مزبلة التاريخ
ها هي القذارات باتت تملأ كل أرجاء المدينة، ولكن لا أحد منا يستطيع أن يتخلص منها وذلك لأن رائحتها النتنة تشعثت في الأرض وبنت جذورا فاسدة لها، فأصبح المجتمع كله يخشى الاقتراب منها خوفا من أن يصاب بأذى أو من أن تدنسه أحشاؤها القذرة، فاضطر الجميع أن يصمت برهة من الزمن، وأن يسكت وفي أعماقه صمت صارخ يأبى إلا أن يتفجر، ولكنهم تحملوا ألألم وأكملوا مسيرتهم الحياتية...
ولكن ظل هناك رجل واحد يتألم بشدة، ويعارك الحياة ليتأقلم مع هذه القذارات لكنه لم يستطع أن يتحمل أكثر، فالرائحة النتنة باتت تزعجه ليلا ونهارا، صبحا وعشية، فبدأ يصرخ ويستغيث ولكن ما من مجيب، فقد تناثرت عباراته بين الهواء الذي حقن الجميع بالصبر الفاسد الذي لم يعد يتحمله هذا الرجل.
وفي ذلك اليوم قرر أن يثور، قرر أن يبني مزبلة على حافة الهاوية بعيدا عن المدينة لينقذ جميع الناس الذين ما زالوا يتألمون، وحقق الحلم...
فقد أنشأ مزبلة التاريخ العظيمة التي وللأسف كانت سببا في إنهاء حياته، معلنا بها راية خفاقة تصيح: هيا انطلقوا وألقوا بكل قذاراتكم هناك، ولتعيشوا أحرارا كما خلقكم الله عز وجل، فلا صمت بعد اليوم ولا هناء، إلا بعد التخلص من كل القذارات الفاسدة النتنة.
فاستجاب العالم كله له وبدأ بإلقاء قذاراته في هذه المزبلة التي لم تعد إلا خصيصا لهؤلاء الذين منعوا أصوات الأذان، وحظروا لبس الحجاب، وسلبوا أموال الفقراء، وقتلوا الأبرياء بغير حق، وحرموا الحريات، وبنوا قصورا محصنة شامخة لينعموا بها لوحدهم، ناسين عبر السابقين أمثالهم، فلا ظلم يدوم ولا طغاة، فالكل هالك لا محال.
ولكن هيهات هيهات بين من يترك الدنيا بخاتمة حسنة، وبين من تنتهي حياته بالذلة والمهانة كهؤلاء.
أيها الشعب، صاحت روحه بأعلى صوتها، سأفارقكم معلنا بجسدي ثورة لن تخمد حتى يخمد الظلم كله في أنحاء البلاد.
ولنعلنها حملة، شاملة، قوية، لننقي بها المدينة بأسرها من هذه القذارات ولنلقي بهم جميعا في أقذر مزبلة يشهدها العالم كله، لنلقي بهم في مزبلة التاريخ.
(إلى روح الأخ بوعزيزي وكل أرواح الأبرياء الذين سال دمهم ظلما وسيسيل.)