.1: مفهوم الشعر:
يرى عبد الوهاب البياتي الشعر تجربة وجودية اجتماعية تستهدف خلق توافق بين الواقع الإنساني وبين أحلامه وطموحاته. فالواقع الوجودي موسوم باللامعنى والفوضى والعبثية، والواقع الاجتماعي سمته الشر والظلم الاجتماعي. والشعر بطبيعته تمرد ضد هذه السمات، وبحث إبداعي عن نظام للفوضى الأبدية وسلاح لمواجهة الشر والظلم.
يستمد البياتي هذا التصور من تجربتين مختلفتين: التجربة الوجودية التي ترى الوجود عبثا وغثيانا، وتبحث عن وسيلة تجعل له معنى، وتخرج الإنسان من حالته العبثية إلى حالة الإنسان الواعي بمصيره، والمصمم على مواجهته. ثم التجربة الواقعية كما تجلت في أشعار أودن ونيرودا وإلوارد وناظم حكمت ولوركا وألكسندر بلوك وماياكوفسكي، وهي تجربة تتوخى إعادة بناء الواقع وخلقه في صورة جديدة.
وقد ساهم الواقع الاجتماعي المزري الذي تعيشه الجماهير العراقية، وعاشه الشاعر معها، في ضمور الدافع الوجودي والميتافيزيقي، وهيمنة الدافع الاجتماعي والسياسي. فقد رفض البياتي كل التجارب الشعرية " المشحونة بالهلوسة الصوفية وادعاء الاستبصار" ، ووصفها بالزيف لأنها تنبني على " حدس غير علمي مستمد من الخيبة والنظرة المثالية، والقراءات والأوهام والخيالات والأمراض النفسية والعصبية"، كما أنها تهمل الحاضر، وتستشرف مستقبلا لن يأتي. ويدعو في المقابل إلى "الفهم الموضوعي للتناقضات التي تسود قانون الحياة، وفهم اكتشاف منطق حركة التاريخ والتفاعل مع أحداث العصر" دون أن يفهم من ذلك إيمانه بالانعكاس المرآوي للواقع في الشعر. فالشاعر كالثوري يهدف إلى خلق إنسان جديد وإبداع واقع جديد. والفرق بينهما في أن الشاعر لا مستقر له، فهو جوّاب يواصل السفر والرحلة إلى ما لا نهاية، في حين أن الثوري يتوقف لتعمير ما حرره.
.2 : الرسالة الشعرية:
يمكن حصر رسالة البياتي إلى جمهوره في موضوعين: الغربة والنفي والموت والولادة.
.2 .1 : تجربة الغربة والنفي:
.2 .1 .1: الغربة الوجودية: إذا كانت الوجودية قد اقترحت الوعي والتصميم والالتزام حلولا لعبثية الحياة وغثيانها، فإن البياتي قد واجه غربته بالتمرد، تمرد ضد الموت المجاني الذي يحصد يوميا آلاف الناس، ومواجهته بالموت من أجل الحرية. فالأول لا قيمة له، ولا قيمة للحياة قبله، لأن الإنسان لا يختاره. أما الموت من أجل الحرية، فهو اختيار وواجب وتجسيد لطريق الحرية، وتحقيق لآمال المجتمع، وتحول من إنسان عادي إلى بطل نموذجي. وقد تولدت هذه التجربة في نفسية الشاعر من واقع الخمسينيات الذي وصفه بالدمار واليأس والعقم. ومن موقع حيه ومسكنه المقابل للمقابر التي تستقبل يوميا وافدين جددا انتهت دورة حياتهم، كما تولدت من تجربة الضياع والنفي الإبعادي. " فالنفي والغربة التي يشعر بها الفنان وهو يجوب العالم بعيدا عن أرضه، إنما تعني أن يواجه الشاعر فقدان حريته، وأن يواجه موته مع كل منفى جديد" .
.2 .1 .2 : الغربة الاجتماعية : وتتولد عن النفي الطبقي الاجتماعي، "وبطله الإنسان الفقير الذي ترك جائعا محروما عاريا ليواجه هذا المستوى من الحياة". وهي تجربة أخرى عاشها الشاعر الذي رحل من البادية إلى المدينة ليصطدم بالواقع المزيف. وقد تجسدت هذه الغربة في أشكال متعددة:
أ ـ الغربة في المدينة: وهي غربة ناتجة عن التناقض بين تصور الشاعر للمدينة بوصفها امتدادا لحضارات تاريخية متعاقبة، وبين واقعها المستلب الذي حولها إلى ملتقى لكل ما هو مستورد من هنا وهناك، فأضحت مكانا مزيفا ومفروضا أعلن قطيعته مع امتداده التاريخي.
ولم تكن هذه المدينة مجرد فضاء فقد أصالته وعمقه التاريخي، بل هي أيضا مجتمع متسول فقد شخصيته الأصيلة وصوته الحقيقي ليستعير أزياء أخرى بهرته. وكان من الطبيعي أن تكون النتيجة هي التمرد والرفض لهذا الواقع المزيف.
ب ـ الغربة في المجتمع: لقد انفتح الشاعر على واقع الخمسينيات، ولعبة تبادل المراكز، واستخدام كافة الأساليب الميكيافيلية والأيديولوجية لإيقاف الثورة. فاكتشف الواقع المزري والبؤس المفزع الذي تعيشه الجماهير. يضاف إلى كل ذلك، موت إرنيستو غيفارا وغيره من رموز الثورة. فعاش البياتي غربة سياسية واجتماعية دفعته إلى البحث عما يتبقى من هؤلاء بعد موتهم. وسيجد جوابه في الفعل الإنساني ومنه الشعر. إنه " نوع من المعادل لوجود الإنسان الذي يفنى في كل لحظة، إنه الوجه الثاني للواقع والوجود، فالشاعر عندما يكون قد انتهى على هذه الأرض، يكون وجوده الحقيقي قد وجد من خلال أشعاره.". وتكمن أهمية الثوري والشاعر على السواء بوصفهما إنسانين متناهيين في قدرتهما على تحقيق هذا الفعل، وبذلك ينتصران على قوانين الطبيعة والحياة ويستأثران بها.
2. 2 : تجربة الموت والحياة: تعد هذه التجربة من بين التجارب التي هيمنت على الشعر العربي الحديث في نهاية الخمسينيات وبداية الستينات، واشتهر بها شعراء أطلق عليهم اسم "الشعراء التموزيون". وقد استغل عبد الوهاب البياتي هذه التجربة، وساهم فيها بشكل فعال مستمدا تصوره وأبطاله من الثقافة العراقية القديمة التي تعد مهد أسطورة الموت والانبعاث. كما استمده من الحضارة العربية الإسلامية وثقافتها التي يتوخى بعثها من جديد.
وقد وظف الشاعر هذه الأسطورة للتعبير من خلالها "عن انتقال عبر لحظات إلى ذات أكثر كمالا"، ويتم ذلك بالثورة وعملية الخلق الفني والإخصاب الأسطوري والبيولوجي. فالحضارات ليست كالإنسان، وإنما تولد وتموت وتبعث ثانية في شكل أحسن. وقد طبق هذا على الحضارة العربية الإسلامية. فبعد أن عاشت مرحلة ولادتها وازدهارها، دخلت مرحلة الكسوف منذ سقوط بغداد. وتلمس الشعر المعاصر فجرها الجديد في النصف الثاني من القرن العشرين.
وقد توسل الشاعر في نقل هذين التجربتين بتقنية القناع الأسطوري، وذلك للتوفيق بين المتناهي واللامتناهي في زمن ينعدم فيه الفرق بين الموت والحياة ، كما يتوحد فيه الماضي والحاضر والمستقبل. وقد ساعدته هذه التقنية على التخلص من الذاتية، وذلك بإضفاء طابع الموضوعية على صوته، وإحداث مسافة بين الذات والموضوع. إلا أن نجاح أو عدم نجاح الشاعر مرهون باختيار الأساطير الملائمة، والتوفيق في الربط بين سماتها الدالة وما يريد التعبير عنه من أفكار.
كما توسل أيضا بالإيقاع بكل مكوناته، يقول : " ... التفاعيل مرتبطة بحركة الواقع، وهذا مرتبط بواقع أبعد منه، أي أنني أتلمس بموسيقى أو عروض هذه القصيدة أو تلك طريقي للوصول إلى أهداف بعيدة، وليس للقيام باستعراض شعري(...) فعندما أكتب القصيدة أهدف إلى أن أقول ما أريد قوله أنا، لا ما تمليه علي الأوزان أو القوافي أو التداعيات اللغوية. يتم توحيد وتوحّد واتحاد بين نفسي وبين كافة عناصر وأدوات القصيدة الشعرية قبل أن أبدأ الكتابة. حين يتم التوحد تأتي عملية ولادة القصيدة الشعرية، فتركيب القصيدة مرتبط مع موسيقاها، وعملية البناء هي عملية تطوير للوقع الموسيقي"[1].
يفصح هذا القول عن تصور البياتي لمختلف مكونات العملية الإبداعية، فالوزن لم يعد كما كان مجرد مقياس نظري يفرض على اللغة لتقاس على مقاسه، وإنما أصبح جزءا منها، ومن العملية الإبداعية برمتها. فهو وليد التجربة، ووليد الواقع الذي ترتبط به، ويدخل في علاقة تفاعل نصي مع باقي مكونات القصيدة الأخرى. من هنا، لا يهتم البياتي بوصفه شاعرا باختيار هذا الإيقاع أو ذاك ، كما لا يهتم بتجاوز الأوزان العربية بدعوى الحداثة أو بدعوى عدم استيعابها للمضامين الحديثة. فما يهمه هو الإبداع في حد ذاته. من هذا المنطلق، يرفض استيراد الأشكال الشعرية الجاهزة من الغرب، لأنها ليست وليدة التجربة الشعرية العربية.
من قصائد الشاعر التي سأقارب معناها في ضوء تصور الشاعر للشعر ووظيفته.
عذاب الحلاج
1 . المريـــــد
سقطت في العتمة والفراغ
تلطخت روحك بالأصباغ
شربت من آبارهم
أصابك الدوار
تلوثت يداك بالحبر وبالغبار
وها أنا أراك عاكفا على هذي النار
صمتك : بيت العنكبوت، تاجك : الصبار
يا ناحرا ناقته للجار
طرقت بابي بعد أن نام المغني
بعد أن تحطم القيتار.
من أين لي ؟ وأنت في الحضرة تستجلي
وأين أنتهي ؟ وأنت في بداية انتهاء
سواعدنا الحشر: فلا تفض ختم كلمات الريح
فوق الماء
ولا تمس ضرع هذي العنزة الجرباء
فباطن الأشياء
ظاهرها ـ فظن ما تشاء
من أين لي ؟ ونارهم في أبد الصحراء
تراقصت وانطفأت
وها أنا أراك في ضراعة البكاء
في هيكل النور غريقا، صامتا، تكلم المساء
2 . رحلة حول الكلمات
ما أوحش الليل إذا ما انطفأ المصباح
وأكلت خبز الجياع الكادحين زمر الذئاب
وصائدو الذباب
وخربت حديقة الصباح
السحب السوداء والأمطار والرياح
وأوحش الخريف فوق هذه الهضاب
وهو يدب في عروق شجر الزقوم،
في خمائل الضباب.
يا مسكري بحبه
محيري في قربه
يا مغلق الأبواب
الفقراء منحوني هذه الأسمال
وهذه الأقوال
فمد لي يديك عبر سنوات الموت والحصار
والصمت والبحث عن الجذور والآبار
ومزق الأسداف
وليقبل السياف
فناقتي نحرتها وأكل الأضياف
وارتحلوا
وها أنا أقلب الأصداف
لعلها أوراق ورد طيرتها الريح فوق
ميت ، لعلها أطياف .
3 . فسيفساء
مهرج السلطان
كان ـ ويا ما كان ـ
في سالف الأزمان
يداعب الأوتاريمشي فوق حدالسيف والدخان
يرقص فوق الحبل ، يأكل الزجاج ، ينثني
مغنيا سكران
يقلد السعدان
يركب فوق ظهره الأطفال في البستان
يخرج للشمس ـ إذا مدت إليه يدها، اللسان
يكلم النجوم والأموات
ينام في الساحات
كان يحب ابنة السلطان
يحيا على ضفاف نهر صوتها
وصمتها
لكنها ماتت كما الفراشة البيضاء في الحقول
تموت في الأفول
فجن بعد موتها
ولاذ بالصمت وما سبح إلا باسمها
وذات يوم جاءني
يسألني
عن الذي يموت في الطفوله
عن الذي يولد في الكهوله
رويت ما رأيت
رأيت ما رويت
كان ويا ما كان .
4 . المحاكمة
بحت بكلمتين للسلطان
قلت له : جبان
قلت لكلب الصيد كلمتين
ونمت ليلتين
حلمت فيهما بأني لم أعد لفظين
توحدت
تعانقت
وباركت ـ أنت أنا
تعاستي
ووحشتي
وضج في خرائب المدينة
الفقراء إخوتي /يبكون،
فاستيقظت مذعوراعلى وقع خطا الزمان
ولم أجد إلا شهود الزور والسلطان
حولي يحومون، وحولي يرقصون : إنها وليمة الشيطان
بين الذئاب ، ها أنا عريان
قتلتني
هجرتني
نسيتني
حكمت بالموت علي قبل ألف عام
وها أنا أنام
منتظرا فجر خلاصي، ساعة الإعدام .
5 . الصلب
في سنوات العقم والمجاعه
باركني
عانقني
كلمني
ومد لي ذراعه
وقال لي :
الفقراء ألبسوك تاجهم ،
وقاطعو الطريق
والبرص والعميان والرقيق
وقال لي : إياك
وأغلق الشباك
واندفع القضاة والشهود والسياف
فأحرقوا لساني
ونهبوا بستاني
وبصقوا في البئر ، يا محيري
ومسكري
وطردوا الأضياف
من أين لي أن اعبر الضفاف
والنار أصبحت رمادا هامدا
من أين لي ؟ يا مغلق الأبواب
والعقم واليباب :
مائدتي ، عشائي الأخير في وليمة الحياه
فافتح لي الشباك ، مد لي يديك آه !
6 . رماد في الريح
عشر ليال وأنا أكابد أهوال
وأعتلي صهوة هذا الألم القتال
أوصال جسمي قطعوها
أحرقوها
نثروا رمادها في الريح
دفاتري
تناهبوا أوراقها
وأخمدوا أشواقها
ومرغوا الحروف في الأوحال
دمي بأسمال
ها أنذا بلا أسمال
حر كهذي النار والريح، أنا حر إلى الأبد.
يا قطرات مطرالصيف،
ويامدينة ماعاد منها أبدا أحد
أوصال جسمي أصبحت سماد
في غابة الرماد
ستكبر الغابة ، يا معانقي
وعاشقي
ستكبر الأشجار
سنلتقي بعد غد في هيكل الأنوار
فالزيت في المصباح لن يجف، والموعد لن يفوت ،
والجرح لن يبرأ ، والبذرة لن تموت . §
يرى عبد الوهاب البياتي الشعر تجربة وجودية اجتماعية تستهدف خلق توافق بين الواقع الإنساني وبين أحلامه وطموحاته. فالواقع الوجودي موسوم باللامعنى والفوضى والعبثية، والواقع الاجتماعي سمته الشر والظلم الاجتماعي. والشعر بطبيعته تمرد ضد هذه السمات، وبحث إبداعي عن نظام للفوضى الأبدية وسلاح لمواجهة الشر والظلم.
يستمد البياتي هذا التصور من تجربتين مختلفتين: التجربة الوجودية التي ترى الوجود عبثا وغثيانا، وتبحث عن وسيلة تجعل له معنى، وتخرج الإنسان من حالته العبثية إلى حالة الإنسان الواعي بمصيره، والمصمم على مواجهته. ثم التجربة الواقعية كما تجلت في أشعار أودن ونيرودا وإلوارد وناظم حكمت ولوركا وألكسندر بلوك وماياكوفسكي، وهي تجربة تتوخى إعادة بناء الواقع وخلقه في صورة جديدة.
وقد ساهم الواقع الاجتماعي المزري الذي تعيشه الجماهير العراقية، وعاشه الشاعر معها، في ضمور الدافع الوجودي والميتافيزيقي، وهيمنة الدافع الاجتماعي والسياسي. فقد رفض البياتي كل التجارب الشعرية " المشحونة بالهلوسة الصوفية وادعاء الاستبصار" ، ووصفها بالزيف لأنها تنبني على " حدس غير علمي مستمد من الخيبة والنظرة المثالية، والقراءات والأوهام والخيالات والأمراض النفسية والعصبية"، كما أنها تهمل الحاضر، وتستشرف مستقبلا لن يأتي. ويدعو في المقابل إلى "الفهم الموضوعي للتناقضات التي تسود قانون الحياة، وفهم اكتشاف منطق حركة التاريخ والتفاعل مع أحداث العصر" دون أن يفهم من ذلك إيمانه بالانعكاس المرآوي للواقع في الشعر. فالشاعر كالثوري يهدف إلى خلق إنسان جديد وإبداع واقع جديد. والفرق بينهما في أن الشاعر لا مستقر له، فهو جوّاب يواصل السفر والرحلة إلى ما لا نهاية، في حين أن الثوري يتوقف لتعمير ما حرره.
.2 : الرسالة الشعرية:
يمكن حصر رسالة البياتي إلى جمهوره في موضوعين: الغربة والنفي والموت والولادة.
.2 .1 : تجربة الغربة والنفي:
.2 .1 .1: الغربة الوجودية: إذا كانت الوجودية قد اقترحت الوعي والتصميم والالتزام حلولا لعبثية الحياة وغثيانها، فإن البياتي قد واجه غربته بالتمرد، تمرد ضد الموت المجاني الذي يحصد يوميا آلاف الناس، ومواجهته بالموت من أجل الحرية. فالأول لا قيمة له، ولا قيمة للحياة قبله، لأن الإنسان لا يختاره. أما الموت من أجل الحرية، فهو اختيار وواجب وتجسيد لطريق الحرية، وتحقيق لآمال المجتمع، وتحول من إنسان عادي إلى بطل نموذجي. وقد تولدت هذه التجربة في نفسية الشاعر من واقع الخمسينيات الذي وصفه بالدمار واليأس والعقم. ومن موقع حيه ومسكنه المقابل للمقابر التي تستقبل يوميا وافدين جددا انتهت دورة حياتهم، كما تولدت من تجربة الضياع والنفي الإبعادي. " فالنفي والغربة التي يشعر بها الفنان وهو يجوب العالم بعيدا عن أرضه، إنما تعني أن يواجه الشاعر فقدان حريته، وأن يواجه موته مع كل منفى جديد" .
.2 .1 .2 : الغربة الاجتماعية : وتتولد عن النفي الطبقي الاجتماعي، "وبطله الإنسان الفقير الذي ترك جائعا محروما عاريا ليواجه هذا المستوى من الحياة". وهي تجربة أخرى عاشها الشاعر الذي رحل من البادية إلى المدينة ليصطدم بالواقع المزيف. وقد تجسدت هذه الغربة في أشكال متعددة:
أ ـ الغربة في المدينة: وهي غربة ناتجة عن التناقض بين تصور الشاعر للمدينة بوصفها امتدادا لحضارات تاريخية متعاقبة، وبين واقعها المستلب الذي حولها إلى ملتقى لكل ما هو مستورد من هنا وهناك، فأضحت مكانا مزيفا ومفروضا أعلن قطيعته مع امتداده التاريخي.
ولم تكن هذه المدينة مجرد فضاء فقد أصالته وعمقه التاريخي، بل هي أيضا مجتمع متسول فقد شخصيته الأصيلة وصوته الحقيقي ليستعير أزياء أخرى بهرته. وكان من الطبيعي أن تكون النتيجة هي التمرد والرفض لهذا الواقع المزيف.
ب ـ الغربة في المجتمع: لقد انفتح الشاعر على واقع الخمسينيات، ولعبة تبادل المراكز، واستخدام كافة الأساليب الميكيافيلية والأيديولوجية لإيقاف الثورة. فاكتشف الواقع المزري والبؤس المفزع الذي تعيشه الجماهير. يضاف إلى كل ذلك، موت إرنيستو غيفارا وغيره من رموز الثورة. فعاش البياتي غربة سياسية واجتماعية دفعته إلى البحث عما يتبقى من هؤلاء بعد موتهم. وسيجد جوابه في الفعل الإنساني ومنه الشعر. إنه " نوع من المعادل لوجود الإنسان الذي يفنى في كل لحظة، إنه الوجه الثاني للواقع والوجود، فالشاعر عندما يكون قد انتهى على هذه الأرض، يكون وجوده الحقيقي قد وجد من خلال أشعاره.". وتكمن أهمية الثوري والشاعر على السواء بوصفهما إنسانين متناهيين في قدرتهما على تحقيق هذا الفعل، وبذلك ينتصران على قوانين الطبيعة والحياة ويستأثران بها.
2. 2 : تجربة الموت والحياة: تعد هذه التجربة من بين التجارب التي هيمنت على الشعر العربي الحديث في نهاية الخمسينيات وبداية الستينات، واشتهر بها شعراء أطلق عليهم اسم "الشعراء التموزيون". وقد استغل عبد الوهاب البياتي هذه التجربة، وساهم فيها بشكل فعال مستمدا تصوره وأبطاله من الثقافة العراقية القديمة التي تعد مهد أسطورة الموت والانبعاث. كما استمده من الحضارة العربية الإسلامية وثقافتها التي يتوخى بعثها من جديد.
وقد وظف الشاعر هذه الأسطورة للتعبير من خلالها "عن انتقال عبر لحظات إلى ذات أكثر كمالا"، ويتم ذلك بالثورة وعملية الخلق الفني والإخصاب الأسطوري والبيولوجي. فالحضارات ليست كالإنسان، وإنما تولد وتموت وتبعث ثانية في شكل أحسن. وقد طبق هذا على الحضارة العربية الإسلامية. فبعد أن عاشت مرحلة ولادتها وازدهارها، دخلت مرحلة الكسوف منذ سقوط بغداد. وتلمس الشعر المعاصر فجرها الجديد في النصف الثاني من القرن العشرين.
وقد توسل الشاعر في نقل هذين التجربتين بتقنية القناع الأسطوري، وذلك للتوفيق بين المتناهي واللامتناهي في زمن ينعدم فيه الفرق بين الموت والحياة ، كما يتوحد فيه الماضي والحاضر والمستقبل. وقد ساعدته هذه التقنية على التخلص من الذاتية، وذلك بإضفاء طابع الموضوعية على صوته، وإحداث مسافة بين الذات والموضوع. إلا أن نجاح أو عدم نجاح الشاعر مرهون باختيار الأساطير الملائمة، والتوفيق في الربط بين سماتها الدالة وما يريد التعبير عنه من أفكار.
كما توسل أيضا بالإيقاع بكل مكوناته، يقول : " ... التفاعيل مرتبطة بحركة الواقع، وهذا مرتبط بواقع أبعد منه، أي أنني أتلمس بموسيقى أو عروض هذه القصيدة أو تلك طريقي للوصول إلى أهداف بعيدة، وليس للقيام باستعراض شعري(...) فعندما أكتب القصيدة أهدف إلى أن أقول ما أريد قوله أنا، لا ما تمليه علي الأوزان أو القوافي أو التداعيات اللغوية. يتم توحيد وتوحّد واتحاد بين نفسي وبين كافة عناصر وأدوات القصيدة الشعرية قبل أن أبدأ الكتابة. حين يتم التوحد تأتي عملية ولادة القصيدة الشعرية، فتركيب القصيدة مرتبط مع موسيقاها، وعملية البناء هي عملية تطوير للوقع الموسيقي"[1].
يفصح هذا القول عن تصور البياتي لمختلف مكونات العملية الإبداعية، فالوزن لم يعد كما كان مجرد مقياس نظري يفرض على اللغة لتقاس على مقاسه، وإنما أصبح جزءا منها، ومن العملية الإبداعية برمتها. فهو وليد التجربة، ووليد الواقع الذي ترتبط به، ويدخل في علاقة تفاعل نصي مع باقي مكونات القصيدة الأخرى. من هنا، لا يهتم البياتي بوصفه شاعرا باختيار هذا الإيقاع أو ذاك ، كما لا يهتم بتجاوز الأوزان العربية بدعوى الحداثة أو بدعوى عدم استيعابها للمضامين الحديثة. فما يهمه هو الإبداع في حد ذاته. من هذا المنطلق، يرفض استيراد الأشكال الشعرية الجاهزة من الغرب، لأنها ليست وليدة التجربة الشعرية العربية.
من قصائد الشاعر التي سأقارب معناها في ضوء تصور الشاعر للشعر ووظيفته.
عذاب الحلاج
1 . المريـــــد
سقطت في العتمة والفراغ
تلطخت روحك بالأصباغ
شربت من آبارهم
أصابك الدوار
تلوثت يداك بالحبر وبالغبار
وها أنا أراك عاكفا على هذي النار
صمتك : بيت العنكبوت، تاجك : الصبار
يا ناحرا ناقته للجار
طرقت بابي بعد أن نام المغني
بعد أن تحطم القيتار.
من أين لي ؟ وأنت في الحضرة تستجلي
وأين أنتهي ؟ وأنت في بداية انتهاء
سواعدنا الحشر: فلا تفض ختم كلمات الريح
فوق الماء
ولا تمس ضرع هذي العنزة الجرباء
فباطن الأشياء
ظاهرها ـ فظن ما تشاء
من أين لي ؟ ونارهم في أبد الصحراء
تراقصت وانطفأت
وها أنا أراك في ضراعة البكاء
في هيكل النور غريقا، صامتا، تكلم المساء
2 . رحلة حول الكلمات
ما أوحش الليل إذا ما انطفأ المصباح
وأكلت خبز الجياع الكادحين زمر الذئاب
وصائدو الذباب
وخربت حديقة الصباح
السحب السوداء والأمطار والرياح
وأوحش الخريف فوق هذه الهضاب
وهو يدب في عروق شجر الزقوم،
في خمائل الضباب.
يا مسكري بحبه
محيري في قربه
يا مغلق الأبواب
الفقراء منحوني هذه الأسمال
وهذه الأقوال
فمد لي يديك عبر سنوات الموت والحصار
والصمت والبحث عن الجذور والآبار
ومزق الأسداف
وليقبل السياف
فناقتي نحرتها وأكل الأضياف
وارتحلوا
وها أنا أقلب الأصداف
لعلها أوراق ورد طيرتها الريح فوق
ميت ، لعلها أطياف .
3 . فسيفساء
مهرج السلطان
كان ـ ويا ما كان ـ
في سالف الأزمان
يداعب الأوتاريمشي فوق حدالسيف والدخان
يرقص فوق الحبل ، يأكل الزجاج ، ينثني
مغنيا سكران
يقلد السعدان
يركب فوق ظهره الأطفال في البستان
يخرج للشمس ـ إذا مدت إليه يدها، اللسان
يكلم النجوم والأموات
ينام في الساحات
كان يحب ابنة السلطان
يحيا على ضفاف نهر صوتها
وصمتها
لكنها ماتت كما الفراشة البيضاء في الحقول
تموت في الأفول
فجن بعد موتها
ولاذ بالصمت وما سبح إلا باسمها
وذات يوم جاءني
يسألني
عن الذي يموت في الطفوله
عن الذي يولد في الكهوله
رويت ما رأيت
رأيت ما رويت
كان ويا ما كان .
4 . المحاكمة
بحت بكلمتين للسلطان
قلت له : جبان
قلت لكلب الصيد كلمتين
ونمت ليلتين
حلمت فيهما بأني لم أعد لفظين
توحدت
تعانقت
وباركت ـ أنت أنا
تعاستي
ووحشتي
وضج في خرائب المدينة
الفقراء إخوتي /يبكون،
فاستيقظت مذعوراعلى وقع خطا الزمان
ولم أجد إلا شهود الزور والسلطان
حولي يحومون، وحولي يرقصون : إنها وليمة الشيطان
بين الذئاب ، ها أنا عريان
قتلتني
هجرتني
نسيتني
حكمت بالموت علي قبل ألف عام
وها أنا أنام
منتظرا فجر خلاصي، ساعة الإعدام .
5 . الصلب
في سنوات العقم والمجاعه
باركني
عانقني
كلمني
ومد لي ذراعه
وقال لي :
الفقراء ألبسوك تاجهم ،
وقاطعو الطريق
والبرص والعميان والرقيق
وقال لي : إياك
وأغلق الشباك
واندفع القضاة والشهود والسياف
فأحرقوا لساني
ونهبوا بستاني
وبصقوا في البئر ، يا محيري
ومسكري
وطردوا الأضياف
من أين لي أن اعبر الضفاف
والنار أصبحت رمادا هامدا
من أين لي ؟ يا مغلق الأبواب
والعقم واليباب :
مائدتي ، عشائي الأخير في وليمة الحياه
فافتح لي الشباك ، مد لي يديك آه !
6 . رماد في الريح
عشر ليال وأنا أكابد أهوال
وأعتلي صهوة هذا الألم القتال
أوصال جسمي قطعوها
أحرقوها
نثروا رمادها في الريح
دفاتري
تناهبوا أوراقها
وأخمدوا أشواقها
ومرغوا الحروف في الأوحال
دمي بأسمال
ها أنذا بلا أسمال
حر كهذي النار والريح، أنا حر إلى الأبد.
يا قطرات مطرالصيف،
ويامدينة ماعاد منها أبدا أحد
أوصال جسمي أصبحت سماد
في غابة الرماد
ستكبر الغابة ، يا معانقي
وعاشقي
ستكبر الأشجار
سنلتقي بعد غد في هيكل الأنوار
فالزيت في المصباح لن يجف، والموعد لن يفوت ،
والجرح لن يبرأ ، والبذرة لن تموت . §


تعليق