تشيخوف في عمل لميشال جبر ببيروت

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد زعل السلوم
    عضو الملتقى
    • 10-10-2009
    • 2967

    تشيخوف في عمل لميشال جبر ببيروت

    شي غريب" لميشال جبر ينجح على "مسرح بيريت"


    المخرج حِرفي شاطر والممثلون كانوا كلمة السرّ


    ينجح ميشال جبر في إقامات التوازنات المطلوبة بين عمق النص المسرحي ودلالاته من جهة، وأداء الممثلين على الخشبة من جهة ثانية. عمله الجديد "شي غريب" (مسرح بيريت)، المقتبس من نصوص قصيرة للكاتب الروسي أنطوان تشيخوف، يفي كل ذي حق حقه. فلا النص أكل دور المؤدي، ولا المؤدي بالغ بصورة عامة في إلقاء النص. قصص قصيرة، استقدمت إلينا، الواحدة تلو الأخرى، عبر حكواتي سكران، أنيق، يحادث كلباً. هكذا بنى المخرج عمله، وكان عليه أن يجد القطبة التي تمسك أطراف هذه القصة وتصلها بأخرى. وقد وجدها.
    يمكننا أن نتخيل تقسيم العمل المسرحي ثلاث مراحل. الاولى حضور الرجل الحكواتي، الذي يطل اولا على الخشبة، فاتحا مناخ الإنسان، وإشكالياته، ووجوديته، وغايته، وقيمه التي يعيشها يوميا، والتي تتنقل بين قطبي الحب والتعاسة. كان لهذا الرجل مهمتان: أن يضع لنا الخطوط العريضة لكل قصة قبل بدئها، ومن ثم يقدم تفسيراته الفلسفية والاجتماعية، أو تأملاته في انكسارات أبطالها وخيباتهم المتفرقة. الحكواتي الذي اختاره جبر يشبه نافذة تفتح في أكثر من اتجاه، فلنقل نافذة لا تخضع إلا لجاذبية شخصيات العمل المختلفة، نافذة زمنية، نقلتنا إلى أوضاع عاشتها روسيا بلا شك أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. قد لا نشعر بانتمائنا الجغرافي لها، وإنما الاجتماعي الصرف. المرحلة الثانية النشطة في جسم العمل المسرحي عبارة عن القصص المقدمة التي تقاطع فيها الحب بالاصطدام والزوال، والخيبة والفشل. في هذه القصص التي اختارها جبر، يوضع الانسان أمام اختبار الفرصة، ومساءلتها، من دون الإسهاب في تفسيرها فكريا بعمق. نساء يتعرفن الى رجال يأخذهم المرض أو الموت أو الحرب، أو الظروف الاجتماعية، أو أوضاعهم الخاصة. هناك على الدوام عملية شد وجذب ونفور أيضا، بين النوستالجيا والعاطفة والحب القسري، إذا صح القول، والأنا بكل رغباتها الآنية. ففي هذه القصص، يكون الحب شبيها بالسحر، موقتا، يشبه حالات مرضية سريعة كالإنفلونزا التي تلزمك البقاء في فراش دافئ. هذا الدفء، هو ما تبحث عنه المرأة، أو الرجل أو كلاهما. لن يكون مهما إن جاء هذا الحب معطوبا، أو مشوبا بعطل، أو أن هناك أسباباً لتعطيله أو تجميده لاحقا. قد تأتي الزوجة إلى بيت العشيقة بحثا عن زوجها، فينتقل السياق الدرامي كله إلى نقطة غير متوقعة على الاطلاق، وهي في أن تسلب الزوجة مصاغ العشيقة وترحل. أو مثلا في أن يلتقي شاب بامرأة فاتنة خلال رحلة داخلية في روسيا، إلا أن السيدة متزوجة برجل ثري عجوز. بعد موته، يتقدم رجل آخر حاملاً المواصفات ذاتها لزوجها السابق الذي لم تكن تحبه، لكنها تضطر للقبول بالعريس الجديد، تاركةً الشاب يسبح في خيبته اللزجة. أو أن يستدرج رجل سيدة طلباً للمتعة، فيقع في حبها، ويؤلمه رحيله القسري عنها لكونه متزوجا.
    هذه القصص، يمكن اعتبارها حوادث "ثابتة" واحتمالات يتكرر حدوثها لارتباطها بالسلوك الانساني عموما، وبسيكولوجيا الكائن البشري وغريزته لاكتشاف متع جديدة، وخوض مغامرات غير محسوبة العواقب. وقد حافظ فيها المخرج على وحدة التيمة، وآثر إبقاء المشهد المسرحي تحت مظلة السؤال الأكبر، أو الخلاصة التي ينتزعها تشيخوف أمامنا في نهاية كل قصة، بعد أن تكون مخيلته زخرفتها بما لا نتوقعه. أما المرحلة الثالثة التي اكتمل بوجودها السياق المسرحي، فكانت عبر اختلاط الأصوات وتعاقبها في المشهد الأخير. إذ حضرت الشخصيات كلها التي لعبت أدوارا مختلفة لتتماهى في المشهد الأخير (الرجل والمرأة) وليتنقل بذلك السؤال الوجودي، عبر اكثر من لسان، مقرّبا المسافة بين القصص المختلفة، وبين أبطال تلك القصص. التكثيف في المشهد الأخير، وتشارك الممثلين جميعهم في الجملة الواحدة، جرّد القصص جميعها من ظروف نشأتها وتطور الحدث فيها، وذوّب اختلاف الشكل والتفاصيل الاجتماعية، في كأس الدافع الانساني والعاطفي، ليخوض بعد ذلك في مساءلة الإنسانية، أو محاكمتها. هكذا جمع العمل في مضمونه بين البراءة والحيلة، الخفة والمكر، والتأمل والزوال، والمصادفة والإرادة، كما التراجيديا والكوميديا.
    انتقى جبر النصوص، لكنه أراد أن يدخل في إشكاليات اللقيا، واللاجدوى، والأمر الواقع والإنهزامية التي تُقفَل بها المسرحية. الأكثر من ذلك أن المخرج، لم يقدم تحت اي ادعاء، عمله، على أنه تجريبي، أو جديد أو معاصر أو ما يريد بعض المسرحيين الإيحاء به في أعمالهم الحديثة. أبقى السينوغرافيا كوظيفة، أو كأشياء ذات استعمال منزلي أو ضرورة اجتماعية بالحد الادنى، للشخصيات. على الطرف الايمن للمسرح، كرسيان بينهما طاولة مستديرة، وبعض النبيذ. هناك ستارة خشبية متحركة في الخلف. وقد تُستقدَم كنبة او سرير في وقت لاحق، بحسب مقتضى الحاجة. أما الإضاءة، فلم تكن إلا لتشدد على المزاج المسرحي لكل شخصية على حدة، فتتآلف مع الحوار مثلا، وتنقبض خلال تفصيل درامي، أو تأجج تراجيدي. لم يبالغ المخرج في استثمار العناصر البصرية والسمعية في العمل، فثبّتها في كادر خفيف، متواضع، ذكي، نقي وصريح، بحسب خلفيته الاكاديمية، وخبرته، ورؤيته للمسرح. كما لم يسقط القصص على الحالة اللبنانية وإن عولجت باللهجة المحكية. فهو أبقى الأسماء الأصلية لأبطال تشيخوف، في احتفاء بالكاتب الروسي الكبير. العمل المسرحي اتخذ شكلا كلاسيكيا، قديما، سرديا، وهذا كله بمقتضى النص أولا، ولأمانة المخرج مع نفسه والتزامه كتابة تشيخوف. ليس على كل عمل مسرحي أن يكون جديدا ومجربا وفانتازيا ورمزيا وغامضا ومبهما، ذلك أن المتعة في المسرح هي الأهم بغض النظر عن الشكل، او أسلوب المعالجة وتبيان النص على الخشبة. لكن المخرج، قال كلمته أولا وأخيرا، فتحققت الهارمونيا بين النصوص المحكمة الصياغة، وتصويرها مسرحيا من دون استخدام تقنيات حديثة تزيح النصوص جانبا، أو تشتتها. هكذا يصنع جبر مسرحه: اللذة، جذب الجمهور، الضحك، الرزانة، الأمزجة المتقلبة للشخصيات، الهزائم، ووحل الأسئلة. لكن كلمة السر في المسرحية، إلى جانب النصوص، حضرت صريحة: الممثلون. فقد أدى جوزف ساسين، أندره ناكوزي، يمنى بو حنّا، نسرين أبي سمرا، ديامان أبو عبود، وميشال جبر، النص بلا مبالغة، وبأقل قدر من ممكن من الاستقلالية، بعيدا من الترسبات الأكاديمية التي غالبا ما تظهر على الخشبة. كان أداؤهم مرتاحا، وبدا متآلفا ومتشربا فلسفات تشيخوف، وقد سبر العمل اغوار النفس البشرية بسيكولوجيا. انفعالاتهم، وتعابيرهم الوجهية والجسمانية التعبيرية، لم تزد على حدود الجملة بصورة عامة، ما شكّل توازنا إضافيا، داخليا وخفيا، بين الجملة المنطوقة، والجسد المنفعل هنا أو هناك.
    إن اعتبر "شي غريب" عملاً مسرحياً كلاسيكياً، فهذا ليس عيبا، أو انتقاصا من قيمته، ذلك أن "الحِرفي" والخفيف، ميشال جبر، وفريقه، قدموا فرصة تشرُّب مسرح لم يعد أحد يلتفت إليه، أو يجازف، كما فعل جبر، بتقطيره في ذاكرة المشاهد المعاصر، من دون ملل.
يعمل...
X