...
رثاء الذات والخشية من القادم المجهول
إن رؤية الإنسان للعالم تُبنى على جملةٍ من الآمال والتطلعات التي يتمنى تحقيقها, ويبذل من أجلها
مجهودًا فكريًا وجسديًا. ويعلو سقف المطالب وينخفض من مرحلة عمريّة إلى أخرى, وتختلف بحسب
البيئة الاجتماعيّة الحاضنة للإنسان.
والرغبات الإنسانية تجعل لحياة الإنسان قيمةً يشعر معها بلذة العيش سواء نالها أو حرم منها. وحالات
الاكتئاب والعزلة ناتجة عن قناعة الإنسان بعدم جدوى القيمة المعطاة جرَّاء البحث عن تحقيق الرغبات.
ولذلك يزهد بالمظهر الجمالي المُقدم من الحياة, والذي يُعد في الثقافة الإسلاميّة مظهرًا تضليليًا لتنافيه
مع الفكرة القائلة بأن "الدنيا جنّة الكافر". وابن المقفع صاغ تلك الرؤية الإسلاميّة رغم أصوله الفارسيّة
المحتفية بالجمال قائلا: طالب الدنيا كشارب ماء البحر, كلما ازداد شربًا ازداد عطشًا.
والشعر بوصفه ديوان العرب لم يخلُ من النظرة الزاهدة بالدنيا, سواء كان الزهد نتيجةَ إحساس الإنسان
بدنو أجله, أو كان الزهد من منطلق دينيّ, والظاهر أن الزهد بالدنيا أكثر ما يكون عند شعور المرء بقرب
المنيّة, كما زَهِد مالك بن الريب عندما لسعته عقرب وأحسّ بأن الموت مدركه:
فيا صاحبي رحلي دنا المـوت فانـزلا
برابـيـة إنــي مقـيـم ليـالـيـا
أقيمـا علـيّ اليـوم أو بعـض ليلـة
ولا تعجلانـي قـد تبيـن مـا بـيـا
وقوما إذا مـا استـل روحـي فهيئـا
لي السدر والأكفـان ثـم ابكيـا ليـا
وخطـا بأطـراف الأسنـة مضجعـي
وردا علـى عينـي فضـل ردائـيـا
أيقن ابن الريب إدبار الحياة عنه, والمواجهة تُعد في هذه المواقف الخيار الأوحد, ما دامت إمكانية
الهروب متعذرة, ويقول وليم جيمس (William James) وهو من رواد علم النفس الحديث بأن تقبل
المصائب بالشجاعة, والتسليم للقدر, هو الخطوة الأولى في سبيل النجاة من عواقبها. والموت
يُعد المصيبة الأكثر إيلامًا للإنسان؛ لجهله موعد قدومه من جهة, وغموض مصيره المستقبلي من
جهة أخرى.
وتغسيل الميت بالسدر, وإلباسه الكفن لا يخفى على صاحبي ابن الريب, وعلمهما بمراسم التشييع
لم يجهله, لكن أراد إبلاغهما عن جرأته, وهو يتحدث عن الموت كحديثه عن أي أمر معلومٍ دون وجل.
وبدأ يخبر عن نفسه وصنيعها قبل الموت, مستعينًا بتركيب " قـد كنتُ" ليضيف بعدًا ماضيًا, وكأنه يتمنى
أن يوصف بهذه الأوصاف بعد موته, فهو يبين لمن أراد الحديث عنه بعد مواراته الثرى المواطن التي امتاز
بها عن غيره, وتستحق الوقوف عليها والترحم عليه بها, ويخشى أن تندثر مناقبه بعد وفاته, فلا يبقى
إلا سيئات ما عمل كما يقول شكسبير " السيئات يقترفها الناس فيمضي فاعلوها وتبقى", فامتدح نفسه:
خذانـي فجرانـي ببـردي إليكـمـا
فقد كنت قبل اليـوم صعبـا قياديـا
فقد كنت عطافـا إذا الخيـل أدبـرت
سريعا إلى الهيجـا إلـى مـن دعانيـا
وقد كنت محمودا لدى الزاد والقـرى
وعن شتم ابـن العـم والجـار وانيـا
أراد ابن الريب الاطمئنان على ذكره قبل أن يُسلب القدرة على سمع ما يُقال عنه, كما قال فولتير "كلمة
واحدة رقيقة أصغي إليها وأنا حيّا, خير عندي من صفحة كاملة كلها تمجيد في جريدة كبرى, حينما أكون
قد متُّ ودُفنت",وعلى خطى مالك ابن الريب سار غازي القصيبي في قصيدته " حديقة الغروب" مستخدمًا
الأسلوب الحواري لإظهار ما يرجو أن يُقال عنه بعد مفارقة الدنيا, والناس بعد غيابه يوجهون تساؤلاتٍ حوله,
ويطلب من بلاده التي بذل من اجلها كل غالي أن تكون لسانًا منافحًا عنه عندما يعجز لسانه عن المنافحة:
ويا بلاداً نذرت العمر زَهرتَه
لعزّها دُمتِ إني حان إبحاري
تركتُ بين رمال البيد أغنيتي
وعند شاطئكِ المسحورِ أسماري
إن ساءلوكِ فقولي: لم أبعْ قلمي
ولم أدنّس بسوق الزيف أفكاري
الأسئلة باتت هاجسًا يحاول الإنسان اكتشافها قبل موته, يبحث عما يمكن أن يُطرح عنه وعما قاله أو فعله,
ويُؤرقه إمكانيّة الرد على تلك التساؤلات, ومن سيحمل لواء الدفاع, وعن مدى قدرة المدافع للرد على
الطعون أو الاتهامات التي قد تُثار,والنظرة التي ستكون سائدة في أعين الأجيال القادمة تجاهه وتجاه ما
قدمه من أعمال.
وهذا عبد المنعم الملوحي يُعارض قصيدة ابن الريب, ويأسف على حاله, عندما يفارق الدنيا ولا يوجد من
يفتقده, فالشمس ستشرق كعادتها, والقمر سيضيء السماء, والأرض تواصل دورانها, وسواقي الماء تسير
قاطعة المروج :
رويدكِ يا هوجَ الرِّياح تريثــــــي
سأرحل، والدُّنيا ستبقى كما هيــــــا
ستطلع بعدي الشمس حمراء تزدهي
ويبزغ بعدي البدر أصفر وانيــــــا
وبعدي تدور الأرض لم تدر من أنـــا
وتشدو السواقي في المروج الأغانيــــا
يدرك الإنسان مدى ضآلته مقارنة بالكون المحيط به, وانتقاله من دار إلى دار لا يمكن أن يوقف الحياة أو يغير
مسارها, وهذا الشعور يبعث في نفس الإنسان اليأس؛ لأن الأسف عليه لن يكون بالقدر الذي يتناسب مع
ما يظنه مستحقًا له.
ورثى الشاعر الشعبي "مسلط الرعوجي" نفسهُ, واستحضر طيب ما فعل في حياته, لتكون عزاء له, وتذكيرًا
لمن بعده. ويرى بأن أقواله مفاخر باقية ترددها الأجيال, وتُعد محاولة لإقناع النفس بجودة ما صنعت في
حياتها. وأقواله وأفعاله ستخلد ذكره لقرون متتالية, وحضور الذكر يعوّض غياب الجسد, ما دام الإنسان لا
يملك القدرة على إبقاء جسده خالدًا, فإنه يملك القدرة على تقديم أعمال يرجو بها خلوده في الأذهان:
وفعايلي تبقى تواريخ وأذكار
يفخر بها التالين لا رددوها
وانا بقبري فوقي اللبن وحجار
تبقى ولو طال المدى ما نسوها
وسوالفي تبقى قويات وعسار
تفخر بها وايل إلى ورّدوها
واستشعار الإنسان قرب الأجل, يُعد أمارة على طلب التطّهر من الذنوب السالفة, والمصير القادم يملك
القدرة على ترقيق قلب الفرد من جهة, واستعطاف الخلق بغية الترحم عليه من جهة أخرى, وما الناس
إلا "شهداء الله في خلقه". والشاعر عابد الجلال أوصى عندما رثى نفسه بأن يحلله الناس؛ فحقوق
العباد تثقل كاهل الإنسان, والمتضرر له حق المطالبة بالاقتصاص من مُصدر الضرر, وهذه المحاكمة الإلهيّة
لن تكون جائرة, وسيأخذ كل ذي حق حقه دون زيادة أو نقصان:
فـضـلا لـيـا سـلـم عـلـي احمـلـونـي
لـدار بهـا نبقـى زمـانـات وعـصـور
ولـيـا اندفـنـت باللحد سامـحـونـي
قولوا وقولـوا بالـف حـلٍ ومأجـور
رثاء الذات جاءَ متنفسًا لأمرٍ لا يقدر الإنسان دفعه, وتهيئة للنفس كي تكون مستعدة لاستقبال هذا الأمر
رغم استكراهها له, والنظر إلى الأعمال الجليلة التي قدمها الإنسان في حياته, لتكون معينة على السكينة
من جانبين؛ الأول: الثواب المرجو من العمل, والآخر: الذكر الطيّب الذي تخلفه تلك الأعمال. والخشية مما
هو آتٍ تجعله أمام رغبتين ورهبتين,الرغبتان هما رغبةُ تنزل الرحمة من الخالق, ورغبة الترحّم عليه من
الخلق. والرهبتان هما: رهبةُ حلول النقمة عليهم من الله, ورهبةُ انقطاع ذكره في الدنيا, وموت الأعمال التي
ظن أنها ستخلد بعده.
--------------
بقلم/ ياسر صالح البهيجان
y.albhijan@hotmail.com
جامعة الملك سعود – ماجستير الأدب والنقد
...