اختبار عسير

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد غالمي
    عضو الملتقى
    • 22-10-2008
    • 64

    اختبار عسير

    اختبار عسير!
    بدت قاعة الامتحان شبه فارغة حين أنهى واجبه ووضع ورقة التحرير جانبا. لم يكف عن مداعبة القلم بين أنامله في غير شعور منه.. ناوشته هواجس محمومة وراح يناغي الذات الملتاعة: أنت حقا ظلي وخيالي.. صبيب من معتق الهوى يسري في عروق قلبينا.. أميرة وحدتي أنت.. يا إكليلا على هامة أنهكها الضياع..! توجتك على عرش فؤادي يمامة خالدة وأميرة أبدية.. يوم التقينا على شط الوادي كان الوجه صقيلا كمرآة، وهَاجا كجموح القمر في الليلة الظلماء.. في الوادي دقت النواقيس والأجراس وكان اليوم حقا عرسا لا كالأعراس.. بدا ربيعا أخضر فاضت في رياضه ينابيع نفسك كالماء الزلال، كالخمر المعتق يسلب الألباب، وكأن بلسانك جنَا ينفث السحر والأنخاب.. وحلق ـ وقتئذ ـ عريس اليمام يبغي الاستجمام، مزهوا بما حقق من فتح عظيم.. مشروع حياة يغمرها ضياء الذرية والأنس والوئام.. وأسبلت عينا اليمامة الوديعة بين ساعديه دمعا حارا يشي بحرقة الفراق ولوعة البعاد... عاد ولم تكن العودة مظفرة، وجد الوادي خاويا على عرشه، كسف القمر في رحاب سمائه.. تخيل طيف المرآة تتكسر وتغزوها الخدوش والندوب (ماذا؟.. تلوث النبع!) ذلك ما أسرَ به البوم وأشاعه الغربان.. كذلك تلقى آخر من يعلم الرصاص المطاطي متلاحقا.. كابد كثيرا في بحر من الحيرة والشك والتساؤل، وعجز عن معرفة السبب إلا ما حدسه من حكمة عنترة العبسي :
    إن الأفاعي وإن لانت ملامسها ** عند التقلب، في أنيابها العطب
    جدَ في مداراة الهزيمة وإجبار بعض من كسور النفس المنهكة متسائلا: هل حقا يخترق الدود جسد الملح؟!
    شعر وكأن الرياح تجرفه إلى ملاذ وحدته ومجثم عتمته.. وبعد لأي ألفى نفسه معتكفا عند ضفة الوادي الملوث، من دون أن يستعيد أنفاسه من عبء السفر.. خال أنه نفثها كما ينفث الممعود اللعاب المر..
    وبغتة انبعثت زهوة من جوف المياه الأسنة تستعطف..
    ـ ما الذي غير مجرى وادينا يا أمير اليمام؟
    ـ حربتك المسمومة، وفوق ذلك يبقى قاربي عاجزا عن الصمود في عرض مياه ضحلة متسخة..
    ـ إلى هذا الحد رغبت عن أنوار القمر الباسم؟
    ـ القمر دثره الكسوف.. ولم يبق في الكون غير حرباء ملوثة لا يجدي بريقها شيئا..
    ـ هل نسيت أنني كالملح في طعام وحدتك؟
    ـ وما العمل وقد غزا الدود جدار الملح واخترق جسده؟!
    ـ هل نسيت أن مكاني الأصلي قائم في روض نفسك وساحة قلبك؟
    ـ مكانك الأصلي.. هنا في حضرة القروش والتماسيح.. في مأوى الضفادع والسلاحف.. وانغرست الشمس في الأفق البعيد وهبت نسائم ملوثة.. وخفت صوت الحرباء رويدا رويدا.. رفع عينيه إلى القمر المتوهج في كبد السماء، فخاطبه: بينك وبين أقمار البشر كما بين الماء والحجر!! استفاق على صوت مسؤول الحراسة يضرب كفا بكف إيذانا بانتهاء حصة الامتحان. مسح سمير الغافي على عينيه، وتوقفت أنامله عن حركتها الآلية. جمع أغراضه وانصرف بعد أن سلم ورقة الامتحان.. بعيدا عن أسوار القاعة انتصبت الأميرة زهوة الشافعي، تشي هيئتها وحركاتها أنها في حالة انتظار.. رمقها في لهفة وانزعاج ومسح على عينيه كمن يزيل بقايا نوم لذيذ. هرع إليها تناوشه الشكوك والريب.. ارتمى على ساعدها وأمسك بها كحال غريق صادف جسما صلبا فأطبق عليه بقوة حذر الموت.. طيلة سيرهما ظل يردد في وجوم كالموقن.. أبدا ليس بمقدور الديدان أن تنخر جسد الملح.. استغفر الله.. واطمأن قلبه إذ أدرك أنه كان رهينة لرحلة استيهامية في قاعة الامتحان..
    محمد غالمي ـ روائي
يعمل...
X