حجر الأمل (مسرحية)//كوثر خليل

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • كوثر خليل
    أديبة وكاتبة
    • 25-05-2009
    • 555

    حجر الأمل (مسرحية)//كوثر خليل


    حجر الأمل (مسرحية)







    الفصل الأول:



    ( الركح قاعة واسعة تطل على شرفة و الوقت ليل، رجل و اُمرأة يجلسان على الأريكة متقابلين، يرفع يعرب السيجارة إلى أعلى و يرافقها بعينيه) يعرب: هناك خيط رفيع بين الواقع و الفكر و علينا ألا نجعلهما يتطابقان لأنهما مختلفان.


    تحدق فيه نغم بصمت فيقول:


    يعرب: أستطيع أن أعرف الآن أنك تريدين مثالا على ما أقول.


    نغم: من أوحى لكَ بهذا؟


    يعرب:هذه العلاقة التي أتكلم عنها بين الفكر و الواقع.. نحن حبيبان و زوجان منذ عشرين عاما، هل تشكين في قدرتي على قراءة صمتك كلما منعتِ الكلام من الكلام؟


    نغم: أحسب ذلك.


    يعرب: الحقيقة أنني أستطيع أن أقرأ الأفكار الداخلية لأي كان فقد كانت تجربتي في السجن مفيدة رغم كل شيء إذ وجدتُني أتدرب على التخاطر بسبب العلاقات العدائية هناك و العصابات الضيقة حتى لما كنتُ أنقـَلُ أحيانا إلى السجن الانفرادي كنت أقيم حوارا مع سجّاني و بعد سنتين صرت أشعر أنه سجيني و سجين كل الأشخاص الذي هو مسؤول عنهم حتى أنه ضاق ذرعا في أحد الأيام و اُستقال بعد أول حوار مباشر لي معه قال فيه: "لا أدري لماذا كلما نظرت إليكَ أنتَ بالذات أشعر أنني السجين و أنتم السجانون، أنا لم أعد أستطيع العمل هنا و لا في أي سجن آخر" فقلت له: "أظن أنك وجدت طريقك إلى البُرء، حظا سعيدا" قال: "سأكون سعيدا لو سِرتُ بعربة صغيرة و بعت الحلوى للأطفال كل يوم حتى أهبهم السعادة و أراهم يتشاكسون و يتبادلون الحلوى فقد كنت محروما من رؤية أطفالي يكبرون بسبب عملي النهاري و كنت عند عودتي ليلا لا أعرف إلا باب غرفة النوم و مكان السرير، حتى التفاصيل الأخرى لم تكن تهمني" نغم:و كيف اُستطعتَ تعلُـّم ذلك؟


    يعرب:لست أدري لكنني كنت مضطرا دائما إلى الارتفاع عن صخب المجموعة و اُصطفاء شخص أوحي إليه بكلمات يجيب عنها بكلام لا يسمعه غيري و أحيانا بأعمال كأن أكون مستعجلا و طلب الإسراع من السائق قد يثير غضبه فأوحي له بأن يسرع فأجده قد ضغط على الدواسات أكثر من العادة و هكذا أحصل على مبتغاي.


    نغم:و لكن هذا الأسلوب غير أخلاقي.


    يعرب: غير أخلاقي؟ كيف؟


    نغم: إنه يجعلك تتحكم في الأشخاص دون علمهم و تسيّرهم وفق إرادتك.


    يعرب: لكني لم أطلب شيئا غير أخلاقي فزيادة السرعة مثلا لا تتعلق بالأخلاق.


    نغم: لنغيّر الموضوع.


    يعرب:تهربين من صراخ العقل إلى صراخ الجسد.


    نغم:أنت تُخيفني. تصبح على خير


    يعرب: لماذا كلما حدثتك عني أجدكِ تتهربين؟


    نغم:أنت لا تحدثني عنك، أنت تحدثني عن شخص آخر.


    يعرب: هذا الشخص ليس إلا أنا و لكن من أنا؟


    نغم: تعال معي إلى المطبخ سأصنع قهوة.


    يعرب: هل يُريحكِ صنع القهوة؟


    (يُضاء جزء من الركح إلى اليسار يبدو فيه موقد و فنجانان و آلة تحضير القهوة)


    نغم:لقد أحببتكَ حين كنتَ تتحدث عن الآخرين، عن الواقع و جراحاته و آلامه وظلمه أما الآن فلم تعد تتحدث إلا عن نفسك فقط و عن الأفكار و الكثير من الأشياء الغريبة.


    يعرب: لا بُدّ أن يتطور الفنان و يُعدد موضوعاته.


    نغم: هل التطور عندك هو تجاهل المبادئ اللاطبقية و التحررية؟


    يعرب:أنا لست سياسيا حتى أتهَم بالتنكر لمبادئي المتعلقة بتحرير الطبقات المتوسطة و الفقيرة.. أنا فنان أفكر و أنتج و ليس عليّ أن أتكلس في إيديولوجيا عاشت وقتا ثم لفظت أنفاسَها، أنا معني أيضا بأسئلتي الوجودية.. هل تستطيعين إجابتي عن سؤال مُحدد: من أكون حين أقول: أنا؟


    نغم: تكون أنتَ لا غيركَ.


    يعرب: و من أنا؟


    نغم: هذا سؤال تُجيب عنه أنتَ، المفروض أنه يتعلق بكلـّيتك.. خذ فنجان القهوة و لنذهب للشرفة.


    (في الشرفة)


    يعرب:حين أقول: أنا كتبتُ عشرة دواوين و تسع روايات عدا المسرحيات هل أكون أنا نفسي حين أقول أنا مهزوم، أنا مطعون، أنا بحاجة للحب؟


    نغم: المُفترض أن تكون أنتَ نفسكَ.


    يعرب: هذا غيرُ صحيح! (باُنفعال) أنا الشيطان، أنا الملاك، أنا المُنتشي بغروري، أنا المُنكسر في حُطامي، أنا المُتشابهُ، المتنافر، الوَلوع، الكافر بالمسلمات، الخائف، الجائع، الجبان، أنا المؤقت، الموقوت، المتكبّر، المتلاشي، كم أجهلـُني (يبكي)


    نغم: (تأخذه بين يديها) أنتَ حبيبي، رجُلي و طفلي.. أنتَ أنا..


    يعرب: لا تقولي أنتَ أنا، أنتِ أنتِ و أنا أنا..


    نغم: اِهدأ و حاول أن تسترخي على الأريكة.


    يعرب: لماذا كلما حاولتُ مواجهة أسئلتي تُحبـِطينني.


    نغم: أنا لا أحبطكَ، أنا أخاف عليكَ.


    يعرب: أنتِ أيْأسُ مني، لماذا تنكرين هذه الحقيقة.


    نغم:أنا لستُ يائسة.


    يعرب: بلى أنتِ يائسة، يائسة لأنه ليس لدينا طفل و يائسة لأنك تريدين أن تجعلي مني طفلك لكنني أخذلك في كل مرة، أنا عَصِيّ حتى على نفسي!


    نغم:ألا تُريد أن تنام؟ تعال خذ قسطا من الراحة فربما تكون أفكارك أكثر وضوحا في الصباح.


    يعرب: سألحق بكِ.



    الفصل الثاني:


    (تركز الإضاءة على يسار الركح غرفة نوم تتمثل في سرير و خزانة و منضدة عليها مصباح فيما يُطفأ الجانب الذي فيه الشرفة)


    تجلس نغم على السرير في مواجهة الجمهور و تبكي وحيدة باُحتراق، تنظر للأثاث الذي صار قديما بفعل الزمن و الذي لم تلحظ بداية تآكـُلِهِ إلا حين ذكـّرها زوجُها بما كانت تظن نسيانهُ.


    نغم:( بكاء مخنوق) أنتَ السبب في حرماننا من الأطفال طالما أوهمتني بأنك لا تحب الأطفال و لا تريد أن يكون لك طفل لأنك ستكون سببا في شقاءِ بشري هو فلذة كبدك و لن تتحمل ذلك.. ما كان عليّ أن أنبهر بك، ما كان عليّ أن أصدّقك، كان عليّ أن اصدّق غريزتي و إرادتي و أقنعك بها مثلما أقنعتني أنتَ بأشياءَ لا علاقة لها بالصحة... أنت كريه، حاقد و مغرور، أنتَ لا تُحب إلا نفسَكَ و تفرض رأيَكَ مهما كان خاطئا.


    (تذهب نغم لتأخذ حماما فيما يتركز الضوء على يعرب و هو واقف في الشرفة يراقب ديكور المدينة و هي تتبرج بجمال الليل الأزرق المشبوك بالماس)


    يعرب: كم أنتِ رائعة أيتها المدينة، أنتِ الوحيدة التي تُطبقين شفتيّ عن الثرثرة و تخدرين عقلي بشبقك المُربك، ليت لي ذراعين قادرتين على ضمّكِ ( ثم ضاحكا بصوت خافت) أنتِ الأنثى الوحيدة التي لا تهذي بالإنجاب.


    ( تحركت أوراقُ الأشجار البليلة، كانت نغم قد خرجت للتـّوّ و قد تناثرت خصلات شعرها الندية على كتفيها، قبّلته بعنف و همست و هي تنظر في عينيه)


    نغم: أريد طفلا منكَ، الآن..


    يعرب: لكن..


    نغم: نحن حبيبان منذ عشرين عاما.. ألم تقل ذلك فكيف نحتفل كل عام بمفردنا بعيد الزواج دون أن يكون معنا طفل يربطنا للأبد و يسقي هذا الحب الذي بدأت أوراقه تذبل.


    يعرب: ما كان عليّ أن أفتح هذا الموضوع.


    نغم: (هامسة) لا تجرح هذه اللحظة!


    يعرب: (قال و كأنه طبيب نفسي يخاطب مريضا) اِهدئي، اِهدئي..


    نغم: لماذا أهدأ؟ هل هذا ما عبّرتَ عنه بالتخاطر، نعم لقد نقلتَ لي مدة عشرين عاما خوفَك من الإنجاب و رُعبَك من المصير الإنساني و تشاؤمَك من الحياة حتى نسيتُ غريزتي، كنتُ أظن أنك تُعوّضني عن هذا الفراغ الرهيب في حياتي و كنت أفاخر صديقاتي بك و بعائلتي الكبيرة التي تتكون منكَ أنت فقط.. أنا أريد طفلا، أريد طفلا الآن، لقد اُستفاقت دميتكَ من التنويم المغناطيسي..أنا أريد أن أكون أمّا..


    (انهمرت أمطار غزيرة في الخارج و قصف الرعد)


    يعرب: لقد تعوّدتُ طيلة عشرين عاما على الهدوء في هذا البيت و تعودتُ أن تكوني لي وحدي و تعودت أن نذهب معا إلى المناسبات الاجتماعية و تعودت أن نشاهد فِلما أو مسرحية معا و تعودت...


    نغم: و لكني لم أتعود على قتل أمومتي، كل شيء يذكرني بها: الآخرون و أنتَ، إنها صراخ مكتوم قابل للانفجار في كل حين.


    يعرب: يجب أن ترتاحي حبيبتي، سنتحدث لاحقا في الموضوع.


    نغم: (نظرت إليه كأنها تراه لأول مرة) من أنتَ؟ أنتَ مختلف فعلا عن الرجل الذي عرفتـُهُ لسنوات.


    يعرب: أنا هو أنا، لم أتغير، أنتِ التي تغيّرتِ.


    نغم: صرتُ أفكر.


    يعرب: نحن ندور في حلقة مفرغة، لقد اُحتملتِني عشرين عاما، هل أنا الشخص نفسهُ منذ عشرين عاما؟ لقد تعلمت منكِ أشياءَ كثيرة و اُستطعتِ أن تؤنسي وحشتي و فعلتِ ما لم تفعله امرأة أخرى، لقد اُحتفظتِ برجل بوهيمي لعشرين عاما.. قلمتِ أظافره و رتبتِ أوراق جنونه و كنـّستِ أركانَ عقله المُتربة و غسلت قلبَه الذي لم يعرف غير الدموع.


    نغم: (تصفق) قلمتِ، رتبتِ، كنستِ، غسلتِ، نعم..هذا ما فعلتُهُ طيلة عشرين عاما لكن مقابلَ ماذا، لم أظفر منكَ حتى بقطعة لحم صغيرة أضمّها إلى صدري و أسمع منها كلمة ماما.


    يعرب: هل هذا يوم الحساب؟


    نغم: إنها لحظة الحقيقة، من الآن فصاعدا لن أعيش في بوتقة من الكذب.


    يعرب: و ما المطلوب مني؟


    نغم:عليك أن تعرفه بنفسك. سأذهب إلى النوم الآن. (تختفي في الركح لأن غرفة النوم غير مُضاءة).



    الفصل الثالث:



    ظل يعرب في قاعة الجلوس (الركح) فتح جهاز المسجِّل و أخذ يستمع إلى موسيقى هادئة و سحابات الدخان تدور و تتلاشى في فضاء البهو.


    يعرب: (في حوار داخلي) الجنس في الحياة كالملح في الطعام، كيف يمكن أن نستسيغ مرارة الحياة و سأمها و خوفها و عبثيتها دون هذا التواصل الإنساني مع الآخر؟ دون هذه الحميمية المطلقة التي نشعر بها و نحن نحِبّ و نحَبّ، لماذا يجب أن يكون لهذه الحميمية ثمن و لماذا علينا أن نبقى رهائن حاجيات الآخر حتى لو اُختلفت عن حاجاتنا اُختلافا جذريا؟ يا إلاهي كيف تغيّر شعورنا، كيف تبدل رأي كل منّا في الآخر، لماذا يُفترَض أن يكون لكل شيء مقابل؟ الزواج مقابلُ الحب و الأطفال مقابلُ الزواج (يدور في مكانه) ما أصعب الاستسلام للحقيقة كما لو كنتَ تشرب الفودكا دفعة واحدة. إن الحياة تنبني على المسلمات أكثر مما تنبني على القناعات. لماذا لا يعيش كل منا حسب قناعاته؟ لقد كنا مُرتاحيْن نعيش حياتنا على نفس الوتيرة منذ عشرين عاما و حققنا الكثير خلالها فلماذا نعود إلى الوراء؟


    (سمع نغم و هي تناديه من غرفة النوم التي هي في يسار الركح، يضاء الجانب الأيسر من الركح)


    نغم:ألا تريد أن تنام؟


    يعرب: سآتي.


    (دخل عليها فوجد على المنضدة قارورة خمر قد اُنتصفت و ما تزال تشرب منها )


    يعرب: هل تشربين؟


    نغم: (قالت بلكنة أثقلها السكر) تعال يا حبيبي نرفع أكواب السعادة. لِنَعِشْ هذه الليلة كما لو كانت الليلة الأولى أو الأخيرة. إذا كنتَ لا تريد أطفالا فأنا أيضا لا أريد، أنا لا أريد سواكَ (قدمتْ له كوبا) أنتَ أهم من أن يكون لك شريك في قلبي لتذهب الأمومة للجحيم و لأذهب أنا.. (تلوح بالكأس) أنتَ أهم من كل الناس و من كل شيء.


    يعرب: ماذا دهاكِ لقد جُننتِ فعلا، أنا لا أحبّ أن أراكِ بهذه الصورة: ثياب مُغرية و روح محطمة! أنتِ لم تكوني هكذا أبدا أنتِ أغلى من أن تقدمي نفسك بهذا اليأس و السأم.


    نغم: (أخذت تضحك و هي تقفز فوق السرير) إنها ساعة الحقيقة، إنها ساعة العبث و الرعب. ألم تقل أن لا أحد يعرف نفسه، أنا الآن أعرف نفسي أكثر من أي وقت.لقد حاولت طيلة حياتي أن أكون ظِلا لك، عشتُ عشرين عاما من التماهي فيك و الآن وصلت إلى حالة مأزقية، لقد حققتَ الكثير من خلال هذا الزواج، وجدتَ راحتكَ و كل ما كنتَ تنتظره أما أنا فقد أضعتُ نفسي فيك.


    يعرب: هل أوحى لكِ الشراب بكل هذا. سأسكب هذه القارورة في الحوض.


    نغم:لقد أفقتُ الآن، كنت بحاجة لأكواب قليلة لأقول لك ما لم أستطع قوله طيلة هذه الأعوام، أنتَ كريه و أناني و أنا أمقتك أكثر من أي شخص و أكثر من أي شيء. لقد خذلني الحب و خذلتني الحياة و لكني أشعر أنني خفيفة كريشة في الفضاء، لقد تخففتُ من وهم الحب و من وهم الحياة و أستطيع أن أغلق الباب ورائي في أي وقت.


    يعرب: هل تظنين أن الأمر بهذه السهولة.


    نغم: لن يكون أصعب من الأعوام السابقة.


    يعرب: لقد أردتُ فعل ذلك قبلكِ و فشلت.


    نغم:طبعا فشلتَ لأنك كنت المستفيد دائما أما أنا فلا. أنا التي يجب أن تدافع عن حريتها ضد الاستعباد باُسم الحب و باُسم الزواج.


    يعرب:أنا أيضا فكرت في أن أتحرر منك و لكن لم أستطع.. أنا أحبك و وجودنا معا ضرورة لنا نحن الاثنين لأننا صرنا نشكل واحدا.


    نغم: (ساخرة) كنت أحبذ أن نكون ثلاثة أو أربعة..


    يعرب: (يطفئ مصباح غرفة النوم و يستلقي قربها و ينظر كلاهما للسقف) لماذا تزوجتِني؟


    نغم: تزوجتك لأني أحبك و لأني أحببتك أردتُ طفلا منك.


    يعرب: أ وَلا أكفيكِ؟


    نغم:كنتُ أحب أن أحمل طفلنا بين يديّ و أراك حين أنظر في وجهه فأحبك مرتين..أنا لا أستطيع أن أحبك و أنا عرجاء، أمومتي هي اُكتمالي.


    يعرب: (قال بصوت خافت و الدموع في عينيه) لكنني أخاف.


    نغم: (اِلتفتت إليه) مم تخاف؟


    يعرب: أخاف من الحياة، من المصير، من الفشل..


    نغم:كل إنسان يخاف مما يجهله و لكن هذا لا يبرر أن نحرم حبّنا من أن ينمو و يرتوي. كل الناس يتزوجون و ينجبون الأطفال و هذا لا يعني أنهم لا يخافون الفشل و لا يتساءلون عن المصير.


    يعرب: كان علينا أن نطرح هذا السؤال من قبل.


    نغم: (تضع رأسها على صدره) لا فائدة من الندم الآن.. أنت حبيبي و أنا حبيبتك.


    يعرب: (يهرب بعيدا عن الفراش متجها نحو الركح في حركة راقصة فتلحق به).


    نغم: (تدور في الركح ويداها في اُتجاه يعرب) ذاك الرنين الذي ينجم عن لقاء كأسيْن... ذاك البياض الباهر الذي يلمع في سماء مظلمة عند لقاء سحابتين.. أليْسَ الكون كله شغفا تتلاحق ذرّاته للقاء معلوم لتخلق شيئا أجمل منها في كل مرة يجعل الطبيعة أرق و الكون أغنى. لماذا لا تفكر إلا بالموت و النهاية، لماذا تتحرك مفاصلك إلى القاع و لا تسمو للارتفاع. هل رأيتَ زهرة تنمو إلى أسفل، هل رأيت طائرا يحلم بالأرض.. كل شيء يتعلق بالسماء بسلاسل وهمية يصوّرها له طموحه و طبعه الباحث دوما عن الأفضل.


    يعرب: (يصفق) أحسنتِ أحسنتِ، إنها محاضرة لا تخلو من الأهمية إلا أنها زائفة مثلنا نحن الأرضيين رغم ما اُحتوت عليه من ألفاظ الجمال و المثال و ماذا عن الحروب يا سيدتي و ماذا عن المجاعات و القوي يصنع مستحضرات تجميل بما يكفي لإطعام نصف الكرة الأرضية، ماذا عن الأمراض الناجمة عن التلوث و الأقوياء يُغرقون البر بالسيارات و البحر بالمزابل و فيما يستمتعون بالأحضان المُشتَراةِ يموت الآلاف من جراء رفاهتهم و شغفهم الذي لا ينتهي للمال.


    نغم: لن نكون مسؤولِين عن غنى الغني و فقر الفقير لِيَعِشْ كلُ شخص حسب اُختياراته و أحلامه من يُريد المال فهو له و من يُريد الفكرة و الجمال فهُما له.


    يعرب: هذا ليس صحيحا، إن الإنسان الذي سننجبه لا بد أن يتخبط في هذا اللاتوازن المحموم بين الغنى و الفقر في العالم و سيعلم أن العدل ليس سوى فكرة و إذا لم يُرِد أن يكون من الطاغين فسيكون حتما من المسحوقين و حتى و إن وجد لقمة العيش فلن يجد الكرامة و لن يأنَس في نفسه القوة على التغيير لأن التغييرَ لا يتم إلا بوسائل و هذه الوسائل تكون على مستوى الدولة-الأمة لا على مستوى الفرد.


    نغم:أنتَ الذي تقول بأنك ضد الظلم، ألستَ ظالما؟ ألا تمارس عليّ ظلما حين تحرمني من أمومتي و تجعلـُني وقفا على نظرياتك البائسة؟ لو فكّر الإنسان بالموت و الشرور فلن يعيش يوما على ظهر البسيطة و إن مات فستكون حياته و حياة من حولَهُ موتا بطيئا.


    يعرب: ألا تريْن أننا نموت ببطء؟ أليس الاستيقاظ في نفس الساعة و الأكل بمواعيد و الخضوع لمطحنة العمل و أن لا تجد من يفهمك أو يشاركك هواجسك موتا بطيئا؟ بل هو الموت بعينه. و هذا الجسد الذي يتحرك بأوامر مجتمعية لا يخرج عن قواعد اللباس و قواعد الزواج و الدعارة و لا يعرف شيئا عن الحب، هذا الجسد الذي يتقولب في كراس ٍ مصطفة و غير مريحة من المدرسة إلى الجامعة إلى العمل إلى البيت يعنّـَف ألف مرة و يتعرض للتحديد حتى في النوم. كل هذا هل يصنع أشخاصا أسوياء؟ طبعا لا!


    نغم: (مفتوحة العينين تدور في الركح دون هدف) إني أرى شخصا لا أعرفه.


    يعرب: هذا لأننا لم نتحاور منذ عشرين عاما.. لقد أتت هذه الأفكار من تراكم الصمت، أنا نفسي لم أكن أعرف بأنني أفكر بهذه الطريقة إلا حين طرحنا الموضوع.


    نغم:(مبتعدة إلى الخلف) هل يوجد كل هذا السواد في داخلك؟


    يعرب: أيّ سواد؟ هذه مجرد أفكار.


    نغم: هذه ليست مجرد أفكار، هذا أنتَ.


    يعرب: أفكار الإنسان غير مستقلة عن واقعه.


    نغم: أليسَ مَن حولنا يشاركوننا هذا الواقع، لماذا يَعيشون حياتَهم و يسعَدون و ينجبون الأطفال كغيرهم؟


    يعرب: لأنهم يستطيعون العيش في الزيف و الكذب و النفاق.. هم أعداء أبنائهم و أبناؤهم أعداؤهم و مع هذا يضحكون و يتشاركون الأكل و السقف و لا يبدو عليهم أيّ نشاز.. هم أعداء زوجاتهم و زوجاتهم عدُوّات لهم و مع هذا يضحكون و يتشاركون الفراش و كل شيء و لا يبدو عليهم أيّ نشاز.. هم أعداء أنفسهم، يتخبطون في الزيف ألف مرة في اليوم و مع هذا يلبسون ثيابهم و يعقدون ربطات العنق و يلمّعون أحذيتهم و يتعطرون و كل ذلك أمام مرآة تلعنهم و هم يجمّلون خرابهم الداخلي و مع هذا يبتسمون للمرآة و يدورون في كل الإتجاهات ليروْا جمال قوامهم و كم أظهرت الثياب فخامتهم و قوتهم و لا يبدو عليهم أيّ نشاز.


    أنا أكره الكذب و أكره أن ترى المرآةُ خرابي المُجمّل و أكره أن أنافق فلذة أكبادي و أجعل المرأةَ التي أحببتُ أكثر شقاءً.


    نغم: أنت تُجمّل خرابك بهذه النظريات المتغطرسة التي تحاول أن تكون فيها أكثر ذكاء من الآخرين و أكثر صفاء، أنتَ تنافق المرأة التي تقول إنك أحببتـَها و تجعلُها الأشقى حين تُدخلها كهوف الخوف الجليدية المظلمة التي تسكن فيها روحكَ المُرتعبة. أنتَ تجمّل هذا الرعب الذي بين ظلوعك و تنافق نفسك (بصوت أعلى) و لا يبدو عليك أي نشاز.. فأيكما أفضل أنتَ أمْ مَن حولك... (تبكي) أنتَ لم تحبّني أبدا..


    يعرب: الخائف لا يحب و المخذول لا يحب و الزائف لا يُحب و من لا يحب نفسه لا يستطيع أن يحب أحدا.


    نغم: (فتحت الخزانة و أخرجت حقيبة أخذت تملؤها ثيابا و كأنها تستعد للمغادرة)


    يعرب: ماذا تفعلين؟


    نغم: ما تَرى، أنا أغادر الموت للحياة.


    يعرب: (مرتعدا) هكذا بكل بساطة! بعد أن أسقطتِ أقنعتي و جعلتِني كطِفل عارٍ يلتهمه البرد و الخوف (يتوسل) لا تتركيني (يحاول إفراغ محتويات الحقيبة)


    نغم: لا تتعب نفسك، سأغادر بهذه الحقيبة أو بدونها، من الأفضل أن أغادر بدونها.


    يعرب: (يتحول إلى وحش غاضب) قلتُ لن تتركيني (يأخذ في بعثرة السرير و أثاث الغرفة) لن تتركيني، لن تتركيني..


    نغم: لقد تركتَني أنتَ منذ سنين دون أن تغادر هذا المكان أما أنا فلا أستطيع الكذب و النفاق.


    يعرب: (يعترض طريقها ) اُقتليني، اُقتليني قبل أن تخرجي.. أنا لا أستطيع العيش وحدي في هذا المكان.


    نغم: لقد قتلتَ كل مشاعري، أنا الآن أكرهك و أكره نفسي، كيف أهدرتُ كل هذه السنوات، كيف ظننتُ أننا شخص واحد، كيف تلاشيتُ فيك حتى فقدتُ ذاتي؟


    يعرب: (اخذ يدور حولها كالمجنون و هو يضحك) ما رأيكِ لو شربنا السُمّ معا و مِتنا في نفس الوقت، هذا هو مصير العاشقين، ما رأيكِ لو أقتلك ثم أقتل نفسي، طبعا السيدات أوّلا..


    نغم: أنتَ مُحتال..تقتلني لتعيش؟ أنا ماضيكَ، أنا حُبكَ، أنا كل ما تحبه و تكرهه، أنا صندوقك الأسود!


    يعرب:و لماذا لا نعيش كما كنا، إنْسَيْ هذه الفاصلة من حياتنا و لْنَعُدْ كما لو أننا لم نتناقش.


    نغم: لن نعود كما كنا لأننا لم نعد كما كنا.



    الفصل الرابع:



    تلبس هي ثوبا أبيض و يلبس هو ثوبا أسود.. يجلسان القرفصاء و ظهرهما إلى الجمهور و هما يحدقان في ضوء أبيض في أعلى الركح و الركح مظلم.


    يعرب: لقد اُقتربت النهاية.


    نغم: نعم، نهايتكَ، لا يمكن أن يغزو فكر الموت و الانتحار هذا العالَم الجميل.. أنا و أنتَ لسنا سوى طائر يطير بجناح أبيض و آخر أسود و هذا من شذوذ الطبيعة..


    يعرب: هل يجب أن يكون الجناحان أسوَديْن؟


    نغم: بل يجب أن يكون الجناحان أبيَضين.


    يعرب: هذا سُخف، اللون الأبيض غير حقيقي.


    نغم: و كذلك الأسوَد.


    (يلتحمان و يتقلبان على الركح.. تتركز دائرة الضوء عليهما)


    يعرب: أسود.


    نغم: أبيض.


    يعرب: أسود.


    نغم: أبيض.


    يعرب: أسود.


    نغم: أسود.


    يعرب: أبيض.


    نغم: أسود.


    يعرب: أبيض.


    نغم: أبيض.أبيض. أبيض. أبيض. أبيض.


    (يقفان و يتشابكان بالأيدي)


    يعرب و نغم: (بصوت عال و رأساهما إلى أعلى) لا بد من الشر و الخير، لا بد من الكره و الحب، لا بد من الظلمة و النور (يمشيان و يداهما متشابكتان) هنا نرتفع عن الألم، في مربع ضيق تشُدّنا الأغلال لكننا نكتسب أجنحة، نرتفع عن جثثنا..


    مفتوحة عيون القتلى لكنها لا ترى.. تحمل كأس الحياة لكنها لا تشرب..


    لا للجشع لا لا لا لا لا


    لا للطمع لا لا لا لا لا


    لا للسواد لا لا لا لا لا


    نحن الحياة...


    نحن الشباب...


    نحن الطموح...


    نحن الإنسان..



    (تنفتح شاشة في أعلى الركح، تظهر عليها كتابة بيضاء: قـَتـَل الإنسانُ إلاهَهُ بكل زهو لكن الإله لم يمت لأنه الإله فيما ظل الإنسان حيا يُعاني صَدَأ الإلحاد و هناك ناداه ربّهُ: لأني لا أموت سأنتظر اليوم الذي أراكَ فيه عائدا إليّ..)



    و هنا يسطع النور في الركح دلالة على طلوع الصباح...



    كوثر خليل
    التعديل الأخير تم بواسطة كوثر خليل; الساعة 09-07-2010, 16:29.
    أن تهدي شخصا وردة في حياته، أفضل ألف مرّة من أن تضع باقة على قبره
يعمل...
X