استقامة فكر على أرض بكر/ الجزء الثاني
وأركب هنا مركب كشف الغطاء عن شذرات وشطحات من فكر والدي أو عالمه التصوري .وربما لم يكن يدري والدي أن آرائه إذا ما جمعت بعضها على بعض شكلت مذهبا. وأن كل رأي من آرائه حتى وان وقف على غصن منفرد أو منقطع فإن هذا الرأي يقف على جذع جامع ومشترك ألا وهو جذع المذهب السياسي . ولا أعلم إن كان والدي يعلم بأن له شرف السبق أو شرف الريادة في حمل آراء من صميم الفكر السياسي .
وكان والدي يبشر بفكره عبر سرد حزمة من القصص والحكايات لنا . وكنا نحيط به صغارا في زغب ودون زغب ليروي لنا تلك القصص التي كان يحذق والدي في سردها بأسلوب تربوي فلسفي أخاذ ومشوق . وكان في أغلب الأحيان يتعذر علينا فهم مراميها القريبة والبعيدة رغم أنها كانت تتلى علينا كجزء مكمل لطعامنا اليومي أو حتى كطعام يومي بحد ذاتها . والجميل أنه ما كان يتعذر علينا فهمه من تلك القصص الملفوفة بالغموض كنا نفهمه على لسان والدي الصريح ومن مضمامين أحاديثه اليومية مع البالغين من ندماءه وسماره. فإذا ما استطعت أنت كطفل أن تتحدى غيوم الدخان المتصاعدة من موقده و نفحة الزمهرير المنبعثة في ديوانيته و جلست ليلة في مجلسه عرفت كيف يضرس والدي وكيف يطأ بمنسم بعض طبقات المجتمع لاسيما الأجراء والعمال منهم. وكان يعتبر هؤلا من بقايا طبقة رعاع روما القديمة. وعلى يد هؤلاء سيكون خراب المجتمع إذ أن هؤلاء يتهربون من العمل المسؤول والبناء وأنهم لا يعملون إلا كما يعمل رقيق العصر العبودي مرغما ومكرها ومسخرا .
وإن لأخص ما كان يتميز به رؤى والدي ألا وهو نظرته المفرطة في التشاؤم حيال الإنسان وطبيعته . وكان هذه الرؤى مغلفا بالسواد الفحمي والتشاؤم المطلق . فهو لم يكن يرى في الإنسان أكثر مما يراه المحلل الفرويدي . ولقد كان يرى أن هذ االإنسان مخلوق حيواني وغير عقلاني ويركبه نزواته وغرائزه .وبأن هذا الإنسان يسيره ذاتيته وأنانيته فلا يستطيع والحالة هذه تعلم شيء ولا رؤية بقعة الخير في شيء ولا الحكم المتوازن والعقلاني على شيء . إن قراءة الوجه الأخر لهذه المسكوكة الذهبية من رؤى والدي تشير أن مصدر الخير في هذا العالم قد نضب ماؤه وجف عينه . وأن سيل الشر يملأ وديان هذا العالم وأن المرء كلما اغترف من ماء ذلك السيل بكفيه فإنه يغترف من ماء الشر . كل ذلك بعلة أن الرعاع هم السواد والأغلبية في أي مجتمع . وأن هؤلاء لا غيرهم يصنعون الخلق ويصبونه في قوارير من زجاج وسراحيات من بلور. وأن حال الواحد من هؤلاء أشبه ما يكون بحال عامل الزجاج . ذلك العامل الذي ينفخ في الزجاج كيما يعطي للزجاج شكله ولونه وزخرفته.