خاص وحصري
نشر / ملتقى نخبة الإبداع
نشر / ملتقى نخبة الإبداع
وصلتني للتو شخصياً
من الأستاذ الشاعر الأديب
محمد علاءالدين عبدالمولى
زوج الراحلة الغالية
سوسن السباعي الجابي
من الأستاذ الشاعر الأديب
محمد علاءالدين عبدالمولى
زوج الراحلة الغالية
سوسن السباعي الجابي
**********
علاء الدين عبد المولى
في أربعين السّوسنة
في أربعين السّوسنة
قلبي مطرٌ من الصّبار على ضريح الشّهيدة سوسن
[align=justify]
لا تعرف اللغة الآن من أين تسلّمني مراثيها؟ خجلٌ عارٍ يعتريها يشلّ مفاصلها. تفغر أفواهها من أول كلمةٍ نطق بها البشر، حتى آخر دفقة دم سالت من فمكِ... يا شهيدة الألم: سوسن.
سال دمُ شعري على أصدقاء وشعراء كثيرين... والآن لا يعرف دم شعري من أين يسيل حيث دمك ملأ المداخل والمخارج ولم يبق لي أن أطلق عوائي الأصفر في تربة الثلج الأبديّ...
هي سوسن من أكتب لها مرثيّةً تافهةً وضيعةً لا تليقُ بندرة ألمها وخصوصية موتها المدمّر... هي سوسن من حملتها من سريرنا بيديّ إلى المغتسل وأنا أقبّل عينيها... هي سوسن من ألقينا عليها نظرة الوداع ثم حملناها إلى التابوت الرابض على باب البيت... هي سوسن من كنت أحملها صعودا وهبوطا على الدرج وهي متعبة متهاوية متكسّرة من آثار العلاج والإسعافات اللانهائيّة، ها هي فوق أكتافنا الآن تنزل النزلة الأخيرة الدرج الأخير الكريه المريض الذي أشتمّ من بلاطاته رائحة السرطان والموت كلما صعدته ونزلته... هي سوسن من بالأمس كانت تملأ البيت حتى بالأنين... لا بأس... حتى بالشكوى الملتهبة... لا بأس... حتى بالعواء الجارح كذئاب تلفظ غاباتها الأخيرة... لا بأس... ولكنها كانت تملأ البيت بشيء ما... هي نفسها الآن تملأ البيت بفراغها المرعب... سوسن التي تحوّلت تحوّلها الأخير... ها هي التحوّلات القاتلة يا سوسن... يا امرأة التحوّلات الدائمة... المفرحة والدامية... الخضراء والرمادية... ها هو تحوّلك الأخيرُ نحو الهاوية الأخيرة... سوسن التي كانتْ تتضوّع منها الصباحات والمساءات بكلّ أصناف المرأة وألوانها... المرفرفة كطائرٍ قلق مصدوم معطوب مهدود الجناحين أخضر القلب أزرق المنقار هشّ الروح قويّ الصبر... سوسن هي الآن تتضوّع من غيابها كل مسام جلدي برائحة الدمار والحرائق...
يا اااااااااااااااا سوسن... كلّ حرف من حروف اسمك صار إزميلاً دمويّاً يهوي على جسدك المتآكل كجنّةٍ عرضُها المشافي والأسرّةُ والأدوية.
يا اااااااااااااااا سوسن... كل حرفٍ صار أنبوبة كيمياء تمتدّ وتستطيلُ حتى تبلغ ذروة الصراخ الهذيانيّ.
سوسن... أمٌّ لولدين، وأمّ لآلاف الليالي المقمرة، أمّ لأنهار الأحلام الجارية من تحت أقدامها...
يا سوسنااااااااااااااااااااه... أعتذر من كلّ تعبيراتي التافهة، ولغتي الهرمة، لأنها لن تتقن صياغة مشهدك الأخير الأخير... وما خزّنته في ذاكرتي أنا وأولادي في شهورك الأخيرة من صور التعذيب البشع، من أشكال الجَلْدِ الكونيّ الفاقع، من أنواع الذّبح والتّنكيل بك... لا يمكن أن يترك لأي بلاغةٍ حرية التبليغ... مرعب ما حدث يااااااااااااااااا سوسن... مذهل... صادم فوق الحدّ... مرّوع كحربٍ كيماويةٍ... مخيفٌ... يجعل القلب يتوقف عن النهار... واللسان عضلةً مرتخية في وعاءٍ من دم... ما حدث دمّر لي كل مواقعي الداخلية التي تعبت على إنشائها من أربع سنواتٍ، لأبقى أقاوم وأتمكّن من أن أشيلك عبر أكاذيب الأمل التي أعرف أنها فقدت فعلها في غسق روحك الأخير لأنك أصبحت متأكّدة من أن الموت حادث لا محالة.
أنا وحدي من يعرف منذ أوّل يوم لاكتشاف مرضك أنّ الموت قادمٌ... لأنّ طاغوت السرطان الذي أصبت به هو من أندر وأشرس أنواع سرطانات الثدي. (أخبرني الطبيب حينها أن كل مليون حالة يمكن أن تصاب امرأة واحدة بهذا النوع الشرس)... ومع أني أعرف هذا السرّ البشع، وأسعى سعياً واهياً واهماً لتخفيف صدمة وقوعه... لكن ما حدث قبل الموت قلب كل معادلاتي وانتزعني من بين متاريسي وألقاني حتى الآن في صحراء الرّعب... لم أكن لأتصوّر لحظةً أن موتكِ سيكون على هذا النحو المدّمر القبيح. حيث تكالبت عليكِ طواغيت الوجع وكأنكِ المريض الوحيد الذي عليه أن يدفع ثمن هذا المرض...
هكذا... حوصر جسدكِ بكلاّبات فولاذّية مصنوعة في أبشع أنواع الجحيم. انغرزت الكلابات من ركبتيك حتى الرّأس... حملك البرق الفجائعيّ إلى فوق ورماك، وعاد الجن قذفوكِ إلى فوق ثم رفعتك صواعق الحجر الصّباري المالح... وهوت بك دفعة واحدة... لعب جلاّدو الموت معك أشنع الألعاب... كان جسدك أولمبياداً من الدم... وكلّ مبارياته كان الموت يربحها بجدارة لأننا فقدنا كل شيء... الصفر فقط هو سلاحنا... العدم قوتنا... الصمت والانحشار في قارورة مختومة تص بحسرات الألم والقح والصديد والنزيف... لم يعد بوسعنا تأمين برهة من الأمل... السرطان ضرب ضربته في الدماغ... وبعدها بدأ الموتُ بالأقساط... سوسن ماتت على دفعات أيها الله... أتتذكر؟ سوسن ماتت على دفعات. ظلّ زبانية الدم يجلدونها على مدار الوقت ظناً منهم أنها صخرةً في قمة جبل أعزل لا تحسّ بما يجري... يا ليتها صخرة صمّاء. يا ليتها كتلٌ معدنية بلهاء لا تنتابها الأحداث ولا تؤثّر فيها ضربات سلاسل الأعاصير الهائجة... هكذا تآكلت السّوسنة أمامي ورقةً ورقةً... وصل صراخها إلى أبينا آدم، فضجّ قبره خوفاً... مرّ صراخها بقبور الأنبياء فصاحوا السلام عليك يا سوسن... هزّ عويلُها شواهد القدّيسين فتساقطت تواضعاً...
الآخرون سمعوا وقرؤوا أن سوسن ماتت... لكنني وأولادي لمسنا بأعماقنا الخاوية. شاهدنا بمحاجرنا جنّازاً ما حدث مثيله... لمسنا قبضة الموت تهوي بالسكاكين على عنق السوسنة... شاهدنا بأرواحنا التائهة كيف تبلل جسد السوسنة بكل ألوان الحقد الكونيّ والبغض الأصفر... سمعنا بقلوبنا مقابر روحها تصرخ ضراعةً ووجعاً ما شاهدت مثيله ولن أشاهد... شهدنا قتل السوسنة أمامنا... اختبرنا استشهادها بكلّ خليّة منهكة من خلايانا...
ما هكذا ياااااااااااااااا الله... ما هكذا تُقتَل السّوسنة. سأعوي وأصرخ في بريتك الواسعة بلا حكمة ولا وعي ولا رجولة... سأصرخ كالمجنون حتى أعثر على سبب واحد لمصرعها بهذه الوحشية النادرة... سأمزّق الصمت في الليالي والأحلام... سأقطّع أشجار الكلام جذعا جذعاً لأصل إلى توازن مع رعبي المرعب... أنا مرعوووووووووووب يا الله... مرعوووووب ممّا حصل... لماذا لم تأمر جلادي الموت بأن ينظّفوا سكاكينهم وينعموها؟... ما هكذا تنغرزُ أسنان الكلاب والذئاب وأنياب الأفاعي في لحم السوسنة... ما هكذا يا حيوانات الرعب الصحراوي... ما ظلّ حيوان شرس وما جرّب رياضته في جسد السوسنة. ورأيت بأم عيني كيف كانت الذئاب تتلمظ وهي تلعق العظام وتقشرها من بقية لحمها... بأم عيني سمعت زئير الأسود وهي تنقضّ حتى على سلاميّات أصابع السوسنة... أهذه هي أخلاق الفروسية أيها السيد الموت؟ كم أنت ساديٌّ وعطشان إلى الدم... أطلقت في جسد السوسنة كل ما يحلو لك من جنازير محمّاة على صفيح جهنم... ما لك أيها الموت؟... ماذا صنعنا لك لتنتقم منا بهذه الطريقة المجرمة؟... تريدها؟. خذها واستلمها... لأننا عاجزون عن إعطائك موعظة في الرحمة والوردة... خذها، ولكن بهدوء وصمت. أكان واجباً أخلاقياً عليك وشرطاً ثابتاً أن تمتهن هذا الجسد كلّ هذا الامتهان؟ أملأت شدقيك من كبد السوسنة ؟ أفرحت وأنت تمضغه عبر شهور وتلوكه وتقزمه حتى لم يبق هناك شيء اسمه كبد؟ أأرحتَ ضميرك الصخري أيها الموت إذ تركتها دون كبد يشتغل؟ أرقصت ثعابينك طرباً حول وليمة شواء أقمتها إذ أشعلت من كلية السوسنة ليلاتٍ للضواري والكواسر؟ ما أشبعك الكبد... وما روى جوعك الجحيمي... وقفت أنت وحراسك الكهربائيون الذين يقرعون طبولاً من نحاس ومسامير تريدون أن تنتزعوا كليتها... اتركوها... دعوها لتساعدها ريثما تنتهي مهزلة الوجود صرختم لا. . نريدها يعني نريدها... صرخت في وجهكم سأدافع عنها حتى آخر نقطة... أدافع عنها يا سوسن؟ وما كانَ عندي سلاح سوى الأدوية نعتصرها ونقول لها سافري عبر الأوردة والشرايين... كانت عيوننا تكتب الضراعات على قطرات الأدوية المتوغّلة في جسدك... نطلب منها بكل ضعف وانسحاق ومذلة وتآكل أن تفعل شيئاً... أن تنقذ شيئاً... أن تعفي الجسد من بعض وظائف الدم... ولكن الأدوية والصفيحات والسيرومات والتحليلات والتطمينات والتكتيكات... كل ذلك عبثٌ مجرمٌ في عبثٍ فاحش... هذا هو العبث الفاحش يا سوسن... أن نتفرج على مصرعك بين فكَّيْ ثورين هائجين... الغراب يعلن أن الكلية توقفت... كبدٌ... كليةٌ... وقبلهما.... آه مما قبلهما...
في ذلك الصباح أفقت كمن لسعته أفعى على صراخ ابني سومر وهو يرعد بصوته حتى السماء الثامنة: ماماماماماماماماماما.........
وفي ثوانٍ كان رأسك بين يديّ يختلجُ، يرتعش، يرتجف، يتقصّف، عينك اليمنى في الشرق، عينك اليسرى في الغرب، فمك في الشمال، نظراتكِ في كلّ الاتجاهات، يدك اليسرى تخشبت، تحجّرت، تمعدنت... زبدٌ... زبد من فمك ونحن حولك نرتعدُ... مسّاجات... زيت الحبة السوداء على وجهك، ماء بارد لتنبيهك... سومر خذ يدها ودلكها بقوّة، جوهر هات الزيت، قلبي هات الخوف... الله هات القسوة... يا ملائكة الشلل... سوسن.. ستصاب بالشلل؟.. لا... لا... جوهر اتصل بخالك وقل له الماما تعيانه كتير كتير كثتر.. ويداي لا تتوقفان عن مقاومة شلل وجهك... تدليك وتمسيح. ماء. زيت. رعب. هلع بكاء. فجرٌ فاجر ذلك الفجر... بعد دقائق انحلّت العضلات واسترخت... استرخت قلوبنا فجأة معها... ولكن الخوف بدأ سلطانه يتعاظم... ذلك الفجر كان مطلع شهر تموز.. بدء العدّ الحقير للموت... وخلال دقائق كنا في أقرب مشفى... وعند وضعك على السرير عادت الحالة ثانية... وخلال دقائق استرخت العضلات ولكن الموت لم يسترخ. وخلال دقائق نقلتك إلى غرفة العناية المشددة... والموت كشّر عن أنيابه ولن يطلق فكّيه حتى اللحظة الأخيرة...
إبرٌ مهدئات مسكنات مخدّرات... بدأ النوم الطويل... بدأنا ننام ونحن أيقاظٌ... ونحن رقودٌ في ممرات المشفى ندخل دقائق ويطردنا الطبّ العظيم... وجسد السوسنة فريسة النوم الإجباري المصطنع... نومٌ تصنعه المسكنات وتلقيه على ملكوت جسدكِ دفعة واحدة ". ليلات ثلاث، ثلاثمائة، ثلاثة ملايين، وأنتِ في العناية المشددة... ينقضّ عليكِ حصان العدم يخيّل بكِ كما شاء... نلهث وراءه باكين متضرعين يا حصان العدم... نرجوك أنزلْ جسَدَ السَّوسنة فوق العشب النديّ... يا حصان العدم كن رحيماً... يقهقه العدم في ردهات المشفى... يوقظ الحجارة من بلاهتها... يُسقط الأبراج من عليائها... وأيقنتُ في داخلي أنّ الأيام قليلةٌ... قليلة ولكنها بدأت تمطّ أرجلها وتأخذ راحتها... ها هما راحتاكِ قطعتان من الجليد... (بردانة... مشان الله دفوني) وفوقك بطانيات تكفي لقتل برد كانون. ولكنّك (بردانة) من شيء آخر... بردانة من نار العذاب... بردانة من سيف كيميائيّ يشطر خلاياك بطريقة غير منتظمة... بردانة من ظلم السرطان وفاعليته الغدارة... جسدكِ ثّلاجة وجودية... أعرف ملمس البرد الطبيعي... ولكن جسدك برده ملمسه عجيب... برد الموتى النائمين مؤقتاً على خشب الانتظار... ونحن مصلوبون معك على خشب الانتظار... بعد يومين وخلال انتظارك، وكلما كانت وظيفة المسكنات المخدرة تنتهي كانت حالة الاختلاجات... حالة الشلل المؤقت... تهجم عليكِ... ثم بثوانٍ يحضر المسكّن بجلالهِ وسطوته ليسرقك ثانية وثالثة وعاشرةً إلى سرداب معتم... سرداب الغيبوبة... سرداب لا أعرف ماذا كنتِ تفعلين فيه... ولا أحد يعرف... كنتِ وحيدة بالمطلق لا تشعرين بشيء. لا بتعبٍ انكسر ولا بليلٍ انشطر. ولا نهارٍ انهمر بضوئه الإسعافي المشبع بروائح المرضى والنتن... كنتِ غواصةً حقيقة في بحر الظلمات... وراءك أنا، وأولادك، نتكسَّرُ كعظام قطّة دهستها دبابة كيميائية.
في لحظةٍ ما... فتحت عينيكِ كان جوهر التقط منك ابتسامةً جعلته يرتعب خوفاً لا أعرف كيف قرأها وكيف حلَّلها وأدرك من خلالها أنك لم تعرفيه... ابتسامة استثنائية... ثم عودة إلى سرداب قال جوهر باكياً لم تعرفني... استغربت وفوجئت... وفعلاً عندما أخرجوكِ من العناية المشددة إلى قسمٍ مقابل... وكنت قربك، أفقتِ من دواليب المخدّرات... وبدأت تتكلمين... ومن أول جملة أدركت أنّ الدّماغ فقد وظائف المنطق... لغة مبهمة. كلمات لم أسمع بمثلها من قبل... إيقاعٌ كارثي في كلماتكِ. لا رابط في جملكِ ولا معنى لما تقولين... وكانت الذاكرة معطلة.. السوسنة تفقد ذاكرتها... أتعرف أيها الموت ما هي ذاكرتها؟ افقأ عيوني ولا تجعلني أراها في هذه المشاهد... تهبط داخلي أبراج شاهقة من المشاعر الصفراء وتتكدّس ركاما فوق ركام... سوسن بلا ذاكرة؟؟؟؟؟؟ سوسن ضيّعت الأشياء والأسماء؟؟؟؟ وهي علّمت الكثيرين الأشياء والأسماء؟؟؟ وصنعت لهم ذكريات وتواريخ؟؟؟ هي الآن بلا تاريخ و لا ذاكرة؟؟؟ فظيعٌ هذا يا الله... بشع... هائل... هذا فعل الأوغاد والأنذال والخسيسين... هذا أثر الغدر الذي لم يقع على وردة من قبل... ماذا سأقول لسومر وجوهر حين يرون أمهما تهذي بكلام فاقد المعنى ولن تميزهما؟ أم سومر لن تعرف سومر ولا جوهر؟ فظييييييييييييع يا الله... مرعوووووووووووب أنا يا الله... وكان عليّ أن أقاوم وأقاوم وأشتغل كخلية نحل على الجبهات كافّة... سوسن بلا ذاكرة وأنا عليّ أن أتعامل مع الكوارث بمنطقية وتحدّ وصبر... يا لعنة الحكمة والمنطق... يا برودة أطراف العقل ما أحقره وما أتفهه...
بعد ساعات يحضر الأولاد والآخرون... وأنتِ لا تميزين أحداً وتضحكين ببلاهة مفاجئة... وتؤلفين قاموساً لم أقرأ مفرداته في أي زمن وفي أي وطن وكان الوقت الثالث من تموز... من قال نيسان أقسى الشهور؟...
هنا السوريالية الحقيقية يا بريتون... هنا نصّ البيان الذي لم تكتبه لأنك لم تختبره، ولأنه لا يكتب... هنا الساعاتُ المطعوجة الملتوية يا سلفادور دالي... هنا الوجه الدائري المربع يا بيكاسو... هنا سوسنة السوريالية القاتلة... هنا الكتابة اللا واعية... هذا هو فصل الجحيم هذه هي أزهار الشر... هذا الزورق السكران. هذه المقبرة البحرية... هذه مراثي إرميا وأشعيا وسوسنيا... هذا هو الصّلب الجديد يا سيدي اليسوع... عظام هشّةٌ... جسمٌ ينضحُ قروناً من التعب والإجهاد... عيونٌ لا تقوى على اليقظة... ضرباتُ السرطان تنهال على القسم الأمامي من الدماغ... مرض السرطان بطلٌ على الضعفاء. سيد على الأعشاب. ساطورٌ على لحم العصافير. دوّامةٌ دموية تلفّ زهرة بيضاء لم تعد تحتمل المزيد... وهو يمعن في جبروته... أي امتحان واختبار وأيّ تفقّد للمولى لعبده؟ اذهبْ للجحيم يا بيان الرحمة... لتنتحر الرحمة خجلاً. لقد تواطأت كلّ مجنزرات الألم على شدّ أطراف السوسنة إلى ميدان رومانيّ ليُنكّل به على الملأ... أيتها الوحوش العاهرة... كنتُ أظن موت السوسنة كموت عصفورٍ طريّ يقع فجأة عن الصباح، وما كنت أظن أنه سيحدث هكذا بالأقساط غير المربحة. قطعةً وراء قطعة. عشبةً خلف عشبة. إصبعاً إصبعاً. كلمةً كلمةً. خلية خلية... حتى بات الألم غير المسبوق لا يجد مخرجاً له من الجسد فصارت السوسنة تعتقلُ صراخها وتكتمهُ. في لحظة اتّحدت فيها بالألم متماهيةً في أتونه، مستسلمةً إطلاقاً لبلدوزره العملاق.
في لحظة تحمل تناقضات خرافية، لم يعد الجسد قادراً حتّى على الألم. وذلك لشدة ما تألَّم الجسد... كيف أصوغ ذلك يا سوسن؟ كيف أروّض غول اللّغة العصيّ على الانضباط... أمام آلامكِ النادرة، أمام انهزاماتك المتلاحقة. أمام قولك: (عم أخلص... عم أخلص) أمام استغاثاتكِ وتوسلاتك... أن (خدوني ع بيتي... مشان الله خدني ع بيتي... علااااااااء) أمام... أمام. . عجزنا، وفشلنا، وتهالكنا وحيرتنا.. أمام عبوديتنا لألمكِ الدكتاتور المتفرّد بشؤون جسدك وشؤونِ حياتنا... أمام هواننا على الناس. أمام صيفٍ يغلي، وثلجٍ يحصد روحك بجرّافات اللهيب... أمام أصابعك تتلمس مؤخرة رأسك وأنتِ في لا وعيكِ... أمام... كل هذا... يا تفاهة اللغة يا سوسن... يا تقزّم البيان والتبيين... يا ضحالة المجاز. يا فقر الكلمات التي أحسبها مزقاً مزقاً على شفتيكِ.. نسورُ النار تنهش الكبد بعد فوات أوانه. صقور النّعمة تتكلَّبُ بضعف الكلية. ضغطٌ يهبط، ضغطٌ يذوب تحت ضغط الوجع. لا طعام لا ماء... لا غذاء... حاصري حصارك... بماذا تحاصرينه؟ بماذا نحاصره؟ لا شيء لدينا إلا قائمة الأدوية اللانهائية... تحاصرنا نحن ويفلت وضعك من الحصار.. لا شيء يحاصرك بعد الآن. وحش وانفلت. السرطان يضرب بمطارق بازلتية جبّارة تهوي على أجنحة فراشة مستسلمة الاستسلام كلَّه...
والنّازلاتِ نزولاً... والآكلاتِ حقولاً... والفاقئات عيوناً. المحرّضات حنيناً. المطلقات أنينا... إن هذا أكثر من عذاب واقع. ما له من دافع والسوسن المغدور. في غياهب أوجاعه يتشظّى غدرٌ من كل لونٍ وشاكلة. غدر الماء فلم يعد اللسان قادراً على البلل به. غدر القلب فلم يعد يقوى على الصمود. ضرباته ديسكو صاخب غير منتظم. ديسكو تتقاذف فيه الأحجار شتّى. لكن تنطفئ الأضواء. فقط القلب ظلام... لا يسعف في شيء. وقلب لا لزوم له. لكنه يعمل لإطالة أمد العذاب فقط.. وتوسيع حجم خشبة الصليب.
صليب؟. خشبة؟ هذه ألعاب تسلية... يا يسوعي الفادي... عذراً منكَ. لو أبصرت السوسنة في تلك الساعات من الأبد الأسود لرفعت لها إكليل الغار احتراماً وخشوعاً...
جسدٌ على سرير تموز الأصفر. شجره أصفر تموز. حبّه أصفر تموز. ولادتُه كذبٌ تموز. تمّوز الأخضر المعطاء النّهري القمحيّ. تموز الفواكه والينابيع... تموز إنضاج الأرض لروحها. تموز يتحّول بقدرةِ انطفاء الكبد وسكوتِ الكلية واضطرابِ معجم الأوردة والشرايين، يتحول إلى نافورة دمٍ من فم السّوسنة... دمٌ على مدار ثلاثة أيام ببلاويها وجَلْدها... دم سوسن كلّه انقذف من فمها... حتى صارت أطراف الفم عتبةً حجرية متشقّقةً. تهاوت حصون وقلاع الدم من اللثة حتى الكلية. ولم تعد الأوردة والشرايين تفقه شيئاً من عملها. قدّم الجسد استقالتهُ.. ونفر الدم... نفر الدم...
ووجد الموت تسلية جديدة بالسوسنة وبنا... تسلية يجعل منها تهويدةً لوحوشه المنتظرة نصيبها من جسد السوسنة، يرشوها بالدّم... بالدّم السّوسنيّ.... هذا غليظ يا الله... هذا لعب حرام... هذا فحش غير مقبول... إلهَ الدّم الأرعن... هذه سوسن... وليست بحيرة حجرية تتوسطها نافورة دم... هذه سوسن... كائن من لحنٍ وورد... وليست وعاءً نحاسياً مثقوباً يسيل منه عصيرُ تراجيديا إغريقية ما دُوّنت بعد. سوسن لا تريد أن تكون بطلة. وقالت لي مرة بعد أن اعترفت لها أن ما تعانيه من آلام، واللهِ، لا يحتمله القديسون، فقالت أنا لا أريد أن أكون قديسة، هي لا تريد أن تكون متميزة بهذا الألم، ولا فضائل له ولا ثمار. ولا تريد أن تكون حالة استثنائية من المعذبين في الأرض. لكنها دُفعتْ دفعاً لتكون أكثر من ذلك أجبرت على أن تسبق مراتب الصديقين والقديسين والشهداء.
نافورة الدم انفجرت. دم من كل الألوان. أسود قانٍ، خمري، جوريّ، أصفر غامق، أخضر طحلبيّ، دم لزج كتيم، دم طري شفاف، دم بكميات قليلة – دم بكميات غزيرة – دفقة ممتلئة. ثم خيوط نحيلة. بعدها دفقة ناتئة دفعة واحدة. ونحن ورشة مناديل حول فمها. نلتقط دفعات الدم ومنسوباته المتنوعة. وألوانه المختلطة المتداخلة بعضها ببعض. نحيط عنق السوسنة بأكداس المناديل على مدار الساعة حتى تشكل مصدّاً يمنع الدم من الانسياب فوق عنقها باتجاه كتفها، ونتابع حركة رأسها المتقلبة، يميناً، يساراً، فوق، نغير وضعية المناديل حسب حركة الرأس المضطربة. نلعب مع الرأس دوراناً ووقوفاً ننجح تارة في التقاط الدم، نفشل أحياناً حين تكون ضربات مطرقة العذاب أسرع من حركة أيدينا. وقد تبلل قطرات من الدم أصابعنا. وقد تسبقنا رقبتها أو طرف بيجامتها... حتى بتّ لا أميز بين بقعة دم جفت على البيجامة، وبين بقعة وردية من أساس القماش وهي... سوسن... مغروسة في سريرها منذ أسبوعين لا قيام ولا حركة. لا طعام ولا ماء لا بول ولا خروج لا حياة لا موت... ونحن يتفنن بنا القهر. ما القهر؟ دعابة مقبولة أمام ما كنت أشعر به. ما الفشل؟ دمية قطنية لطفلة حالمةٍ. ما الانهزام؟ نتيجة عادية لارتطام الحلم بالصخور. ما الذلّ أكثر من هذا؟ ما هو الهوان على الناس يا ابن عبد الله؟ هوانٌ على الناس والطب والآلهة والدفن... وكلّ مهنِ الدمار والذبح مورست في هذه الأيام على جسد السوسنة: القصّاب والجزار والجلاّخ والحدّاد والصواج. كل واحد وجد في جسدها عملاً دمويّاً يقوم به. أين أنت يا مهنة الأمل؟ هذه أيام ليس فيها ظلّ أمل. هذه أيام فقط لتجفيف دم السوسنة النافر. لتقليبها ذات اليمين وذات اليسار. المسكينة... تظن أن تغيير وضعية جسدها المصلوب إلى السرير يخفف عنها الوجع المطلق وكنا كثيراً ما نقف عاجزين عن فهم ما تطلبُه. لأن صوتها صار عجينة مختلطة بدمٍ، صوتها ثقيل الوزن، حروف مهشمة، عيون مغمضة، هي تطلب شيئاً ما منذ أيام تشير بأصابعها وتغمم ولا أحد يفهم. نحاول الاستجابة لما قد توهّمناه ولكنها تريد شيئاً آخر بإلحاحٍ جارح... أخيراً رأيتها تريد أن ننزلها من السرير وتنام على الأرض مرة واحدة. (بس مرة... وحياة الله بس مرة)... وبقيت أرشوها بأشياء أخرى ممكنة، لأن إنزالها إلى أرض الغرفة يتطلب جهداً وحذراً بسبب جسدها المخرَّب، ظهرها المتوجع من ناحية الكلية، السيروم المعلق بالوريد... لكن سوسن تريد أن نمدّدها على الأرض مرة واحدة. فجأة قلت لأختي أمسكي السيروم وراقبي يدها جيداً. احتضنتها بكل ما فيّ من قوة مستضعفة. أنزلتُ أولاً رجليها على طرف السرير. وهي كتلة واحدة لا تقوى على شيء. لامست قدماها الأرض قدماها المنتفختان الثلجيتان الصفراوان... ثم احتضنت جذعها من فوق وأنزلتها ببطء وحذر إلى الأرض لا أريد أمنيةَ ملامسةِ جسدها لبرودة البلاط أن تبقى دون تحقيق... راحت تمرّغ ظهرها بالبلاط. ثم جانبها الأيمن، ثم قلبناها على الجانب الأيسر، ثم أرادت أن تلامس الأرض ببطنها ووجهها ساعدتها على أن تتمدد على بطنها... ماذا كانت هذه الأمنية بالنسبة لها لا أدري. أهو هروب من السرير الذي أصبح كتلة نار على جلدها؟ وأرادت إنعاش جسدها بالبرودة المترسبة في عروق البلاط؟ كبدها متوقف والكلية كذلك. وهي تشتهي أن تلامس الأرض مرة واحدة. انتظرتها حتى تنهي رغبتها وعدت حملتها بصعوبةٍ وبطءٍ إلى السرير...
الوقت بطيءٌ سريعٌ... مربعٌ... ضفادع في رأسي تندلق من كل أطراف الدماغ. ضفادع الليل تتلوها ضفادع النهار. صراخ السوسن وحيرتنا فيما نفعل. نداءات المهزومين إلى الله، ضجيج العذاب، آلات السّلخ والسّحل تغور داخل الجسد... وفراشات الرحمة ارتدت أقنعة من الفولاذ ولا لغة إلاّ للغة السّرطان. وكأنما جسد سوسن اختصر سرطانات قبيلة من النساء. وصار بإمكانها أن توزع آلاماً على من تشاء. ولكنها لا تريد أن تخلّص أحداً ولا تموت فداءً لأحد. فلماذا يا إله الدم الأرعن أوجزتَ فيها كل هذه السّرطانات؟ من الثدي حتى الفقرات حتى العمود الفقري والحوض والفخذين ولوح الكتف ومؤخرة الرأس وانتهاء بالكبد والدماغ والكلية... يا إله القسوة المسنّن، المدرَّع بمصفحات الصَّمم، الآكل من قيظ الصّبّار، المستمتع بالدّبيب على الأضلاع المنخورة... أية قوة لمواجهة كل هذه الوحوش السّرطانية؟ أيّة بشاعة أن تُترك السّوسنة لمصيرها فارغةً إلاّ من الأنين والصّلوات الضّعيفة التي لا تكفي خليةً من خلايا السّوسنة؟ دمارٌ ساحق... اختلاطٌ في الرّؤى والأشكال واللّغات. تدميرٌ منهجيٌّ لمواقع الرّوح والقلب. عطش جوع غير موجودين. أعضاء عاطلة عن عملها لا شيء تقوم به الأعضاء إلا الانتظار. الانتظار؟ من أسابيع كانت السّوسنة تقول لي ودموعها تشحن كلماتها بالقهر الذليل: (ما عندي شيء أعمله غير أنتظر. صار لي أربع سنين عم انتظر... انتظر اتحسّن شوي ! انتظر أخلص من آلام الجرعة. انتظر يدود مفعول الدوا. انتظر الصبح لكي أقوم أقوى. انتظر الليل حتى نام. ما فيني نام... أنا ما عم نام...) الانتظار عيون مفتحة للأبد... سهرٌ متواصل. ماء يتراكم في البطن. تصبح السّوسنة من أثر المياه التي تفرزها الخلايا ولا تصريف لها، بحيرةً من اللحم، بطنها وخاصرتها ومثانتها. بحيرة من اللحم المشدود الذي يكاد ينفزر. مزيد من الماء ولا مخرج. الأضلاع في الصدر تختنق، تتكسّر، تتلاشى، الصوت يتراجع إلى أسفل البئر الموحش... والآن يتراجع كل شيء إلى البئر الأولى المظلمة...
صراخ الدم... لسان مخيف. لثة مفزعةٌ... مفزعة من أسنان مفرّعة من المقاومة. أطراف تتدلّى من حافة النهاية... النهاية تتسع وتدنو بأشباحها في العاشر من تموز قلت لطبيب صديق. بتعرف يا دكتور. خايف تموت سوسن يوم الخميس عيد ميلادها... قال كل شيء وارد والله لأن الوضع يتدهور بسرعة...
وفي يوم الخميس.
في الخامس عشر من تموز من عام 2010
في السابعة والنصف صباحاً...
في عيد ميلادها...
استشهدت سوسن...
دقّي يا طبول النار وارتعي يا وحوش " خلصت سوسن " همد الجسد، مستودعات الألم دُفْعةً واحدة.
الغرفة الآن تُحقّق حلم سوسن بأن تستريح... ولكن أية استراحة يا سوسنة! وجهك الآن... قمرٌ أصفر. لا مجازاً ولا تصويراً... قمرٌ أصفر تتوضّح عليه آثار الحرب الكونية مع الألم... يا إلهي كم أنت تعبا ا....... نة... حتى التعب سكن الآن. عينان أسبلتا عمراً من الشقاء في لحظة واحدة.
لماذا يا سوسنة في يوم ميلادك؟.
أي ألعاب يبتكرها الموت معي؟ تذكرين من شهور كنت مستمراً كالعادة معك باختراع الأمل النحيل، الهش وحديثك عن عيد ميلادك القادم وماذا سنصنع فيه. تذكرين ضحكتك الموجعة وصوتك الأعمق من حكمة الموتى: ( إذا كنت موجودة بعيد ميلادي... ) الشموع لم تشتعل. عيوننا اشتعلت بجمرِ الذُّهول. مكواةٌ عملاقة تذهب وتجيء فوق أضلاعنا. النحيب حولك أصوات مكسورة. حناجر انفرطت في ملح الفاجعة.
وأنا أولول في غرفة الموت: اليوم عيد ميلادها… اليوم عيد ميلادها يا الله… يا الله… عيد ميلادها… والسوسنة لم تعد تبالي بأحد. ولا بشيء. يوم ولدت فيه، ماتت فيه, وعلى الدنيا السلام… هدوء السوسنة الآن كان متعةً من متعها المفقودة ولكنها يا للخسران، لم تعد تحسّ بمتعة الهدوء. راحتها التي تحققت تحسّ بها. هدوؤها الآن زلزل الأرض من حولها. فجر الكوامن.
أدخل الكواكب في غير مداراتها. أولادكِ اليتامى الآن. وجع مستحدث يضاف إلى قلبي المتورّم… قلبي متورّم يا سوسنة… روحي منتفخةٌ بالعذاب، الآن جاءت لحظة تفجير خزانات البكاء عندي. خزانات كانت تمتلئ ببطء، ولا أجرؤ على إطلاق ما فيها… الآن مع هدوء الوحوش المفترسة في جسدكِ. مع توقّف دوران الأرض داخل ملكوتكِ الآن مع فمكِ المصاب بشقوق الدّم حوله…
الآن مع برودة الموت الواقعية… انطلق بالبكاء الفاجر أيها الشاعر…
سوسن ماتت في عيد ميلادها… هديّةٌ على شكل قبور متلاصقة متراصّة، قدّمها لنا العدم صبيحة عيد ميلادها. أهدانا جثتها لنحتفل بها.
أيها العدم يا كلب يا بن الكلب…
يا جوقة من الكلاب المسعورة...
يا فنوناً من التَّنكيل والتقطيع والتذبيح...
يا فيلةَ جبّارة تهاجم كعبة السوسن وترشقها بأشدّ أنواع السّموم الفتّاكة.
أية عقوبات هذه التي تنزل عليها؟
ما أرقّ السّاديّة أمام هذا العذابِ المبرم. تنتحب الأماكن كلّها. تغصّ الحناجر بأناشيد القتلى. البحّارة في محيط الآلام يرقصون حول حوريّة البحر الأخيرة. حورية ظهرت ملفّعة ببياض الرَّحيل… لا حول لها ولا وردة ولا قصيدة… طعناتٌ من كل جانب. جسدُ السّوسن رحابةٌ للطعنات. سال عطرُه مع الماء على خشب التابوت. ارتفع التابوت على درجات البيت، هذه آخر مرة تنزل فيها السّوسنة درج البيت. آخر مرة تنام على سريرها قبل الرحيل.
كانت ممدّدة من الجانب الذي أنام فيه من السرير … الآن لا أقوى على النوم في غرفة نومنا يا سوسن. حرامٌ عليَّ أن أنام في هذه الغرفة وعهدٌ لك ألا أنام فيها. اذهبي في بياضكِ الأنيق… هذه هي الأناقة التي لا تغتفر يا شاعرة. هذه هي الأناقة القاتلة. أناقة الأكفان الناصعة البياض. أناقة الوداع. أناقة حملك إلى عمق الهاوية الخشبية. وفجأة أغلق التابوت. أغلق تاريخ السوسن. أغلق عذاب السوسن. وانفتح نفق عذابي الأبديّ.
ماذا يجري؟ أي منامات نحياها؟ جوهر يرتعد بكاءً. سومر يكاد قلبه يقف وهو يرتجف بكاءً. أهذه هي أمّهم أخيراً؟ جثة في بياض يولد وراءه كل السواد؟ وداعاً يا خشب السوسن… كن رقيقاً وأنت تحتضن هذا التاريخ المعذّب. تحوَّل إلى غيمةٍ سريعة تتناقلها الأكتاف. فراشة عدمية تمتصّ رحيق السوسن. اذهبي يا أم سومر وجوهر. يا أم الآلام المقدسة. يا أم الليالي الندية. واغفري لآلهة الألم أعمالها الفظيعة.
أنا لن أغفر لها ما حييت… لن أسامح القدر على ها اللعب بدمك. لن أسامح الأيام على الرعب الذي بثّته فينا. لن أسامح الزّمن على جرائمه في روحكِ.
وداعاً يا أم سومر وجوهر. بيتُك الأخير حفرة تحت الأرض… أنزلي بسلامٍ نهائيّ الآن ويا سحاب أقلعْ. يا أرض ارتجيّ فسوسن عائدة إليكِ. يا غربان الفضاء رددي نعوتها حتى الأساطير… يا قطن الموتى كنِ الحصن المنيع لروحها. اهتزّي يا سماوات... الشاعرة المقتولة غدراً انسحبت من تحتك إلى الأبد… لم تردّي على صلواتها وضراعاتها ودموعها… حوَّلتِ جسدها إلى حقل اختبار للممنوع من الأسلحة. تركتِ كبدها وكليتها يتقطّعان قطعاً حمراء تخرج من فمها... يا سماوات ما أقسى زرقتك الهادئة. زرقة قادرة على كل هذا التّلطيخ بالدّم؟. بياض السّوسن صار خرقة تُعتصر دماً. بياض زهر اللوز في أعماقها صار مجرى دمويّاً بهدوءٍ يا سوسن أنزلي إلى بيتك التّرابيّ… سأقرّب لكِ الحجارة السّوداء بيديّ… وعدتك أن أبقى إلى جانبك في معاناتك حتى آخر لحظة… وها هي آخر لحظة. خذ يا حفّار هذه الحجرة.
لكن جوهر وسومر يراقبان بضعفٍ لا مثيل له أمّهما وهي تنزل إلى الحفرة. أمٌّ تعود إلى أمها الأرض هرباً من السرطان الذي أسمعه حتى الآن يقهقه بعنجهية المتكبّرين المنتصرين. يقهقه في أرجاء البيت يلاحقني ساخراً منّي. أنت الملك الجبار يا سرطان… أنت الذي تفتك بأحلامنا وأنت تلعب وتمرح. أنت الذي كنت تهرب من أيّ سلاح نأتيك به. تقاوم أي محاولة للانقضاض عليك. خذها الآن ملكوتاً خامداً هامداً. لكنّك لن تتمكن من أخذها من وجداني أنا وأولادي.
ادخليها بسلامٍ يا سيدة الألم … يا شهيدة الألم.
هكذا يستشهد المتألمون. لا على أسرّة الحرير ووراء مكاتب القمار والدعارة. هكذا يستشهد المعذبون في الروح. الذي تُبنى على أرواحهم معابد الجلال والجمال. وتُعزف لرحيلهم ملاحم المهابة المطلقة…
سأعلق جسدي الآن قطعة بالية على حَبْل الذّهول…
سأموت يا سوسن وأنا غير مصدق لما جرى قبل الموت.
سأبقى إلى أبد الآبدين مرعوباً من عذابكِ وآلامكِ.
سأبقى أرتعد وأنوح ما حييت على هذه الأيام الدّموية الّتي أكلتك وردة وردةً، عيناً عيناً، وإصبعاً إصبعاً. سأغلق على ذاكرتي أنكِ سيدة الشهداء عندي. أدور حول الفراغ الآن. مضطرباً ممزّقاً. خائفاً من أشياء بيتنا وروائحه مهزوماً أمام أشيائك وتاريخكِ المنقوش هنا وهنا أهرب من غرفة إلى غرفةِ فلا أجد خلاصاً إلا بالبكاء. أستيقظ على كوابيس الدم. أصرخ كذئبٍ مفجوع في وحشة العالم. أبحث عن أخبار رحيلك في الانترنت. خبرٌ واحد تناقله الجميع، كتبتهُ أنا في اليوم الثالث لرحيلك. صرت أتابع أخبارك وأحتفظ بها في ملفّاتي وكأنك موضوع للقراءة… هكذا فعلت فيّ كلاب السرطان وأفاعيه ووحوشه المجنزرة. حوّلك إلى خبرٍ من الأخبار. بعد أن كنت تملئين المواقع والمنتديات بالأخبار والحوارات والدراسات والترجمات والمعلومات صارت هذه المواقع تتناقل خبر وفاتك… تنتقل أجساد أحبابنا إلى أخبارٍ عبر الشبكة العنكبويتة. والسّوسنة التي ظلت عناكب السرطان تلتفّ حول كيانها وتتلذّذ بامتصاص عروقها حتى آخر نقطة دمٍ، السوسنة صارت خبراً… خبراً مكسوراً. منهزماً. متداعياً. خبر لا أعرف مبتدأه. ولا اسمه. المرض حطم كل الدلالات. وأشبع الهوامش بشروحٍ شعاعية وكيماوية وأعشاب وزيوت وبخور وأدعية وصلوات وشموع.
السّلام عليكِ يا سوسن في الأولين وفي العاشقين.
السّلام عليكِ تحملين لواء شهداء الألم يومَ تُبعث أفئدةُ المعذّبين من قبورها البازلتية. السلام عليك وأنتِ تحلمين بقطعة ثلجٍ تقضمينها بين أسنانكِ علها تساعدك في إطفاء النار الشاملة. السلام عليكِ وأنتِ تتأملين كوباً صغيراً من عصير الجزر. أحضرته لك مع قطع ثلج صغيرة. رحتِ تحرّكين العصير فتدور قطع الثلج وتنشر برودتها في الكوب، وأنتِ تبتسمين للمشهد وتقولين: (هذه أكبر أمنية أصبحت لدي الآن… ما حدا بيعرف هذه النعمة العظيمة…) أن يطلب الجسد المسرطن المغدور قطراتٍ من عصير الجزر المثلج… تبترد بها روحكِ لمدّة ثوان أو لا تبترد. فأنا أعرف أن النار انفتحت خزاناتها في كيانك ولن يُرضيها إلاّ خمودك الأبديّ...
السّلام عليكِ وأنتِ تنشرين رائحة الياسمين في صباحاتٍ تقدرين فيها على الحركة بتثاقل.
السلام عليكِ وأنتِ الآن لا ياسمين حولك ولا ثلج ولا ورد ولا شمع ولا شمعدان ولا مرآة ولا خزانة ولا علاقات ثياب ولا أسود ولا أبيض ولا نبيذي ولا رمادي ولا سكري…. حولك الآن الذي لا لون له. حولكِ الطعم الذي لا طعم له. مذاقُ الموت هو السيد السائد. نكهة الكافور هي آخر ما تتذوقينه. نكهة النهاية. نكهة الموت. أشعر بطعم الموت تحت لساني. وكأنه حبة سكّر لا آخر لحجمها. تُعتصر تلقائياً وتسقي أيّامي ومستقبلي. طعم الموت. شكل الموت يطاردني هنا وهناك صوت صراخك المفزع سكن أعماقي إلى الأبد انطفاءاتك المتتالية ولدت في جسدي احتراقات متتالية. أوراقك المتناثرة في الأدراج وعلى هوامش المفكّرات ألملمها وأنا أحاول ألا أقرأ ما فيها، ولكن كلمة الموت خرجت منها أكثر من مرة. مفردات الوحشة والتفرّد هربت غصباً عني من سطورك المختبئة داخل انتظارها… وعدٌ لكِ أن أنشر جميع ما كتبتهِ مرة ثانيةً، المنشور منه وغير المنشور. سأسمّي الكتاب (كتاب السوسنة) سأهديه للصباحات والمساءات للعصافير والبساتين واللوز والكرز والرمان والتّوت.
السلامُ على الهواء الأخير الذي حمل جثمانكِ إلى بوّابة الزوال الذي لا يحول و لايزول...
السلام عليك داخلة في قاموس النهاية لتعطيه معناه الجديد... المعنى المستمدّ من القوة المنكسرة، والحمامة الخرساء، والسّروة التي انكسرت، في آخر مشهد جانبيّ للسّروة التي كتبت عن انكسارها قبل سروة محمود درويش... السلام عليك وأنت تعانقين روحه كما عانقنا بعضنا يوم رحل وأصبنا بهستيريا البكاء لأنّ من مات هو أبونا ورمزنا وروحنا المشترك... الآن لا أحد يعانقني ليشاركني هستيريا البكاء عليك...
السلام عليك طائراً ناعماً يتماهى مع فضاءات الزمن القادم.. طائراً يتجوَّل في أرواح كائنات تعرفك وأخرى سمعت بكِ … طائراً اسمه طائر السّوسن الشهيد…
[/align]
تنويه :
النقل والاقتباس للمواقع والمنتديات
متاح برجاء ذكر المصدر الحصري للمادة
( ملتقى نخبة الإبداع )
النقل والاقتباس للمواقع والمنتديات
متاح برجاء ذكر المصدر الحصري للمادة
( ملتقى نخبة الإبداع )