
أين أنت يا أبتاه؟
مرت سنين عجاف، أفرغت كل صراعاتها التي شابت لها الولدان، فماذا تبقى بعد الآن؟
وجوه منهكة، عاجزة أن تُستثار، أقرب الى السكينة والسلام، يعلن حالها أنه: حان الآن وبحسب التوقيت المحلي للدنيا موعد الشجاعة، شجاعة الالتقاء والغناء، فإن لم يكن يجمعنا أب فليجمعنا السؤال عنه؟
(بابا فين؟ .. بابا هنا.. هنا هوه)
سؤال لا إجابة عنه، ولا مشكلة يا شباب أن نعرف أين بابا، أو حتى من هو، المهم أن نغني: بابا فين. وها قد أضاء المسرح فجأة وغاب الجمهور في الظلام.
دخلت الآن «فرقة أبو هندوس المسرحية» بثقة واعتداد ورهبة، شقت الأضواء المتدلية من سقف المسرح، دخل متناحرو الأمس كفريق واحد، وهم الآن على موعد مع أول عرض لهم أمام الناس، فيما تساؤل يشاغل أذهانهم: هل سيقفز لهم الجمهور أم لا؟
حتما سيقفزون!!!..
كانت هذه الإجابة السريعة والمباشرة من أبو هندوس، أردف بعدها:
{إن أول طريق النجاح هو الإيمان بآخره}
كلمات ثبتت قلوب المجتمعين .. وصرفتهم للتركيز على ما ما ينبغي الانشغال به .. ماذا يفعلون الآن؟
ينقرون المايكات فاحصين لها، الكتف مع الكتف مع الكتف مع الكتف…..، انضباط يذكرك بالعسكر، صف طويل وأسماء كثيرة متشابهة الوجوه، مدحت، وشكري، وحسونة، وأحمد وسعيد …… كلهم يقفون، عيونهم معلقة على عصا المايسترو أبو هندوس بانتظار إعطاء إشارة الانطلاق في الترويدة الجماعية الأولى لهم: (بابا فين؟)، بعد أن نحوا صراعاتهم جانبا من أجل الجمهور من أجل (بابا فين).. بابا فين تجمعنا كلنا.
بالمناسبة.. أعطى أبو هندوس اللئيم إشارة البدء في الغناء فيما أنا أكتب هذه المقدمة .. وانطلق هذا الفريق بالغناء غاية في الثبات، لا يخطئون أبدا وبصوت واحد:
بابا فين؟
بابا هنا..
هنا هوه ..
ألّو مين؟ ألو عمو…
أألو مين بيكلموا؟؟؟
وهنا وبالتحديد عند (أألو مين بيكلموا؟؟) يعلو قرع الطبل المتوالي والمخلوط بصفير الريح ..إنه الجمهور يا سادة.. ياااااااه كم هذا مثير.. لقد صفق هذا الجمهور بحرارة لهذا الاجتياز الناجح للمقطع الأول من الأغنية، هذه أولى علامات النجاح التي بشّر بها أبو هندوس، هذا إقلاع جيد بل ممتاز، أن لا تخطىء أبدا في الإقلاع يعني أنك لن تخطيء أبدا في الهبوط…
سقيا الله لتلك الثواني القليلة الفائتة قبل هذه المقدمة الناجحة والمؤثرة، أتذكر كيف كان يرقص أبو هندوس محاذرا وفرقته على حبل رفيع بين المسرح وعيون الجماهير، لكن هذا تغير الآن، وأصبح أبو هندوس يرقص في وعي الناس مباشرة بعد أن اجتاز المرحلة الصعبة وتأكد في قلوب العاشقين .. المحبين .. المتذوقين .. أنه الموسيقار الكبير أبو هندوس العظيم.
فرح مدحت وشكري و(الأستازة نايلة) بتسلل هذا الشعور لهم توا، لقد اجتازوا صراط التقييم، وأصبحوا بمنأى عن قلق زلة المسرح، وبات كل ما يفعلونه جميل، أخطاؤهم جميلة، هفواتهم أجمل، وارتجالاتهم ستكون سمة تعريفية منوطة بهم مثيرة للإعجاب..
هل تعرفون من هؤلاء الذين يغنون؟؟
نعم!!
وهل يعقل أن لا يعرفهم إنسان؟!!!
إنهم أعضاء فرقة أبو هندوس المسرحية الذين يخرجون عن النص.
بابا فين؟
بابا هنا؟ هنا هوه … أأله مين بيكلمه؟ الله الله كم أنتظر انتهاء هذا المقطع بفارغ الصبر لأسمع ضربات الطبل مجددا .. مثير هذا حقا.
مثير .. وأنظر الى وجه مدحت الذي التقطته الكاميرا الآن؟ تخلص من تربصه وقلقه، يغمض عيناه ويسبح في إحساس مستقل معزول عن الجمهور يراه كل الجمهور، خصوصا عند مقطع: (أألو مين بيكلموا؟؟؟) مقطع لا يعلم الناس أنه عزيز بالفطرة على قلب مدحت، فلطالما اتصل عمه هاتفيا به يسأل عن أبيه، هذا ما كشفه مدحت لأبو هندوس أثناء التدريب على هذا العرض، إذ كان أبو هندوس يلاحظ تأثر مدحت الشديد عند هذا المقطع، لدرجة أنه أوقف البروفة مرة لأجله، وأخذه جانبا بعد أن طلب له (كباية ليمون) وسأله لماذا تبكي؟ فقال له الحكاية وكيف أنه تذكر تليفونات عمه أبو شاكر الهاتفية.
يا مدحت..
لم تر كل الجماهير حبة الدمع التي عضت عليها جفناك، ومع هذا .. انطلق التصفير والتصفيق وارتج المسرح لصدق إحساسك..
أما أنت يا أبو هندوس العظيم، فتنتقل بفريقك من نجاح إلى نجاح .. فاستمر.
بابا فين؟ بابا هنا … هنا هوه أألو مين؟
أُلّو عمو يا مدحت.
أألوا مين بيكلموا؟؟؟
وهنا يشتد مجددا صوت قرع الطبل المتوالي.. تج تج تج تج تج … جميل جدا!!
جميل .. وانظر إلى أبو هندوس الذي كان حريصا في البداية على مراقبة أعضاء فرقته كي لا يخطىء أحد منهم، لقد تركهم وتوجه إلى الجمهور وأصبح يلوح لهم بعصاه…
ما هذا يا إلهي؟
إنها حفلة الرقص الكونية في عينيك يا أبو هندوس..
كان مبهورا بتفاعل هذا الجمهور.. لم يتوقع هذا النجاح أبدا، أشار لفرقته الموسيقية بخفة دون أن يلتفت لهم كي يصمتو قليلا فماذا حدث؟ يا سلام .. لقد حدث التحليق؟!!!!!
موسيقى أبو هندوس بصوت الجماهير!!!
إنهم بالملايين، يتمايلون صفا صفا يمينا ويسارا، يغنون كلمات أبو هندوس، وأبو هندوس ينصت لهم ويهز رأسه مع اللحن بتأثر بالغ، إنهم يحفظون النص جيدا!!! كيف عرفوا اللحن؟!! ومتى تسنى لهم حفظ الكلمات؟ .. هذا جمهور رقيق ذكي شفاف.. اسمع ماذا يقولون؟!!
آآآآلوووو بابا فين؟
بابا هنا ..
أأولو مين بيكلمو..
الله الله الله .. لقد استعاض هذا الجمهور عن ضربات الطبل برفل أقدامهم على الأرض .. ما أجمل الغبار الذي اختلط بأضواء المسرح، لقد دمعت هنا عينا أبو هندوس وأصبح يصفق ويرسل القبلات الهوائية، خصوصا عندما تفرقت أصوات الناس بين الترديد لكلمات الأغنية والتصفير لها.. جمهور يتمتع بحس رقيق وألمحية عالية .. ألم ترو كيف استعاض عن الطبل .. عن قرع الطبل .. بالرفل؟
بابا هنا هنا هوه .. ألو مين؟ ألو عمو .. أألو مين بيكلموا؟؟ .. مجددا رفل الأقدام؟!!! كم هذا مثير حقا!!
وهنا.. أعطى أبو هندوس الإشارة لفرقته بمعاودة الغناء وكان قد امتلأ عن آخره بالزهو، وأصبح أداؤه سريعا متزنا واثقا لا يقبل الخطأ كماكينة عد النقود، حتى العازفين لم يعودوا يتلقون من أبو هندوس أية تعليمات لحنية، إنهم يعزفون كسرب من سمك السردين بكل اتساق..
أما الآن.. فحان موعد لقطة الهبوط الناجح ..
خلع مدحت سترته وأصبح يلوح بها، تشابكت أيادي أعضاء الفرقة وأصبح صفهم يتماوج.. الأستازة نايلة .. شكري .. سعيد .. حسونة .. شاكر ……. حتى وصلوا إلى (أألو مين بيكلموا)، وهنا انتهى كل شيء، وتوقف كل الأداء بحركة واحدة من يد أبو هندوس، لينطلق بعد هذا التوقف التام حبل من التصفيق استمر ساعة، لقد استطاع أبو هندوس جمع المختلفين المتناحرين في فرقته يلوحون للجمهور يكسو وجوههم الزهو والفرح والانتصار، ضحك أبو هندوس ثم بكى، هذه دموع الفرح يا أبو هندوس فلا تجزع.. فتحت بابا عظيما في قلوب الناس وعبرت منه يا لئيم، وأنت بعد الآن مصدق حكيم.
في هذه الليلة .. (ليلة بابا فين ) انتظر أبو هندوس وفرقته حتى بزوغ الفجر، فلم يكن مسموحا لهم من قبل المنظمين مغادرة المسرح لكثرة الجماهير التي تدافعت نحوهم.. ولم يعلم أبو هندوس كذلك وفرقته إلا مؤخرا، أن في هذه الليلة مات واحد وثلاثون شابا وفتاة بفعل التدافع .. أملا في الحصول على توقيع من أبو هندوس..
أبرق أبو هندوس لأهالي الشهداء -شهداء الفن- معزيا .. ووعدهم أن يستمر في مسيرته ليس من أجله هو أبدا .. وإنما من أجل دماء الشهداء، ومن أجل هذا الجمهور، ومن أجل كل شيء سام في هذه الدنيا ..

حامل الجركن
هيثم شحدة هديب
من الماء إلى الماء