غـــــــــزة
بهائي راغب شراب
..
تحدث إلى أهله في الشطر الآخر من قلبه، عَبّروا عن فرحتهم الكبرى بتحرره من ربقة الأسر لدى العدو الصهيوني،
عبَّروا له عن شَوْقِهِم له، وخَشْيَتَهُم عليه، ثم بدأوا ينصحونه:
احرص على نفسك في غزة،
لا تتزوج من بناتها، سنزوجك فتاة من عندنا،
واحذر البحر.. لا تسلم لأمواجه نفسك..
لا تفعل كذا.. ولا تقل كذا..
اياك وأن يضحك عليك أحدٌ في غزة..و..و..
وبعد أن استنفذوا نصائحهم وتحذيراتهم له من شُرورِ غزةِ التي يَتَوَهَمونَ ويريدون من الشعب أن يصدقهم، بخلاف الواقع والحقيقة ..
رد بهدوء وثقة : هل بقي شيء لمْ تُحَذِروني فيهِ مِن غزة، وهل بقيَ من نصيحة لديكم ..
قالوا: لا يا حبيبنا .. قلنا ما أردنا..
رد بثقة: لست أعلم لماذا تتحدثون عن غزة هكذا، غزة التي حررتنا من زنانزين التعذيب في سجون العدو، غزة التي لبَّت دائماً نفير المسجد الأقصى، ورفعت سيف القدس في وجه الأعداء، ودفعت الثمن غاليا من أولادها ودمائها ودورها ونفوسها،
ألا يكفيكم هذا لتحبوا غزة وتعشقونها..
قالت أمه: لكن العدد من جيراننا يعملون في السلطة يخبروننا دائما ان غزة مكان للموت وللخوف وللجوع وللفقر،
وأنها تفتقر لأدنى مقومات العيش بكرامة..
وانها مكان للتمرد ومحكوم عليها بالموت..
رد على أمه بحنو : يا أمي العزيزة، في حياتي لمْ أحب أحدا في الدنيا بمقدار ما أحبك .. هل عهدت عليَّ شيئاً إلا الرجولة والطهر والصدق في المعاملة، وفي اختيار الأصحاب والاخوان..
أتصدقين جيرانك الموظفون لدى السلطة..
وأنت تعلمين أن السلطة تحارب غزة،
وتعتبرها عدوا لها أكثر من الاحتلال،
وتعلنها مُتَمَرِدَةً على حكم سلطة أوسلو التي تشارك العدو في حصاره الظالم لغزة،
وهي من تحرض عليها العرب والعالم..
أتعتقدين أنهم سيخبرونك أن غزة جنة المؤمنين وحلمهم الجميل،
أو يخبرونك أنها عزيزة كريمة لا تأكل بثدييها، كما تفعل السلطة ويفعل أعوانها،
وأنها تقاوم العدو المغتصب لفلسطين ولا تهادنه ولا تتنازل عن ذرة رمل من ترابها له..
ردت أمه: نعم، كلامك والله كله صحيح، نحن نعيش هنا في الضفة ونعاني من جبروت الاجهزة الأمنية بمقدار معاناتنا من الاحتلال،
ونغضب جدا بقهر ونحن نراهم يضعون أياديهم بأيادي العدو، يساعدونه في تحقيق أهدافه،
أو وهم يُسَلِّمونَ المقاومين والمطاردين من قبل جنود الاحتلال للعدو ليقتلهم أو ليأسرهم في معتقلاته سيئة الذكر..
الابن : أرأيت.. هذا هو الفرق.. أنت تعيشينه واقعاً يوميا سيئا ومهينا في الضفة، ونحن نعيش كراما أعزة أحراراً في غزة
غزة يا أمي.. صاحبة عهد ووفاء، نحن أولادها، نعيش لها ونموت دفاعا عنها.
جاهدت وتعرضت للحصار والعدوان لتحريرنا،
وعندما اخرجتنا استقبلتنا في بيوتها، اسكَنَتْنا قلوبَ أهلَها، وفَرِحَتْ بنا، تَزَيّنَتْ لنا، أشركتنا سرَّها وفرحها..
وأعادت لنا الثقة والايمان بقدرتنا على محاربة الاحتلال وطرده من فلسطين كل فلسطين.
يا أمي غزة دثارنا وسلاحنا، لم تُسَلمْنا للعدو،
وتالله لنْ نُسَلِمَها أبدا،
لنْ نَخْذُلَها في أي حال كانت..
سنساعدها لتبْقَ غزة العزة.. ولتظل السلاح القوي الذي يحارب العدو وينازله ويضربه بقوة وشجاعة وإباء ..
قالت أمه: معك الحق يا ولدي افعل ما تراه مناسبا، نحن معك ونؤيدك في كل ما تراه وما تقرره ..
قال: أماه.. أيتها الحبيبة الغالية، باركك الله.. أنا ابن غزة وابنكم .. وانتظركم هنا مع عروسي الغزاوية.. واطمئنوا لا خوف عليَّ هنا..
قالت: اذن فقد اخترت عروسا من بناتها.. لكن.. كنا قد أعددنا لك عروسا من هنا..
قال لأمه: يبدو انه ليس لي النصيب أن أتزوج من عندكم، وَدِدْتُ ذلك، لكن قلبي صار هنا يخفق ويحب ويختار، وقد اخترت فتاة جميلة حرة نبيلة في دينها وفي أخلاقها..
قالت أمه: آه آه يا لحظها غزة الجميلة هذه التي تحدثنا عنها.. انها تختلف تماما عن ما يخبرونا به هنا.. سَلَبَتْكَ عقلكَ واحتلت قلبَكَ..
أغزة جميلة وطيبة إلى هذا الحد..
قال لأمه : واكثر من ذلك، لا تصدقوا ما يخبرونكم به عن غزة.. غزة تَغُزَّ أعداءَها وتغيظَهُم، غزة تختلف عنهم، هي الجانب الخير الطيب المبارك الحر الرائع من الوطن.
قالت أمه : بوركت يا ولدي بوركت .. هذا أملنا فيك، وعهدنا دائما أنك الرجل الذي لا يُخَيِّبَ أهلَهُ ووطنَهُ ودينَهُ..
وما دامت غزة الآن مدينتك واهلك هي أيضا مدينتنا ونحبها وسنظل نحبها وندافع عنها مثلك.. ولم لا فهي قاعدة الشرف والكبرياء والبطولة
حفظك الله يا ولدي ونصر الله غزة وحفظها من شر أعدائها الذين نعلمهم والذين لا نعلمهم..
هنيئا لك بغزة وفيها وهنيئا لغزة بك..
***