الفرصة المناسبة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • فهد حسين العبود
    عضو الملتقى
    • 02-07-2007
    • 34

    الفرصة المناسبة

    الفرصة المناسبة

    لأن خليل لم يستطع أو بالأحرى لم يعط الفرصة المناسبة لكي يكون النسخة الثانية من عبد الحليم حافظ,كما كان ولا يزال يردد, ولأن الحياة قاسية, ورغيف الخبز يزيد من تسارعه أمامه أكثر فأكثر, فقد قرر أخيرا أن يقتلع نفسه من غرفته وعزلته, ويطفئ مسجل الكاسيت الذي لا يتوقف عن ترديد أغاني العندليب الأسمر, ويبحث عن عمل يعتاش منه.
    فكر خليل مليا بما يمكنه عمله, فاستبعد على الفور فكرة العتالة لأنه كشخص رقيق الروح والعود- تماما كعبد الحليم حافظ – لا يمكنه القيام بذلك. تخلى أيضا عن فكرة أن يكون بائعا فعبد الحليم لا يمكنه تمزيق حنجرته الذهبية في مفاصلات الناس التي تبعث على الاقياء. تخلى أيضا عن الكثير من الاحتمالات, ولكنه فجأة.....آها.....لا بد أنه سيناسب أكثر , نعم العمل عند الحكومة مناسب أكثر. لماذا لم تفكر بهذا منذ البداية يا خليل؟. ولكن ما الذي يمكن لحامل شهادة ابتدائية عمله في القطاع العام؟ دعنا نضع الاحتمالات على الطاولة وننتقي الأنسب.
    أولا: عامل تنظيفات, هذا الاحتمال يسقط لأن الناس- كما تعلم يا خليل- يسمون عامل التنظيفات زبالا,كما أن فكرة الغناء وسط النفايات ونظرات الناس الفوقية لن تكون فكرة صائبة.
    ثانيا: مستخدم في دائرة ما, وهذا أيضا غير وارد, وإن سألتني لماذا؟ سأقول لك إن الغناء أمام المكاتب سيكون عائقا أمام تسيير أمور المراجعين, أنا أتفق معك أن....ولكن مع ذلك لا يجوز.
    ثالثا: حارس ليلي,/ يا ليل يا عين / نعم حارس ليلي, هذه أكثر الأعمال في العالم التي يمكنها أن تناسبك, فليس أحسن من ليل وعود , هذا ما كنت تبحث عنه طوال عمرك- طبعا بالدرجة الثانية لأن الدرجة الأولى يحتلها الطموح الفني-.
    تخيل نفسه في محرسه. أثث المكان بسرعة في مخيلته: سرير, كرسي, طربيزة, مسجل كاسيت, إبريق شاي, كأس, عدة القهوة, ولا مانع من وجود عدة المتة , وسيكون جميلا أن يعلق عوده على الحائط خلفه, صحيح أنه لا يتقن العزف عليه كما يجب(مثلما يدّعون), ولكنها مسألة وقت , إذ لم يمض على بدء تعلمه العزف سوى خمسة عشر عاما فقط.
    سيزورك الرجال في الجوار للاستماع إليك يا أبو الخل , وستنتظر عيون وآذان النساء في الشرفات وخلف النوافذ, لتطل أخيرا بقامتك الحليمية وعودك الساحر فتسحب الكرسي وتجلس أمام المحرس, ويعبق الليل بما تجود به على آذان أولئك البؤساء الذين تيبست أرواحهم من أغاني هذه الأيام. وستقع إحداهن – على أقل تقدير – تحت تأثير سحرك الذي لا يقاوم وعندها سيكون لليل والغناء نكهة مختلفة. آه متى يطلع الصبح لتباشر بالإجراءات يا خليل.


    لم يتمكن خليل من الاحتفاظ بعمله طويلا, ليس لشيء سوى أنه لم يستطع التخلي عن عبد الحليم . فرغم كل محاولات المسؤولين عنه , بالنصح تارة وبالتهديد تارة أخرى , ورغم احتجاجات واستغاثات الناس الذين نسوا طعم النوم منذ اليوم الأول الذي أصبح فيه خليل حارسا, رغم كل ذلك استمر خليل في رفع عقيرته ليلا في المحرس أو أمامه أحيانا, مترنما بأغاني /أبو سمرة/, مما اضطر الدائرة إلى فصله مع التوصية بحرمانه من أي عمل في القطاع العام إلا إذا أصيب بالخرس, فعندها فقط – كما صرح مدير الدائرة – يمكنه أن يصبح حارسا مثاليا.
    حسنا, سيعود من جديد إلى غرفته ليفكر بجانب مسجل الكاسيت بعمل آخر يمكنه فيه الغناء.
    كثيرا ما كانت أمه تعترض على هذه الحال مرددة جملتها الأبدية/الغناني ما بتطعمي خبز/ ولكنه لم يستطع أبدا ابتلاع فكرة أنه لا يمكن الغناء وأكل الخبز معا.
    لم يترك خليل احتمالا إلا وتطرق له ولكنه لم يقع على أية فكرة معقولة, فقرر أن يستشير كل المحيطين به. كانت الاقتراحات كثيرة ولكنها جميعا لم تكن مناسبة.
    استمرت الحال على هذه الهيئة إلى أن دخل والده يوما هاشا باشا:
    " وجدتها, لقد حللت مشكلتك يا ولد"
    " كيف حللتها؟" سأل خليل بلهفة.
    " اذهب وألق نظرة إلى فناء الدار وستعرف "
    أسرع وكله أمل في أن الحال انصلحت أخيرا.


    جلس خليل وأسند ظهره إلى صخرة, تمعن في زرقة السماء ثم أرسل نظره إلى الأفق وأخذ نفسا عميقا, تخيل أن الجمهور يملأ كل تلك المساحة, ولكنه عاد وفكر بأن ذلك سيكون مبالغا فيه ولذلك قرر أنه يكفي أن يملأ الناس المسافة بينه وبين تلك الشجرة فقط, طبعا ستجلس الشخصيات الهامة والسمّيعة المحترفون أمامه مباشرة, سيضطرب قليلا في البداية, فليس من السهل الوقوف أمام هكذا جمهور, ولكنه سيتماسك, إنه يثق بنفسه وصوته.حسنا, ذلك سيكون مناسبا تماما, قال لنفسه, ثم استدار جهة اليمين .
    " والآن, كل ما عليكن هو الهدوء والإصغاء. وأنتَ أيضا, أحذركَ من أي تشويش
    أخذ عوده, وتنحنح بضع مرات لتمرين صوته, ولكنه ما إن بدأ بالغناء حتى تعالى ثغاء إحدى الأغنام محتجة, ثم تبعه نهيق الحمار معلنا مؤازرته لموقفها .


    قصة: فهد حسين العبود
يعمل...
X