القصة كمادة فكرية

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • نبيل عودة
    كاتب وناقد واعلامي
    • 03-12-2008
    • 543

    القصة كمادة فكرية

    القصة كمادة فكرية




    نبيل عودة




    نشرتُ في الأشهر الأخيرة ما يقارب الثمانين قصة قصيرة... عدا بعض القصص القصيرة جدا والتي نشرتها كنوع من اثبات عقم تحويل هذا اللون، الى جنس أدبي، وان القصة القصيرة هي قصة قصيرة بغض النظر عن المساحة التي تحتلها على الورق. ولاحظت ان معظم ما قرأته من قصص قصيرةجدا، مجرد فذلكات بلا حس لغوي او قصصي. وبالطبع هناك نصوص جميلة ولكنها قليلة جدا..
    الملاحظات النقدية التي تلقيتها، من مختلف المثقفين، فتحت امامي آفاقا لرؤية جديدة لمضمون القصة القصيرة، واجد نفسي مدفوعا لقول ما كنت خلال الأشهر الماضية أتجاهل خوضه مباشرة، ترددا، بسبب تفضيلي التمهل لفهم أفضل لما بدأ يتشكل في ذهني من مفاهيم وتجارب وسعت حدود ادراكي لهذا الجنس الأدبي (القصة القصيرة) التي ظننت في فترة ما ان جهدي في صياغتها يذهب سدى، وان الساحة باتت ملكا لكتاب الرواية.. فكتبت ثلاث روايات ومسرحية، ولكني على قناعة ان قراء أعمالي الروائية من القلة، وهذه ظاهرة في كل نتاجنا الثقافي، رغم بعض الضجيج الكاذب الذي نشهده في ندوات معينة، الا انها تكاد تخلو من النقد أوالقراءة الجادة لما ينشر. وليعذرني زملائي الأدباء على صراحتي الفظة، بان ما نشر حول اعمال روائية او أجناس أدبية أخرى، لا يمكن تصنيف الا أقله كقراءة جادة، وأكاد لا ألمس النقد الثقافي في ما ينشر عن الندوات خاصة. ولكنه موضوع آخر...
    في هذه الأجواء المأزومة ثقافيا، تختلف المعايير. كانت عودتي لهذا الانتاج الواسع للقصة القصيرة تعبيرا عن رؤية فلسفية جديدة لهذا الفن القصصي.
    بدأت تتشكل مع عودتي بشكل واسع للقراءات الفلسفية والفكرية، مبتعدا بعض الشيء عن الكتابة السياسية، فامسكتني فكرة غريبة ان أدمج بين الفلسفة والفكر والقصة القصيرة، بأن أحاول التعبير عن مناهج فلسفية، بقصص تدمج بين الفكر الجاد واللعبة الإيهامية التي تميز فن القص.
    محاولاتي الأولى كانت نصوصا فجة لم أنشرها. ولكن فيما بعد تدفقت معي النصوص، ووجدت نفسي أبحث عن طرائف تتماثل مع الفكرة القصصية المطروحة فلسفيا، لأعبّر بها عن رؤيتي القصصية والفكرية. بل واستعملت بعض الطرائف في مقالات فكرية وسياسية ايضا، ووجدت ان الطرفة تعطي خلفية لفهم جوهر الموضوع المطروح، واحيانا أفضل من آلاف الكلمات.
    كنت على قناعة ان مثل هذا النهج الجدي، بالنسبة لي على الأقل... قادر على تشيكل اتجاه ثقافي فلسفي أرقى من مجرد حكايات مسلية هادفة او غير هادفة..
    بعض قراء أعمالي الجديدة، ومنهم كتاب قصة من العالم العربي، لاحظوا ان قصصي الفلسفية، وهو اللون الذي طورته في الأشهر الأخيرة، تدمج بين المقال الفكري وفن القصة، وبعضهم بالغ بالقول ان الكاتب يبرز كفيلسوف أكثر من قصصي. وبعضهم تحمس بشكل مبالغ للجانب القصصي الفلسفي...
    لم أشأ ان أطلب تفسيرهم لفن السرد ومدى قدرة الكاتب (انا في هذه الحالة) على جعل السرد مشوقا كما في أي نص قصصي ناجح، والتساؤل، هل طرح قضايا الإنسان الفكرية والفلسفية الجوهرية، الأمر الذي يقتضي أن يكون ذهن القارئ مفتوحا وأن يكون ذا يقظة فكرية كاملة، ما لا يتوفر لدى قارئ نصف نائم، كما تعودنا على قراءة القصص الممتعة المسلية، او مشاهدة التمثيليات الممتعة، يُخرج النص من صفته القصصية، الى جنس ثقافي آخر.. مقال مثلا؟.. او "قصة – مقال"؟!
    أعرف ان هذا اللون القصصي، المتمثل بطرح فكرة فلسفية او رؤية فلسفية، كجوهر للقصة، يخاطب قارئاً من نوع جديد، قارئاً بمستوى ثقافي ومعرفي ما فوق المتوسط على الأقل، يقرأ القصة بذهن يقظ كما يقرأ، الى حد ما... موضوعاً فكرياً، والسؤال الذي يشغلني بدون إجابة كاملة حتى اليوم: هل يختزل ذلك فن القص ام يرقى به الى مستوى جديد؟
    هذا أعادني، بدون حساسيات وبدون أفكار مسبقة، من منطلق ان الكاتب هو أفضل ناقد لنصوصه، أعادني الى مراجعة واسعة للتعقيبات الجادة فقط، التي تحمل لمحات نقدية، وتقييمات أوسع من مجرد التصفيق الحماسي والمديح. وأقول بثقة اني فوجئت من الاستقبال الحماسي لقصصي الفلسفية خاصة من القراء، وان ما كنت أظنه طروحات فلسفية – من الصعب ربطها بقضايا جوهرية ومصيرية لمجتمعاتنا، استُقبلت بفهم كامل وبتعليقات تلمّح الى ما تخاف النفس ان تصرح به علنا.
    السلبيون في ملاحظاتهم، تركزوا أولا حول طول النص.. مبرزين ان مساحة استعدادهم للقراءة الواعية تقترب من الحدود الدنيا. وبشكل غير مباشر عبروا عن واقع القراءة الآخذ بالضيق والاختزال في المجتمعات العربية. وبعضهم اتبع ملاحظته حول الطول بأن القصص هي "شبه مقال شبه قصة!!" وربما استنتج من ذلك ان ما يشد القراء أكثر هي النصوص البسيطة، التي لا تحتاج لجهد عقلي. وان بعض دوافع القراءة، مع الأسف هي دوافع للترويح عن النفس، للتسلية، في انقطاع كامل عن التفكير واكتساب شيء جديد. والمستهجن ان البعض ذهب نحو استنتاجات دينية، او أُلصقت عنوةً بالدين، وعبأوا صفحات لا تقرأ، بمواعظ لا علاقة لها بالنص وما يطرحة من رؤية تنويرية او نقدية لواقع عربي مترهل ومتخلف في جميع مجالات الحياة. ولا أعرف ما دخل الدين في الدفاع عن التخلف والانغلاق الحضاري؟!
    أي يمكن القول ان النهج السائد في أغلبية المجتمعات العربية، نهج فرض حظر متزايد على مساحة المواضيع المتاحة، وقمع حرية التعبير وحق الرأي ورفض التعددية الثقافية والدينية والإثنية،التي أطلّت برأسها ، من بعض الطروحات المتشنجة التي ارادت ان ترشدني، دينيا، لما هو مسموح وما هو ممنوع (؟؟!!) بعقلية بدائية، تفتقر لمقومات اولية من الوعي... مثلا سؤلت عن بطل احدى قصصي : هل هو كافر ؟ سألت الأديب المتسائل : "وما علاقة ذلك بجوهر النص وعناصر القصة؟ وهل البطل في القصة مشروط ان يكون نسخة مقرر فكرها وعقلها في مجلس فتاوي ؟ وهل القصة باتت مجرد خطاب وعظي آخر؟ وهل كل الأشخاص الذين نلقاهم في حياتنا اليومية هم نسخة طبق الأصل لما نعتقده انه الطريق الصحيح والسوي؟ وهل مجتمع من لون واحد وتفكير واحد ، هو مجتمع سليم العقل؟". واخرى انتقدت خروج أرملة الى الشاطئ للبحث عن حب جديد، بحجة انه لم يمض على موت زوجها أربعين يوما.. وان الدين يقول.. الخ.. الخ.. الخ!!.
    مع مثل هذه العقول، يبدو ان كل كاتب يحتاج الى مُفتٍ ليرشده في ما يجوز ان يكتبه وما لا يجوز..!!.
    وبالطبع هناك قراء فاجأوني برؤيتهم المتنورة والأكثر راديكالية مما تجرأت على طرحه. ولكنهم لم يجاهروا برأيهم علنا انما عبر رسائل خاصة، وهذا مفهوم وله مبرراته في مجتمعات تضيق فيه مساحة التفكير ، وتلغي العقل لحساب النقل وتسود فيها الخرافات والغيبيات وفكر المعاجز، الذي لم يقدم غير التخدير العقلي.
    ان فهمي للقصة تجاوز منذ فترة طويلة مفهوم النص السردي الخفيف المعبر، والكاتب، كما ارى، لم يعد مجرد راو، يروى الحكايات في السهرات والمقاهي، او في وسائل الاعلام المختلفة، لتسلية الناس.
    هذا الفن يتحول أكثر وأكثر الى مادة فكرية فلسفية تربوية سياسية اجتماعية ولغوية ثقافية تشمل كل ابواب الحياة، تميزه روح سردية إدهاشية قصصية ممتعة.. وهذا بحد ذاته يطرح إشكالية غير سهلة، تشمل تطوير فن السرد وعلاقة هذا الفن بطرح قضايا فكر وفلسفة ومجتمع من المستوى الأول... ودفع القارئ الى أجواء جديدة في فن القص... فيها متعة الحكاية، الى جانب متعة الفكر. ومتعة الفكر أجمل وأرقى من متعة الحكاية او الطرفة العابرة.
    حقا هي مشكلة لدى المبدع، ولكنها مشكلة تتعلق أيضا بمستوى الوعي الذي يمتلكه الكاتب والقارئ على حد سواء. مستوى الإعداد الفكري للأجيال الجديدة، مستوى تطوير العقل المفكر ، وليس العقل الناقل .. في جميع مستويات التعليم.
    انا شخصياً ارى ان فن القص هو مسالة مهنية صرف.. أي ان وعي الكاتب هو المقرر ، والحديث عن لحظة الإبداع، وشيطان الإبداع، ودخول الكاتب بجو خاص، ومعاناة الخلق... هو ثرثرة فارغة من المضمون، تخيلات عقيمة. لا يوجد شيء من ذلك. لا أعرف من طور هذا الوهم الثقافي. حقا هناك الموهبة، وتطوير ادوات المبدع اللغوية والفكرية والسردية او الشعرية، وكنت قرأت مجموعة مقالات في الشبكة الألكترونية لأصحاب القاب كبيرة، تتحدث عن فن كتابة القصة وشروطها، وترشد القراء الى كيفية كتابة قصة. أضحكتني وأشعرتني كم هو مبسط وبدائي ، تفكير اؤلئك الأساتذة ، بمحاولاتهم جعل كتابة القصة عملا يتعلق بمعرفة تركيبة القصة، حسب لوائح وبنود وتوجيهات سامية من الألف الى الياء.
    ككاتب ورائي مئات القصص وروايات ومسرح وكتب نقد، لا أعرف حتى اليوم تركيبة قصصية يمكن ان انهج عليها. ولم تشغل فكري طروحات الأساتذة المبجلين، "الذين يكشفون للقراء أسرار كتابة القصة"، وهم أعجز عن صياغة جملة قصصية واحدة، من منطلق ان لغة القصة السردية تتميز عن اجناس السرد الأخرى.
    شروحاتهم لقواعد التأليف القصصي وشخصيات القصة. أضحكتني بسبب "علمويتها" او " اكاديميتها المدعاة " . اعتقد اننا امام جنس أدبي حان الوقت ليتخذ له مكانة ابعد من التسلية فقط ، ان ننظر اليه بصفته "علم قصصي"، أجل هو علم.. يقتضي الموهبة كما في علم الرياضيات مثلا، ولكنه علم يتعلق أكثر بحياة الإنسان بكل تفاصيلها وإسقاطاتها ومؤثراتها، علم يحتاج الى تجربة حياتية واسعة جدا، والأهم علم يتعلق أيضا بالقدرة على اختراق عقل الإنسان ودفعه للاندماج بالنص، لغة وفكرا.. بما يتجاوز مساحة متعة القراءة فقط، لأن متعة الفكر والفلسفة أرقى وأكثر تنوعاً واختراقاً لنفس الإنسان من مجرد نص الحدوثة ومتعتها.
    واضح ان القصة لن تكون بحثا. انما طرح معلومات ومواقف بسرد يختلف عن السرد العلمي... وهنا، كما ارى هو المجال الذي لا بد ان يخطو اليه فن السرد القصصي، ليخرج من الحواديث والجو الحكائي البسيط الى المعاضل الأساسية التي تقف أمام الإنسان العربي أساساً، والإنسان العالمي عموما.
    هذا الاتجاه بات بارزاً في العديد من الأعمال الروائية والقصصية العربية، ولم يقلل ذلك من روعتها السردية ودراميتها، انما عمّق الى أبعد الحدود التصاقها بقضايا الإنسان والفكر الإنساني.
    هذا النهج يجب تعميقه، ليس لتطوير الحكايات المسلية، انما لجعل فن القص لا يختلف عن إعلان الثورة الاجتماعية من أجل القضاء على الفساد وتعميق نهج التنوير.

    نبيل عودة – nabiloudeh@gmail.com
  • سلطان الصبحي
    أديب وكاتب
    • 17-07-2010
    • 915

    #2

    الأخ والأديب القدير\نبيل عوده

    صباح الورد

    تعجبني كتاباتك وخاصة الفلسفية منها ،ورغبتك في التجديد

    مفهوم القصة مازال يترنح تحت وطأة الماضي والنهايات العقيمة

    ورفض الكثير من الأدباء للّرغبة في التجديد سواء في النهايات المفتوحه

    وأسلوب السرد الذي يتخذ منحنىً مغائراً لأساليب قديمة

    الفكر يتطّور مع اللغة أم اللغة هي التي تطّور الفكر؟

    وأخيراً أستاذنا الفاضل سأنشر بين يديك نصاً

    فهل تفيدنا من أي الأنواع نستطيع أن ّ نصنفه ؟

    تحياتي

    http://www.almolltaqa.com/vb/showthread.php?t=59554
    عبدالرسول معله "رحمه الله

    أشعر أنني أمام شاعر كبير
    سيزاحم الكبار على مقاعدهم يوما ما
    ارتشفت نميرا عذبا ونهلت شهدا مصفى وأريد المزيد

    تعليق

    • محمد يوب
      أديب وكاتب
      • 30-05-2010
      • 296

      #3
      أبدعت أخي نبيل بارك الله فيك وفي علمك.
      مودتي

      تعليق

      • صادق حمزة منذر
        الأخطل الأخير
        مدير لجنة التنظيم والإدارة
        • 12-11-2009
        • 2944

        #4
        [align=center]
        لقد طرحت قضية كبيرة ذات أبعاد عن واقع حياتنا المتردي والذي ما زال يحمل آثار الاستعمار العثماني البغيض الذي فرض علينا تحت ذريعة الإسلام وباسم الدين ثالوث التخلف ( الفقر والجهل والمرض ) لأكثر من 4 قرون وما زال هذا التخلف يسحق روح النهوض لدينا فما زلنا نعاني من الاستعمار الثقافي والاجتماعي والسياسي

        وما زال أصحاب اللحى يتبنون هذه ( العصملّية ) ويفرضونها علينا ليستمر استعمارنا
        بكل وجه من أوجه الحياة تلك العصملية المتخلفة التي أول من بادر إلى سحقها ودفنها هم الأتراك أنفسهم ليتمكنوا من النهوض والتطور والتقدم لمواكبة باقي الأمم في هذا العصر ..

        ونحن في هذا الحال نحتاج إلى هذا النوع من الثورة لدفن هذه العصملية العفنة في نفوسنا لنتحرر من كل هذه الرواسب التي تشدنا إلى الخلف وتكتفنا وتمنع عنا هواء الحرية والتقدم والتطور ..

        تحيتي وتقديري لك

        [/align]




        تعليق

        • نبيل عودة
          كاتب وناقد واعلامي
          • 03-12-2008
          • 543

          #5
          ا[align=right]
          لأخ صادق حمزة منذر
          تحياتي واحترامي لطرحك الجريئ والصحيح تماما .
          ليتنا تتركنا وراء اتاتورك .. لأصبحنا اليوم قوة دولية يحسب حسابها.
          يضحكني ذم بعض الببغاوات لكمال اتاتورك ، دون ان يعوا انه وضع نهجا لإخراج الشعب التركي من تخلفه العقلي وسيطرة الخرافات والأساطير على حياته وشلله الدماغي ، الى شعب متنور منتج له مكانته الدولية والشرق اوسطية ، رغم كل المعوقات والأخطاء في التعامل مع القليات القومية ...
          أجل عزيزي تركيا التي تعد اليوم 85 مليون ، أي بحجم مصر ، تنتج خمسة الى ستة أضعاف انتاج مصر الاقتصادي بالسنة..
          والسبب التحول الذي فرضه اتاتورك على العقل التركي والمجمتع التركي والانسان التركي .وآمل ان لا تتراجع تركيا الى الحضيض الشرقي القديم ...
          اما عن الفجوة العلمية والتكنلوجية بين تركيا والعرب..فحدث ولا حرج ، ما توظفه الجامعات التركية للأبحاث يتجاوز كل ما يوظفه كل العالم العربي بعدة أضعاف .. ومستوى التعليم الجامعي يرقى الى المستوى الأوروبي .. بينما جامعاتنا تمنح شهادات تخريج بلا قيمة علمية ، ومن ينشد التطور والتقدم يحمل عصاه ويرحل !!
          وبالتالي هذا ينعكس على الواقع الثقافي ايضا !!
          [/align]

          تعليق

          • زهور بن السيد
            رئيس ملتقى النقد الأدبي
            • 15-09-2010
            • 578

            #6
            الأستاذ والمبدع الكريم نبيل عودة
            تحية طيبة
            قرأت مقالتك (القصة كمادة فكرية) وأود أن أسجل بعض الملاحظات, حول ردك على قرائك وحول كتابتك القصصية الفكرية إن سمحت لي بذلك.
            أبدأ بردك على قرائك الذين صنفتهم إلى:
            ــ "أصحاب التعقيبات الجادة والتي تحمل لمحات نقدية" أو"قراء لهم رؤية متنورة".
            ــ و"أصحاب التصفيق الحماسي والمديح", أو"السلبيون في ملاحظاتهم أو أصحاب الطروحات المتشنجة" الذين وصفتهم "بعقلية بدائية تفتقر لمقومات أولية من الوعي".
            أرى أن الاختلاف في وجهات النظر حول قصصك أمر طبيعي. فكل جديد يثير ردود أفعال مختلفة, يمكن تقسيمها إلى صنفين: صنف المؤيدين للتجديد والمتحمسين له. وصنف المعارضين الذين يبالغون في تقديس القديم, ولا يدخرون جهدا لصد الجديد وإضعافه.
            ثم إن ما ذكرته من آراء لهؤلاء, هي مجرد انطباعات شخصية وأحكام متسرعة, لا تمت للنقد الأدبي بصلة. فكتابتك القصصية الجديدة تحتاج إلى قراءة واعية, علمية وموضوعية, وإلى قارئ فعال, وواع بخصوصية العمل القصصي بشكل عام والكتابة الجديدة بشكل خاص, لأن هذه الأخيرة تتطلب نوعا من الجدية والتأني لكشف ما لم تقدمه القصة مباشرة كما هو معهود في القصص الكلاسيكية.
            أما ما يتعلق بكتابتك القصصية الجديدة "الفكرية" فهي تدل على اختيار واع بطبيعة المرحلة وضرورة التغيير, وتدخل في إطار تجريب أشكال جديدة يفرضها العصر.
            فالكتابة القصصية دائمة التطور على مستوى المضمون والخصائص الفنية, شأنها في ذلك شأن الشعر العربي الذي عرف عبر مساره التاريخي تحولات جوهرية تمثلت في تعاقب مدارس واتجاهات شعرية نتيجة عوامل موضوعية وذاتية وثقافية: مدرسة البعث والإحياء والمدرسة الرومانسية والشعر الحديث (الشعر الحر).
            والقصة القصيرة بدورها محكومة بالتحول, فقد تطورت من الشكل الكلاسيكي الذي يقوم على البناء التقليدي: البداية والعقدة والنهاية أو الحل, وبساطة اللغة وسطحيتها, إلى تجريب أشكال جديد كسرت بنية الشكل القصصي المعهود, واعتمدت اللغة الرمزية بدل التصريح والمباشرة, وتداخل الأزمنة عوض تسلسلها, وأسلوب التداعي والحوار الداخلي وغيرها من الخصائص الفنية والمضمونية التي تدخل في إطار ما يسمى بالحساسية الجديدة أوالتجريب.
            وبخصوص تساؤلك حول هذا اللون القصصي الجديد المتمثل في طرح فكرة فلسفية أورؤية فلسفية, "هل يختزل ذلك فن القص أم يرقى به مستوى جديد؟"
            أكيد أن تأثر وانفعال الأدب بالفلسفة سيرقى بالممارسة الإبداعية إلى درجات من التميز والقوة, فالقصة القصيرة هي أكثر الأنواع الأدبية تفاعلا بغيرها من الأجناس الأدبية والعلوم. فقد استفادت كثيرا من المسرح وغيره, فلم لا تستفيد من الفكر الفلسفي. إن الصلة بين الفلسفة والأدب قائمة وأفرزت مفاهيم هي:
            ــ فلسفة الأدب / الفلسفة الأدبية
            ــ أدب الفلسفة / الأدب الفلسفي
            إن فلسفة الأدب تركز على النظر في المفاهيم الإجرائية والمناهج والنظريات وتقويمها. أما الأدب الفلسفي فيوظف الأفكار والمبادئ والقيم الفلسفية توظيفا أدبيا, وهذا أمر مشروع, بل ما أحوجنا اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى إبداع فكري يخاطب عقولنا بدل تسليتنا, فالشكل القصصي المعهود لم يعد قادرا على احتواء قضايانا العربية والإنسانية, ونحتاج في هذه الظروف الموضوعية والذاتية والفكرية المستجدة إلى تطوير أشكال الإبداع كي تستوعب قضايانا, وتعبر عن همومنا.
            أتمنى صادقة أن أكون قد فهمت طبيعة كتابتك القصصية.
            تقديري لك

            تعليق

            • فتحى حسان محمد
              أديب وكاتب
              • 25-01-2009
              • 527

              #7
              الاساذ الفاضل / نبيل عودة
              بعد فترة من الانقطاع تجعلنى سيادتك اعود إلى طرحك الجميل
              ولكن
              استفزني سخريتك ممن جعلوا القص علما له أسسه وقواعده وقوانينه وقواعده وأصوله ومعاييره وشروطه وأهدافه ، كما له أجناسه وأنواعه وأصنافه
              وأنا واحد من هؤلاء الذين كتبوا هذا العلم وهو منتشر على الشابكة وفى كتابين كبيرين .
              واطرح عليك بعض الأسئلة
              - كل قصة لها بطل ذات واعية أو حتى غير واعية ، وهذه الذات لابد لها من عمر تبدأ به أحداث القصة فى العشرين أو الخمسين أو غير ذلك ، فهل من المفروض انك تعرف حياة هذه الشخصية قبل بدء الأحداث أما لا ؟!
              - هل بظنك أن تسير الأحداث رغم تصاعدها الحتمي إلا يتغير حظ البطل من حال إلى حال؟
              - هل ليس من الحتمي الانقلاب أو التغير
              - هل ليس من الضروري أن تكتب القصة على أسس بسيطة مثل البداية والعقدة والحل ، أو أسس مركبة مثل البداية الابتلاء الزلة العقدة الانفراجة التعرف النهاية؟
              - هل لا تعترف بالمكونات مثل الشخصيات والأحداث والمكان والزمان والمستحيل الممكن ؟
              - هل لا تعترف بالقوانين مثل الحبكة والتغير والحاجة والهدف ؟
              - هل لا تعترف بالمعايير مثل الصراع والحتمى والمحتمل والسبب والنتيجة؟
              - هل لا تعترف بزلة البطل وان لم تعترف بها كيف يكون البطل بطلا أنسانا مثلنا رغم أن يبدأ مثل الملائكة أو الشياطين ؟
              - كيف تصل إلى النهاية إن لم تحدد من البداية حاجة البطل وهدفه ؟
              - كيف تحدد النهاية إن لم يمتحكن أو يبتلى البطل ويفقد كل أسباب قوته أو أدوات نجاحه وكيف يعاود المجابهة ويواصل طريقه؟

              أما بخصوص الفلسفة فى القصة فهذا اتجاه رائع وجميل مع أنى طالبت بذلك وجعلته من شروط القص الحسن وقلت إن من أصول القصة أو الرواية أو الملحمة أو القومية أو النص الأدبى الفكر والفكرة ، والفكر يختلف كثيرا عن الفكرة بطبيعة الحال .
              وشكرا
              التعديل الأخير تم بواسطة فتحى حسان محمد; الساعة 25-11-2010, 23:18.
              أسس القصة
              البداية - الابتلاء - الزلة - العقدة - الانفراجة - التعرف - النهاية

              تعليق

              • نبيل عودة
                كاتب وناقد واعلامي
                • 03-12-2008
                • 543

                #8
                الأستاذ فتحي حسان محمد
                اصارحك اني لم أقرأ اي كتاب تنظيري حول فن القصة، ما عدا كتاب واحد اسمة "فن القصة" لكاتب أجنبي لا أذكر اسمه، قرأته قبل 30-=35 سنة ، وقررت من وقتها ان النظريات حول فن القصة لا تلائم تفكيري .. وان اعتمد على تجربتي الذاتية فقط.
                اعذرني اذا فهمت نصي انه رفض مطلق. انا طرحت وجهة نظر وليس حكما، وطرحك شجعني ان اطلع على طروحاتك، ويؤسفني ان القطيعة بيننا وبين العالم العربي تحرمنا من الكثير من الابداعات، اعطيت اسمك لمستورد كتب من مصر لعلة يجد مؤلفاتك ..
                ومع ذلك ، اعتمدت في نصي على تجربتي الذاتية ،وتجربتي مرت بمراحل مختلفة وتغيرت افكاري مرات عديدة بناء على تطور تجربتي، لذلك يمكن ان يجد القارئ لمؤلفاتي تناقضات في الطرح ، هي وليد الفترة الزمنية التي كتبت فيها كل نص .. لذلك عزيزي الرأي هو نسبي ومحدد بزمنه.
                كنت ماركسيا حتى العظمن اليوم لي ملاحظات نقدية واسعة جدا حول الماركسية في مسائل تتعلق بجوهرها. ولي قناعات اعمق اليوم حول أهعمية المجتمع المفتوح والدفاع عنه من أعداء الدمقراطية على كافة أشكالهم ، وهي النظرية الفلسفية الهامة التي طرحها كارل بوبر.
                لذلك عزيزي الرؤية محددة بمرحلة.
                انا أعتقد ان عملية الابداع ، ليست نصية فقط ، انما اكتشاف عالم الأبطال بالتدريج ، ومعرفة تنسيقها بشكل لا يتناقض مع الحدث.
                عشرات قصصي الأخيرة بدأت كتابتها بوعي كامل وتخطيط كامل للفكرة والأبطال،ولكني مع نهاية النص وجدت اني انحرفت عن رسم الشخصية ، وعن مضمون النص الى حد ما.. لأن الابداع هو اكتشاف أيضا ،وأشبه بمختبر فحص الدم ، تتضح الأمور مع تقدم الفحص ..وهنا تكمن لذة الابداع وجماليته والسعادة التي تسيطر على المبدع خلال عملية الابداع، وارفض الفكرة البالية التي تتحدث عن مخاض الابداع وتصورة بما يشبه الام الولادة.
                هذا تصوير سخيف من كتاب استمنائيين.
                الابداع تدفق ، شلالات نياغرا تتدفق من خيال الكاتب ، وعلية ان يختار أفضل الصور وأفضل الكلام .. وأفضل نهاية..
                اريد ان أقول بصراحة ان الكتابة هي حالة وعي ويقظة قصوى.. ومع ذلك هي حالة تندمج بالخيال الواسع والتجربة الواسعة للكاتب، التجربة الحياتية ، والنشاط العلمي ن وتطوير معرفته الشخصية وفكره الثقافي والفلسفي واطلاعه الجيد على مضامين متسعة جدة لمختلف المواضيع ..
                انا شخصيا لا أطرح نفس الأسئلة التي طرحتها في مداخلتك ، ولا أفكر فيها، واتركها للقارئ .. للناقد .. ولا تخصني، ما يتملكني الفكرة القصصية ، وكيف اعطيها أبعادا اجتماعية فلسفية انسانية.. الخ!!
                سؤلت مرة في محاضرة على طلاب مدرسة ثانوية اذا كنت اكتب القصة الدائرية او المربعة .. او المثلة.. ولم اكن قد سمعت بمثل هذه التعاريف. قلت للطلاب ، هذه التعاريف لن تساعدكم ان تكونوا كتاب قصة او نقاد قصة.. التعريف الشكلي لا قيمة له، ولكم أسمع به الا عندكم. الكتابة مهنية عالية، ليس في اللغة فقط، وانما في تطوير الذالئقة عبر القراءة الواسعة جدا ، وفهم اسلوب الكاتب وشكل بناء شخصياته ، واسلوب الحوار ، وفنية لغته ، واتركوا كل النظريات لأستاذ اللغة .. تعلموها للشهادة فقط ، وبعد الشهادة لا تعودوا اليها لأنها سجن للفكر وسجن للإبداع.فزعل المعلم الذي كان يعتبر نفسه كاتبا قصصيا. موهما الطلاب انه أحسن كتاب القصة. وقد قرأت له بعد سنوات ، مجموعة قصصية لم أستطع ان أنهي منها الا قصة ونصف القصة.. كانت ثرثرة فارغة وتطبيق لنظريات اوجدت نصا مشوها مفككا.. فكتبت نقدا لإحدى قصصه شارحا معضلة التمسك بنظريات جيدة ربما للقراءة من أجل تطوير الذائقة، ولكنها خطرة اذا حاولنا تطبيقها في ابداعنا بحذافيرها، بشكل دوغماتي.وراحت زعلة للعمر.. ولكنه لم يكتب بعدها أي نص ...
                بسبب نوع عملي المهني ، مدير انتاج في الصناعات المعدنية، ( منشئات تكرير النفط ومحطات الكهرباء وهندسة تحلية مياه البحر وبناء مصانع )توقفت لفترتين طويلتين عن الكتابة ، عشر سنوات كل منهامما افقطني الكثير من الفكار القصصية، وقد عدت لنشاطي الكبير بعد تقاعدي عام 2000 . واستغرقتني العودة لعالم القصة أكثر من 7 سنوات .. ولكني عدت بعدها بزخم كبير انتجت خلال شهرين أكثر من 60 قصة.. وخلال ستة أشهر أكثر من 80 قصة ، تعطل انتاجي بعد استلامي رئاسة تحرير جريدة يومية منذ 3 أشهر .وهي فترة لم أكتب بها الا قصة واحدة.." سميرة تفسر علم المنطق" المنشورة في المنتدى أيضا.وبالطبع توقفت عن المراجعات الثقافية.. وهذا المقال كتبته قبل تورطي بالصحافة .. التي أغرقتني بوسخ السياسة "مكره أخاك لا بطل!!"
                تحياتي

                تعليق

                يعمل...
                X