لأن الإنسان، بقدر ما هو كائن ناطق، عاقل هو كذلك كائن متواصل ليس بمستطاعه الحياة منفرداً دون الآخرين / الذكور منهم والإناث، الأبعدين منهم والأقربين. وكذلك هي الشعوب والأمم والدول بحاجة للتعامل مع بعضها بعضاً، ولن يتاح لها ذلك إلا من خلال معرفة لغة الآخرين، من هنا كانت الترجمة ضرورة وجوديّة، وحاجة حضارية لكل شعب، ولكل امّة من أمم الأرض قاطبة، وبخاصة امتنا العربيّة التي فاتتها قاطرة الحضارة بمئات السنين، بعد أن كانت تتقدم كثير من المم والشعوب التي تعتبر الآن (2010م) في قمة الحضارة الإنسانية الراهنة، وقبل ولوج الضرورة التاريخية والحاجة الحضارية للترجمة لا بد من المرور الخاطف على معنيي الترجمة والتعريب أولاً، وفترتي تألقهما وخفوتهما ثانياً في الساحة الفكرية العربية عبر مختلف العصور.
· الترجمة/التعريب:
لن ننتظر إلى أن ينتهي الجدل أيهما؟ أشمل وأكثر إحاطة من الآخر، الترجمة أم التعريب، ولن نغرق فيما قاله (ابن منظور) و(الزبيدي) و(الجوهري) و(الرازي) في معاجمهم حول أصل الترجمة، فمع اعترافنا بصنيعهم وجهودهم المبذولة، إلا أننا مع استرشادنا بشروحاتهم نحتكم إلى المعنى الدلالي – قبل المعنى الحرفي لكل من الفعلين (رجم) و(عرّب) فالفعل الأول – رجم ثلاثي الأصل وهو ما تجمع عليه معاجم/ قواميس اللغة ومن معانيه أخذ الخبر أو العلم بالظن وليس باليقين (رجماً بالغيب) كما ورد في القرآن الكريم، ويكون الفعل رَجَم قريب الصلة بالفعل (ظنّ) والظن عكس اليقين، أمّا إذا بني للمجهول (رُجِمَ) فيعني قُتِل رمياً بالحجارة، والرّجْمُ هو الضرب بالحجارة حسب الشريعة الإسلاميّة كتطبيق الحد على جريمة الزنا، أمّا (الرُجْمُ) فهو الحجارة الضخمة المتراكمة فوق بعضها، أمّا (الرجيم) فهو المُبعد والمختفي ومنها الاستعانة بالله – التعوذ – من الشيطان (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) أمّا (الرَجْمَة) – فتح الراء – فهي ضربة الحجارة التي تختلف عن (الرُجمة) – ضم الراء- وهي كومة الحجارة – تأنيث الرُجم – أمّا الفعل (عرّب) المشدد أم (عَرُبَ) فالفرق بين معناهما قليل إلا أن الاختلاف يكمن في صيرورة الشيء. فالفعل (عرّب) تفيد التدخل لجعل الشيء - الاسم أو المعنى عربياً ومثال ذلك عرّب العرب اسم أرسطوطاليس إلى أرسطو و(أسطفانوس وكانت) إلى (اصطفن وكانط) بمعنى آخر تحويل كل ما هو غير عربي -أعجمي - من مسميات الأشياء (الأعجمية) إلى مسميات ومعاني عربية وقد ورد في القرآن الكريم : (ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يُعلّمه بشرٌ لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين ـ سورة النمل الآية 103)
والتعريب في بلاد المغرب العربي هو تحويل لغة التعامل والتخاطب في الدوائر الرسمية إلى اللغة العربية. إضافة إلى جعل المناهج الدراسية في المدارس والجامعات بخاصة باللغة العربية, وإلى الآن لم يتحقق بشكل كلي.
أما الترجمة - ففي منظورنا المتواضع - لا تمت بصلة إلى الفعل (رجم) وإنما هي من الفعل الرباعي (ترجم) وهو فعل معرّب وأصله آشوري لكنه صيغ على وزن (فعلل) مثل (هَنْدسَ) ومن معنياتها الكتابة، ترجم الكاتب سيرة البطل بمعنى كتب سيرة حياته. إلا أن الدكتور أسعد مظفر الدين الحكيم يقول في كتابه(2): (علم الترجمة النظري) أن (ترجمة) عربيّة أخذها الانكليز بحرفيتها (Dragoman) ...ص37) كما يستدل على ذلك برأي أبو حيّان التوحيدي بقوله إن (الترجمات) على وزن (تفعلات) كما يورد رأي ابن قتيبة بقوله إن: (الترجمة على وزن تفعلة من الرجم...ص39)، ومهما يكن من أصل ترجمة ومنها (الترجمات) فإنها أصبحت عربية الوجه واللسان على عكس العربي في (شعِب بوّان) الذي قال فيه المتنبي:
· ضرورة تاريخية:
بعد الانقطاع التاريخي – وبخاصة في شبه الجزيرة العربية – عن المصادر – الأولى للحضارات الأكادية والبابلية والآشورية والأمورية ثم الآراميّة – السريانية، بعد هذا الانقطاع المديد استفاق العرب بعد الإسلام ليتواصلوا مع الحضارات القديمة – آنذاك – منتصف القرن السابع الميلادي/ الأول الهجري، عن طريق التعرف على الشعوب والأمم المجاورة حيث كانوا بين ثلاث قوى كبرى – آنذاك – الحبشة – أثيوبيا – في الجنوب وفارس في الشمال الشرقي، وبيزنطة في الشمال الغربي، ولإبلاغ الدعوة الإسلامية كان لا بد من رسل يفهمون لغة الجهة المقصودة بالإبلاغ، وقد روي عن ( زيد بن ثابت) قوله: (قال لي رسول الله (ص) أتحسن السريانيّة؟ فإنها تأتيني كتب. قلت: لا. قال فتعلمها، فتعلمتها في سبعة عشر يوماً) ثم ازدادت حركة الترجمة إلى العربية من اللغات اليونانية – الإغريقيّة – الفارسيّة والسنسكريتية أثناء الفتوحات العربيّة، بعد أن دخلت الإسلام أقوام ولغـات مختلفة.
مراحل الترجمة / التعريب:
يذكر ابن النديم أشهر المعرّبين/ المترجمين عبر فترات مديدة من تاريخ الخلافتين الأموية والعباسيّة، ويمكن أن نحددها بإيجاز خلال المراحل التالية:
1. المرحلة الأولى – الأموية: وتتألف من حركتين مهمتين ، وإن اختلفتا في الهدف إلا أنهما عادتا بالفائدة، وأسهمت في رسم معالم الحضارة العربية – الإسلامية:
أ. حركة الترجمة العلمية: وتمثلت بجهود (خالد بن يزيد بن معاوية تـ85هـ) فقد عوّض فشله في تسلم الخلافة – بعدما آلت إلى البيت المرواني بالانصراف إلى المعرفة من خلال تكليفه بعض الرهبان في الإسكندرية لترجمة كتب في الكيمياء والطب والفلك ومنهم /كمريانوس واسطفانوس المعروف بـ (اصطفن)
ب. حركة الترجمة الطبيّة: تولى رعايتها وتشجيعها مروان بن الحكم وتولى الترجمة (ماسر جوية) البصري حيث نقل مؤلفات (أهرون) الطبيّة التي كتبها باليونانيّة ونقلها (ماسرجويه) من السريانية إلى العربية.
ج. حركة الترجمة الإدارية: وترسّخت على يد الخليفة (عبد الملك بن مروان) من (65 – 85هـ) الذي يعود إليه الفضل في تعريب الدواوين من ثلاث لغات أجنيّة إلى اللغة العربية(5)، ففي الشام كانت (بالروميّة – اليونانيّة، ودواوين العراق بالفارسيّة، أمّا في مصر فكانت بالقبطيّة).
2. المرحلة الثانية/العباسيّة: ويمكن تقسيمها إلى الأدوار التالية:
أ. الدور الأول: ويبدأ من خلافة المنصور إلى آخر خلافة هارون الرشيد أي من /136-193 هـ/، وفي هذا العهد نشطت الترجمة من الفارسيّة واليونانيّة والسنسكريتية إلى اللغة العربيّة وترجمت فيه قصص (كليلة ودمنة) من الفارسيّة إلى العربيّة وكذلك (الأدب الكبير) و(الأدب الصغير) على يد عبد الله بن المقفع، كما تمّ ترجمة كتاب (المجسطي) عن اليونانية نقله (يوحنا بن ماسويه) وهو أول كتاب متخصص في علم الفلك ينقل بكامله إلى العربيّة ومعناه (التراتيب الكبرى في الفلك)، كما تم ترجمة الكتاب الرياضي والفلكي الهندي (برهمكبت) من السنسكريتية إلى العربيّة وتمت تسميته بعد اختصاره إلى (السندهند) وتُنسب ترجمته إلى (جورجيس بن جبرائيل).
ب. الدور الثاني: ويقترن باسم (بيت الحكمة) والخليفة المأمون بدءاً /198هـ - 813م/ ونشطت حركة الترجمة بما يقارب عشرين عاماً ويتجلى عمل المأمون في توسيع عمل (بيت الحكمة) الذي أسسه والده الخليفة (هارون الرشيد) وأميَز ما يتميز به عهد المأمون الحراك الثقافي النشط الذي رافق الجدال والحوار وبخاصة بين المعتزلة وخصومهم حول مسألة (خلق القرآن) إضافة إلى حركة الترجمة التي ازدهرت ازدهاراً منقطع النظير في تاريخ الخلافتين الأموية والعباسيّة على حدٍ سواء ، ومن أوائل المترجمين/ يوحنا ابن البطريق – مولى المأمون الذي اشتهر بترجمته الحرفيّة، أمّا حنين بن اسحق فقد فاق كل من (يوحنا بن ماسويه وابن البطريق) في دقة ترجماته التي هدفت إلى نقل المعنى دون التقيد بالنقل الحرفي، وقد فاقت مترجماته المائة من اليونانية إلى السريانيّة وحوالي الخمسين من السريانية إلى العربيّة وأهمها المؤلفات الفلسفيّة لكل من أرسطو وأفلاطون وبطليموس، كما اشتهر في الترجمة كذلك ابنه (اسحق بن حنين) وابن أخته (حبيش الأعسم).
ج. الدور الثالث: ويبدأ من عهد المعتصم /218هـ - 823م/ وحتى نهاية الخلافة العباسيّة 656هـ - 1258م وسقوط بغداد. شهدت الترجمة في عهد المعتصم الفتور والتوقف والضمور نتيجة لانتقال العاصمة من بغداد إلى سامراء وضعف ثقافة المعتصم نفسه وعدم تمكنه وضلاعته باللغة العربيّة، إلا أنها شهدت فترات نشاط وعودة للحركة في أثناء فترات الاستقرار السياسي والرخاء الاقتصادي، ومن أشهر التراجمة في هذا الدور: متى بن يونس، سنان بن ثابت بن قرة، يحيى بن عدي وابن زرعة.
د. الدور الرابع: الانحطاط: ويقسم إلى مرحلتين حسب نظام الحكم الذي سيطر على الأقاليم العربيّة – آنذاك – :
1) المرحلة المملوكيّة: وتمتد من 1258 – 1416م أي منذ سقوط بغداد على يد هولاكو وانتقال الخلافة – الاسميّة إلى القاهرة تحت الحكم المملوكي إلى سقوط بلاد الشام بعد معركة مرج دابق 1516م ومن بعدها مصر – بعد معركة الريدانية 1517م وتميزت بتحول طرق التجارة إلى رأس الرجاء الصالح وانعزال البلدان العربية – وبخاصة في المشرق بعد انحسار موجات الحروب الصليبيّة – وفقدان طرق التجارة أهميتها إثر التحول إلى النقل بالسفن الكبيرة عن طريق رأس الرجاء الصالح.
2) المرحلة العثمانية/ التركيّة: امتدت أربعة قرون من عام 1516 – 1916م وقد تميزت بخمول شبه كامل في الحركة الثقافيّة والعلمية، ففي الوقت الذي انصبّت الجهود في أوربة على ترجمة المؤلفات والمخطوطات العربيّة في كافة المجالات. عاد العرب في ظل الحكم العثماني في معظم أقطارهم إلى حياة أشبه ما تكون بحالتهم فيما قبل السلام وذلك لانقطاعهم عن انجاز أي فعل حضاري، وكثرت الحركات الصوفيّة وانتشرت الشعوذة، والخرافات وما شذ عن هذه الحال سوى فترة حكم محمد علي باشا التي يمكننا أن نطلق عليها مرحلة الاستثناء.
- المرحلة الاستثنائية/ مرحلة محمد علي باشا : ما إن قضى محمد علي على خصومه المماليك عام 1801م وبعدما فشلت حملة (فريزر) الإنكليزية في احتلال مصر وإعادة حكم أنصارهم – المماليك حتى تفرغ لبناء قوته العسكرية لتوطيد حكمه في مصر ولأجل النهوض بمصر بنى المدارس وشجع البعثات الخارجيّة المدنيّة منها والعسكريّة ، ومن هذه المدارس:
أ) المدارس الزراعيّة: مثل مدرسة الدرسخانة – شبرا الخيمة وبيترواه – وتولى أمور التعليم والإدارة (يوسف أفندي) الأرمني و(محمد أفندي) الأردني مع عدد من المدرسين الذين تلقوا علومهم في أوربا، فنشطت زراعة القطن والقنب والرز وأصبحت مصر تصدر بدل أن تستورد.
ب) المدارس الهندسيّة: وبلغ عددها خمس مدارس أشهرها مدرسة القلعة (الهندسخانة) وتولى إدارتها (ثاقب باشا) الذي نفذ ترعة المحمودية التي مازالت تساهم في إرواء مساحات كبيرة.
ج) مدارس الطب البيطري والصيدلة، والولادة، الحربية، السواري (البحرية)، والمدفعية (الطوبجية) بالإضافة لمدرسة (الألسن) التي تعنى بتعليم اللغات /الإنكليزية والفرنسيّة والإيطاليّة واليونانيّة...
د) مدرسة الألسن: أنشئت عام 1838م – 1255هـ ومقرها في حي الأزبكيّة – السراي – (بيت الدفتردار) وتولى إدارتها (رفاعة رافع) وتتوزع مهامها الترجمية حسب الاختصاصات، ويسمى كل قسم منها (قلم) وهي أربعة:
- قلم ترجمة العلوم والرياضيات
- قلم ترجمة الطب والطبعة
- قلم ترجمة الأدبيات/ التاريخ والجغرافية والمنطق والفلسفة
- قلم ترجمة اللغة التركيّة.
وقد امتد عمرها أكثر من خمسة عشر عاماً ونظراً لعدم قيام النهضة المصرية على أسس مؤسساتي فقد انهارت جميع منجزات محمد علي النهضويّة لضعف حكم خلفائه من بعده، بعكس ما حدث في اليابان التي كانت بمستوى حضاري أدنى من مصر، وأرسلت هي الأخرى بعثاتها إلى أوربا، لكنها بنت أسس نهضتها على أسس مؤسساتي غير خاضع لتغير الأحوال والأشخاص.
هـ. الدور الخامس: ويقسم هذا الدور إلى مرحلتين:
1) مرحلة النهضة العربيّة : التي بدأت بواكيرها في مطلع القرن التاسع عشر بعد أن تحسس العرب خطر التتريك، ويرتبط هذا الدور بقيام الجمعيات الأدبية والسياسيّة ومنها:
جمعية العلوم والفنون: تأسست في بيروت 1847م، ركزت جهودها على إحياء اللغة العربيّة والتراث العربي – الجمعية العلمية السورية ومقرها بيروت وتأسست عام 1857م ومن أبرز مؤسسيها إبراهيم اليازجي الذي أطلق صيحته المدوّية في قصيدته البائيّة:
2) مرحلة الاستقلال ونهاية الألفية الثانية: وتمتد هذه المرحلة من نهاية الحرب العالميّة الثانية وحتى نهاية الألف الثانية بعد الميلاد (2000م) وفي هذه المرحلة تولت حكومات الاستقلال الإشراف على التعليم والتربية والحراك العلمي والثقافي، ومع الانجازات الكبرى في بداية هذه المرحلة الممتدة من منتصف القرن الفائت وحتى عام (1975م) ومع ما تخللها من نكبتي 1948و1967م، إلا أن هذه الفترة حققت انجازات كبيرة في جهود التأصيل والمعاصرة وتصدرت هذه الفترة قامات أدبيّة وعلميّة ذات شأن كبير أمثال: طه حسين – توفيق الحكيم – مصطفى عبد الرازق – محمود آمين العالم – عبد الرحمن بدوي – مصطفى شاكر – محمد كرد علي – عبد الله العلايلي – هشام شرابي وسليم قبعين الذي أثرى المكتبة العربية بترجماته لأهم المؤلفات السردية الروسيّة وبخاصة مؤلفات تولستوي، ومع جهود هذه القامات الفكرية في التأليف والترجمة إلا أن هذه الجهود لم تؤتِ أًكلها وتحقق المأمول منها لعدم وجود مؤسسات رسميّة على مستوى الوطن العربي، وإن وجدت المؤسسات القطرية، فإنها بمجرد الإعلان عن تأسيسها سرعان ما يصيبها الهرم والتراخي مع تغير الأوضاع، لأن المؤسسات القطرية ترتبط بالأنظمة التي عجز معظمها في تأسيس دولة المؤسسات التي لا تتأثر بتغيّر الشخصيّات والإدارات.
· الترجمة/التعريب:
لن ننتظر إلى أن ينتهي الجدل أيهما؟ أشمل وأكثر إحاطة من الآخر، الترجمة أم التعريب، ولن نغرق فيما قاله (ابن منظور) و(الزبيدي) و(الجوهري) و(الرازي) في معاجمهم حول أصل الترجمة، فمع اعترافنا بصنيعهم وجهودهم المبذولة، إلا أننا مع استرشادنا بشروحاتهم نحتكم إلى المعنى الدلالي – قبل المعنى الحرفي لكل من الفعلين (رجم) و(عرّب) فالفعل الأول – رجم ثلاثي الأصل وهو ما تجمع عليه معاجم/ قواميس اللغة ومن معانيه أخذ الخبر أو العلم بالظن وليس باليقين (رجماً بالغيب) كما ورد في القرآن الكريم، ويكون الفعل رَجَم قريب الصلة بالفعل (ظنّ) والظن عكس اليقين، أمّا إذا بني للمجهول (رُجِمَ) فيعني قُتِل رمياً بالحجارة، والرّجْمُ هو الضرب بالحجارة حسب الشريعة الإسلاميّة كتطبيق الحد على جريمة الزنا، أمّا (الرُجْمُ) فهو الحجارة الضخمة المتراكمة فوق بعضها، أمّا (الرجيم) فهو المُبعد والمختفي ومنها الاستعانة بالله – التعوذ – من الشيطان (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) أمّا (الرَجْمَة) – فتح الراء – فهي ضربة الحجارة التي تختلف عن (الرُجمة) – ضم الراء- وهي كومة الحجارة – تأنيث الرُجم – أمّا الفعل (عرّب) المشدد أم (عَرُبَ) فالفرق بين معناهما قليل إلا أن الاختلاف يكمن في صيرورة الشيء. فالفعل (عرّب) تفيد التدخل لجعل الشيء - الاسم أو المعنى عربياً ومثال ذلك عرّب العرب اسم أرسطوطاليس إلى أرسطو و(أسطفانوس وكانت) إلى (اصطفن وكانط) بمعنى آخر تحويل كل ما هو غير عربي -أعجمي - من مسميات الأشياء (الأعجمية) إلى مسميات ومعاني عربية وقد ورد في القرآن الكريم : (ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يُعلّمه بشرٌ لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين ـ سورة النمل الآية 103)
والتعريب في بلاد المغرب العربي هو تحويل لغة التعامل والتخاطب في الدوائر الرسمية إلى اللغة العربية. إضافة إلى جعل المناهج الدراسية في المدارس والجامعات بخاصة باللغة العربية, وإلى الآن لم يتحقق بشكل كلي.
أما الترجمة - ففي منظورنا المتواضع - لا تمت بصلة إلى الفعل (رجم) وإنما هي من الفعل الرباعي (ترجم) وهو فعل معرّب وأصله آشوري لكنه صيغ على وزن (فعلل) مثل (هَنْدسَ) ومن معنياتها الكتابة، ترجم الكاتب سيرة البطل بمعنى كتب سيرة حياته. إلا أن الدكتور أسعد مظفر الدين الحكيم يقول في كتابه(2): (علم الترجمة النظري) أن (ترجمة) عربيّة أخذها الانكليز بحرفيتها (Dragoman) ...ص37) كما يستدل على ذلك برأي أبو حيّان التوحيدي بقوله إن (الترجمات) على وزن (تفعلات) كما يورد رأي ابن قتيبة بقوله إن: (الترجمة على وزن تفعلة من الرجم...ص39)، ومهما يكن من أصل ترجمة ومنها (الترجمات) فإنها أصبحت عربية الوجه واللسان على عكس العربي في (شعِب بوّان) الذي قال فيه المتنبي:
مغاني الشِعْبِ طيباً في المعاني
بمنزلة الربيعِ من الزمان
لكن الفتى العربي فيها
غريب الوجه واليد واللسان
ملاعب جِنة لو سار فيها
سليمان لسار بترجمان
وما يهمنا في هذه الدراسة ألا تتحول إلى مسرد تاريخي حول التعريب والترجمة، بقدر ما يهمنا الغاية الأساس منهما التي يجب أن ينجز – من خلالها – الهدف في اللغة - (TRAGETLANGUAGEE (TL)) - النقل الوظيفة ذاتها في اللغة الأصل – المصدر (SOURCE LANGUAGEE (SL)) بمعنى آخر أن تكون (SL = TL) أي مكافئة لها في الوظيفة والأداء. من هنا يأتي الهدف من التعريب (الترجمة) على أنه – أنها ضرورة تاريخيّة وحضاريّة: بمنزلة الربيعِ من الزمان
لكن الفتى العربي فيها
غريب الوجه واليد واللسان
ملاعب جِنة لو سار فيها
سليمان لسار بترجمان
· ضرورة تاريخية:
بعد الانقطاع التاريخي – وبخاصة في شبه الجزيرة العربية – عن المصادر – الأولى للحضارات الأكادية والبابلية والآشورية والأمورية ثم الآراميّة – السريانية، بعد هذا الانقطاع المديد استفاق العرب بعد الإسلام ليتواصلوا مع الحضارات القديمة – آنذاك – منتصف القرن السابع الميلادي/ الأول الهجري، عن طريق التعرف على الشعوب والأمم المجاورة حيث كانوا بين ثلاث قوى كبرى – آنذاك – الحبشة – أثيوبيا – في الجنوب وفارس في الشمال الشرقي، وبيزنطة في الشمال الغربي، ولإبلاغ الدعوة الإسلامية كان لا بد من رسل يفهمون لغة الجهة المقصودة بالإبلاغ، وقد روي عن ( زيد بن ثابت) قوله: (قال لي رسول الله (ص) أتحسن السريانيّة؟ فإنها تأتيني كتب. قلت: لا. قال فتعلمها، فتعلمتها في سبعة عشر يوماً) ثم ازدادت حركة الترجمة إلى العربية من اللغات اليونانية – الإغريقيّة – الفارسيّة والسنسكريتية أثناء الفتوحات العربيّة، بعد أن دخلت الإسلام أقوام ولغـات مختلفة.
مراحل الترجمة / التعريب:
يذكر ابن النديم أشهر المعرّبين/ المترجمين عبر فترات مديدة من تاريخ الخلافتين الأموية والعباسيّة، ويمكن أن نحددها بإيجاز خلال المراحل التالية:
1. المرحلة الأولى – الأموية: وتتألف من حركتين مهمتين ، وإن اختلفتا في الهدف إلا أنهما عادتا بالفائدة، وأسهمت في رسم معالم الحضارة العربية – الإسلامية:
أ. حركة الترجمة العلمية: وتمثلت بجهود (خالد بن يزيد بن معاوية تـ85هـ) فقد عوّض فشله في تسلم الخلافة – بعدما آلت إلى البيت المرواني بالانصراف إلى المعرفة من خلال تكليفه بعض الرهبان في الإسكندرية لترجمة كتب في الكيمياء والطب والفلك ومنهم /كمريانوس واسطفانوس المعروف بـ (اصطفن)
ب. حركة الترجمة الطبيّة: تولى رعايتها وتشجيعها مروان بن الحكم وتولى الترجمة (ماسر جوية) البصري حيث نقل مؤلفات (أهرون) الطبيّة التي كتبها باليونانيّة ونقلها (ماسرجويه) من السريانية إلى العربية.
ج. حركة الترجمة الإدارية: وترسّخت على يد الخليفة (عبد الملك بن مروان) من (65 – 85هـ) الذي يعود إليه الفضل في تعريب الدواوين من ثلاث لغات أجنيّة إلى اللغة العربية(5)، ففي الشام كانت (بالروميّة – اليونانيّة، ودواوين العراق بالفارسيّة، أمّا في مصر فكانت بالقبطيّة).
2. المرحلة الثانية/العباسيّة: ويمكن تقسيمها إلى الأدوار التالية:
أ. الدور الأول: ويبدأ من خلافة المنصور إلى آخر خلافة هارون الرشيد أي من /136-193 هـ/، وفي هذا العهد نشطت الترجمة من الفارسيّة واليونانيّة والسنسكريتية إلى اللغة العربيّة وترجمت فيه قصص (كليلة ودمنة) من الفارسيّة إلى العربيّة وكذلك (الأدب الكبير) و(الأدب الصغير) على يد عبد الله بن المقفع، كما تمّ ترجمة كتاب (المجسطي) عن اليونانية نقله (يوحنا بن ماسويه) وهو أول كتاب متخصص في علم الفلك ينقل بكامله إلى العربيّة ومعناه (التراتيب الكبرى في الفلك)، كما تم ترجمة الكتاب الرياضي والفلكي الهندي (برهمكبت) من السنسكريتية إلى العربيّة وتمت تسميته بعد اختصاره إلى (السندهند) وتُنسب ترجمته إلى (جورجيس بن جبرائيل).
ب. الدور الثاني: ويقترن باسم (بيت الحكمة) والخليفة المأمون بدءاً /198هـ - 813م/ ونشطت حركة الترجمة بما يقارب عشرين عاماً ويتجلى عمل المأمون في توسيع عمل (بيت الحكمة) الذي أسسه والده الخليفة (هارون الرشيد) وأميَز ما يتميز به عهد المأمون الحراك الثقافي النشط الذي رافق الجدال والحوار وبخاصة بين المعتزلة وخصومهم حول مسألة (خلق القرآن) إضافة إلى حركة الترجمة التي ازدهرت ازدهاراً منقطع النظير في تاريخ الخلافتين الأموية والعباسيّة على حدٍ سواء ، ومن أوائل المترجمين/ يوحنا ابن البطريق – مولى المأمون الذي اشتهر بترجمته الحرفيّة، أمّا حنين بن اسحق فقد فاق كل من (يوحنا بن ماسويه وابن البطريق) في دقة ترجماته التي هدفت إلى نقل المعنى دون التقيد بالنقل الحرفي، وقد فاقت مترجماته المائة من اليونانية إلى السريانيّة وحوالي الخمسين من السريانية إلى العربيّة وأهمها المؤلفات الفلسفيّة لكل من أرسطو وأفلاطون وبطليموس، كما اشتهر في الترجمة كذلك ابنه (اسحق بن حنين) وابن أخته (حبيش الأعسم).
ج. الدور الثالث: ويبدأ من عهد المعتصم /218هـ - 823م/ وحتى نهاية الخلافة العباسيّة 656هـ - 1258م وسقوط بغداد. شهدت الترجمة في عهد المعتصم الفتور والتوقف والضمور نتيجة لانتقال العاصمة من بغداد إلى سامراء وضعف ثقافة المعتصم نفسه وعدم تمكنه وضلاعته باللغة العربيّة، إلا أنها شهدت فترات نشاط وعودة للحركة في أثناء فترات الاستقرار السياسي والرخاء الاقتصادي، ومن أشهر التراجمة في هذا الدور: متى بن يونس، سنان بن ثابت بن قرة، يحيى بن عدي وابن زرعة.
د. الدور الرابع: الانحطاط: ويقسم إلى مرحلتين حسب نظام الحكم الذي سيطر على الأقاليم العربيّة – آنذاك – :
1) المرحلة المملوكيّة: وتمتد من 1258 – 1416م أي منذ سقوط بغداد على يد هولاكو وانتقال الخلافة – الاسميّة إلى القاهرة تحت الحكم المملوكي إلى سقوط بلاد الشام بعد معركة مرج دابق 1516م ومن بعدها مصر – بعد معركة الريدانية 1517م وتميزت بتحول طرق التجارة إلى رأس الرجاء الصالح وانعزال البلدان العربية – وبخاصة في المشرق بعد انحسار موجات الحروب الصليبيّة – وفقدان طرق التجارة أهميتها إثر التحول إلى النقل بالسفن الكبيرة عن طريق رأس الرجاء الصالح.
2) المرحلة العثمانية/ التركيّة: امتدت أربعة قرون من عام 1516 – 1916م وقد تميزت بخمول شبه كامل في الحركة الثقافيّة والعلمية، ففي الوقت الذي انصبّت الجهود في أوربة على ترجمة المؤلفات والمخطوطات العربيّة في كافة المجالات. عاد العرب في ظل الحكم العثماني في معظم أقطارهم إلى حياة أشبه ما تكون بحالتهم فيما قبل السلام وذلك لانقطاعهم عن انجاز أي فعل حضاري، وكثرت الحركات الصوفيّة وانتشرت الشعوذة، والخرافات وما شذ عن هذه الحال سوى فترة حكم محمد علي باشا التي يمكننا أن نطلق عليها مرحلة الاستثناء.
- المرحلة الاستثنائية/ مرحلة محمد علي باشا : ما إن قضى محمد علي على خصومه المماليك عام 1801م وبعدما فشلت حملة (فريزر) الإنكليزية في احتلال مصر وإعادة حكم أنصارهم – المماليك حتى تفرغ لبناء قوته العسكرية لتوطيد حكمه في مصر ولأجل النهوض بمصر بنى المدارس وشجع البعثات الخارجيّة المدنيّة منها والعسكريّة ، ومن هذه المدارس:
أ) المدارس الزراعيّة: مثل مدرسة الدرسخانة – شبرا الخيمة وبيترواه – وتولى أمور التعليم والإدارة (يوسف أفندي) الأرمني و(محمد أفندي) الأردني مع عدد من المدرسين الذين تلقوا علومهم في أوربا، فنشطت زراعة القطن والقنب والرز وأصبحت مصر تصدر بدل أن تستورد.
ب) المدارس الهندسيّة: وبلغ عددها خمس مدارس أشهرها مدرسة القلعة (الهندسخانة) وتولى إدارتها (ثاقب باشا) الذي نفذ ترعة المحمودية التي مازالت تساهم في إرواء مساحات كبيرة.
ج) مدارس الطب البيطري والصيدلة، والولادة، الحربية، السواري (البحرية)، والمدفعية (الطوبجية) بالإضافة لمدرسة (الألسن) التي تعنى بتعليم اللغات /الإنكليزية والفرنسيّة والإيطاليّة واليونانيّة...
د) مدرسة الألسن: أنشئت عام 1838م – 1255هـ ومقرها في حي الأزبكيّة – السراي – (بيت الدفتردار) وتولى إدارتها (رفاعة رافع) وتتوزع مهامها الترجمية حسب الاختصاصات، ويسمى كل قسم منها (قلم) وهي أربعة:
- قلم ترجمة العلوم والرياضيات
- قلم ترجمة الطب والطبعة
- قلم ترجمة الأدبيات/ التاريخ والجغرافية والمنطق والفلسفة
- قلم ترجمة اللغة التركيّة.
وقد امتد عمرها أكثر من خمسة عشر عاماً ونظراً لعدم قيام النهضة المصرية على أسس مؤسساتي فقد انهارت جميع منجزات محمد علي النهضويّة لضعف حكم خلفائه من بعده، بعكس ما حدث في اليابان التي كانت بمستوى حضاري أدنى من مصر، وأرسلت هي الأخرى بعثاتها إلى أوربا، لكنها بنت أسس نهضتها على أسس مؤسساتي غير خاضع لتغير الأحوال والأشخاص.
هـ. الدور الخامس: ويقسم هذا الدور إلى مرحلتين:
1) مرحلة النهضة العربيّة : التي بدأت بواكيرها في مطلع القرن التاسع عشر بعد أن تحسس العرب خطر التتريك، ويرتبط هذا الدور بقيام الجمعيات الأدبية والسياسيّة ومنها:
جمعية العلوم والفنون: تأسست في بيروت 1847م، ركزت جهودها على إحياء اللغة العربيّة والتراث العربي – الجمعية العلمية السورية ومقرها بيروت وتأسست عام 1857م ومن أبرز مؤسسيها إبراهيم اليازجي الذي أطلق صيحته المدوّية في قصيدته البائيّة:
تنبهوا واستفيقوا أيها العربُ
فقد طماالخطبُ حتىغاصت الركبُ
ومن الجمعيات الأدبيّة الأخرى: الجمعيّة الشرقيّة والمنتدى الأدبي، أمّا الجمعيات السياسيّة فأشهرها جمعية بيروت السرية عام 1875م والعربية الفتاة والجمعيّة القحطانيّة 1909م، وجميع هذه الجمعيات أسسها الطلاب العرب الذين درسوا في الخارج وتأثروا بعصر القوميّات في أوربا وبخاصة قيام الوحدة الإيطاليّة ونجاح الاتحاد الألماني، وقد نقلت إلى اللغة العربية في هذه الفترة أمهات الكتب التي صدرت في القارة الأوربية من فلسفة وروايات ومسرح وشعر. وقد تميزت هذه الفترة بحركة نشطة لإحياء التراث العربي في المجالات اللغويّة والفلسفيّة والعلميّة مثل الدراسات الفلسفيّة لكل من الكندي وابن سينا والفارابي، إضافة لإحياء المصطلحات العلميّة والطبيّة مثل /قانون ابن سينا، وابن البيطار والرازي وابن الهيثم /. كما ترافق هذا الإحياء إلى ترجمة المصطلحات العلمية الحديثة مثل ترجمة معجم (كلا رفيل) في الطب الذي تولى ترجمته كل من: مرشد خاطر، أحمد الخياط، وميشيل خوري ومحمد صلاح الدين الكواكبي، وفي المجال اللغوي والشعري سبقهم كل من سليمان البستاني في ترجمته (الإلياذة) وأحمد فارس الشدياق وأمين الريحاني وفرح أنطون وفي مصر شهدت كذلك حركة ترجمة نشطة في كافة المجالات على يد عدد كبير من رجالات مصر، أمثال: رفاعة الطهطاوي، يوحنا عنجوري، محمد الفلكي، يوسف فرعون، محمد الشافعي، محمد البيومي وغيرهم كثير. والعراق هو الآخر لم يكن بعيداً عن هذه الأنشطة، وقد برز في هذه الفترة تسابق نشاط البعثات البروتستانتيّة مع الإرساليات الكاثوليكيّة التي تنافست في بناء المدارس الحديثة في لبنان مثل /عين ورقة - عين طورة – عبية – عين تزار – بكفيا – زحلة، إضافة لمدرسة بيروت التي تحولت فيما بعد إلى الجامعة الأمريكيّة، والتي لازالت قائمة حتى الآن (2010م) وفي مجال اللغة تركز الاهتمام على التخلص من أساليب عصر الانحطاط المتحنطة، وقد ساهم في صياغة أسلوب جديد كتابات كل من: مصطفى لطفي المنفلوطي - آمين الريحاني، وكتابات آل البستاني / بطرس – سليمان – سليم بالإضافة للجهود القيّمة التي بذلتها الشخصيّات الأخرى من مختلف الأعمار والأقطار أمثال محمود شكري الآلوسي في العراق – عبد العزيز الثعالبي في تونس – عبد الحميد بن باديس في الجزائر – عبد الله السنوسي في المغرب وقاسم آمين- لطفي السيد في مصر وكافة الرعيل الذي تتلمذ على يد كل من جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي كل هؤلاء شاركوا في حركة النهضة والإحياء العربي، حيث لازالت الأجيال العربيّة تنعم بعطاءاتهم وعطاءات جيل الرواد الذين نهلوا من معارفهم أمثال: محمود البارودي – محمد حسين هيكل – طه حسين – أحمد الزيات – أحمد فارس الشدياق – عباس محمود العقاد – إبراهيم المازني ومن الشعراء أحمد شوقي – مطران خليل مطران – حافظ إبراهيم – ساطع الحصري – صدقي الزهاوي – معروف الرصافي وغيرهم من الكثرة يستعصي الحصر في مساحة هذا البحث. فقد طماالخطبُ حتىغاصت الركبُ
2) مرحلة الاستقلال ونهاية الألفية الثانية: وتمتد هذه المرحلة من نهاية الحرب العالميّة الثانية وحتى نهاية الألف الثانية بعد الميلاد (2000م) وفي هذه المرحلة تولت حكومات الاستقلال الإشراف على التعليم والتربية والحراك العلمي والثقافي، ومع الانجازات الكبرى في بداية هذه المرحلة الممتدة من منتصف القرن الفائت وحتى عام (1975م) ومع ما تخللها من نكبتي 1948و1967م، إلا أن هذه الفترة حققت انجازات كبيرة في جهود التأصيل والمعاصرة وتصدرت هذه الفترة قامات أدبيّة وعلميّة ذات شأن كبير أمثال: طه حسين – توفيق الحكيم – مصطفى عبد الرازق – محمود آمين العالم – عبد الرحمن بدوي – مصطفى شاكر – محمد كرد علي – عبد الله العلايلي – هشام شرابي وسليم قبعين الذي أثرى المكتبة العربية بترجماته لأهم المؤلفات السردية الروسيّة وبخاصة مؤلفات تولستوي، ومع جهود هذه القامات الفكرية في التأليف والترجمة إلا أن هذه الجهود لم تؤتِ أًكلها وتحقق المأمول منها لعدم وجود مؤسسات رسميّة على مستوى الوطن العربي، وإن وجدت المؤسسات القطرية، فإنها بمجرد الإعلان عن تأسيسها سرعان ما يصيبها الهرم والتراخي مع تغير الأوضاع، لأن المؤسسات القطرية ترتبط بالأنظمة التي عجز معظمها في تأسيس دولة المؤسسات التي لا تتأثر بتغيّر الشخصيّات والإدارات.