البطل محقـّـــبا:

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • سامي بالحاج علي
    عضو الملتقى
    • 16-10-2010
    • 22

    البطل محقـّـــبا:

    البطل يحـقـّـب التاريخ
    سامي بالحاج علي – دوز – تونس
    1- الأدب والتاريخ:
    واو العطف بين الأدب والتاريخ تحيل إلى تعالق هو في ظاهره ترافد بين حقلين معرفيين : التاريخ بوصفه دراسة علمية للوقائع الإنسانية الماضية والأدب بوصفه تشكيلا لغويا جماليا مؤثرا ومتأثرا في وبالواقع الإنساني . هما يلتقيان عند الإنسان باثا ومتلقيا وموضوعا . ولهذا الترافد أشكال متنوعة منها : ترافد الانبناء وترافد الإيحاء وترافد الانتهاء .
    · ترافد الانبناء : فيه الأدب الذي يمكن إن ينبني مستندا إلى التاريخ كما هو الحال في أي إبداع أدبي يستبطن حادثة تاريخية, و يمكن للتاريخ إن ينبني مستندا إلى الأدب حين يغير النص الأدبي من مسار التاريخ ( وقد نسبت نكبة البرامكة مثلا لبيت شعري غزلي ) أو حين يعتبر الإبداع الأدبي وثيقة تاريخية تكشف عن الوقائع المدروسة .وليس ذلك ممكنا في الحالتين إلا :
    · لترافد الإيحاء : فكل نص إبداعي له أبعاد يعتبر البعد التاريخي فيها أكثر من مهم .
    · ولترافدالانتهاء :لان دراسة التاريخ بثابته ومتغيره تسلح الإنسان بما يمكنه من التحكم في المستقبل وكذلك الأدب بامتياحه من أغوار الجوهر الإنساني قد يحمل إرهاصات مستقبلية . ولنا في أدب الخيال العلمي أمثلة جادة دالة .
    هذه الأشكال من تعالق الأدب والتاريخ لا تعدو الظاهر .أما باطن التعالق فصراع " تراجيدي " محوره الإنسان والزمن .وهل من أدب لا يجادل زمنه ؟ وهل من تاريخ بدون زمن ؟ . تمر أجيال وراء أجيال, آداب وراء آداب ,,, ويسحق الزمن كل شيء , ولا يبقى سوى التاريخ .وكأن لا بطل إلا هو. وعلى النقيض من ذلك تمر العصور والأزمنة ويكتنف النسيان والعدم من ورائه كل شيء إلا الصوت الغائص في عمق الوجود الفاعل في كونه وعالمه ومن هنا كان التاريخ سجلا لعظماء الإنسانية وأبطالهم . وكأنه لا تاريخ إلا تاريخ البطل .فمن الذي يؤرخ ؟ ومن الذي يحقب للاخر؟ إن تعالق التصارع يجعل من الأدب المتعالي على التاريخ حادثة تاريخية لان الإنسان مبدعه ليس إلا كائنا تاريخيا . لكنه حين يسعى إلى تجاوز التاريخ كصيرورة وتعاقب يدحرجانه للفناء والتلاشي يلتحم بالثابت الخالد ويكتسب عمقه الدرامي وبطولته التراجيدية لينتصر على الزمن والتاريخ . مكمن الصراع في الخلاصة تجاذب للبطولة وساحته المثلى مبحث التاريخ الأدبي حيث يبدو ظاهريا إن التاريخ يمسك بزمام الإبداع الأدبي يقسمه ويفصله ويحقبه لكن العكس صحيح أيضا لان النص الإبداعي هو الذي يعري المفاصل التاريخية ليبرهن على تمفصلات الأحقاب والعصور .وهل يخلو تاريخ أدبي من ممارسة مفارقة كهذه ؟ السنا نجد من يقنعنا بعصر كلاسيكي أو رومنطيقي أو سريالي ...الخ .؟ فهل أن التاريخ كان فيصل هذه الأحقاب أم أن تغيرات الإبداع كانت هي الفيصل ؟
    2- خطاب علمي وخطاب أدبي :
    ليست مفارقة التحقيب بين الأدب والتاريخ يتيمة في هذا المجال . فمن المفارقات أيضا ما يطال هذه الفروع المعرفية بين التقارب والتباعد . فالأكيد أننا تجاوزنا عصر التخصص العلمي والمعرفي إلى عصر تخصص التخصص . فالتاريخ قد تفرق شعبا والأدب عرف المصير نفسه. وغدا التماهي بين فرعين أدبيين مسلكا صعبا فما بالك بنسقين معرفيين كالأدب والتاريخ تباعدا إلى حد كبير؟ وإذا ما أثار النقد الأدبي مشكلة استقلاليته عن عون المؤرخ منذ مطلع القرن العشرين حين دعا إلى تجاوز المنهج التاريخي في تناول الآثار الأدبية فان ذلك دليل واضح على علاقة مشكوك فيها عند معالجة المعطى الخاص بكل طرف منهما . والقضية ليست بنت اليوم أو الأمس القريب. فلقد ارق الانتحال : انتحال الأخبار الأدبية والتاريخية كلا من نقاد الأدب والمؤرخين .وأرقتهما أيضا إشكالية الخيال والواقعية في النص أي نص مهما كان اقتراب رمزه اللغوي من مرجعه. ظاهريا تبدو المسائل محسومة خاصة عند المؤرخ لكن ثمة من المعطيات ما يؤكد إن لاشيء قد حسم بشكل يقيني ونهائي .قال المؤرخ يشغلني تحليل معرفة الماضي وكل شيء عندي مصدر تاريخي ولا يعنيني كثيرا إلا وفق منهج الاستنطاق إن يكون المصدر نصا أدبيا أو هيكلا عظميا . وقال الأديب ما زال الأمر بعيدا عن قول فصل .صحيح إن التاريخ علم والأدب فن .ولكن من منع المؤرخ أن يكتب بلغة الفن ؟ ومن منع الأديب أن يطمح إلى تأسيس علم الأدب ؟ ثم ها هو المؤرخ الأدبي أمامنا يسال: هل أنا مؤرخ أم أديب ناقد فنان ؟ وها هو الشكلاني المؤسس لعلم الأدب يهتف بموت التاريخ ( مؤلفا ومتلقيا وبيئة ) في ساحة الأدب /العلم . وها هو صاحب التلقي يستعيد نصوص الماضي في الحاضر ويتلمس تماس الخطاب الأدبي والخطاب التاريخي حين يقترب النص من النص إلى حد يشرع للحديث عن تناص بين الحقول المعرفية . لقد سادت الدراسات التاريخية في بدايات القرن العشرين ممثلة في المنهج الفيلولوجي والمنهج التطوري على ساحات المعرفة لغوية وأدبية وفلسفية . وانبثقت إثرها حركات منادية بإقصاء التاريخ من الساحة . طغت البنيوية برفضها للمعيارية والزمانية فكان إن شبهت المدارس الأسلوبية المؤرخ الأدبي ب"ـالشرطة التي تفكر باعتقال فتصادر كل ما وجدته حتى من يعبر في الطريق القريب منه " حسب عبارة جاكبسون (الشعر الروسي الحديث .ص 11 ) ويشرح تشبيهه بقوله : " إن مؤرخي الأدب يأخذون أطرافا من كل شيء ويركبون كل علم "إلا العلم الأدبي ( المرجع نفسه ). وسعت المناهج البنيوية عبر فصلها بين التناول الداخلي والتناول الخارجي إلى طرد التاريخ تاركة له ما هو خارج النص وخارج الأدب. وغدا طموحها إن تؤسس علم الأدب بالارتقاء بالممارسة النقدية والإبداعية من ورائها عبر نزوع إلى التقنين والتكميم فتماهى الخطاب الأدبي والخطاب العلمي في لغة المعادلات والرموز المجردة .وعاد التاريخ من الشباك من خلال ذلك التماهي بين الخطابين . لقد أصبح الخطاب الأدبي كيانا محدد الآليات في القصة والشعر والمسرح...وأصبحت الشعرية أو الأدبية منظومة " قواعد تحويلية " تمكن من توظيف اللغة والارتقاء بها عن الدرجة الصفر في المظاهر الصوتية والصرفية والتركيبية بل امتد التناول إلى لسانيات الخطاب لتبحث عن قواعد كمية مقننة لانسجام النص الأدبي وتضع الفروق بينه وغيره من النصوص في مبحث الانسجام هذا والياته . ولنا في كتب البنيويين والأسلوبيين جداول إحصائية تلهث وراء الفروق بين الخطاب العلمي والخطاب الأدبي . ومهما تجذر الخطاب التاريخي في لغة النثر العلمي التي تحلل تلك الجداول اختلافها عن اللغة الشعرية لغة الإبداع الأدبي فان الفوارق لا تنفي وجوها من الاتفاق منها:
    أ-إن المؤرخ يتناول الوقائع ليدرسها باحثا عن تعليل وتقنين وهو هنا لا يختلف عن الناقد الادبي الذي يدرس الوقائع باحثا عن تعليل وتقنين. تنتهي الدراسة بالأولى إلى معرفة بالماضي وفلسفة للتاريخ وتنتهي الدراسة بالثاني إلى معرفة بالماضي ونظرية للأدب .وقد يمارسان تحقيبا متطابقا إذا ما انبنى على المعيار نفسه كنظام الحكم السائد ( أموي /عباسي / عثماني ) أو العامل الزمني وامتداداته ( قديم/ وسط/ حديث )أو الفاعلية الحضارية ( ازدهار / انحطاط / نهضة ) . ولذلك نتفهم مطالبة الخطاب الأدبي بتحقيب يعتمد المعايير الأدبية الفنية الخالصة دون غيرها لان الخصائص الأدبية متغيرة متطورة عبر الزمن .وهو ما يمكن من اعتماد امتدادها اوتغيرها مقياسا في التحقيب الأدبي الذي لن يخرج رغم ذلك عن كونه تحقيبا تاريخيا . وهو ما يؤكد على إن الخطاب الأدبي تاريخي في شكله وفي مضمونه .يقول محمود أمين العالم منطلقا من الرواية:" هي تاريخ متخيل داخل التاريخ الموضوعي...ولذلك نجد تداخلا في الكتابات التاريخية القديمة بين ما هو تاريخ موضوعي وما هو اقرب إلى التاريخ المتخيل بل لعل الفصول التي كتبها المؤرخون القدامى اقرب إلى الحكايات والأساطير منها إلى التاريخ وعلى العكس فإننا نجد العديد من التعابير الحكائية هي تعبير عن وقائع تاريخية فعلية " ( مقال الرواية بين زمنيتها وزمنها مجلة فصول المصرية عدد 1-11-1993 ص 13 )
    ب- يتمثل المستوى الثاني في تمثيلية اللغة كأداة لابد منها في التاريخ وفي الأدب .وبما إن التاريخ " سرد للوقائع الماضية " كما يعرفه الكاتب المغربي عبد الله العروي ( كتاب العرب والفكر التاريخي ص 70)وبما إن كثيرا من الأشكال الأدبية ليست إلا سردا للوقائع الماضية فلا بد إذن من تكسر النصال على النصال . توضح الكاتبة سامية محرز المسالة في مقال لها بعنوان " رواية تاريخ الرواية " فتقول: " كتابة التاريخ وكتابة الأدب القصصي يقومان أولا على اهتمام بالواقع والحياة وإعادة تمثيلهما وتشكيلهما. إن كل تمثيل ( تاريخيا كان أم أدبيا ) هو تصحيف وتحوير.فالفرق بين النصوص التاريخية والأدبية ليس في أي منهما أكثر اتصافا بالواقعية بل في كيفية إعادة بناء الواقع وإعادة تشكيله داخل النص " ( فصول 1-11-1992 ص 141 ) .
    يشترك الأدب والتاريخ إذن في قدر من التخيل والسرد والتعالق بالواقع عبر صياغة لوقائع إنسانية ينهض بها فواعل داخل بناء منتظم مكانا وزمانا وحبكة .إن هذا الاستنتاج يدفع بالفن القصصي بجميع ألوانه من الأسطورة إلى الرواية إلى سطح التماس بين النصين التاريخي والأدبي .ومما يدعم ذلك إن الكتابة التاريخية والأدبية في عصور طويلة قامتا على العجائبي والغرائبي فالتحم التاريخ والأسطورة إلى حد القول : "ليست الأسطورة إلا المراحل الأولى للمعرفة التاريخية وليس التاريخ إلا التطور المعرفي للأسطورة " ( عبد الله العروي : مرجع سابق ص 14) . نخلص إلى تواجد أجناس أدبية دالة على تماه بين الأدب والتاريخ كالخبر والسيرة الذاتية والسير الشعبية والملاحم والرواية وكلها تعبيرات عن تاريخية البطل الأدبي .هذا إضافة إلى كتابات أخرى هي كتابات تاريخية شفافة على الأدبية مثل السير التاريخية والسير الغيرية وكتابات التفسير التمجيدي البطولي للتاريخ وكلها تعبيرات عن أدبية البطل التاريخي.
    وقد سحبت توجهات الدرس النقدي هذه على السردية العربية وعلى الرواية فيها بشكل خاص . ربما لان البدايات الروائية اتصلت بالتاريخ شكلا ومضمونا .فحديث عيسى بن هشام مثلا متصل بالتاريخ لأنه امتداد لأشكال سردية تقليدية كالحديث والمقامة والرحلة ولأنه يؤرخ لمرحلة من مراحل تحول المجتمع المصري وقد تزامن انتشار الشكل الروائي مع حضور كثيف للرواية التاريخية وهي احد أشكال تاريخية البطل الأدبي وكلنا يستحضر روايات جورجي زيدان وغيره من أعلام الرواية التاريخية التي جعلت من التاريخ إطارا قد يستهدف لذاته من باب التعليم وقد يوظف للوعي بالحاضر كما هو الشأن عند نجيب محفوظ الذي يقول : " أن تجربتي في الرواية التاريخية قد فشلت لأنني حولت فيها الماضي إلى حاضر" (أتحدث إليكم دار العودة ط1 بيروت1977 ص92) . وهكذا يصبح التاريخ قناعا يتخفى وراءه طرح معاصر ويتحول البطل من بطل تاريخي إلى بطل أدبي ينطق بهموم عصر غير عصره ومصر غير مصره وفق توظيف السارد ووفق مخيلة المبدع وصياغته الفنية لما حدث في الماضي .وكل ذلك يثبت أن السردية العربية حلقات يتصل فيها ماضيها يحاضرها رغم مزاعم القطع والقطيعة. إنّ مدار التركيز فيها دائما على بؤرة البطل دون المكان أو الزمان ولا حتى الحدث.إن الشخصية هي محور في كل أشكال القص في الأدب العربي القديم لأنها تحافظ على مركزية المتحدث عنه ( المسند إليه ) وتجعل المكان والزمان والحدث عناصر تغني وتثري وتجلي كيان الشخصية القصصية : المقامات سرد عن شخصية بارعة في اللغة والحيلة مناوئة لظروف مجتمعها وعصرها .السير الشعبية سرد عن شخصيات رفعها الوعي الجمعي إلى مصاف الخارق . الخبر سواء كان واقعيا أو متخيلا في الأغاني أو عند ابن حزم سرد عن شخص هو المغنّي الذي يبهر أو الشاعر الذي يسحر أو المحب الذي يقبل أو يدبر.ولعل الخلفية الفكرية التي تحكم كل أشكال القص هذه لا تعدو التصور الديني عن «الإنسان " المستخلف في الأرض المكرّم في البر والبحر سخّرت له الأشياء جميعها.
    3 – عن البطل : *أ* تاريخية البطل الأدبي :
    بين تاريخية البطل الأدبي و أدبية البطل التاريخي أكثر من شعرات معاوية .يلتقي الجانبان في مفهوم البطل الذي يعتبر محوريا في السرد الأدبي والسرد التاريخي .وهو محوري لأنه مقياس فني قادر على بناء تحقيب أدبي تاريخي بمعايير جمالية داخلية مقنعة .إن مفهوم البطولة ثابت من ثوابت تاريخية الإبداع الفني والأدبي تواجد حتى من خلال العمل على إلغائه . وما مسه من تلوينات وتغييرات عكست مفاصل سيرورة وتطور ليست إلا" تمظهرات" أدبية للتاريخ وتأثيرات تاريخية تجلت في ساحات الأدب .والحق أن مبحث البطل تنظيرا ونقدا مشترك عالمي قديم متجدد.لعلنا نذكر تقسيم هيجل للإبداع الفني إلى مرحلتين يسمي الأولى مرحلة الشعر أو مرحلة الأبطال. وتجسدها الملحمة خير تجسيد .هي عنده مرحلة تغيب فيها التناقضات بين الفرد والعالم من حوله .يقصد هيجل بالبطل من يحقق جوهر التاريخ ويظهر الفكر المطلق عبر تحقيقه لأغراضه .هو ذاك العظيم التاريخي الذي " تضم مقاصده الخاصة العامل الجوهري الذي هو الإرادة العامة ". إن البطل بعبارة أخرى أداة متميزة في يد الفكر المطلق يتحقق عبره مقصد التاريخ وصولا إلى نهايته .أما المرحلة الثانية فهي مرحلة النثر . مرحلة غياب البطل . مرحلة الرواية .
    طوّر جورج لوكاتش أفكار هيجل ليضيف إليها البعد الشكلي وليميز بين أنواع من البطل .أكد واثبت أن الشكل هو العنصر التاريخي الحقيقي الدال في الأدب .فتغيرات الشكل هي وليدة تغيرات الواقع ووليدة رؤية للعالم محكومة بمرحلتها التاريخية .فرّق لوكاتش بين البطل الايجابي والبطل الإشكالي " الباحث عن قيم أصيلة في عالم منحطّ "وعن طريق هذا التمييز ربط بين البطل ومراحل من التاريخ .فالغياب الجزئي للقطيعة بين البطل والعالم أو حضورها الكلي أو انعدامها هو ما يحدد الشكل الفني لمرحلة تاريخية ما. ومن هذا الحضور أو الغياب كان التطور من الملحمة إلى الشعر الغنائي إلى الرواية . والرواية وحدها هي التي تتميز بالبطل الإشكالي لأنها «وليدة صعود البرجوازية والنقلة إلى النظام الرأسمالي". إنها "النوع النموذجي للمجتمع البرجوازي" و"تناقضات المجتمع الرأسمالي هي التي تقدم المفتاح لفهم الرواية كنوع أدبي قائم بذاته "(الرواية كملحمة برجوازية ترجمة جورج طرابيشي .دار الطليعة ط1 بيروت1979 ص 9).ويقترح لوكاتش تحقيبا تاريخيا أدبيا لتطور الرواية ضمنه خمس مراحل هي : الولادة فالواقعية اليومية فالرومنسية فالمرحلة الطبيعية التي ينحلّ في ذروتها الشكل الروائي بإفلاس البرجوازية فتدشن الطبقة العاملة المرحلة الخامسة وهي مرحلة الواقعية الاشتراكية .وانتشار مقترحات لوكاتش أشاع في عالم النقد وجهة نظر غدت كالحقيقة مفادها إن فكرة البطل في الرواية انعكاس لظهور البرجوازية في المجتمعات المتحولة من الإقطاع إلى الرأسمالية مما أشاع أيضا في تحليل الروايات وتصنيفها تسميات نقدية تحوم حول البطولة مثل البطل الملحمي والبطل الثوري والبطل الرومنطيقي والبطل البيروني ( بطل الكتابات الرومنسية)ولا شك إن ما طرأ على البطل من تحولات قد ارتبط عند كل ناقد بتحولات تاريخية ومراحل أدبية .ولعلهم قد التقطوا هذا الخيط من فرويد مؤسس التحليل النفسي حين اعتمد البطولة واختلاف مفهومها بين الحضارات والأجناس ليحلل شخصية النبي موسى .ويعتبر الناقد الروسي باختين أكثر النقاد استنادا إلى مفهوم البطل في تقديم نمذجة تاريخية للرواية .وهو ينتهي إلى أربعة أنماط مرت بها بنية البطل راصدا عبرها تحولات في التاريخ الأدبي لا تنفصل عن تحولات التاريخ الإنساني والاجتماعي العام.وقد كان باختين قد تبنى تمييز هيجل بين مرحلة الشعر ومرحلة الرواية مضيفا مقياس المونوفونية والبوليفونية (واحدية أو تعددية الصوت واللغة والأدلوجة ) في التمييز بين المرحلتين.وتنقسم مرحلة الرواية عنده إلى أربعة مراحل يسميها باسم نوعية البطل السائد فيها وهي :
    1 بطل الرحلة 2 بطل الاختبار 3 بطل السيرة الذاتية 4 بطل التشكل .
    ويخلص بعد هذا التقسيم إلى إن الرواية " ذات طابع لا نهائي لأنها منفتحة على جميع الأجناس وعلى جميع احتمالات التشكل مما يجعلها قابلة للتطور باستمرار " ( مقال الرواية- محمد برادة - فصول 4-11-1994ص 14)
    ولقد أضاف باختين لبنة في جهود النقاد للربط بين تحولات البطولة والتحولات التاريخية ليؤسسوا التحقيب المقترح . ولم تخرج تأويلاتهم عن تغيرات طبقية صعّدت النزعة الفردية لتحصر البطولة في الفرد في ذاته بعد أن كان لا يخلو من جمع .وانعكس التأزم الطبقي اللاحق على البطل فظهرت بطولة اللابطل أو بطولة الأشياء والأماكن ولم يخل الأمر من تبشير وتنبؤات بعودة ما لبطولة الجماعات والطبقات .
    وتركز هذه الإسهامات في تاريخية البطل الأدبي على الرواية لأنها آخر أشكال التطور الأدبي لكنها تضعها ضمن سياق تطوري وأحقاب أدبية تاريخية تؤطرها وتثريها بدلالات لاتخفى .وإذا ما رمنا صياغة شاملة للبطل مؤرخا للسردية تجمع اغلب الاسهاما ت النقدية المطروحة يمكن تصور هذا التحقيب :
    1 – البطل الإله أو نصف الإله : بطل الأساطير والملاحم الممتزجة بالأسطورة
    2 – البطل الخارق : بطل الملاحم والسير الشعبية والنصوص العجائبية
    3 – البطل الهادف : بطل الاتزان والنظام والرؤية الهادفة .هو بطل الكلاسيكية
    4 – البطل الفارس : بطل حالم ثائر على النظم هو بطل الرومنطيقية
    5 – البطل النمط أو الرمز : غياب البطل الفرد ليظهر البطل الجمع أو المجرّد (فكرة أو موقف فلسفي )
    6 – البطل المدنّس : بطل الواقعية الجديدة وهو لا يتجمل ولا يهذب صورة الإنسان لأنه سجين تناقضات حضارية تسحقه .
    *ب* أدبية البطل التاريخي :
    كل ما ذكر سابقا كان عن تاريخية البطل الأدبي والتحقيب التاريخي المستند لمتغيرات في مفهوم البطولة داخل الأعمال الأدبية .أما البطل الحقيقي الفاعل في التاريخ فلا يختلف عن سابقه كثيرا لأنه وهو حي أو ميت لابد أن يعاد تمثيله بالكلمات فتقدمه اللغة ويعيد تشكيله النص سواء أكان النص تاريخا أم أدبا.ولا بد أن يسجن أو يتحرر بما يسجن أو يحرر الفكر واللغة ولا بد أن ينطبع بما يطبعهما.ومن هنا كان هو أيضا مرتكزا صالحا للتحقيب والتاريخ .وربما لهذا السبب كان التحقيب التاريخي الأبسط هو التاريخ بالأسر الحاكمة ( بطل فرد أو قبيلة ) والدول الغازية ( بطل جمع ). لكن دائما وراء السهل المتداول ماهو أعمق. وان لم يكن ذلك صحيحا فبماذا نفسر رسوخ التفسير البطولي والتمجيدي للتاريخ بين ظهرانينا .
    قوام هذا المنزع أن البطل الفرد قادر على الفعل التاريخي المغير للمجتمع ومسار حياته وحضارته . ومفاد الرؤية أن التاريخ كل تاريخ عبارة عن قصة أو رواية لا بد من البحث فيها عن البطل والبطل الواحد الأوحد .ولعل ما يفسر رسوخ هذه التصورات التاريخية في المتداول الفكري العربي ليس عاملا بطلا واحدا. بل منظومة متكاملة من الأسباب والعوامل .منها قراءة مبتسرة للنص الديني المؤسس لا تأخذ بالأسباب وقوانين الله في كونه وسنته في خلقه و"صبغة الله" و"من أحسن من الله صبغة" و"لن تجد لسنة الله تبديلا". ومنها أيضا أن أول نشاط تدويني أسس إبداعية العقل العربي كان بلا شك السيرة النبوية.تدوين القران كان تجميعا ونسخا . أما تدوين السنة فكان تجميعا وتأليفا وتبويبا واتعاظا .ترسخ تدوين السيرة النبوية إلى أن غدا نمطا فكريا لاشعوريا .السيرة النبوية كما دونت ومازالت تستعاد تاريخ بطولي تمجيدي ( ولا يعني ذلك مطلقا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن بطلا بكل ما في الكلمة من معاني الفعل في التاريخ بأسبابه ) :ما قبلها كان جاهلية وظلما وظلاما وضلالا وما بعدها كان انحرافا ونكولا ونكوصا .وأصبحت السيرة النبوية نمطا فكريا يكاد يكون مكرورا في كل السير : عصر ذهبي أنقذ من الضلال ضاع بين أيدينا فكان الانحلال والضياع .أندلسنا سيرة نبوية منمطة .السلف الصالح سيرة منمطة .وقد كتب هذا النمط الفكري ماضينا . وربما يكتب مستقبلنا من خلال فكرة المهدي المنتظراو الإمام العادل الذي سيملأ الأرض عدلا .كتب هذا المنحى حتى علومنا فكل علم عندنا كان تخبطا في دياج وظلمات إلى أن قيض له فلان بن فلان فاستوى علما صحيح كاملا متكاملا . وينسحب الأمر على التاريخ المعاصر . فكل مجتمع عندنا رزح تحت الظلم والتخلف إلى أن قيض الله له " محررا "ينقله إلى التمدن والرقي والرخاء بكل ما في هذا التصور من تشويه للتاريخ والوقائع التي تصبح ملحمة قصصية تمجد البطل الفرد.ومن هنا كانت "ادبيتها " . فهي اقرب إلى الأساطير لان بطلها اله. وهي قريبة إلى السير الشعبية لان بطلها "أبو زيد زمانه ". وقد لا تقتصر الكتابة التمجيدية البطولية على الفرد . فقد تتعداه إلى النظام السائد. وكل مرحلة تاريخية قد تجد منتفعا يرى نظامها محصلة البطولة الإنسانية واقرب الأحوال إلى الكمال. وبطولة النظام السائد الخارقة هي أساس فكرة " نهاية التاريخ والإنسان الأخير " ( حداثة فوكوياما ) . أليست الليبرالية عندهم هي المرحلة التطورية الأرقى للبشرية ؟ وأليس الإنسان الليبرالي هو آخر الأبطال وهو الذي سيغلق بيديه الكريمتين مصراعي باب التاريخ .

    سامي بالحاج علي – دوز – تونس

يعمل...
X