ابتسامة فولتير وجدل حول الإنتفاع بحكمة الغرب

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد رندي
    مستشار أدبي
    • 29-03-2008
    • 1017

    #16
    المشاركة الأصلية بواسطة حكيم عباس مشاهدة المشاركة
    فولتير ...



    [align=center][table1="width:95%;"][cell="filter:;"][align=right]
    عندما تستقل القطار المزدحم لفترة طويلة من الزمن ، يخترق أذنيك ضجيج النّاس المختلط بصوت عجلات القطار المعدنية تطرق رأسك ساعات ، جسدك يهتزّ كما لو أنّ أحدا "يخُضّك" كما الحليب لاستخراج السّمن ، ثم و بعد عياءٍ تصل محطّتك ، يتوقّف القطار و تهبط السلّم نحو الرّصيف ، تلمس قدماك الأرض الثابتة ، لكنّك تشعر بعدم اتزان ، الأرض تميد بك ، قوائمك تتراقص تحت جسدك كأنّها تخونك ، تكاد تخور ، في أذنيك الضجيج و صوت طرق معدني ، رأسك منتفخة ، كأنّها غادرت مكانها من على قمّة الرّقبة ، الهدوء النسبي بعيدا عن القطار المتوقّف و ضجيج النّاس يحاول اختراق أذنيك ، تعيش لحظات من الطيشان حين يحاول طرد بقايا الضجيج ... تغادر المحطة مترنّحا ، تبذل جهدا كي تُثبّت خطاك ... تكتشف بعد حين أنّك بدأت تتخلّص من بقايا الرحلة فيك دون أن تجلب لك الرّاحة ، قليل من الدّوار و الإرهاق و رغبة في النوم تهاجمك ..

    ما بك الآن هو بقايا الرّحلة ، بقايا الطريق ، ستحتاج لبعض الوقت و ربما سيغالبك النوم...

    هذه حالنا عندما ننتقل من جو لآخر ، من بيئة لأخرى ، لا نملك القدرة البيولوجية على تحمّل العبور المفاجئ من حالة لحالة ، تضعف قدراتنا على التكيّف أمام التغيّر السريع ، فنمرّ بمرحلة وسطى بين الحالة الأولى و الثانية ، نفقد فيها اتزاننا و كثيرا من قدُراتنا ، إذ نصبح مسرحا لخليط من الحالة الأولى و الثانية .
    حالة المنطقة المختلطة ، أو الوسطى ، قد تطول ببعضنا أو تقصر بالبعض الآخر ، لكنّ الذهن و صفاءه آخر المتأقلمين ، الأخير الذي ينظف من بقايا الحالة الأولى .


    ماذا يجول في خاطرك الآن؟؟

    ليس أكثر من أمنية غامضة تجوبك طولا وعرضا ، أن تتخلّص من هذه الحالة ، تتمنى لو تحصل على قرص دواء تبتلعه و ينتهى فورا ما أنت به ، بل يا ليت لو كان بإمكانك الضّغط على مايشبه فأرة الحاسوب ، فيختفى كلّ هذا التشويش المزدحم على شاشة ذهنك.... لكن للأسف ... للأسف الشديد لا يوجد مثل هذا ، بكل بساطة ، لا يوجد ، و عليك أن تعيش الحالة و كأنّها حالة مخاض ..


    هذه حال أوروبا خارجة من العصور الوسطى بكل ظلمها و ظلامها ، بكل قهرها و استبدادها و شرورها ، إلى عصر النّهضة المليء بالوعود و الألوان الزاهية و مناظر النّعيم و الجنان في الأفق تبرق في البعيد ، و لا تصل...
    علقت في المنطقة الوسطى ، لا تعبر إلى النّعيم المزعوم و لا هي قادرة على طرد الجحيم منها، بقع من الضوء تتناثر في ذهنها و بقع من العتمة تُشرذمها ، فلا هي خارجة للنور و لا هي باقية في الظّلمة . تسكنها لوثة العصور الوسطى و خرافاته و أساطيره و مخالب مستبديه ، يصارعها بعض بصيص النّور .

    أبلغ من مثّل مرحلة الانتقال هذه ، و جسّدها بنفسه و فلسفته كان ديكارت ... الشّك ... الشك بكل شيء ، الشكّ كمعول يتقدّم إرادة العقل ، لكنّه سلاح ذو حدّين ، قد تنجح فيمنحك العبور نحو النّور و الحقيقة ، و قد تفشل فتسقط في دهاليز ظلمات التخبّط و الجنون (مغامرة لا يقدر عليها إلا أمثال ديكارت).
    خلف هذا الشك كان ديكارت يصيغ أفكاره و فلسفته على أسس خرافية لا علمية غارقة بالجهل و السذاجة إلى حدّ الشدوه !!
    خليط من الخرافات و بقايا جهل القرون الوسطى و الشكّ كمعول للعقل في طريقه إلى النّور !!!!... هكذا كان ديكارت و فلسفته أفضل من مثل حالة المنطقة الوسطى بين التنوير و القرون الوسطى .

    هل تمنّت أوروبا الحصول على قرص دواء يخلّصها فورا من هذه الحالة ؟؟ هل حلمت بفأرة حاسوب تضغطها مرّة فيزاح التشويش من ذهنها ، تسقط الغشاوة عن العقل و ينقشع ضباب القرون الوسطى مرّة و إلى الأبد؟؟
    لكن لو فعلت ، و من المؤكّد أنّها فعلت ، فلا أمل ، لا يوجد مثل هذا الدواء و لا مثل هذا السحر !!!

    لكن ليس دائما تصدق مثل هذه الأقاويل ، و ليس دائما تخيب الأماني ...مُنحت أوروبا الفرصة ، و كان فولتير ، قرص دواء ابتلعته فإذا بها تتخلّص من لوثة القرون الوسطى و تعبر إلى عصر التّنوير. فولتير له الفضل الأول بأن مسح الغشاوة عن الذّهن الأوروبي ، طرد ضباب الجهل و الخرافة الذي كان ما يزال يحول دون تلمّسها الطريق نحو عصرٍ تنويري حقيقي.
    مثّل فولتير فرصة تاريخية من الصعب تصديقها ، و من الصعب توقّع تكرارها ، و من المستحيل عدم تمنّيها...

    كيف ؟؟ هل كان فيلسوفا بهذه العظمة كي يقوم بمثل هذا الدور التاريخي؟؟

    لم يكن ، بل إنّه لم يلتزم بأي منهجيّة فلسفية و لا بأساليب الفلسفة في التّقصي و التحليل و البحث ، و مع ذلك أصبحت أعماله فلسفة رائدة مهمّة.
    فولتيرعالم من النّشاط الذي لا يعرف الملل أو التّعب أو التقاعص و الرّكون ، عالم متنوّع هائل ، من الرواية و الشعر إلى المسرح ، و من المقالة و السخرية و التّندر و الصحافة إلى الفلسفة و الفيزياء و الرياضيات و علم الفلك و الطبيعيات ، و من السياسة إلى الفنون الجميلة فالتاريخ و الجغرافيا و علم النّفس و الزراعة و الأعمال و غيرها الكثير ...

    أمران فعلهما فولتير و لم يخطرا بباله و لم يقصدهما و لم يكونا بحسبانه: الأول: أزاح الغشاوة عن ذهن فلاسفة عصره و من أتوا بعده ، و مدّد مساحات أذهانهم ، خلّصهم من بقايا خرافات القرون الوسطى و تغييب العقل ، من خلال مهاجمته العنيفة و تحطيم جلالة و هيبة ما تبقى للكنيسة و شبحها المخيف ، و من خلال مهاجمته العنيفة لرموز العصر و عمالقته الذين تجمّدت حولهم و تراخت عقول الفلاسفة ، رموز مهمّة و كبيرة لم يتجرأ أحد عليها بمثل ما فعل فولتير، هجومه الكاسح على ديكارت و جان جاك روسو و سبينوزا و غيرهم ، فأعطى الفلاسفة درسا بأن لا يدعوا العقل يقف عند أحد كائن من كان.
    ثم و كي يكتمل الدّور ، نسف كلّ الأسس الخرافية غير العلمية التي كانت تُبنى عليها الفلسفة ، و وضع أمامهم حججه القوية العنيفة العلمية التي استقاها من الرياضيات و الفيزياء و الفلك و آخر ما توصل له اسحق نيوتن وصحبه في مجال المادة و قوى الجاذبية .
    الأمر الثاني: من خلال أشعاره و مقالاته و سخرياته التي زرعت البسمة على كلّ الوجوه ، و من خلال مسرحيّاته التي لاقت رواجا شعبيا مُذهلا ، قرّب الفلسفة و قضاياها الكبرى التي تشغل الفلاسفة ، قرّبها للجمهور ، فخلق عند الجمهور ذوقا فلسفيا (إن صحّ التعبير) ، فردم الهوّة بين الفلاسفة و القرّاء و عامة النّاس ، و أصبح مفعول الفلسفة أقوى ، و نتائج ما يقوله الفلاسفة سريعا محسوسا مدويّا بين الناس ، لقد استطاع أن يصنع جمهورا يقرأ و يتابع و يتذوّق ، و هذا الجمهور بعد ذلك ، تطوّر و نمى ، و ما زالت تنعم أوروبا بهذه الهدية التي نفتقدها حتى نخاع العظم.

    نحن يا سيّدي ما زلنا نتغذى على عقليّة تلميذ المدرسة ، كل المسائل الكبرى التي تسدّ الطريق علينا و تستفحل فتقعدنا و تضغطنا لنغور في التراب ، نحوّلها لمواضيع تعبير مدرسيّة ... يدخل المعلّم و يكتب على الصبورة :- أكتب موضوع تعبير حول واحدة من العناوين التالية: 1. عيد الأم .. 2. التراث و الأصالة .. 3. كنتم خير أمّة أخرجت للناس.. 4. الربيع في ظلّ الاحتلال . 5. كلّكم راع و كلكم مسئول عن رعيّته 6. الأمة الأخلاق ..... الخ
    فنكتب .. و نكتب و لا نبقى بيتا من الشعر قيل إلا أوردناه مثلا في الموضوع ، إذ أن المعلم قال ، من يضع مثلا في موضوعه يكون آية كريمة أو حديثا شريفا أو بيت شعر يحصل على علامتين إضافيتين..
    و نقدح الذاكرة ، و نزجّ بآيات الله و أحاديث رسوله أمثلة ، كان لها أو لم يكن علاقة بالموضوع ، و كلّه طمعا بالعلامتين... و نكتب و نصب جام غضبنا على الآخر الملعون ، الغربي المتحلّل من الأخلاق ، الكافر المتربّص بنا و بديننا ، و نعود للأمّة و للذّات و نمجّدها و نرفعها ، و لأننا من الصحرا و الصحراء أفاق و مدى باتّساع الفضاء ، كذلك خيالنا الخصب ، فنجنّح و نحلّق بالذّات ، نمجدّها عاليا ثمّ أكثر فأكثر علوّا.. حتى نصل الذروة ، و تكتمل عناصر الموضوع ، نضع النقطة و نخرج نلهو و كأنّ شيئا لم يكن، و لا نفعل أي شيء من ما كتبناه ، فقد كتبنا و انتهى الكابوس..و حصلنا على العلامتين الإضافيتين.

    ما زلنا ياسيّدي هكذا كما كنّا تلاميذا في المدرسة نجري خلف علامتين إضافيتين ، لمجرّد ذكر آية أو حديث أو بيت شعر لا علاقة له بالموضوع ..
    هذه الغشاوة التي تلفّ عقولنا ، متعلّمين و مثقّفين و أكاديميين كبار ، أصحاب القاب مذهلة تُحدث السكتة القلبية عند سماعها : مثل العالم العلامة و المثقف الموسوعي الأستاذ الدكتور المفكّر الكبير .. الكبير الكبير الذي خزق الآزون لكبره.. تنصت لتسمع فتسمع ، شتيمة للغرب الكافر الملحد المتحلّل الذي يُمنع منعا باتّا ولوج عتبة بيتنا الثقافي ، لأن ذلك جلبٌ و استيراد للأفكار الغريبة ، و تشبّه و تقليد لا أصالة فيه ، استغراب و دمار ، لن يتخطّى عتبة الدّار ... هل سمعت يا سيّدي ؟ لن يتخطّى عتبة الدار !! و الاحتلال أمتد من القدس إلى بغداد و حتى غرفة النّوم ..

    ما زلنا نجهل كيف نغوص في التجربة الإنسانية ، نستخلص منها العبرة ، فقط العبرة لتنير طريقنا ، لا نستطيع التمييز بين أخذ العبرة و بين استعارة الفكر و بين التجربة نفسها ، لقد أصبحت كلّ تجارب الآخرين حقولا ملغومة ، لو وطأتها ، لقاموا عليك تلاميذ مواضيع التعبير المدرسي ، يتهمونك باستيراد البضاعة الغربية الكاسدة ، و لخسرت العلامتين الإضافيتين .. و الله .. ثمّ و الله أن عمر بن الخطاب ، خليفة رسول الله ، بعث بفرق من عنده لبلاد الساسانيين كي يتعلّموا منهم و يأخذوا عنهم فنّ الإدارة و التنظيم ..
    لم يفزّ بوجهه الذين خزقوا الآزون لكبرهم يقولون له لا... لا ياعمر .. أتغربنا يا عمر؟؟؟
    لكنّهم يستفحلون علينا غلاة مغلولين ظلاميين مكبّلين بألقابهم و بالعلامتين الإضافيتين يخرجهما لهم من عباءته شيخ الطريقة أو المسئول الحزبيّ (فالدين صار حزبا و شيخ الطّريقة ينوب عن المعلّم الذي استقال لأن راتبه لا يطعم أولاده)
    يا سيّدي ، هؤلاء يريدون منّا البقاء في هذه الحالة ، حالة الخلل بعد أن تهبط من القطار على أرض الرّصيف ، و لا يريدون منّا حتى التمنى بوجود قرص دواء يخرجنا من لوثات الحالة، أو ضغط فأرة حاسوب تخلّصنا من عذاب التشويش.. يريدون أن يهدّنا الإرهاق و التّعب .. ثمّ ننام لنستريح قليلا.. ننام و يسدل التّاريخ ستاره .. لكن لا تنسوا ختن نسائكم قبل النوم ، كي تنام الرغبة و تهدأ ، فلا يأتيكم القلق و السهد على الشرف الرّفيع الذي إن تأذى يحتاج لسيوف ... لأنّ السيوف على كبركم و علوّ ألقابكم التي خزقت الآزون ما زلتم دون سنّ البلوغ لحملها..
    فلتعلم أنّني لن أختن نسائي و سأتمنى فولتير ، أتمنّاه كقرص دواء نبلعه فنخلص من ما نحن فيه من دوار و خلط وضياع.
    أعرف أنّني سأخسر العلامات الإضافية .... لقد مللت قائمة عناوين مواضيع التعبير المدرسية ... يا سيّدي..

    حكيم
    [/align][/cell][/table1][/align]
    [line]-[/line]

    ـ العزيز الغالي الدكتور حكيم عباس ..
    ـ قد لانحتاج اليوم كثيرا لفولتير ، ليس خشية من أن نفقد العلامات الإضافية ، ولكن خشية أن نبدده في ظلمة الليل الحالكة هذه ..
    إننا وفقط نحتاج إلى هذا الفكر وإلى هذه الرؤى كي نمتلك شجاعة ركوب القطار ونبدأ الرحلة ..وبعدها فقط سنبحث عن القرص السحري الذي يعيد لنا التوازن الذي فقدناه في الرحلة ..
    شكرا جزيلا لفولتير الذي أنعم علينا أيضا هذا الحضور المبهج الكريم .
    تحياتي
    sigpic

    تعليق

    • محمد رندي
      مستشار أدبي
      • 29-03-2008
      • 1017

      #17
      المشاركة الأصلية بواسطة فتون بسام حلبي مشاهدة المشاركة
      السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

      شكرا على هذه الجهود المبذولة

      بوركت يمناك
      [line]-[/line]
      الأخت الفاضلة فتون بسام حلبي ..
      شكرا لجميل إهتمامك ،وطيب مرورك .
      أتمنى أن تكوني دوما مساهمة ومتابعة معنا .
      تحياتي
      sigpic

      تعليق

      يعمل...
      X