السبت, 11 اكتوبر, 2008
كريم ترايديا:من العجز إلى العروس البولندية ومشروع فيلمين بسوريا
في المعهد الهولندي بدمشق وعلى مدى ثلاثة أيام (7-9 تشرين الأول 2008) تم تقديم أربعة أفلام هولندية تمس المجتمع المتنوع بهولندا من مهاجرين إلى هولنديين في إطارها الاجتماعي أي البيت والأسرة وتماسكها والبحث عن الحرية والصراع بين الأجيال والقيم القديمة والقيم الجديدة أو المستجدة والطارئة كفيلم "أولاد أبي" لمخرجة من أصل تركي هي ميرال أوسلو وهو فيلم من إنتاج 2005 وهنا تتحدث عن عائلتها المهاجرة من تركيا ومغامرات والدها وعلاقاته المتنوعة مع النساء والبحث عن إخوتها الآخرين وطبيعة والدها عطا أوسلو وشخصيته الساحرة للكثير من النساء ومدى تماسك عائلته الأساسية وهو فيلم وثائقي فضلا عن فيلم هام آخر هو "في بيت أبي" للمخرجة الهولندية من أصل مغربي فاطمة جبلي أوزاني وهي شخصية منبوذة بسبب علاقاتها خارج إطار العائلة وخارج إطار مؤسسة الزواج وهي تلقي الضوء بذلك على موضوع حساس وهنا ندخل بإطار المزحة التي ذكرها لي المخرج الهولندي من أصل جزائري كريم ترايديا كانت جدته تذكره دائما وهي بالجزائري "الله يخلصك ويطول عمرك" أي الله يجوزك ويطول عمرك بمعنى حتى والدة فاطمة تعتبر أن مؤسسة الزواج تحفظ توازن الأسرة والمجتمع ولكنها مليئة بالمرارة والتعاسة وليست بتلك الجنة الموعودة وبغض النظر عن موقفي من العلاقات الحرة والترويج للعهر والعلاقات اللاشرعية وما يسمى بالغرب بالمساكنة اي العيش مع الجنس الآخر دون ارتباط الزواج فالمرأة العربية أيضا تتعرض لنوع من الظلم فهي تبقى بانتظار ذلك العريس الموعود هذا إن وصل دون البحث عن حلول ناجعة للعفاف داخل المجتمع العربي بشكل عام وهو المقيد بكثير من المفاهيم التي نستخدمها بعض الأحيان بشكل قد يكون خاطئ .
طبعا هناك فيلم "الأطر الاجتماعية الهولندية" وهو يتحدث عن 6 مراهقين ومراهقات هولنديات يرتطمون أيضا بعائلاتهم في حبهم وتعلقهم الشديد بالآخر, وهنا تبرز مشكلة اطر الحريات ومستواها وحدودها ,وطبعا القضية لاتتعلق بمسألة الجنس فحسب بل بمسألة العادات والتقاليد والصراع بين تماسك الأسرة وكيفية الحفاظ على هذا التماسك وما هي الحلول؟أمام جيل ببداية تكوينه الواعي وبالتالي لايرى إلا بالتمرد وسيلة لإشباع رغباته التي قد تكون عبثية أحيانا او يجدها في إطار حريته الحقيقية أو الوهمية والمزعومة والتي يبحث عنها بوعي كامل أو بأقل مسؤولية تجاه نفسه وتجاه الآخرين.
الفيلم المهم وهذا ما سأتحدث عنه وهو فيلم "كريم ترايديا" المخرج الهولندي من أصل جزائري وهو فيلم بعنوان "العجز" وهو فيلم أنتج عام 1991 وهو من أوائل الأفلام لهذا المخرج ويتحدث عن عامل جزائري هاجر إلى فرنسا باحثا عن لقمة عيشه بالسبعينيات من القرن الماضي والفيلم بالمناسبة بالأبيض والأسود فيصاب هذا العامل بالعجز الجنسي ورغم محاولاته باستعادة قدراته الجنسية بالتوجه إلى دور الدعارة في باريس وحتى الذهاب إلى شيخ ليرفع السحر الذي أصابه وحتى إلى طبيب نفسي ليستعيد إمكانياته فانه يفقدها ,طبعا يستقي المخرج كريم هذا الفيلم من إحدى كتابات او دراسات الطاهر بن جلون الكاتب المغربي المعروف وهي دراسة بعلم النفس تشير إلى أن 20 % من العمال العرب في فرنسا يصيبهم العجز الجنسي بسبب شعورهم بالغبن والظلم والمعيشة السيئة جدا والنظرة العنصرية إليهم وأنهم "دون", وقد مزحت مع المخرج كريم بأنني اعتقد أن العالم العربي بهذه الحالة وبكامله مصاب بهذا النوع من العجز
طبعا العامل الجزائري والذي يمثل دورا مسرحيا "غروتسكيا" اي "مضحك مبكي" ونوعا ما دورا مسرحيا بإطار مسرح القسوة فانه يحاول استحضار زوجته عبر مكتب الهجرة الفرنسية لاستعادة طاقاته المفقودة ولكن دون جدوى فراتبه لايسمح وسكنه ملئ بالتحريمات المثيرة للسخرية فممنوع عليه الانتحار وممنوع عليه الغناء بالعربية وممنوع عليه ممارسة العادة السرية وممنوع عليه الطبخ وممارسة اليوغا وممنوع عليه الاستماع للراديو وهي طريقة ساخرة او من نوع الكوميديا السوداء على الضوابط والقيود الفرنسية تجاه المهاجرين العرب ليس في فرنسا فحسب بل بالغرب ككل.
فيقرر عاملنا المسكين وهو أخو المخرج كريم ترايديا نفسه واسمه الأصلي حكيم وبالفيلم أحمد يقرر العودة إلى وطنه على مبدأ مثل شامي عندنا"البيت اللي رباني ماراح وخلاني"ليجد أن والده ينبذه وان زوجته هجرته بعد أن فضحت عجزه الجنسي وانه لم يعد رجلا بل مجرد امرأة أخرى فيبدأ الخشية من نظرة المجتمع التحقيرية له وملاحقة الأطفال له بالشوارع كالمجنون كما يخشى الانضمام إلى الشاذ الموجود بقريتهم بالجزائر والذي أصيب بحادث ففقد رجولته كما فقد العرب رجولتهم بحادثة أو بالأحرى نكسة1967 والتي لم نتخلص من توابعها إلى اليوم او بسقوط بغداد2003 ولو تمت استعادة جزء من رجولتنا بعد1973 و2006 ؟!!!
بعيدا عن السياسة والقيود التي يواجهها الإنسان العربي داخل وخارج وطنه والغربة والنبذ الذي يعيشه أحيانا حتى بين أفراد أسرته يجعلانه بالفعل عاجز نفسيا واجتماعيا ومغلوبا على أمره وهذا هو الهدف الأساسي والجميل والمهم للمخرج وكاتب هذا العمل البديع كريم ترايديا
وقد شارك هو نفسه بهذا الفيلم بمن يقرأ المحرمات على العامل الجزائري المسكين بمنطقة البارناس الشعبية في باريس وهي من أصعب مناطق أو ضواحي باريس وأفقرها على الإطلاق وقد عاش بها المخرج نفسه كريم ترايديا عام 1976 وبقي فيها لمدة عام ونصف وهو من مواليد1949 وكان قد درس بالجزائر هندسة الإلكترون أيام تطور الصناعة الجزائرية وقد أحب فتاة لمدة 4سنوات وعشقها ولكن القدر لم يسمح بالارتباط بها فبقي عدة أشهر وهو يتأسى على حبيبته ثم قرر الهروب من غربته داخل وطنه ليبحث بالعالم أو الضفة الأخرى عن الفردوس الموعود ليجد مآسي المهاجرين بوجهه واستكمل دراسته بعلم الاجتماع وكان يسمى مكسيم بدل كريم ثم انتقل إلى هولندا وهناك أخوه حكيم الذي كان يعمل بالتلفزيون الهولندي ببرامج الأطفال وشاركه هذا العمل أي فيلم العجز, وكان حكيم ممثل مسرحي قدم أعمال مسرحية مثل "علاء الدين والفانوس السحري" و"علي بابا وال14 حرامي" وهنا سألنا المخرج كريم عن 14 وليس 40 فقال مازحا لأن أخيه يحب هذا الرقم ثم قام بأول عمل سينمائي متعاونا مع أخيه عام 1989 كما اعتقد ولكن عمله العجز هو العمل السينمائي الأول والفعلي للمخرج كريم ترايديا.
طبعا بلقائنا الغني مع المخرج كريم ترايديا كانت لغته العربية سليمة جدا وقوية وواضحة وهو من الجزائريين القلائل الذين خرجوا من الجزائر كما ذكرت لأسباب غير البطالة والبحث عن عمل فقد كان يعيش سعيدا ولكن سبب هجرته هو حبه للفتاة التي رفضته أمها فبكى شهرين وقرر الهجرة كما قال مازحا.
أول فيلم شاهده بالسينما كان 1956 لشارلي شابلن وبدأ من ذلك الحين ومن عمر مبكرة الشغف بالسينما وعندما هاجر لفرنسا فهولندا عمل مع أخيه فيلم قبيل العجز وحتى النقاد ذكروا أن فيلمه ذاك يعد مدرسة بالسينما فيعلق المخرج كريم ساخرا أن جميع الأخطاء السينمائية موجودة بهذا الفيلم أما في حديثه عن فيلم العجز فقد كون الشخصية من دراسة نفسية للطاهر بن جلون كما ذكرت ومشاهداته لأوضاع المهاجرين العرب بفرنسا
جميع أفلام كريم ترايديا كانت تعالج موضوع الهجرة ومن أشهر أفلامه أيضا العروس البولندية الذي عرض وترجم للعربية بدمشق وطبعا بالمعهد الهولندي بدمشق وهو يعالج حتى الهجرة الأوروبية داخل أوروبا ذاتها وكذلك عن مخرج جزائري قتل بالجزائر أو اغتيل أيام أحداث الجزائر الدامية بعد عودته من هولندا وزيارته لوطنه الأم وهو صديق عزيز على كريم ترايديا
وكما يقول كريم عن وطنه أيضا بأنه بالقلب ولم يخرج من قلبه أبدا
مشاريع كريم ترايديا بدمشق
الاسم الأصلي لكريم هو بشير الجميل وذكر لنا أن جده لامه جاء إلى دمشق وتزوج وأنجب واستقر فيها أي أن خال كريم ترايديا هذه الأيام هو سوري وهو يبحث عنه وقد تحدث بهذه القصة إلى المخرج السوري نبيل المالح وأسامة محمد ونتمنى أن يتعرف على عائلته من والدته أو جده في سوريا
أيضا حدثني المخرج الجزائري عن مشروعين لفيلمين قادمين له بسوريا ويتمنى أن يتحققا وهما عن قصة امرأة هولندية قتل زوجها المغربي بهولندا فتهاجر إلى الشام –كما يحب المخرج أن يسميها-وتعيش بها ,والفيلم الآخر عن مهاجر عراقي يرتبط بامرأة هولندية وينجب منها طفلة فيختطف ابنته ويهرب بها إلى الشام ليعيش معها ولكن المرأة الهولندية تقيم الدعاوي ضده في سوريا حتى تستعيد طفلتها.
إذا مشاريع غاية بالأهمية لمخرج هولندي من أصل عربي مغاربي أتمنى أن تتحقق بالفعل لأهميتها
كانت سهرة ممتعة بالنسبة لي ويوم متنوع من تدريس بالمدرسة وأنا على وقع حصولي على مقاطع هامة للمغنية الأوبرالية العالمية ماريا كالاس وخصوصا كاستا ديفا لبيلليني وهابانيرا كارمن لبيزيه ولاكمي وأغنية لابوهيم لشارل أزنافور وأغاني هامة حصلت عليها لميشيل ساردو وميراي ماتيو فضلا عن ليلة جميلة سبقت الليلة الهولندية أي اللقاء مع الحبيبة عبر الماسينجر وأيام حافلة ومتنوعة وممتعة
بالفعل كنت سعيدا بالتعرف إلى المخرج كريم ترايديا والنقاش معه وكنت مفتخرا منذ أشهر عندما عرض فيلم العروس البولندية بالمعهد الهولندي بدمشق بأن مخرج هذا العمل الجميل من أصل عربي وخصوصا أن بروشور الفيلم يظهر بطلا الفيلم وتفاح أخضر ومنظر جميل وكأنك بالجنة حيث حواء وآدم ولكنك عندما تتابع الفيلم تشعر بأنها ليست بذلك الفردوس الموعود بل هناك عزلة يعيشها ذلك المزارع فتلجأ إليه البولندية الهاربة من شبكة للدعارة قامت بتشغيلها بالقوة في هولندا فيحميها ذلك المزارع الهولندي الشاب
أيضا حدثني المخرج ترايديا عن قصة جميلة ومعبرة بالجزائر أفادتني بالمدرسة وهي عن إحدى جداته أيام الاحتلال الفرنسي حيث قام الجنود الفرنسيون باقتحام منزلها للبحث عن ثوار فارين أو ماشابه وهي امرأة عجوز فقامت العجوز برفع ثوبها أمامهم ليخجل الجنود من أنفسهم ويخرجون على استحياء بمعنى أن انتهاك حرمة البيت هو انتهاك للعرض والشرف وأصبحت قصتها مثلا بالجزائر فكلما حاول الجنود اقتحام منزل بالجزائر تهدد النساء الكبار بالعمر برفع ثيابهن أمام المعتدين والمنتهكين
وقد حدثت طلابي بالمدرسة عن ذلك اثر حادثة اعتداء بعض الفتيان من خارج المدرسة وانتهاك حرمتها والاعتداء على الآذن بالمدرسة وقيام طلاب وللأسف بضرب الحجارة على مبنى المدرسة وهي تعادل الجامع بقيمتها وقدسيتها وحرمة البيوت فهي ليست رمز لسجن وإنما رمز للانطلاق والتغيير في حياة هذا الطالب ولذلك الإنسان يتعلم بهذا المكان الطاهر ليسير نحو الأفضل
شكرا للمخرج كريم ترايديا وشكرا للمعهد الهولندي بدمشق الذي قدم عملين حتى الآن لهذا المخرج ومترجمين للعربية فضلا عن سينما هولندية راقية معنية بكل الشؤون والشجون الخاصة بالمجتمع الهولندي وتعريف العالم العربي به.
محمد زعل السلوم
سوريا-دمشق
السبت11/10/2008
كريم ترايديا:من العجز إلى العروس البولندية ومشروع فيلمين بسوريا
في المعهد الهولندي بدمشق وعلى مدى ثلاثة أيام (7-9 تشرين الأول 2008) تم تقديم أربعة أفلام هولندية تمس المجتمع المتنوع بهولندا من مهاجرين إلى هولنديين في إطارها الاجتماعي أي البيت والأسرة وتماسكها والبحث عن الحرية والصراع بين الأجيال والقيم القديمة والقيم الجديدة أو المستجدة والطارئة كفيلم "أولاد أبي" لمخرجة من أصل تركي هي ميرال أوسلو وهو فيلم من إنتاج 2005 وهنا تتحدث عن عائلتها المهاجرة من تركيا ومغامرات والدها وعلاقاته المتنوعة مع النساء والبحث عن إخوتها الآخرين وطبيعة والدها عطا أوسلو وشخصيته الساحرة للكثير من النساء ومدى تماسك عائلته الأساسية وهو فيلم وثائقي فضلا عن فيلم هام آخر هو "في بيت أبي" للمخرجة الهولندية من أصل مغربي فاطمة جبلي أوزاني وهي شخصية منبوذة بسبب علاقاتها خارج إطار العائلة وخارج إطار مؤسسة الزواج وهي تلقي الضوء بذلك على موضوع حساس وهنا ندخل بإطار المزحة التي ذكرها لي المخرج الهولندي من أصل جزائري كريم ترايديا كانت جدته تذكره دائما وهي بالجزائري "الله يخلصك ويطول عمرك" أي الله يجوزك ويطول عمرك بمعنى حتى والدة فاطمة تعتبر أن مؤسسة الزواج تحفظ توازن الأسرة والمجتمع ولكنها مليئة بالمرارة والتعاسة وليست بتلك الجنة الموعودة وبغض النظر عن موقفي من العلاقات الحرة والترويج للعهر والعلاقات اللاشرعية وما يسمى بالغرب بالمساكنة اي العيش مع الجنس الآخر دون ارتباط الزواج فالمرأة العربية أيضا تتعرض لنوع من الظلم فهي تبقى بانتظار ذلك العريس الموعود هذا إن وصل دون البحث عن حلول ناجعة للعفاف داخل المجتمع العربي بشكل عام وهو المقيد بكثير من المفاهيم التي نستخدمها بعض الأحيان بشكل قد يكون خاطئ .
طبعا هناك فيلم "الأطر الاجتماعية الهولندية" وهو يتحدث عن 6 مراهقين ومراهقات هولنديات يرتطمون أيضا بعائلاتهم في حبهم وتعلقهم الشديد بالآخر, وهنا تبرز مشكلة اطر الحريات ومستواها وحدودها ,وطبعا القضية لاتتعلق بمسألة الجنس فحسب بل بمسألة العادات والتقاليد والصراع بين تماسك الأسرة وكيفية الحفاظ على هذا التماسك وما هي الحلول؟أمام جيل ببداية تكوينه الواعي وبالتالي لايرى إلا بالتمرد وسيلة لإشباع رغباته التي قد تكون عبثية أحيانا او يجدها في إطار حريته الحقيقية أو الوهمية والمزعومة والتي يبحث عنها بوعي كامل أو بأقل مسؤولية تجاه نفسه وتجاه الآخرين.
الفيلم المهم وهذا ما سأتحدث عنه وهو فيلم "كريم ترايديا" المخرج الهولندي من أصل جزائري وهو فيلم بعنوان "العجز" وهو فيلم أنتج عام 1991 وهو من أوائل الأفلام لهذا المخرج ويتحدث عن عامل جزائري هاجر إلى فرنسا باحثا عن لقمة عيشه بالسبعينيات من القرن الماضي والفيلم بالمناسبة بالأبيض والأسود فيصاب هذا العامل بالعجز الجنسي ورغم محاولاته باستعادة قدراته الجنسية بالتوجه إلى دور الدعارة في باريس وحتى الذهاب إلى شيخ ليرفع السحر الذي أصابه وحتى إلى طبيب نفسي ليستعيد إمكانياته فانه يفقدها ,طبعا يستقي المخرج كريم هذا الفيلم من إحدى كتابات او دراسات الطاهر بن جلون الكاتب المغربي المعروف وهي دراسة بعلم النفس تشير إلى أن 20 % من العمال العرب في فرنسا يصيبهم العجز الجنسي بسبب شعورهم بالغبن والظلم والمعيشة السيئة جدا والنظرة العنصرية إليهم وأنهم "دون", وقد مزحت مع المخرج كريم بأنني اعتقد أن العالم العربي بهذه الحالة وبكامله مصاب بهذا النوع من العجز
طبعا العامل الجزائري والذي يمثل دورا مسرحيا "غروتسكيا" اي "مضحك مبكي" ونوعا ما دورا مسرحيا بإطار مسرح القسوة فانه يحاول استحضار زوجته عبر مكتب الهجرة الفرنسية لاستعادة طاقاته المفقودة ولكن دون جدوى فراتبه لايسمح وسكنه ملئ بالتحريمات المثيرة للسخرية فممنوع عليه الانتحار وممنوع عليه الغناء بالعربية وممنوع عليه ممارسة العادة السرية وممنوع عليه الطبخ وممارسة اليوغا وممنوع عليه الاستماع للراديو وهي طريقة ساخرة او من نوع الكوميديا السوداء على الضوابط والقيود الفرنسية تجاه المهاجرين العرب ليس في فرنسا فحسب بل بالغرب ككل.
فيقرر عاملنا المسكين وهو أخو المخرج كريم ترايديا نفسه واسمه الأصلي حكيم وبالفيلم أحمد يقرر العودة إلى وطنه على مبدأ مثل شامي عندنا"البيت اللي رباني ماراح وخلاني"ليجد أن والده ينبذه وان زوجته هجرته بعد أن فضحت عجزه الجنسي وانه لم يعد رجلا بل مجرد امرأة أخرى فيبدأ الخشية من نظرة المجتمع التحقيرية له وملاحقة الأطفال له بالشوارع كالمجنون كما يخشى الانضمام إلى الشاذ الموجود بقريتهم بالجزائر والذي أصيب بحادث ففقد رجولته كما فقد العرب رجولتهم بحادثة أو بالأحرى نكسة1967 والتي لم نتخلص من توابعها إلى اليوم او بسقوط بغداد2003 ولو تمت استعادة جزء من رجولتنا بعد1973 و2006 ؟!!!
بعيدا عن السياسة والقيود التي يواجهها الإنسان العربي داخل وخارج وطنه والغربة والنبذ الذي يعيشه أحيانا حتى بين أفراد أسرته يجعلانه بالفعل عاجز نفسيا واجتماعيا ومغلوبا على أمره وهذا هو الهدف الأساسي والجميل والمهم للمخرج وكاتب هذا العمل البديع كريم ترايديا
وقد شارك هو نفسه بهذا الفيلم بمن يقرأ المحرمات على العامل الجزائري المسكين بمنطقة البارناس الشعبية في باريس وهي من أصعب مناطق أو ضواحي باريس وأفقرها على الإطلاق وقد عاش بها المخرج نفسه كريم ترايديا عام 1976 وبقي فيها لمدة عام ونصف وهو من مواليد1949 وكان قد درس بالجزائر هندسة الإلكترون أيام تطور الصناعة الجزائرية وقد أحب فتاة لمدة 4سنوات وعشقها ولكن القدر لم يسمح بالارتباط بها فبقي عدة أشهر وهو يتأسى على حبيبته ثم قرر الهروب من غربته داخل وطنه ليبحث بالعالم أو الضفة الأخرى عن الفردوس الموعود ليجد مآسي المهاجرين بوجهه واستكمل دراسته بعلم الاجتماع وكان يسمى مكسيم بدل كريم ثم انتقل إلى هولندا وهناك أخوه حكيم الذي كان يعمل بالتلفزيون الهولندي ببرامج الأطفال وشاركه هذا العمل أي فيلم العجز, وكان حكيم ممثل مسرحي قدم أعمال مسرحية مثل "علاء الدين والفانوس السحري" و"علي بابا وال14 حرامي" وهنا سألنا المخرج كريم عن 14 وليس 40 فقال مازحا لأن أخيه يحب هذا الرقم ثم قام بأول عمل سينمائي متعاونا مع أخيه عام 1989 كما اعتقد ولكن عمله العجز هو العمل السينمائي الأول والفعلي للمخرج كريم ترايديا.
طبعا بلقائنا الغني مع المخرج كريم ترايديا كانت لغته العربية سليمة جدا وقوية وواضحة وهو من الجزائريين القلائل الذين خرجوا من الجزائر كما ذكرت لأسباب غير البطالة والبحث عن عمل فقد كان يعيش سعيدا ولكن سبب هجرته هو حبه للفتاة التي رفضته أمها فبكى شهرين وقرر الهجرة كما قال مازحا.
أول فيلم شاهده بالسينما كان 1956 لشارلي شابلن وبدأ من ذلك الحين ومن عمر مبكرة الشغف بالسينما وعندما هاجر لفرنسا فهولندا عمل مع أخيه فيلم قبيل العجز وحتى النقاد ذكروا أن فيلمه ذاك يعد مدرسة بالسينما فيعلق المخرج كريم ساخرا أن جميع الأخطاء السينمائية موجودة بهذا الفيلم أما في حديثه عن فيلم العجز فقد كون الشخصية من دراسة نفسية للطاهر بن جلون كما ذكرت ومشاهداته لأوضاع المهاجرين العرب بفرنسا
جميع أفلام كريم ترايديا كانت تعالج موضوع الهجرة ومن أشهر أفلامه أيضا العروس البولندية الذي عرض وترجم للعربية بدمشق وطبعا بالمعهد الهولندي بدمشق وهو يعالج حتى الهجرة الأوروبية داخل أوروبا ذاتها وكذلك عن مخرج جزائري قتل بالجزائر أو اغتيل أيام أحداث الجزائر الدامية بعد عودته من هولندا وزيارته لوطنه الأم وهو صديق عزيز على كريم ترايديا
وكما يقول كريم عن وطنه أيضا بأنه بالقلب ولم يخرج من قلبه أبدا
مشاريع كريم ترايديا بدمشق
الاسم الأصلي لكريم هو بشير الجميل وذكر لنا أن جده لامه جاء إلى دمشق وتزوج وأنجب واستقر فيها أي أن خال كريم ترايديا هذه الأيام هو سوري وهو يبحث عنه وقد تحدث بهذه القصة إلى المخرج السوري نبيل المالح وأسامة محمد ونتمنى أن يتعرف على عائلته من والدته أو جده في سوريا
أيضا حدثني المخرج الجزائري عن مشروعين لفيلمين قادمين له بسوريا ويتمنى أن يتحققا وهما عن قصة امرأة هولندية قتل زوجها المغربي بهولندا فتهاجر إلى الشام –كما يحب المخرج أن يسميها-وتعيش بها ,والفيلم الآخر عن مهاجر عراقي يرتبط بامرأة هولندية وينجب منها طفلة فيختطف ابنته ويهرب بها إلى الشام ليعيش معها ولكن المرأة الهولندية تقيم الدعاوي ضده في سوريا حتى تستعيد طفلتها.
إذا مشاريع غاية بالأهمية لمخرج هولندي من أصل عربي مغاربي أتمنى أن تتحقق بالفعل لأهميتها
كانت سهرة ممتعة بالنسبة لي ويوم متنوع من تدريس بالمدرسة وأنا على وقع حصولي على مقاطع هامة للمغنية الأوبرالية العالمية ماريا كالاس وخصوصا كاستا ديفا لبيلليني وهابانيرا كارمن لبيزيه ولاكمي وأغنية لابوهيم لشارل أزنافور وأغاني هامة حصلت عليها لميشيل ساردو وميراي ماتيو فضلا عن ليلة جميلة سبقت الليلة الهولندية أي اللقاء مع الحبيبة عبر الماسينجر وأيام حافلة ومتنوعة وممتعة
بالفعل كنت سعيدا بالتعرف إلى المخرج كريم ترايديا والنقاش معه وكنت مفتخرا منذ أشهر عندما عرض فيلم العروس البولندية بالمعهد الهولندي بدمشق بأن مخرج هذا العمل الجميل من أصل عربي وخصوصا أن بروشور الفيلم يظهر بطلا الفيلم وتفاح أخضر ومنظر جميل وكأنك بالجنة حيث حواء وآدم ولكنك عندما تتابع الفيلم تشعر بأنها ليست بذلك الفردوس الموعود بل هناك عزلة يعيشها ذلك المزارع فتلجأ إليه البولندية الهاربة من شبكة للدعارة قامت بتشغيلها بالقوة في هولندا فيحميها ذلك المزارع الهولندي الشاب
أيضا حدثني المخرج ترايديا عن قصة جميلة ومعبرة بالجزائر أفادتني بالمدرسة وهي عن إحدى جداته أيام الاحتلال الفرنسي حيث قام الجنود الفرنسيون باقتحام منزلها للبحث عن ثوار فارين أو ماشابه وهي امرأة عجوز فقامت العجوز برفع ثوبها أمامهم ليخجل الجنود من أنفسهم ويخرجون على استحياء بمعنى أن انتهاك حرمة البيت هو انتهاك للعرض والشرف وأصبحت قصتها مثلا بالجزائر فكلما حاول الجنود اقتحام منزل بالجزائر تهدد النساء الكبار بالعمر برفع ثيابهن أمام المعتدين والمنتهكين
وقد حدثت طلابي بالمدرسة عن ذلك اثر حادثة اعتداء بعض الفتيان من خارج المدرسة وانتهاك حرمتها والاعتداء على الآذن بالمدرسة وقيام طلاب وللأسف بضرب الحجارة على مبنى المدرسة وهي تعادل الجامع بقيمتها وقدسيتها وحرمة البيوت فهي ليست رمز لسجن وإنما رمز للانطلاق والتغيير في حياة هذا الطالب ولذلك الإنسان يتعلم بهذا المكان الطاهر ليسير نحو الأفضل
شكرا للمخرج كريم ترايديا وشكرا للمعهد الهولندي بدمشق الذي قدم عملين حتى الآن لهذا المخرج ومترجمين للعربية فضلا عن سينما هولندية راقية معنية بكل الشؤون والشجون الخاصة بالمجتمع الهولندي وتعريف العالم العربي به.
محمد زعل السلوم
سوريا-دمشق
السبت11/10/2008