أيها الرجل الكثير
بقلم / نبيل سعيد مطبق
سيئون
22 ديسمبر 2010م
أيها السادة :
و أنتم تحتفون بالذكرى المائة لميلاد الأديب العربي الكبير / علي أحمد باكثير
و لا أخيفكم سراً عندما أقول أن ثمة رهبة تعتريني في هذا المقام و أنا أقف أمامكم الآن ، تجعلني أستشعر عظمة الحدث و جلالة الموقف ، و ذلك لأمور ثلاثة :
الأمر الأول : لاعتقاد شخصي لديّ و لدى الكثيرين بأن علي أحمد باكثير رجل صالح ؟
أما الأمر الثاني : لأنني أرى من هذه الزاوية إحدى نبوءاته تتحقق في وطنه الساعة ، فلعلكم تذكرون عندما قال في آخر أيامه (أنا على يقين أن كتبي و أعمالي ستظهر في يوم من الأيام و تأخذ مكانها اللائق بين الناس ، و لهذا أنا لن أتوقف عن الكتابة و لا يهمني أن ينشر ما أكتب ي حياتي ، إنني أرى جيلاً قادما يستلم أعمالي و يرحب بها ) ، فهذا هو الجيل الذي يستلم راية إبداعاته اليوم و في وطنه و في كل مكان .
الأمر الثالث : لأنني أشعر بأن روح الأديب الراحل ترفرف في أرجاء المكان ، إذا ما كانت حاضرة معنا ، يدفعني نحو ذلك تأمل و تفكر باكثير لآية قرآنية كريمة افتتح بها روايته ( ليلة النهر ) و هي قوله تعالى : ( و يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي ) صدق الله العظيم .
و إذا كان الأمر كذلك فاسمحوا لي أن أخاطب تلك الروح بهذه الكلمات :
أيها الرجل الكثير :
تسعة وثلاثون عاماً على و الترجل و الرحيل و مائة على الميلاد .
و لم يجف حبر مدادك بعد أيها الرجل الكثير ، نعم ، لم يجف ، فما زلت بهياً ، مازلت عنيداً ، مازلت رائعاً ، و ما زال يُسمع صرير قلمك النابض ِ بالإيمان ، بالإسلام ، بالحياة .
و مازال السلطان ( قطز ) صامداً في ميدان المعركة ، يشحذ الهمم ، يمر بين صفوف الجند ، في مشهد تاريخي مهيب .
و مازالت الأميرة ( جلنار) تتحضن راية الحق و تذود باستبسال عن أمير المؤمنين في لوحة رائعة من أسمى معاني التضحية و الفداء و الحب . ، صادحة ً بصرختها الشهيرة ( وا إسلاماه) .
أيها الرجل الكثير :
مازالت "الدنيا فوضى" ، و مازالت الـ " قطط و الفئران " تحوم حول المسجد الأقصى بعد أن كبلنا العجز و قلة الحيلة ، فهل نجد عند " الدكتور حازم " دواءً ناجعاً لأورام النفوس .
أيها الرجل الكثير :
مازال" إله إسرائيل" يدق " مسمار جحا" في قلوبنا في مهجنا في أرواحنا صباح مساء ، و مازالت "راشيل" حبلى كل سنة بالمولود المسخ .. و مازال " شايلوك الجديد " يسلب تاجر البندقية أرطالأ من اللحم ؛ فكيف السبيل إلى القدس .
أيهاالرجل الكثير :
أعطنا "حبلَغسيل" آخر ، لننشر عليه بقايا أتراح و أحزان و آهات و أوجاع و نواح وأشجان ؛ فحبل غسيلنا قد اتسخ .
أيها الرجل الكثير :
دوِّن الـ " سيرة شجاع " ، و اسرد قصص الفتوحات و البطولات و الأمجاد ؛ فعودة الفردوس حلم نبيل معقود براية الأمل .
أيها الفلاح الفصيح :
شكرا ً لك لأنك رويت أرضنا بسيل من الكلمات و الحروف المضيئة و مُزن من الأسئلة المتوهجة .
أيها الرجل الهمام :
شكراً لك .. و أنت تكتب من على "أسوار دمشق" الملحمة الإسلامية الكبرى ملحمة "عمر" أروعُ عملٍ سردي تاريخي ضخم في سبعة عشر مجلداً توثق و تحكي للأجيال سيرة الخليفة الراشد "عمر بن الخطاب" رضي الله عنه ، الأمير الذي حكم ، فعدل ، فنام مطمئناً .
أيها الباشا :
لقد غابت عن مجالسنا الطرفة ، فلك أن ترسل أبا " دُلامة " ليرسم البسمة على محيانا ، و يشذب ما ترهل من أرواحنا ، كي تصفو و تعدو خفيفة نحو النصر دون مغالاة أو تطرف ؟ ! .
أيها القس العاشق :
هل اشتقت سلامةٍ ، و لنشيدها الجميل و صوتها الشجيِّ الذي يملأ الأرجاء ، إن اشتقت و برحك الوجد ، فقد اشتاقت لك هي أيضاً .. اشتاقت لك صديقاً و حبيباً و ناسكا .
قالوا : أحَبَّ القَسُّ سلاَّمةً * وهْو التَّقِيُّ الوَرِعُ الطاهِرُ !
كأنَّمـا لم يَدْرِ طَعْـمَ الْهوَى * والحُبّ ِ إلاَّ الرجُلُ الفاجِرُ !
يا قَوْمِ ، إِنِّي بَشَرٌ مِثلُكمْ * وفـاطِري ربُّكُمُ الفاطِرُ !
لي كَبِـدٌ تَهْفُو كأكبـادِكُمْ * ولى فؤادٌ ـ مِثلكمْ ـ شاعِرُ
روميو :
كيف ترك جولييت وحيدة في " ليلة النهر" بعد أن تعلقت بك و بعد أن رسمت ملامحها في كل تفاصيل الرواية و في كل مرايا القصيدة .
أيها الفارس الجميل :
مالي أراك تفرق قلبك بين بين ثلاث مدن و ثلاث نساء ، فتركت أزهار الرُّبا في عيون فتاة أندنوسية من سورابايا ، و نسيم الصَبا بين يدي أخرى مصرية بالقاهرة ، و غرستَ أشعارَ الصِبا في مهجة صبية يمنية من حضرموت .
هل هذا وفاء العاشق أم عشق الوفي ؟
أيها الرجل الكثير :
سامحنا و نحن نحتفي بذكرى مئوية ميلادك إن لم تجد مسرحاً ضخماً يليق بمكانتك ، في وطنك ، و أنت و الذي كان المسرح القومي المصري لا يدشن برنامجه إلا بإحدى مسرحياتك .
و سامحنا أيها الرجل الكثير ، إذا خلت مكتباتنا العامة ، و مكتباتنا الجامعية من رواياتك و مسرحياتك و أعمالك الكاملة .
و سامحنا إن لم نغذِ مقرراتنا الدراسية بأعمالك الخالدة .
و شكراً لجامعة عدن و لمجلس أمنائها و لقيادة السلطة المحلية بمحافظة حضرموت على هذا الاحتفاء الضخم بك أيها الرجل الكثير .
شكراً لك .. و شكراً لكم