منذ فترة بعيدة ، وأنا مهموم بالثقافة والمثقفين وأناشد نفسي التريث فيما تحاول طرحه على الساحة، سيما وأنه محفوف بالكثير من المخاطر و الظنون والتكهنات والإفتراضات التى لا ترقى إلى مستوى اليقين ، وتوكلت على الله وقلت لنفسى : سأحاول السير فى دربك وإخراج ما يدور بصدرى منذ عقود تولت 0
كنت أحاول ،ودأبى الذى يحاصرنى حصاراً لافكاك منه ، الحديث عن الطبقة المثقفة بدءاً من العدوان الفرنسى الإستعمارى بقيادة نابليون واحتلال مصر سنة 1798ميلادية ثم الخروج منها وتولى محمد على قيادة مصر ، والعدوان السافر وانتهاز البلاد الإستعمارية ضعف الخلافة العثمانية وشن الحروب على البلاد العربية واحتلالها والسيطرة عليها ، ولم تسلم دولة عربية من العدوان الأوروبى الغربى الهمجى الإستعمارى واحتلال الأوطان واستعباد شعوبها ونهب خيراتها وتمزيق أوصالها وطمس الهوية وزرع الفتنة بين أبنائها ونشر النموذج والثقافة والقيم والعادات والتقاليد الإستعمارية.
السؤال المطروح بداخلى والذى أسعى للإجابة عليه .
ما هو الدور الذى لعبته الطبقة المثقفة (حملة الأقلام) فى الدفاع عن الوطن المحتل والمقاومة لجيوش الإحتلال وغزوهم الفكرى والثقافى والتعليمى والتربوى و....... إلخ??
ما هوالدور الذى لعبه مثقفونا الرواد الكبار فى مقاومة الإحتلال و الإستعمار، ليس فى مصر فقط بل فى سوريا والعراق وليبيا والمغرب وتونس والجزائر ولبنان وفلسطين وفى كل الأوطان العربية فى عصور الإحتلال آنذاك ??
وجهة نظرى فى مثقفينا الرواد ...هذا الموضوع الذى أطرحه اليوم على بساط البحث المتعمق والمناقشةالراقية والحوار الجاد ، لم ولن أقلل فيه من شأن الرواد الأوائل على مستوى العالم العربى الإسلامى ، وحسبى طرح الموضوع الذى شغلنى منذ أكثر من ثلاثين عاما ونيف وهو لايفارقنى ويشدنى نحوه شداًمتواصلاً ، وكان هذا الصمت الطويل وليد الظروف التى تحيط بالوطن بعد موت عبدالناصر واعتلاء السادات سدة الحكم وسيطرة التفاهات والتسطيح الفكرى والنفاق الثقافى ولا أنسى هذا السفر الضخم الذى كتبه نبيل راغب بعنوان (أنور السادات رائد التأصيل الفكرى ) فى طبعة فخيمة فى أوائل سنوات حكم السادات ، وكرهت الكتابة بعد مقالة كتبتها فى مجلة الحائط بالجامعة سنة 1974عن الخيانة والوطنية عند جيل الرواد ، كانت مقالة بها الإتهامات جزافا عن العقاد وحسن البنا وطه حسين... وثارالطلاب المتأسلمون ثورة عارمة للفتك بى ،ولذت بالصمت خشية العدوان والترصد وكرهت البلد ومن فيها وتعرضت لأزمة كره لا طاقة لى بها ، وضاقت علىّ الأرض بما رحبت وقررت الرحيل عن مصر وبأى ثمن ، واخترت فرنسا لكونى أتحدث آنذاك الفرنسية بطلاقة ، لكن والدى طيب الله ثراه ، وبهدوء ورزانة وتعقل ، جلس معى أكثر من مرة وناقشنى فى هذا القرار المصيرى وبحنان الأب وحضنه الدافىء ، قال لى : خلص الدراسة وخد الشهادة وبعد كده إفعل بنفسك ما تشاء ،واستجبت له .
هناك أسماء كثيرة جمعتها طيلة السنوات المنصرمة ، أحاول لََمَ أوراقها المتناثرة وبعضها تمزق والآخر أكلته الأرضة، كنت مدهوشا لصعود هذه الأسماء لسماء المجد والشهرة ,وهى لاتساوى (بصلة واحدة ) وتتوارى أسماء أخرى أكثر عمقاً وأعظم أثراً ، وتذكرت آنذاك.. أن الجيفة على وش البحر والدر بالأعماق .
قضية الوطنية ... أنها حقائق ، وليست مجرد إتهامات ،والحقيقة يجب ألا نخجل منها ولابد أن نكون واضحين ،إنه تاريخ ينبغى قراءته من جديد ،ومن الطبيعى والسير العادى لمجرى الأمور،أن الدفاع لابد وأن يتعاطف مع القضية التى يترافع فيها وأن تمس روحه وعقله وفكره ،ويجهد قلمه فى تفنيد الإتهامات ويقدم وبكل ثقة أسانيد البراءة وحجج الإفلات من الإتهام وقرائن منطقية لا تقبل الطعن فى مصداقيتها 0
قضية الوطنية هى المطروحة على بساط البحث ،قد نتعاطف مع من نحاسبه على موقفه من الوطنية ،وقد نختلف اختلافاً بيّناً ، إنها الجذور لشجرة الوطنية التى نعيش بها وعليها الآن وفى الوقت الحالى بالذات ،إنها الثمار لهذه الشجرة اليانعة بحلوها ومرها ،بشموخها وتداعيها ،بروحها الوثابة والمتخاذلة ، إنها الوطنية التى لاتقبل القسمة على إثنين .
لم أكن عامداًأو متعمداً النيل من الرواد الأوائل بقدر المحاسبة على موقف ، ومحاولة جريئة ومحفوفة بالمحاذير على نبش الماضى وتشريحه ، فأنا أزعم أن القادة لا يموتون وأن الشعراء والأدباء والمفكرين والفلاسفة ، وإن رحلوا عنا بأجسامهم إلا أنهم أحياء بإبداعاتهم وأفكارهم ، ولنا أن نحاسبهم ، ولنا أن نناقشهم ، ولنا أن نقول لهم وبصدق: أنتم مخطئون فيما فعلتم ، أو أنتم مصيبون للهدف الذى سعيتم نحوه 0
ما تم توجيهه من إتهامات ثابتة ثبوتاًقطعياً لا ظنياً ، وعندما يتم توجيه الإتهام ، أكون على ثقة بعدالة القضية المطروحة ، وأن الأسانيد هى ماخطته يد المثقف ، ودواوين الشعر والنثريات والقصص والدراسات ،هى المراجع التى لا تقبل الجدل أو الطعن فيها ، فإذا كان هناك ما يخالف الثابت، لدينا، اطلعنا عليه وفحصناه وفندناه ، لعله يغير وجه الرأى فى الإدعاء ، ولايكفى باب سد الذرائع خشية من إنقلاب فى الحقائق التى إعتاد عليها الناس والتى صارت لديهم مقدسة مصونة !!