بسم الله الرحمن الرحيم
أحييكم أيها الأخوة والأخوات الكرام، وأقدم لكم هذا العمل الحصري لملتقى الأدباء والمبدعين العرب. وسنعود به لحدث في التاريخ وشخصية ملهمة به. إنه توماس بيكيت مستشار الملكية الإنجليزية وكبير أساقفتها، بمواجهة الملك الشرس والرهيب هنري الثاني مؤسس حكم عائلة البلانتيجنيت وواضع أسس القانون المشترك البريطاني الذي لا زالت المملكة تسير على نهجه. ولعل النقطة المثيرة بعملنا الذي نناقشه اليوم أنه يأتي بعيون فرنسية محضة. إلا إن الفكرة الأكثر رسوخا تتمثل باستلهام تجربة شخصية رجل وقف منفردا كسد منيع في وجه طغيان حاكم مستبد يعتمد على الحق الإلهي المطلق للملوك كأداة لتنفيذ رغباته بغض النظر عن سلبياتها أو إيجابياتها. سنناقش العمل أولا ثم نعرج على هذه الأفكار.


النظرة الفنية للعمل
نبعت الفكرة الأساسية لهذا العمل السينمائي من المسرحي الفرنسي المعروف جون أونويه الذي ابتكر هذه القصة ليقدمها على خشبات المسرح في باريس عام 1959 وقدمها بعنوان "بيكيت أو شرف الرب" Becket ou l'honneur de Dieu، ثم قدمها لمسارح برودواي في نيويورك بعد ذلك. أما العمل السينمائي المقتبس من نفس المسرحية فقد أخرجه الإنجليزي بيتر جلينفيل وهو كذلك يعتبر مخرجا مسرحيا. وقد حاز العمل على معظم الترشيحات الكبرى لجوائز الأوسكار بذلك العام. وتبارز من خلاله النجمين بيتر أوتول (الشهير بدور لورنس العرب) وريتشارد بيرتون ليقدما ذلك الصراع الأزلي بين الحكم المطلق والرغبة بالحرية الكرامة. ويبدو أن النجم بيتر أوتول راقت له فكرة تجسيد شخصية الملك هنري الثاني، أو أنه نجح جماهيريا بهذا ليشجع المنتجين على تكرار التجربة، حيث ظهر بعدها بالفيلم الأسد في الربيع عام 1968 وقد حصد نجاحا أكبر. والفرق بين العملين أن بيكيت يعرض بدايات فترة حكم هنري الثاني وعلاقته الحميمة مع توماس بيكيت الذي عينه مستشارا ووزيرا لخزانته، أما العمل الثاني فيعرض هنري الثاني بالمراحل الأخيرة من حكمه بعد أن تآمر ابناؤه مع أمهم الملكة إليانور الأكويتانية عليه وصراع النفوذ بهذه العائلة الذي عصف بإنجلترا وأدخلها بنزاعات وحروب أهلية بعد وفاة هنري الثاني. والعملين يعرضان الموهبة الكبيرة لبيتر أوتول بأداء الشخصية المركبة لذلك الملك صعب المراس الذي يشتهر بشدة الغضب وسرعته عند استيائه من أدنى أمر، ومزاجيته وقراراته الفجائية. وقد مثل نفس الدور بالمسرحية الأصلية النجم الأمريكي المعروف أنتوني كوين (الشهير بدور عمر المختار وزوربا اليوناني)، ولا يمكنني عقد المقارنة بينهما لعدم مشاهدتي العمل المسرحي ولكن كوين من المؤكد أنه تميز أيضا بأداء الدور بحكم معرفتنا بموهبته من خلال أعماله المعروفة. إلا إنه يجدر بنا القول أن منتجي المسرحية كانوا قد تعاقدوا بالأصل مع أوتول لولا أن الأخير اعتذر باللحظات الأخيرة لانشغاله بالعمل الضخم عام 1962 لورنس العرب.



المهم أن عملنا اليوم يتضمن كافة مميزات الأداء المسرحي الراقي واللغة ذات الأساليب الجميلة والرصينة. وهو كذا يجمع ما بين التراجيديا ولمسات من الطرافة والكوميديا المضحكة لا سيما بحالات استشاطة التي تنتاب هنري الثاني أو كما يفضل تسميتها البروفيسور سايمون شاما Carpet Biting (راجع موضوع تاريخ بريطانيا). ولا شك أن من يهوى مشاهدة الأعمال الكلاسيكية وروائعها سيستمتع بمشاهدة هذا العمل، ونضيف لهم من يود رؤية التجسيد الدرامي لفترة تاريخية هامة.


مقارنة العمل مع الوقائع التاريخية المثبتة
لقد بنى المؤلف المسرحي جون أونويه فكرة العمل على ثغرة تاريخية مبهمة، وحاول استغلالها ليعرض منظوره الدرامي الذي يهدف إليه. وتتلخص هذه الفكرة بإن توماس بيكيت ينتمي للساكسون الذين كانوا يقطنون إنجلترا، ثم ساءت أحوالهم بعد الغزو النورماندي بقيادة الملك وليام الفاتح، وأصبحوا مواطنين من الدرجة الثانية. وهذه الفكرة العامة صحيحة ولا يختلف عليها الإنجليز أنفسهم. إلا إن ما يثير الاختلاف هو أصل توماس بيكيت، حيث لم يثبت أنه ساكسوني، بل إن المصادر الشحيحة وغير الموثقة عن حياته تشير إلى أن والده "جيلبرت" كان تاجرا في المناطق النورماندية بشمال فرنسا، وقيل كذا أنه فارس، وأمه هي نورماندية الأصل. غير أن جون أنويه ذكر أنه توجد فعلا مصادر أخرى تشير إلى أصله الساكسوني، فبنى هذا المخرج المسرحي نظرته الدرامية وأسقطها على الواقع التاريخي بحيث أنه جعل بيكيت يمثل رغبة نيل الحرية والكرامة للشعب الإنجليزي من حكامه الجدد، فأصبح الصراع ساكسوني (يمثله بيكيت) نورماندي (يمثله هنري الثاني)، وهو توصيف لا يبتعد عن الحقيقة كثيرا، سوى أنه قد يكون مصطنعا إذا ما ثبت أن بيكيت ذو أصل نورماندي.

أولى الصور التوضيحية التي رسمت في القرن الثالث عشر لذبح بيكيت في كنيسة كانتربري
ومن ناحية أخرى، يظهر لنا بالعمل مدى استهتار الملك هنري الثاني بالتعامل مع أمه الملكة ماتيلدا، وهو ما تنفيه كثير من السجلات التاريخية التي تشير لاحترام هنري لأمه وسماع مشورتها بمعظم الأحيان، حيث أن قوة علاقته بها تكمن أنها هي من ربته بعد وفاة والده بعدة مدة قصيرة من ولادته، فأشرفت على تعليمه الفروسية وفنون السياسة والإدارة، وهي من شكلت شخصيته لحد كبير. والمغالطة التاريخية التي وقع بها الفيلم هنا أنها كانت قد توفيت قبل عقد هنري الثاني معاهدة الصلح مع بيكيت بثلاث سنوات. أما عن علاقته مع زوجته الملكة الداهية إليانور فقد أظهره العمل وهو يزدريها ويحتقرها إلى حد بعيد، ورغم أن المشاعر وصلت بينهما إلى حد الكره والقطيعة وتأليب الابناء وشن الحروب، إلا إن كل ذلك لم يكن بهذه المرحلة المبكرة من زواجهما. وعلينا أن ندرك أن الزواج بين هنري الثاني وإليانور -كعادة الزيجات الملكية- غلب عليه الطابع المصلحي البحت، إلى الحد الذي جعل أحد المؤرخين يصفه بأنه بمثابة "شركة مقفلة". لكن إليانور كانت تكبر هنري بأعوام كثيرة عند زواجهما وكانت لها من الخبرة باستمالة الرجال ما يكفي لترويض هنري المشاكس بحكم أنها كانت متزوجة قبله من ملك قشتالة ألفونسو، وبالتالي نجحت بتطويع هنري وترويضه، بل وجعلته يحبها بالمراحل المبكرة من زواجهما ذي المصلحة المشتركة.

صورة حديثة للموقع الذي اغتيل به بيكيت بالكنيسة
ونضيف لهذه الملاحظات بعض النقاط التي قد لا تعتبر حاسمة مثل أن العمل يصور هنري بأربعة ابناء ذكور بينما ما هو مثبت أنه أنجب من إليانور 8 ابناء خمسة منهم ذكور. ومن المفارقات التاريخية أنه عند وفاة هنري كمدًا بعيد هزيمته من ابنائه الشرعيين لم يتواجد بقربه سوى ابنه بالزنى، فقال له "بل هم الأوغاد وأنت النبيل"، ولعل من الجدير بالذكر أن من بين ابنائه الشرعيين ريتشارد الشهير بقلب الأسد الذي اشترك بالحملة الصليبية الثالثة، وكذلك جون الذي قامت بعهده ثورة نبلاء إنجلترا وأرغم على توقيع الوثيقى العظمى أو "الماجنا كارتا". أما الملاحظة المتكررة التي نشاهدها بمثل هذه الأعمال التي تعالج هذه الحقبة أن اللغة التي كانت تتحدث بها هذه الشخصيات لم تكن الإنجليزية على الإطلاق، بل الفرنسية الشمالية أو النورماندية. والإنجليز يعلمون هذا علم اليقين ولكنهم يتغاضون عن هذا مجازا وترويجا للعمل، وقد أسهبنا بالحديث عن هذا الأمر بموضوع سيرة اللغة الإنجليزية.
من يواجه طغيان الملوك؟
لا شك أن شخصية الملك هنري الثاني تعتبر من أهم الشخصيات تأثيرا بالتاريخ الإنجليزي والأوروبي. فقد يكون من أوائل الحكام الأوروبيين الذين عملوا على تقليص نفوذ الكنيسة الكبير بذلك الزمان. وكان مبرره الأكبر هو تطبيق القانون على الجميع، وهذا أدى إلى نقلة نوعية في إنجلترا بعد تطبيق القانون المشترك Common Law. إلا إن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل طبق الملك هنري الثاني هذا القانون سعيا للعدالة والإنصاف ما بين الناس، أم لغرض ضرب الكنيسة ومحاصرة نفوذها؟ لعل من يجيب على هذا التساؤل هو هنري نفسه من خلال أفعاله وسلوكياته، فهو من المؤمنين بالحق الإلهي للملوك، كما إن طغيانه وبطشه بخصومه شديد. ولكن إحقاقا للحق فإن كثيرا من المصادر التاريخية تذكر إنه مع بيكيت حاول أن يلجم نفسه، إلى اللحظة الأخيرة وكان مرنا معه إلى أقصى الحدود وتنازل عن أمور كثيرة، إلا أن بيكيت لم يقدم من جانبه أي بوادر إيجابية لحسن النوايا وتشبث بموقفه وتصلب (على خلاف ما يصوره العمل السينمائي، وللمقارنة شاهد الحلقة الثالثة من سلسلة تاريخ بريطانيا). لكن هذا لا يبرر الوحشية والقسوة التي قتل بها بيكيت في عقر دار الكنيسة الإنجليزية الكبرى كانتربري مما أدى بالكنيسة الكاثوليكية لاعتبار توماس بيكيت قديسًا (أي بمنزلة القديس بولص مثلا) وشهيدا من شهداء الدفاع عن الكنيسة، وهو ما ألهم الأديب البريطاني تي. إس. إليوت تأليف مسرحية جريمة في الكاتدرائية عن نفس موضوع اغتيال توماس بيكيت بإيعاز من الملك.
والحقيقة أن موقف بيكيت يلهم الكثير من العقول والقلوب حول أن أي سلطة لا بد أن يتوفر لها مكبح وقيد يقيها من خطر السرعة والتهور والقيادة بلا بصيرة. ويقول لنا الباري عز وجل
( قالت ياأيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون ( 32 ) قالوا نحن أولو قوة وأولو بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين ( 33 ) قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون ( 34 ) وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون ( 35 ) ) سورة النمل
ومن صحيح القول أن الوصف الرباني ينطبق على بداية الفتوحات والغزوات للملوك عند دخولهم المدن والبلدان، ولكنه أيضا حكم شامل وكامل. فمن يفسد من البشر يصعب عليه الإصلاح، ومن يذل الناس فإن منحهم الحرية والكرامة أمر يكاد يكون مستحيلا بالنسبة إليه. وبالتالي فإن رمزية من يتجرأ بوقف مد الطغيان والاستبداد تاريخية وعميقة بنفوس من يتطلع للحرية. وقد شهدنا بوطننا العربي أن الكل تواق لهذه الرمزية وتنفيذها فعلا، بعد أن ذاقت هذه الشعوب الويلات من جراء السكوت والخنوع والخضوع. عشرات الأعوام والناس يتملكهم الخوف والذعر من حكامهم المسلطين عليهم دونما حق. وقد اكتشف الناس أن الصمت مودي للتهلكة لا محالة فضلا عن الذل والهوان، فما الداعي لأن يموت الإنسان مرتين؟ وما هذه الانتفاضات التي رأيناها إلا إيمانا بأن قيود الخوف قد انكسرت بالنفوس، وأنهم يريدون أن يموتوا ميتة واحدة بشموخ وعزة وكرامة، أو أن يعيشوا حياة حرة كريمة كما ولدتهم أمهاتهم، ولن يعيقهم عن ذلك بطش باطش أو جبروت متكبر.
أما الملوك الذين لم يصلهم دور مواجهة الحقيقة، فالنصيحة لهم بأن يعتبروا مما جرى بالبلدان التي طغى حكامها وتجبروا. وعليهم ألا يقعوا بوهم إغداق المال ليسكت الناس، فهذا خطأ فادح سيؤدي إلى ما لا تحمد عقباه. وعلى المحلل العربي أن يتأمل نموذج الكويت وما جرى بها منذ نهاية العام قبل الماضي (أي قبيل اندلاع ثورة تونس) ليكتشف أن سفح المال لن يغني عن المطالبة بالكرامة والاحترام للنفس. ولا زالت إجراءات الملوك غير واضحة وبطيئة كبطء السلحفاة كما شهدنا في الأردن والمغرب حيث لا تزال الأجهزة الأمنية تحظى بكامل صلاحياتها خارج إطار الدستور والقانون، فهم دولة داخل الدولة. أما ما حدث من إلقاء للقبض على بعض مدراء المخابرات في الأردن فهي لعبة لم تنطل على أحد، فلعبة الكراسي الموسيقية وتبادل الأقنعة والأدوار دائرة كدوران ساقية الماء. أما في البحرين، فقد أدى سوء الحكم المتراكم فيها إلى ما كنا نخشاه وحذر منه الكثيرون عبر أحداث العام الماضي، وصَحَت أسرة الحكم هناك بوقت متأخر، ولا أظن أن تداعيات الأحداث الأخيرة ستهديء من الأمور أو تجعلها تمر مرور الكرام. فالبلد تغلي وتقف على صفيح ساخن ومأساة مستشفى السليمانية لا زالت ماثلة للعيان. والله أعلم بما ستؤوول إليه الأمور.
فعلى الكل الاتعاظ والتدبر مما كل ما حدث، والمال لا يحقق الأماني دائما.

ساهم معي بالعمل الزميل الأستاذ خالد شلبي

الملف النصي وتحميل العمل بالمرفقات

وتقبلوا مني أطيب تحية
فيصل كريم
أحييكم أيها الأخوة والأخوات الكرام، وأقدم لكم هذا العمل الحصري لملتقى الأدباء والمبدعين العرب. وسنعود به لحدث في التاريخ وشخصية ملهمة به. إنه توماس بيكيت مستشار الملكية الإنجليزية وكبير أساقفتها، بمواجهة الملك الشرس والرهيب هنري الثاني مؤسس حكم عائلة البلانتيجنيت وواضع أسس القانون المشترك البريطاني الذي لا زالت المملكة تسير على نهجه. ولعل النقطة المثيرة بعملنا الذي نناقشه اليوم أنه يأتي بعيون فرنسية محضة. إلا إن الفكرة الأكثر رسوخا تتمثل باستلهام تجربة شخصية رجل وقف منفردا كسد منيع في وجه طغيان حاكم مستبد يعتمد على الحق الإلهي المطلق للملوك كأداة لتنفيذ رغباته بغض النظر عن سلبياتها أو إيجابياتها. سنناقش العمل أولا ثم نعرج على هذه الأفكار.


النظرة الفنية للعمل
نبعت الفكرة الأساسية لهذا العمل السينمائي من المسرحي الفرنسي المعروف جون أونويه الذي ابتكر هذه القصة ليقدمها على خشبات المسرح في باريس عام 1959 وقدمها بعنوان "بيكيت أو شرف الرب" Becket ou l'honneur de Dieu، ثم قدمها لمسارح برودواي في نيويورك بعد ذلك. أما العمل السينمائي المقتبس من نفس المسرحية فقد أخرجه الإنجليزي بيتر جلينفيل وهو كذلك يعتبر مخرجا مسرحيا. وقد حاز العمل على معظم الترشيحات الكبرى لجوائز الأوسكار بذلك العام. وتبارز من خلاله النجمين بيتر أوتول (الشهير بدور لورنس العرب) وريتشارد بيرتون ليقدما ذلك الصراع الأزلي بين الحكم المطلق والرغبة بالحرية الكرامة. ويبدو أن النجم بيتر أوتول راقت له فكرة تجسيد شخصية الملك هنري الثاني، أو أنه نجح جماهيريا بهذا ليشجع المنتجين على تكرار التجربة، حيث ظهر بعدها بالفيلم الأسد في الربيع عام 1968 وقد حصد نجاحا أكبر. والفرق بين العملين أن بيكيت يعرض بدايات فترة حكم هنري الثاني وعلاقته الحميمة مع توماس بيكيت الذي عينه مستشارا ووزيرا لخزانته، أما العمل الثاني فيعرض هنري الثاني بالمراحل الأخيرة من حكمه بعد أن تآمر ابناؤه مع أمهم الملكة إليانور الأكويتانية عليه وصراع النفوذ بهذه العائلة الذي عصف بإنجلترا وأدخلها بنزاعات وحروب أهلية بعد وفاة هنري الثاني. والعملين يعرضان الموهبة الكبيرة لبيتر أوتول بأداء الشخصية المركبة لذلك الملك صعب المراس الذي يشتهر بشدة الغضب وسرعته عند استيائه من أدنى أمر، ومزاجيته وقراراته الفجائية. وقد مثل نفس الدور بالمسرحية الأصلية النجم الأمريكي المعروف أنتوني كوين (الشهير بدور عمر المختار وزوربا اليوناني)، ولا يمكنني عقد المقارنة بينهما لعدم مشاهدتي العمل المسرحي ولكن كوين من المؤكد أنه تميز أيضا بأداء الدور بحكم معرفتنا بموهبته من خلال أعماله المعروفة. إلا إنه يجدر بنا القول أن منتجي المسرحية كانوا قد تعاقدوا بالأصل مع أوتول لولا أن الأخير اعتذر باللحظات الأخيرة لانشغاله بالعمل الضخم عام 1962 لورنس العرب.



المهم أن عملنا اليوم يتضمن كافة مميزات الأداء المسرحي الراقي واللغة ذات الأساليب الجميلة والرصينة. وهو كذا يجمع ما بين التراجيديا ولمسات من الطرافة والكوميديا المضحكة لا سيما بحالات استشاطة التي تنتاب هنري الثاني أو كما يفضل تسميتها البروفيسور سايمون شاما Carpet Biting (راجع موضوع تاريخ بريطانيا). ولا شك أن من يهوى مشاهدة الأعمال الكلاسيكية وروائعها سيستمتع بمشاهدة هذا العمل، ونضيف لهم من يود رؤية التجسيد الدرامي لفترة تاريخية هامة.


مقارنة العمل مع الوقائع التاريخية المثبتة
لقد بنى المؤلف المسرحي جون أونويه فكرة العمل على ثغرة تاريخية مبهمة، وحاول استغلالها ليعرض منظوره الدرامي الذي يهدف إليه. وتتلخص هذه الفكرة بإن توماس بيكيت ينتمي للساكسون الذين كانوا يقطنون إنجلترا، ثم ساءت أحوالهم بعد الغزو النورماندي بقيادة الملك وليام الفاتح، وأصبحوا مواطنين من الدرجة الثانية. وهذه الفكرة العامة صحيحة ولا يختلف عليها الإنجليز أنفسهم. إلا إن ما يثير الاختلاف هو أصل توماس بيكيت، حيث لم يثبت أنه ساكسوني، بل إن المصادر الشحيحة وغير الموثقة عن حياته تشير إلى أن والده "جيلبرت" كان تاجرا في المناطق النورماندية بشمال فرنسا، وقيل كذا أنه فارس، وأمه هي نورماندية الأصل. غير أن جون أنويه ذكر أنه توجد فعلا مصادر أخرى تشير إلى أصله الساكسوني، فبنى هذا المخرج المسرحي نظرته الدرامية وأسقطها على الواقع التاريخي بحيث أنه جعل بيكيت يمثل رغبة نيل الحرية والكرامة للشعب الإنجليزي من حكامه الجدد، فأصبح الصراع ساكسوني (يمثله بيكيت) نورماندي (يمثله هنري الثاني)، وهو توصيف لا يبتعد عن الحقيقة كثيرا، سوى أنه قد يكون مصطنعا إذا ما ثبت أن بيكيت ذو أصل نورماندي.
أولى الصور التوضيحية التي رسمت في القرن الثالث عشر لذبح بيكيت في كنيسة كانتربري
ومن ناحية أخرى، يظهر لنا بالعمل مدى استهتار الملك هنري الثاني بالتعامل مع أمه الملكة ماتيلدا، وهو ما تنفيه كثير من السجلات التاريخية التي تشير لاحترام هنري لأمه وسماع مشورتها بمعظم الأحيان، حيث أن قوة علاقته بها تكمن أنها هي من ربته بعد وفاة والده بعدة مدة قصيرة من ولادته، فأشرفت على تعليمه الفروسية وفنون السياسة والإدارة، وهي من شكلت شخصيته لحد كبير. والمغالطة التاريخية التي وقع بها الفيلم هنا أنها كانت قد توفيت قبل عقد هنري الثاني معاهدة الصلح مع بيكيت بثلاث سنوات. أما عن علاقته مع زوجته الملكة الداهية إليانور فقد أظهره العمل وهو يزدريها ويحتقرها إلى حد بعيد، ورغم أن المشاعر وصلت بينهما إلى حد الكره والقطيعة وتأليب الابناء وشن الحروب، إلا إن كل ذلك لم يكن بهذه المرحلة المبكرة من زواجهما. وعلينا أن ندرك أن الزواج بين هنري الثاني وإليانور -كعادة الزيجات الملكية- غلب عليه الطابع المصلحي البحت، إلى الحد الذي جعل أحد المؤرخين يصفه بأنه بمثابة "شركة مقفلة". لكن إليانور كانت تكبر هنري بأعوام كثيرة عند زواجهما وكانت لها من الخبرة باستمالة الرجال ما يكفي لترويض هنري المشاكس بحكم أنها كانت متزوجة قبله من ملك قشتالة ألفونسو، وبالتالي نجحت بتطويع هنري وترويضه، بل وجعلته يحبها بالمراحل المبكرة من زواجهما ذي المصلحة المشتركة.
صورة حديثة للموقع الذي اغتيل به بيكيت بالكنيسة
ونضيف لهذه الملاحظات بعض النقاط التي قد لا تعتبر حاسمة مثل أن العمل يصور هنري بأربعة ابناء ذكور بينما ما هو مثبت أنه أنجب من إليانور 8 ابناء خمسة منهم ذكور. ومن المفارقات التاريخية أنه عند وفاة هنري كمدًا بعيد هزيمته من ابنائه الشرعيين لم يتواجد بقربه سوى ابنه بالزنى، فقال له "بل هم الأوغاد وأنت النبيل"، ولعل من الجدير بالذكر أن من بين ابنائه الشرعيين ريتشارد الشهير بقلب الأسد الذي اشترك بالحملة الصليبية الثالثة، وكذلك جون الذي قامت بعهده ثورة نبلاء إنجلترا وأرغم على توقيع الوثيقى العظمى أو "الماجنا كارتا". أما الملاحظة المتكررة التي نشاهدها بمثل هذه الأعمال التي تعالج هذه الحقبة أن اللغة التي كانت تتحدث بها هذه الشخصيات لم تكن الإنجليزية على الإطلاق، بل الفرنسية الشمالية أو النورماندية. والإنجليز يعلمون هذا علم اليقين ولكنهم يتغاضون عن هذا مجازا وترويجا للعمل، وقد أسهبنا بالحديث عن هذا الأمر بموضوع سيرة اللغة الإنجليزية.
من يواجه طغيان الملوك؟
لا شك أن شخصية الملك هنري الثاني تعتبر من أهم الشخصيات تأثيرا بالتاريخ الإنجليزي والأوروبي. فقد يكون من أوائل الحكام الأوروبيين الذين عملوا على تقليص نفوذ الكنيسة الكبير بذلك الزمان. وكان مبرره الأكبر هو تطبيق القانون على الجميع، وهذا أدى إلى نقلة نوعية في إنجلترا بعد تطبيق القانون المشترك Common Law. إلا إن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل طبق الملك هنري الثاني هذا القانون سعيا للعدالة والإنصاف ما بين الناس، أم لغرض ضرب الكنيسة ومحاصرة نفوذها؟ لعل من يجيب على هذا التساؤل هو هنري نفسه من خلال أفعاله وسلوكياته، فهو من المؤمنين بالحق الإلهي للملوك، كما إن طغيانه وبطشه بخصومه شديد. ولكن إحقاقا للحق فإن كثيرا من المصادر التاريخية تذكر إنه مع بيكيت حاول أن يلجم نفسه، إلى اللحظة الأخيرة وكان مرنا معه إلى أقصى الحدود وتنازل عن أمور كثيرة، إلا أن بيكيت لم يقدم من جانبه أي بوادر إيجابية لحسن النوايا وتشبث بموقفه وتصلب (على خلاف ما يصوره العمل السينمائي، وللمقارنة شاهد الحلقة الثالثة من سلسلة تاريخ بريطانيا). لكن هذا لا يبرر الوحشية والقسوة التي قتل بها بيكيت في عقر دار الكنيسة الإنجليزية الكبرى كانتربري مما أدى بالكنيسة الكاثوليكية لاعتبار توماس بيكيت قديسًا (أي بمنزلة القديس بولص مثلا) وشهيدا من شهداء الدفاع عن الكنيسة، وهو ما ألهم الأديب البريطاني تي. إس. إليوت تأليف مسرحية جريمة في الكاتدرائية عن نفس موضوع اغتيال توماس بيكيت بإيعاز من الملك.
والحقيقة أن موقف بيكيت يلهم الكثير من العقول والقلوب حول أن أي سلطة لا بد أن يتوفر لها مكبح وقيد يقيها من خطر السرعة والتهور والقيادة بلا بصيرة. ويقول لنا الباري عز وجل
( قالت ياأيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون ( 32 ) قالوا نحن أولو قوة وأولو بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين ( 33 ) قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون ( 34 ) وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون ( 35 ) ) سورة النمل
ومن صحيح القول أن الوصف الرباني ينطبق على بداية الفتوحات والغزوات للملوك عند دخولهم المدن والبلدان، ولكنه أيضا حكم شامل وكامل. فمن يفسد من البشر يصعب عليه الإصلاح، ومن يذل الناس فإن منحهم الحرية والكرامة أمر يكاد يكون مستحيلا بالنسبة إليه. وبالتالي فإن رمزية من يتجرأ بوقف مد الطغيان والاستبداد تاريخية وعميقة بنفوس من يتطلع للحرية. وقد شهدنا بوطننا العربي أن الكل تواق لهذه الرمزية وتنفيذها فعلا، بعد أن ذاقت هذه الشعوب الويلات من جراء السكوت والخنوع والخضوع. عشرات الأعوام والناس يتملكهم الخوف والذعر من حكامهم المسلطين عليهم دونما حق. وقد اكتشف الناس أن الصمت مودي للتهلكة لا محالة فضلا عن الذل والهوان، فما الداعي لأن يموت الإنسان مرتين؟ وما هذه الانتفاضات التي رأيناها إلا إيمانا بأن قيود الخوف قد انكسرت بالنفوس، وأنهم يريدون أن يموتوا ميتة واحدة بشموخ وعزة وكرامة، أو أن يعيشوا حياة حرة كريمة كما ولدتهم أمهاتهم، ولن يعيقهم عن ذلك بطش باطش أو جبروت متكبر.
أما الملوك الذين لم يصلهم دور مواجهة الحقيقة، فالنصيحة لهم بأن يعتبروا مما جرى بالبلدان التي طغى حكامها وتجبروا. وعليهم ألا يقعوا بوهم إغداق المال ليسكت الناس، فهذا خطأ فادح سيؤدي إلى ما لا تحمد عقباه. وعلى المحلل العربي أن يتأمل نموذج الكويت وما جرى بها منذ نهاية العام قبل الماضي (أي قبيل اندلاع ثورة تونس) ليكتشف أن سفح المال لن يغني عن المطالبة بالكرامة والاحترام للنفس. ولا زالت إجراءات الملوك غير واضحة وبطيئة كبطء السلحفاة كما شهدنا في الأردن والمغرب حيث لا تزال الأجهزة الأمنية تحظى بكامل صلاحياتها خارج إطار الدستور والقانون، فهم دولة داخل الدولة. أما ما حدث من إلقاء للقبض على بعض مدراء المخابرات في الأردن فهي لعبة لم تنطل على أحد، فلعبة الكراسي الموسيقية وتبادل الأقنعة والأدوار دائرة كدوران ساقية الماء. أما في البحرين، فقد أدى سوء الحكم المتراكم فيها إلى ما كنا نخشاه وحذر منه الكثيرون عبر أحداث العام الماضي، وصَحَت أسرة الحكم هناك بوقت متأخر، ولا أظن أن تداعيات الأحداث الأخيرة ستهديء من الأمور أو تجعلها تمر مرور الكرام. فالبلد تغلي وتقف على صفيح ساخن ومأساة مستشفى السليمانية لا زالت ماثلة للعيان. والله أعلم بما ستؤوول إليه الأمور.
فعلى الكل الاتعاظ والتدبر مما كل ما حدث، والمال لا يحقق الأماني دائما.

ساهم معي بالعمل الزميل الأستاذ خالد شلبي

الملف النصي وتحميل العمل بالمرفقات

وتقبلوا مني أطيب تحية
فيصل كريم