ماعاد للموتى طعام

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • طلال سيف
    أديب وكاتب
    • 24-01-2011
    • 91

    ماعاد للموتى طعام

    ماعاد للموتى طعام


    أقسمت بالقبور و" بالزبور " وبمن شرب لبن الأتان فنادى البيارق فعبرت النهر دون التفات ، أن الخارطة أبدا لن تتغير . لم تحفظ من كتاب الله سوى الفاتحة ، وغالبا ما كانت تخطئ فى التشهد . إذا ما انتصف الليل ، قامت تعد نفحات الصباح . لم نعرف أنها صلت ركعتين فى جوف الليل طيلة حياتها ، كانت تتعلل بضيق الوقت – القائمة كبيرة - أم دبق أرملة وتربى أيتاما وأمينه خليلاية أصاب زوجها المرض والعيال كثرتهم موجعة، وابنة العبد الشيخ تطلب السترة ... وهكذا حتى أنك تمل سماع القائمة . دوما ما تردد مقولتها الشهيرة " الصلاة فى الناس خير من الصلاة فى المسجد "قبل أن تنتهى من قائمتها اليومية لا تنسى زيارة ضريح سيدى عز الدين ، صاحب البيارق النهرية . تضع أوعية الطعام ثم ترحل . فى المساء تعود كى تجمع أوعيتها الفارغة . تملأ السخرية وجهها . تقسم بالقبور وبالزبور وبمن شرب لبن الأتان ، أن سيدى عز التهم ما فى أوعيتها ، حتى أن نبيلة الداية بخيلة القرية حينما أصاب ابنتها المرض " البطال " قدمت عشرات الأوعية الى ضريح سيدى عز ، الذى قبل النفحة والتهم ما فيهن ، ولأن ابنتها لم تشفى ، ذهبت إلى الضريح . بصقت عليه ووصفته بالعاجز المسلوب . لم تسلم جدتى من لسانها ، اتهمتها بالنصب على عباد الله الصالحين – فالموتى لا يأكلون –

    بالطبع الموتى فى كل بقاع الأرض لا يأكلون ، أما فى منية سمنود فالأمر مختلف تماما ، فكل موتانا من أصحاب الأضرحة ، تدخل اليهم أوعية جدتى ممتلئة وتخرج فارغة كبطون الناس فى حارتى الغبش والوسعاية وأدمغة رجال الدين العائدين لتوهم من الأرض المقدسة ، محملين بعوائد النفط ورحلة الشتاء والصيف ، يلعنون أصحاب البيارق فى مشارق الأرض ومغاربها وكل من يدخل أوعية إلى ضريح سيدى عز الذى كان شاخرا ، ناخرا ، مصليا ، ساجدا ، راكعا ، شاطحا ، سابحا ، لاعنا ، شاخصا ، هائما ، ملعونا فى كل كتب الفقه الحديث التى ظهرت فجأة ، فى المسجد الذى أقيم فجأة ، قبالة الضريح الذى يرتاده مجاذيب ويعاوده مجاذيب ويسكنه مجاذيب وقمل وضفدع ، ويفرح به أصحاب البطون الخاوية من أهل الحارتين .

    سالكون ومجاذيب . تجار ورجال دين . فقراء وأثرياء . رجال ونساء وموتى ، بعضهم يموج فى بعض ، لكنها أبدا لم تختلط . توزع النفحات على العابرين والمقيمين والمعترين والمارين بضريح سيدى عز ، دون أن تلتفت أبدا للاعنين، حتى بعدما أصبحت مادة خصبة فى كتب الفقه التى ظهرت فجأة وعلى منبر المسجد الذى أقيم فجأة . لم تقطع النفحات ، ظلت تمارس عادتها السرية ... إذا ما انتصف الليل – الصلاة فى الناس خير من الصلاة فى المسجد –الصوت يزلزل جنبات القرية " ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها
    ليس لديها وقت للصلاة فى المسجد مع النسوة اللاتى قطعن أيديهن انبهارا بالبناء المتخم برائحة النفط .
    - مشركة جدا – هذا آخر ما توصل إليه بن الحرام كما وصفه سعد المجذوب ، لكن الناس فى حارتى الغبش والوسعاية وصفوه بابن اللئيمة ، كان يأكل معهم ، وفجأة موائده امتدت فى غرف محكمة الإغلاق لم يجاوزها أى من سكان الحارتين .
    ولأننا اعتدنا الفجأة ، ماتت جدتى فجأة ، فانقطع المدد ، النفحات ، صوت مجاذيب الحضرة ، وعلت كلمات الشيخ النفطى : مشركة كانت لا تركع فى جوف الليل . أسكته الصوت الصارخ من جوف الغبش ورحم الوسعاية : ما عاد للموتى طعام
يعمل...
X