ألوان
بقلم: حسين أحمد سليم
ترفلُ العينُ للألوانِ, وهي تكتحلُ بذبذباتِ أطيافها, فإذا ما إلتقطت تموّجاتها الإنسيابيّةِ, مجسّاتُ شبكةِ الأبصارِ وعدساتها, ترتعشُ لها الأفكار الهاجدةُ في أبعادِ الوجدانِ, وتهتزُّ من هدأةِ سكينتها... لتستقبلَ سيّالاتِ الضّوءِ, المُكتنزِ بحزمِ الألوانِ, عاكفةً في أسرعِ من انطلاقاتِ الضّوءِ, لتحديدِ سماتِ وكثافاتِ ونوعياتِ الألوانِ... فيما تستعدُّ النّفسُ البشريّةُ, للإرتحالِ في السّفرِ, عبر توامضِ أطيافِ الألوانِ... لترجمةِ الأنساقِ الحقيقيّةِ, توكيداً للمعرفةِ القياسيّة, وترجمةِ التّأثيراتِ الكهرومغناطيسيّة, ومدى انعكاساتها على المساراتِ, وتحديدِ إيقاعاتها على حياةِ الأحياءِ...
تتعدّدُ تأثيراتُ الألوانِ على العينِ, بحيثُ توقظُ الإثارةَ البدنيّةَ, التي تحملُ انعكاساتها على الرّوحِ, تلكَ الإثارةَ التي تتركُ الأثرَ السيكولوجي, إيجاباً أو سلباً أو بينَ بينْ... فالألوانُ الخضراءُ والزّرقاءُ ومشتقّاتها, تُمثّلُ الإرتياحَ للعينِ, بينما الألوانُ الصّفراءُ ومشتقّاتها, تتسبَّبُ بالأذيّةِ للعينِ, أمّا الألوانُ الحمراءُ وما يتفرّعُ عنها, فهيَ تُسبِّبُ اهتياجاً في النّفسِ وثورةً, لأنّها ألوانُ النّارِ...
بُعداً فلسفيّاً, تُخالجني الإجتهاداتُ, فأتلمّسُ رؤى الأفكارِ... الألوانُ والأشكالُ, وسيلتانِ للتّأليفِ الفنّي... الأشكالُ الخطيّةُ, يُمكنُ أن تكونَ كافيةً وحدها, لتمثيلِ الأشياءِ, حقيقةً أو وهماً... علاقةُ الأشكالِ بالألوانِ تكامليّة, والإنسجامُ هو السّمةُ المثلى بين الأشكالِ والألوانِ... الألوانُ ذاتُ الموجاتِ الحادّةِ, تحتاجُ إلى أشكالٍ هندسيّةٍ حادّةِ, والألوانُ النّاعمةُ واللطيفةُ, تحتاجُ إلى أشكالٍ دائريّةٍ إنسيابيّةٍ... أيتحقّقُ الإنسجامُ, وفقَ رؤىً ما؟ اللونُ الأصفرُ للشّكلِ المثلّثِ, واللونُ الأحمرُ للشّكلِ المربّعِ, واللونُ الأزرقُ للشّكلِ الدّائريِّ... أو, الأصفرُ للدّائرة, والأزرقُ للمربّعِ, والأخضرُ للمثلّثِ...
تحتملُ الأشياءُ في تكويناتها, معنىً باطنيّاً, وآخرَ ظاهريّاً... فالألوانُ منها ما هو دافيءٌ, ومنها ما هو حارٌّ, ومنها ما هو زاهٍ وفاتحٍ, ومنها ما هوَ غامقٌ وداكنٌ... وللألوانِ إيقاعاتٌ, دافئة وفاتحة, ودافئة وداكنة, وباردة وفاتحة, أو باردة وداكنة... بحيثُ تقتربُ الألوانُ الدّافئةُ من المُشاهدِ, وتبرزُ أكثرَ من الألوانِ الباردةِ, بينما تتراجعُ وتبتعدُ الألوانُ الباردةُ, اتتخافتَ أكثرَ من الألوانِ الدّافئةِ... فتتوالدُ التّناقضاتُ بين الألوانِ, الأزرقَ والأصفرَ, والأبيضَ والأسودَ, والأحمر والأخضر, والبنفسجي والبرتقالي...
تحملُ الألوانُ في مضامينها, ترميزاتٍ ومعانٍ ومفاهيمٍ, تتجاوبُ ورؤى التّفكّرِ عند الوجدانِ, فتكتنزُ بتفاسيرَ وشروحاتٍ, نلجأُ إليها ساعةَ فلسفةِ الضّروراتِ...
الأبيضُ والأسودُ , فعلٌ لتجميدِ الحركةِ بين الدّاخلِ والخارجِ, فالأبيضُ هو مقاومةٌ مليئةٌ بالإحتمالاتِ, التي ترمزُ إلى الولادةِ والتّجدّددِ, وهو تعبيرٌ عن إيقاعاتِ الصّمتِ, ورمزٌ للبهجةِ والفرحِ والنّقاءِ... فيما الأسودُ, لونٌ قاتمٌ مُظلمٌ, يرمزُ للموتِ والفناءِ, شبيهٌ ببقايا رمادِ الأشياءِ, في كنههِ تختفي كلُّ الإحتمالاتِ, وهو لونُ الحزنَ والصّمتِ... فإذا امتزج اللونُ الأبيضُ باللونِ الأسودِ, تشكّلَ اللونُ الرّماديُّ, ليخلقَ الجمودَ بلا الأملَ المرتجى...
اللونُ الأحمرُ يُشكّلُ حركةً ذاتيّةً كامنةً, فهو لونٌ غنيٌّ, طافحٌ بالحيويّةِ, يُسبّبُ اهتياجاً في النّفسِ, شبيهاً لما يُحدثهُ منظرُ النّارِ واللهبِ, وكلّما اقتربَ من لونِ الدّمِ, يدفعُ بالمتلقّي إلى النّفورِ...
أمّا اللونُ الأخضرَ, فيحتوي على قوىً مشلولةً واهيةً, يُمكنها أن تُصبحَ حيويّةً وفاعلةً, بفعلِ حركةِ إمتزاجِ الأصفرِ والأزرقِ, واللونُ الأخضرُ يحتوي على احتماليّاتِ حيّةٍ, تُنقصُ الرّماديِّ بشكلٍّ كلّيِّ, ويُعتبرُ الأخضرُ, اللونَ الأكثرَ راحةً وهدوءاً, وهو يرمزُ إلى فعلِ المللِ, ويُشيرُ للبرجوازيّةِ في المجتمعِ الإنسانيِّ, وهو لونٌ ذاتُ عناصرَ غير مُتحرّكة...
واللونُ الأصفرُ, هو لونٌ أرضيٌّ, إذا ما تمَّ تبريدهُ باللونِ الأزرقِ, يحتلُّ مساحةً لافتةً, وإذا ما تمّت مُقارنتهُ بحالاتِ النّفسِ, فهو يُمثّلُّ حالاتَ الجنونِ والهذيانِ الأعمى, واللونُ الأصفرُ يُطلقُ دائماً حرارةً روحيّةً...
أمّا اللونُ الأزرقُ, لونٌ باردٌ, يبتعدُ عن الإنسانِ, ويتّجهُ نحوَ مركزهِ, وكُلّما كانَ الأزرقُ عميقاً, كلّما جذبَ الإنسانَ نحو اللانهائيّاتِ, وأيقظَ فيهِ الحنينَ للصّفاءِ والإحساسِ المطلقِ اللانهائي... اللونُ الأزرقُ, وهو لونٌ سماويٌ, يمنحُ الإحساسَ بالطّمأنينةِ, وراحةً للبالِ من الإرهاقِ, ويُطوّرُ بشكلٍ عميقٍ عناصرَ الهدوءِ...
واللونُ البُنّيُّ, لونُ قاسٍ, فارغٌ من العاطفةِ, زاهدٌ في حركاتِ الفعلِ... فإذا ما تمَّ مزجهُ مع اللونِ الأحمرِ, يغدو لا أهمّيةَ لهُ...
وأمّا اللونُ البنفسجيُّ, هو لونٌ أحمرٌ تمّ تبريدهُ, فيكونُ بذلكَ أقربَ إلى الحزنِ والإعتلالِ, تلبسهُ العجائزُ ونساءُ الصّينِ للحدادِ...