ ظِلَالهَـا وسَمِعْتُ منهـا جَـارةً للـوادي

    وهنا يتواصل النص مع جمالياته التي بدأ بها بالعصفورة التي تحركت وطارت وسكنت واستراحت وتأنسنت، ليصبح التحول سمة نصية تغازل طبع الكتابة الشاعرية فالليالي أصبحت قوة مجسدةً لانتظرها أوامرها من أحد كان لترخي ظلالها الوارفة وذات الدلالات التي تتوافق مع روح النص وفكرته في البحث عن الذات المستقرة والمتوازنة، وفي الصورة هنا ترتسم معالم كون صغير يحتضن جارة الوادي ذات الوجه الجميل والتي تعني الكثير للشاعر في كسر الاغتراب وروتين الرومانسية تعيده إلى موطن أكبر من حجم الكون، فيه الفرات ودجلة وهارون الرشيد مستحضراً بعظمة تاريخه وصنائعه وشاهداً على ما آلت إليه حال الأمة ولكن بطريقته الخاصة التي تتفق مع تجربة الشاعر ذاتها، وفيه الأعظمية والحدباء وما يدور في أفلاكهما. كل هذا يأتي في خضم بحر من الصور المتزاحمة والمكثِّفة للمعنى والمغزى والقدرة على التلاعب بالمفردات بما يخدم لب َّ النص وأغراضه، في نصٍّ تتفق من بين ترائبه مشاعر الوفاء والولاء والانتماء والوطنية والرومانسية الخاصة والتي تنضوي تحت الذات الشاعرة الجمعية ولا تخفي على المتلقي جوهر صدق الشاعر و حميمية شعره.

    ليتحول النص بطريقة فنية ودلالية باتجاه البحث عن أنيس من جنس البشر، وهذه المرة يلجأ الشاعر لذكر النساء كرديف لكل الأسماء التي اجترها النص من الذاكرة واستحضرها لتكون شاهدةً حية على سمو فكرته وإنسانية شاعريته، بعد أن كانت الطبيعة وأشياؤها تتسيد ذهن الشاعر وطقوس نصه، فيما انغمس الصوت الشاعري في تحولات طبيعية من الربيع وفرحة الأعياد بدلالات أسطورية وتحمل في طياتها الأمل الذي يتمنى تحقيقه الشاعر في عيش رغيد يسمو فوق الحقد والغيرة والفساد والضرر والضرار:

    يا مَنْ سَمَوْتِ عَنِ النِسَاءِ بشاعرٍ حَمَلَ الربيـعَ وفَرْحَـةَ الأعيـادِ
    وسَمَا بها عن كُل قَـوْلٍ فَاحِـشٍ وتَصَّـورٍ فـي جُعْبَـةِ الحُسَّـادِ

    ثم يعلن الشاعر وبنبرة رومانسية لا تقل جمالاً عن النبرة الأولى عن رغبته الأكثر اشتعالاً في التواصل مع محبوبته ذات الطقوس الإنسانية والكونية وبشكل علني لا خوف عليه من أحد لأنه صاحب الحق في هذا الحب، طالما كانت الحبيبة ترتدي زي "السما" و"الأعظمية" و"ضفتي الفرات ودجلة على عذب مياههما وما يقع بين هذا وذاك من حركية التصوير الدال على مشاعر صادقة المنشأ وتنهض مثل نخل لا ينحني لأحد:
    أَعْلَنتُهَـا أنـي أُحبُـكِ دونَـمـا
    خَجَلٍ وفَـوقَ مَسَامِـعِ الأَشْهَـادِ
    أنتِ( السَمَا )وبكُلِ حَرْفٍ قد نَمَا
    حُبٌ بهذي الـروحِ لا الأجسـادِ

    والشاعر لا يستسلم ولا ينحني مثل شجر النخيل السامق في عنان السماء، مستحضراً أسطورة ليلى وقيس مستلهماً دلالاتها ومغازيها كي تلخص تاريخاً من الحب وآخر من الانتماء للوطن وثالث للمكان الذي تحول لإنسان يتحرك في النص ومن بؤرة إلى أخرى كأننا نرى الأمكنة ذاتها تحملنا حيث يريد الشاعر وأناه التي عشقت بغداد على حرارتها و حرّها وسخونتها وبردها وثلجها وصقيعها، وهو ما جعلنا نتوحد مع الشاعر وأناه ونتماهى مع كل إنسان يعشق الحرية والمكان والزمان الوطنيين، لنصبح في علاقة أكثر حميميةً وحرارةً مع التاريخ والتراث والحضارة المتجسدة كلها في رمز اسم المكان، وهو هنا بغداد بكل ما تعني بغداد من كنز تراثي وأدبي وحضاري وإنساني حتى في ظل القهر والمعاناة :

    ولقد نَسِيتُ الحُبَ مِنْ قيْسٍ ومِـنْ ليْلىَ فعادتْ ثوْرتـي وجهـادي
    وتَبَغْدَدَتْ كُلُ الحُروفِ بدَاخلـي حَتَّى عيُونُكِ أَصْبَحَـتْ بَغْـدَادِي


    عظيم أنت شاعرنا المعلم الكبير ثروت سليم ترسم لنا لوحة أقرب لجدارية بحجم العراق وكل أمكنته ومدنه وقراه ومحافظاته، جاعلاً مل كل منها أسطورة مكانية تحمل عبق التاريخ والتراث والحضارة. لوحة ارتسمت الحروف فيها من لغة جزلة راقت لقلب المتلقي وتلوين بالصور الأكثر حركيةً وضبطاً وبنفس وتيرة المكاني والزماني، حين يصبح كلُّ مكان مملكة يفترشها النص لأصحابه، وجاء النص فصيحاً معبراً وأكثف في الدلالات والإشارات الرمزية التي تعزز الفكرة وتسمو بالمغزى وتؤكد صدق القول والتعبير والصياغة، الكل المتوافق مع البديع والبليغ ما أعطى فكرةً عن ثقافة الشاعر وشاعريته ومعرفته وقدراته على الصياغة والتدليل والتعبير، فالمعرفة قوة الشاعر كما هي للمتلقي والقارئ.

    دمت أخي الشاعر ثروت سليم حياً شامخاً بانتمائك وولائك وصدق أصلك ومتانة رباطك بالأرض والمكان رباطة خالدةً وأبديةً.


    قراءة دكنور عبدالله حسين كراز
    دكتور عبدالله حسين كراز
يعمل...
X