غواية العشق ووهم الوصال (7)الفصل الأول

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عبدالرؤوف النويهى
    أديب وكاتب
    • 12-10-2007
    • 2218

    غواية العشق ووهم الوصال (7)الفصل الأول

    7-أكرمان
    [align=justify]

    لو كنت أستطيع السب وأجيد اللعن ويمكننى هجاءك والامتهان بك, ولو تمنيت أن يصيبك ماهو أكثر من الأذى_ لكان ذلك هو أقل جزاء تستحقه لأن الألم البالغ يولد الشكوى المريرة._كيف أكون بشرا ولاأبكى على فقدان هبة من هبات الله لايستطيع أحد أن يمنحها سواه؟ نعم, لابد أن تغمرنى سكرات الحزن دائما: فقد طار منى عصفورى الشريف, فقدت زوجتى ذات المحامد و الفضائل. لى الحق كل الحق فى شكواى , لأنها كانت كريمة المنبت , أصيلة المحتد, شريفة عفيفة, قوية عفية, تفوق كل بنات جنسها فى البنية, عفة اللسان صادقة البيان, لم يمسسها إنس ولاجان , طيبة المعشر, حسنة المظهر..... ويستحسن أن أكف عن الكلام, خاصة وأننى أضعف من أن أستطيع حصر فضائلها وذكر محاسنها التى وهبها الله اياها, وأنت أيها الموت أدرى بها جميعا وأعلم._ اننى أشكوك بسبب فجيعتى , ولو كان فيك ذرة من صلاح , لتمزق قلبك اشفاقا عليها. لقد سقطت من نظرى وان أذكرك بخير أبدا. سوف أحتج عليك الى الأبد بكل ماأوتيته من قوة ومواهب, وعلى جميع المخلوقات أن تؤيدنى وتشد من أزرى فى احتجاجى عليك. فليناصبك الكل العداء, وليكرهك أهل الأرض والسماء بل وجهنم الحمراء![/align]



    **********
    فـلاح بوهيميـا و فـلاح طنطـا


    [align=justify]أليس غريباً أن يجمع الموت بين فلاح من قرية عاشت في خيال كاتبها و بين فلاح من طنطا سكنه الموت حقيقة مؤلمة و ذكرى جميلة لروح هادئة تقبلت الموت بشغف المؤمن و لم تتساءل الحكمة فيه أو الإجحاف ؟

    ها أنا حىٌ يجرني العمر بطيئاً في طيات الزمن أفتقد الروح الهادئة و أُقاوم لحظات الكآبة التى تعترينى بعد وفاة صديق أو زميل .
    أحاول ألا أبكى أو أدمع و أنأى بنفسى عن الناس صامتاً ملتحفاً بالزهد فى الحديث، أقاتل النفس ألا تنهار أو تنجرف فى جب الكآبة العميق تيمناً بمن رحلت راضية لتتربع في جنات الخلد مبتسمة .

    رحلت "قمـر" أختى ، فى ريعان صباها الذي تعب من وطأ السنين القادمة و قرر الإستراحة في السادس عشر من عمرها .

    حزني عليها كان عظيماً .

    كيف أتاها الموت محطماً و هادماً لأحلام أوراقها خضراء و زهورها لا تزال براعماً في تلك العينين الجميلتين ، تنتظر التفتح على حياة وردية ، في خطاها تتقافز الأحلام إلى مستقبل تتحقق فيه الأمنيات ؟

    كيف استطاع الموت أن يزرع في أوصالها بذرة المرض الذي نهش بها و عبث بأحلامها ؟

    أهو الجمال في وجهها سحره فأراد أن يوئده أم أنه الإيمان في صدرها تحداه فأراد أن يُثبت تفوق قوته و جبروته ؟

    أنا لم أكن أتساءل كفراً بمشيئة الله سبحانه و تعالى و إنما محاولاً أن أفهم الحكمة في المعاناة المريرة مع المرض (حمى روماتيزمية ) الذي إلتهم النضارة والجمال وأحال ضجة الحياة وصخبها إلى شبح يتهاوى إعياءا وهزالا ... و ذلك الشعر المتوهج بلون الحياة ، فقد ضجيج الضياء في خصلاته و تهاوى تعباً كما تهاوت القوة في القدمين الصغيريتن و أصبحت قمر جسداً نحيلاً يعتمد على مساعدة من حوله في التنقل في أرجاء البيت.

    كنت عائدا ليلا بعد منتصف الليل ، من سهرة مع أصدقائى ، وقبل أن أفتح الباب ، سمعتها وهى وحدها فى وسط البيت والجميع نيام ، تقول : يارب أنا تعبت قوى ، وبعدين مش قادرة أمشى ، طب أعمل إيه ???
    تراجعت عن فتح الباب وضربت الجرس الموجود فى الشارع ، ووجدتها تقوم بفتح الشقة وتسأل مين ???

    ضحكت وقلت لها : أنا يا قمورة (إسم الدلع )

    فردت: إقفل البوابة ، أنا سهرانه مستنياك عشان تتعشى أصلهم كلهم ناموا وسابونى .

    يا إلهي كيف أضغط على ذلك الوجع الذي يتخبط في صدري وأنا أعلم إنها أيام قليلة وسترحل ... الحمى الملعونة وصلت إلى القلب الحنون تهاجمه بضراوة البطش .

    في زيارتها الأخيرة للطبيب ، انفرد بي بعيداً عن مسمع أمي و أبي وقال لى :"أختك بتموت وسيبها تاكل إللى هى عايزاه" .

    خرجت من عيادة الطبيب مجاهداً وخافياً عصف الصراع الدائر في صدري و محاولاً إخفاء قسوة الحزن الذي صعق كل آمالي ووجدت نفسي – ضاحكاً - أعاكسها بأغنية فيروز (قمرة يا قمرة ما تطلعي عالشجرة ، والشجرة عالية وأنتى بعدك صغيرة ... يا قمرة ) .

    اصبحت تلك الأغنية مدار الجد و الهزار في تعاملي مع "قمـر".
    كنت أرددها مبتهجاً ومعاكساً إذا لم تستطع قراءة كتاب أحضرته لها.
    كنت أُشدد على أنها ستنهض من كبوتها و المستقبل الزاهر ينتظرها.

    قلت لها يوم كانت تلابيب المرض مرسومة ألماً في وجهها : "إنتى كويسة قوى وعايزين نشوف لكى عريس" .... و بمعرفة المؤمن نظرت إلي جادة و راضية بما تعرفه و تشعره و كأنها تؤنب محاولتي لإخفاء الحقيقة عنها قائلة ... "بـلاش تضحـك علـيَّ" ..

    لم يكتمل ذلك الأسبوع قبل رحيلها ... و انتقلت "قمـر" من قبضة المرض و الألم إلى رحمة الله تعالى و رأفته .

    ثلاثون عاماً مضت على رحيلها من بيتنا ... ثلاثون عاماً عشتها في عيني تتربع ضحكتها و في قلبي ينبض ذكراها و بقي وجهها الباسم وترحابها الحار "أملٌ" يستقبلني على باب الدار ... إذا غبت عن البيت أياماً .
    أحياناً ..أُنادى ابنتى بسمة (ياقمر) ثم أضحك من نفسى وأقول: يابسمة ........
    تتأملنى زوجتى بصمت ثم تقول بحنان:ما هي بسمة ... قمر ؟؟؟؟؟ .








    [/align]
يعمل...
X