الشاعران : أبو الوفا و أبو شادى
(حكاية أول لقاء )
و ما كاد أبو شادى يلقى التحية على الجالسين ، و يجلس حتى فتح " حقيبته السوداء " و أخرج منها عددا من مجلة " الإخاء" قائلا : " ياما " فى البلد شعراء مثل شوقى , أفضل ، لكن غير معروفين ! ، فسأله الحاضرون : مثل من يا دكتور ؟ ، فأجاب أبو شادى : مثل سليم قبعين ، أسمعوا قصيدته " بمناسبة جلوس الملك عبد العزيز آل سعود على العرش .....و أخ\ أبو شادى يردد أبيات القصيدة ممتدحا شاعرية صاحبها و متعجبا من تأليه شوقى و نسيان سليم قبعين ، و ما أنتهى من إلقائه حتى ضج الحاضرون بالضحك ، فأثار هذا دهشة أبو شادى ، فسأل متعجبا : على الأقل ، أليس هذا مثل شعر شوقى ؟!
فقال الكيلانى : رفقا يا دكتور ، إن صاحب ما قرأتع من شعر ، هو هذا ..و أشار إلى أبى الوفا ، قائلا : صديقنا الأستاذ/ محمود أبو الوفا .
و يذهل أبو شادى من المفاجأة ، فيسأل : و لما إختار هذا التوقيع ، لم لا يوقع بأسمه ؟
و يجيبه أبو الوفا لأن الشعر لصاحب التوقيع .. و بسرعة يتدخل الكيلانى قائلا: يا سيدى ، إنه يصنع الشعر و يبيعه لصاحب أى توقيع ، و قد باع هذه القصيدة – أمامنا – للأستاذ / سليم قبعين بعشرة قروش للبيت الواحد .
و يثور أبو شادى و يصرخ فى المجتمعين : هذا تزييف للتاريخ .. هذا تزييف للأدب .. كيف تسمح ضمائركم فعل هذا ؟! ..إنه جُرم ... جُرم .
فيرد أبو الوفا غاضبا : إن كان هذا جُرما ، فالمجرم هو من يُحرم الأديب من حقه فى الحياة . ... تاريخ الأدب تحت حذائى ، طالما لا أجد من يتذوقه ، و لا أجد من يقرر مكانة صاحبه .. عن أى تاريخ تتحدث يا دكتور ؟! .المهم أولا أن أعيش .. ملعون الشعر إذا جعلنى أتذل أمام الناس ... المهم أولا أن أجد لقمة العيش ، هذا الشعر الذى أبيعه ، إنهم يقبلون الأيدى و يدفعون ما أطلبه ، ليقدموه للآخرين و هم يُقبلون أحذيتهم ... المجرم هو كل من أشتغل بالأدب هنا ، المجرم هو كل مثقف فى هذه البلد .....
سلوا( الوساطات ) فى مصر و ما أصطنعت سلوا ( الإدارات ) من دُون ومن عال
كم من كريم كبت فيها مطامحه و كم لئيم بها طُلاع آمال
ربع ساعة فى هذه المعركة ، قبل أن تنتهى بالإعتراف بأن الحياة قاسية ، و المجتمع مسئول ، ثم ينتقل الحديث و يهدأ و يتشعب ... و يصيرأ كأصدقاء منذ أعوام .
و تتكرر مقابلات أبو الوفا و أبو شادى بعد ذلك عدة مرات ، و فى إحدى المقابلات ( عام 1930 ) يذكر أبو شادى لأبى الوفا ، أنه كان فى لقاء مع الدكتور / يعقوب صروف ( أحد مؤسسى جريدة المقتطف ) و أن الدكتور كان حزينا جدا على مستقبل الشعر العربى بعد حافظ إبراهيم و أحمد شوقى ،إلا إن أباشادى طمئنه و أخبره بوجود من لا يقل عنهما شاعرية و بساطة و عمقا فى التعبير ، و طلب أبو شادى من أبى الوفا إحدى قصائدة لعرضها على الدكتور / يعقوب صروف ، فمد أبوالوفا يده إلى جيب قفطانه الداخلى ، و أخرج منها ورقة مكتوب فيها قصيدة ، كان أبو الوفا قد كتبها منذ سنوات و ما أن يقرأها أبو شادى ، حتى يسرع بإخراج كراسة مذكراته ، و يكتبها ليقمها بعد ذلك للدكتور صروف،الذى فيقوم بنشرها فى المقتطف ، و تتناقلها خمس مجلات كبار ، مما يعد نصرا صحفيا للمقتطف ، و يحرص الدكتور / صروف على إنضمام أبو الوفا لأسرة تحرير المجلة ، و يعهد إليه بتحرير باب المكتبة ، و مراجعة ترجمة " مقالات المختار من ريدرز دايجيست " ، و تتبدل حياة أبو الوفا
و يصبح له عملا يرتزق منه ، و جريدة ذات جمهور يُقرأ له ، فلقد كان عمله بالمقتطف بداية ميلاده الحقيقى فى علم الأدب و الشعر .