قراءة نقديّة في رواية (أمير الظّل) لـــــ عبد الله البرغوثي

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عبد الله لالي
    أديب وكاتب
    • 07-05-2011
    • 74

    قراءة نقديّة في رواية (أمير الظّل) لـــــ عبد الله البرغوثي

    قراءة نقديّة في رواية (أمير الظّل)
    لـــــ عبد الله البرغوثي
    بقلم: عبد الله لالي
    الحلقة الثانية (02)Sans titre.jpg المقدّمة التي كانت المدخل الإيضائي لروايته بدأها ببيت من الشعر، يقول فيه:
    تثور النّار إن اختنقت بالحطب * * وتحرق كلّ من للحق اغتصب
    ومن خلال هذا البيت نلحظ مدى ميل الكاتب (المجاهد) إلى الشعر واحتفائه به احتفاء كبيرا، رغم أنّه يصرّح بعد ذلك من خلال الرواية أنّه ليس بشاعر، ولا يحسن قول الشعر ولكنّه يحاول صوغ مشاعره وأحاسيسه أحيانا فيما يشبه الشعر، وأحيانا يسوق مقطعا يستغرق صفحة أو أكثر على شكل قصيدة شعريّة، والحقيقة هي كما قال فليس الكاتب بشاعر، وربما كان هذا البيت الذي قدّم به لروايته أفضلها وأقربها إلى منصوص الشعر، وأغلب الأبيات التي ساقها هي مجرّد خواطر مسجوعة، تعبّر عن أحاسيسه وانفعلاته المختلفة، وتصف بصدق ما يشعر به ويعانيه، ولعلّ المغزى من هذا التقديم بعتبة شعرية؛ يدلنا على ميل الكاتب إلى الأدب رغم أنّه ليس تخصّصه، ثم يعقب ذلك البيت (المحاولة) بكلمة نثريّة مؤثرة، يصرّح فيها أنّه ثار على المحتلّ مرّة قبل سجنه، يقصد بالسّلاح، وهو يثور عليه مرّة أخرى بالكتابة وتدوين التجربة للأجيال، ولعلّ في ذلك أيضا تسرية لنفسه بعد أن قضى ما يقرب من عشر سنوات في الزنزانة الانفرادية، ثم خطر له أن يصدر الجزء الثاني والذي سنتحدّث عنه بحول الله حين الفراغ من قراءتنا للجزء الأوّل، أما إذا عدنا إلى البيت الشعري فإننا، نجده يلخّص حقيقة المقاومة الفلسطينية بكل وضوح وجلاء:
    تثور النّار إن اختنقت بالحطب * * وتحرق كلّ من للحق اغتصب
    بعد ذلك يشير إلى رسالة ابنته تالا التي تركها وهي صغيرة بعمر ثلاث سنوات في سيّارته حينما تم اعتقاله، وكان سؤالها: (بالله يا أبي قلّي من أنت؟).
    ويأتي الجواب على رسالتها في كتاب من 149 صفحة، رواية كاملة تسرد وقائع سنين الجهاد ومواجهة العدوّ، وفي هذه العتبة يختم الكاتب بعبارة قويّة مثرة: (من زنزانة العزل الانفرادي التي ما زلت أمكث بها منذ 2003 حتى اليوم" ويقصد باليوم هو يوم انتهاء كتابة الرواية من عام 2013 أي حوالي عشر سنوات من اعتقاله، ولعلّه يشعر من خلال تسريب هذا الكتاب إلى النّاس ولكل حرّ يقرأ هذه الرواية، يشعر بحريته التي افتقدها واشتاق لها وهو في زنزانة العزل الانفرادي، حيث يصرّح قبل ذلك بقليل:
    "ولعلّي أكون عبر تجربتي المتواضعة قد ساهمت ولو قليلا من خلال صفحات هذا الكتاب ومن خلال مقاومتي للمحتلّ بأن أشعل شمعة على درب الحريّة، فأنا أكره الظلام وأكره من يلعنون الظلام".
    ولابدّ أن نضع أكثر من سطر تحت عبارة (أكره من يلعنون الظلام)، وهو أصدق من يقول هذه الكلمة لأنّه يقبع في سجون الظلم والقهر منذ عشر سنوات وفي زنزانة العزل الانفرادي، وينتظره العمر كلّه ليقظيه هناك، إلا أن يأتي الله بفرج من عنده، فهو يعرف معنى الظلام ولا يلام إن لعنه وسخط عليه، لكنه يقول (أكره من يلعنون الظلام)، وفي ذلك إشارة – أيضا- للمثل المشهور (بدل أن تلعن الظلام أوقد شمعة)، وهذا فعل إيجابي يسعى إلى صناعة الحياة لا إلى تدميرها.
    وعتبة أخرى في الإهداء تَهدي القارئ إلى فهم رسالة هذه الرواية وفهم مغزاها بكلّ وضوح، فهو يُهدي الكتاب إلى والديه أولا ثم إلى أفراد أسرته الصّغيرة؛ زوجته وأبنائه الثلاثة، ولكلّ من ساهم في إخراج هذا الكتاب إلى النور، فالكتاب لم يخرج بسهولة ويسر من زنزانة العزل، بل لم يؤلّف بسهولة ويسر، وقد منع عنه كلّ شيء، لكنّ الله إذا أراد أمرا أمضاه، وفي الختام يهدي كتابه إلى "القدّوس والقدس والقسّام" وأيضا لمن لعن الاحتلال، والجمال الكبير في قوله: "القدّوس والقدس والقسّام" وهو جناس بديع فيه معاني جليلة، كما عمم الإهداء ليشمل كلّ حرّ يكره الاحتلال، وهي رسالة قويّة بيّنة واضحة.
    كلّ هذه العتبات هي منافذ فنية لمتن الرواية وأضواء كاشفة تبدو ما فيها بشكل مركز وعميق، بالإضافة إلى عتبات فنية أخرى جعلها في ختام الرواية وكأنه لا يريد أن ينهيها، وذلك ما جعله يعقبها بجزء ثان فيه زيادة ومزيد بيان، كلّ هذه العناصر وغيرها مما سنفصّل فيه من خلال البناء الفنّي هي التي تجعلنا نصنّف – مرتاحين - هذا الكتاب في نوع الرواية الأدبيّة.
    ومن الصّعب تلخيص الرواية بشكل دقيق، ولكن يمكن أن نجمل أهم أحداثها في بضعة أسطر مركزة، ولد الكاتب في الكويت بعدما لجأت أسرته المشرّدة من فلسطين إليها، وبعدما بلغ سن النضج بدأ يفكر في مساعدة أسرته في عدّة أعمال حرّة، واضطر إلى استدانة مبلغ كبير (5000 دولار) لإقامة مشروع تجاري خاص به، ولكنّ المشروع بعد ستة أشهر لم يلق الرواج المطلوب، فقرر الكاتب (البطل) أن يهاجر إلى كوريا للعمل من أجل سداد دينه ومساعدة أسرته، كلّ هذا الوقت لم يكن له علاقة بالمقاومة ولا بفلسطين بالمفهوم الواعي الذي يفكر في تحرير الأرض والدفاع عن المقدّسات، وهناك في كوريا واتته الظروف لتعلّم اللّغة الكورية، وتعلم لغة الحاسوب وعالم الشابكة العجيب، ولميله إلى الصناعات الإلكترونية، تفوق في اختراق الشابكات المختلفة، وكما تعلمّ بشكل ذاتي صناعة المتفجرات، وعندما عاد إلى الأردن التي رحل إليها أهله لأنّ لأبيه فيها بيتا، وجاء معه بزوجته الكورية التي لم تنجب له، فاضطر إلى طلاقها برضاها ليتزوج امراة فلسطينية من وطنه الأصلي وقرر الذهاب لإحضار زوجته من هناك، فتزوج المقومة الإسلامية وانضم إليها وأصبح مهندسها الأكبر في الضّفة والقدس بعد استشهاد يحيى عيّاش.
    وخطط لعشرات العمليات التفجيرية والاستشهادية في فلسطبن الداخل، وبث الرّعب والفزع في صفوف العدو الغاصب، لكن بضعة سنوات من المقاومة والجهاد القي عليه القبض في كمين وضع لابن خاله الذي كان يرافقه في الحصول على شحنة سلاح، وكانت برفقته ابنته تالا، فألقى بها في سيارته، وجعل يصارع كلبين أطلقا عليه، وتمكنوا من القبض عليه، وحكم عليه بذلك الحكم السّخيف، الذي يدلّ على حقارة المحتل وغباوته في الوقت نفسه؛ سبع وستون مؤبدا وخمسة آلاف ومئتي سنة.

يعمل...
X